eKtab
EN ع
شعبة الزيتون
Read free sample

شعبة الزيتون

by أبو العباس برحايل

Page 1

الفصل الأول

إيه يا علجية المسكينة!..
أنت بائسة، يائسة، لا أمل..
أنت مريضة بالقلب مرضاً مزمناً.. لا مجال للغيرة، لست كفؤة للصراع.. ميزان القوى مختل اختلالاً فاحشاً لغير صالحك.. كيف تسوّل لك نفسك أن تقتحمي المعركة الضروس مع زهية؟ صحيح، أنت تمثلين الشرعية، لكن، هل للشرعية من معنى إذا لم تكن ثمّة قوة تعضدها، وخيل تصهل، وركاب مهيَّأ، وقوس مشدودة، وناب مكشرة؟.. قوة تحمي ذمارها، وتصون حياضها، وتفرض هيبتها واحترامها..
ضاع منك زوجك علاوة، أو هو على وشك الضياع..
زهية هي الشباب، هي الجمال، هي الصحة الموفورة، هي السعادة والحبور، وهي المستقبل الواعد الباسم. أما أنت، فما أنت؟.. أنت شبح ثقيل، مجرد شبح يخلق بالمرء أن يتخلص منه. أنت لا شيء في خاتمة الأمر. كيف تسوّل لك نفسك المريضة أن تقولي لعلاوة، لا؟.. أن تنهريه.. حذار..!! حذار!.. إن فعلت كانت الساعة.. كانت اللحظة التي يتخلى فيها عنك صراحة وعنوة.
لاحظت ذلك من أول يوم تطأ فيه قدماك بيت هذه الأسرة. قال لك علاوة يومئذ:
ــــــ لا، دار عمتي زهور لا تضيق بنا.. شقة فاخرة واسعة في عمارة بهية، في حي راق بالقبة، أشبه بقصر أحاطت به حديقة مكتظة بالأشجار، ونباتات الزينة المخضرة المزهرة طوال السنة في ربيع ممتد.. أشجار الليمون والبرتقال محملة بثمارها الذهبية الياقوتية اليانعة..
هكذا قال مزهواً، وكذلك كان. لم تكوني تعرفين زهية ابنة عمته زهور معرفة صحيحة، فتاتها المدللة الوحيدة اللعوب، كانت صغيرة في نحو الثانية عشرة يوم أن بنى بك علاوة، ولم تكن تثير أحداً يومئذ، فضلاً عن أن تثير الشكوك، كما هو شأنها الآن، أو أن تسيل لعاب علاوة كما تسيله الآن وبغزارة مفرطة. لكن السنوات الخمس التي انسحبت عن ذلك اليوم الشهيد شكلت منها مخلوقاً آخر، وصقلت منها تمثالاً للفتنة والإغراء، كيف تتصدين أنت أيتها التعيسة المحرومة من كل شيء لهذا الأفعوان المارد، الذي خرج تواً من فروة الطفولة وغلالتها الناعمة الطلية المسرفة في الطلاوة والحلاوة، تلك هي البشائر الكامنة في رحم اليوم الأول من ربيع الحياة المشرق الزاهر.
أما أنت، فلست إلّا الخريف المتغضن الغصن، والجذع، والجذر قبل الأوان والإبان..
أنت الشمس المصفرة العابسة الآفلة في صباحها.. والبرعم الذي انكمش قبل أن يتفتح.. وطّني النفس إذن على ما رأيت، وعلى ما ترين، وعلى ما قد ترين، وأغمضي الجفن كما لو كان كليلاً، وكفكفي كل دمعة إن هي تحدرت، أو عبرة إن هي ترشحت.. لا تنسي أنك أفلست الإفلاس كله، حين عجزت على أن تربطي علاوة إليك بذلك الرباط المقدس الذي تَهَب له كل امرأة ارتبطت بزوج سائر اهتمامها.. تتبرج.. تتجند.. تهبّ في معركة صامتة ــــــ لكنها ضارية ــــــ كاشفة عن كل ما حبتها به الطبيعة من حيوية، وعنفوان، وفتنة، لبلوغ الهدف المقدس المنشود الخالد؛ أن تصنع طفلاً. أن تنجب وليداً جميلاً كالملاك، وتهديه إلى فراش الزوجية الحبيب، فيزدان الفراش الوثير به ويخصب، وتلتحم العلاقة الزوجية، وتكسب الزوجة قضيتها بالبرهان الدامغ، وتمتلك الزوج المبتهج امتلاك الودود الولود، وتقوده من أرنبة أنفه في يسر إلى حيث تشاء وتريد، وهو لا يعلم عن سر ذلك شيئاً.
أنت يا علجية المنكودة الحظ، المهدورة الحق في امتلاك هذا السلاح الفتاك، سرقت منك هذه الفرصة، وصودر من حوزتك هذا الامتياز الفريد. حاولت مرتين، لكن الأقدار الغاشمة قالت كلمتها الفاصلة إلى الأبد. ونجوت أنت من الموت المحقق ــــــ ويا ليتك مت وانتهى هذا العذاب الفظيع ــــــ عندما تم إجهاضك وانفصالك المأساوي عن جنينك الثاني، وأصدر الأطباء حكمهم المدمر الغاشم:
".. أي حمل لك مستقبلاً يكون فيه هلاكك المحتوم..".
Page 2
قلبك.. هذه العضلة الضعيفة الدامية لا تحتمل أن يكون في جوفك أي حمل أو جنين. بهذا ذبحت إلى الأبد، من الوريد إلى الوريد.. وما حياة أنثى إن حرمت الإنجاب في مجتمعنا المريض؟. امسحي من محجرك الأفاك هذه العبرة الكافرة. لا فائدة، ولا جدوى، كتب عليك قلبك الضامر أن تصيري امرأة عاقراً على الرغم من أنفك.. ياللسخرية!.. دعت عليك حماتك أم علاوة في لحظات غاضبات بالعقم، حين تخاصمتما الخصام الذي أفضى إلى انفصال علاوة عن أهله وخروجه بك مؤسساً بيتاً مستقلاً عن العائلة الكبيرة. أولا يقبل الرب غير الدعوات الشريرة؟.. استغفري ربك وكبّري وحوقلي وتشبثي برحمة الله، ولا تجدفي.. وأياً كان الأمر، لقد ضاع منك السحر الفعال الذي بوسعه أن يضع القيد الحريري المحكم على رقبة الزوج ويعيده إلى فراش الزوجية مساء كل يوم، محملاً بالطمأنينة والحب والحبور.
هيا أيتها الدمعة غوري، حتى لا تتعرضي ياعلجية المبعوجة للمزيد من عبارات الشفقة الرخيصة التي هي إلى التشفي أقرب، وذلك ما يزيد نهر الأسى غوراً وعمقاً، ونار الضنى لهباً واحتراقاً.
ها أنت ذي تجلسين إلى جوار العمة زهور على الأريكة الوثيرة الكبيرة، تحملقان في شاشة التلفزة من غير اهتمام، لا يقطع صمتكما غير تثاؤبات العجوز المطاطية، وصخب هذا الجهاز الذي يشكو من سوء تسويق الطماطم المبكرة بإدرار، في نشرة الأخبار الجهوية المرسلة من وهران. لم تستطيعي أن تفضي لأمك في الشعبة بتوجساتك وتخوفاتك من تطور العلاقة المريبة التي تلاحظينها بين علاوة وزهية، ابنة عمته هذه. إنها علاقة تتسارع تطوراتها وتكاد تكون علنية ومتحدية، ما الفائدة في أن تضيفي هماً جديداً لهموم أمك ولقلقها الدائم على صحتك وعلى سفرك المقرر للعلاج في الخارج إذا تم؟.. وهل تستطيع بعض الطحلبيات النابتة على الأغصان المقطوعة المتيبسة أن توقف السيل الآتي في عتو وجبروت؟؟. هذه الساعة الجدارية تدق، تعلن السادسة مساءً، تدق بعنف كجلجلة نواقيس كنائس النصارى المتجاوبة وهي تعلن الحداد على سقوط مدينة ما في القرون الوسطى، كما شاهدت ذلك في فيلم ظهيرة الإثنين. حان موعد المسلسل اليومي، اليوم خميس، قدموه إلى السادسة بدل السابعة. موعد الحصة الرياضية. ما الذي يعجبهم في ركل الكرات؟.. الحلقة الأخيرة.. هل يأتي المفتش العام؟.. الحلقة الثالثة عشرة، يقال هذا رقم الحظ أو النحس لا تدرين. هو وغيره بالنسبة إليك سيان، والنحس يطاردك في كل مكان، فلا مجال لديك لالتماس الفأل الحسن، فالأبواب موصدة بأقفال من حديد، العجوز ما تفتأ تتمطط متثاوبة، وتبرعت عليك أخيراً بكليمة مبطنة بالرياء:
ــــــ اليوم ترين ــــــ يا ابنتي علجية ــــــ ما يفعل فيهم المفتش الحقيقي.
ــــــ لن يفعل شيئاً يا خالتي زهور. وإذا فعل شيئاً، ففي المسرحية والخيال. أما في الواقع فالظالمون هم المنتصرون على الدوام لأنهم أقوياء، وفي النادر من الأحيان قد ينتصر أولو الحق.. قلت ذلك يا علجية للمبادرة في الحديث، وإلا فإن عملية التكلم في ذاتها، تؤلمك وتكاد تقطع أنفاسك.. وردّت العجوز قبل أن تخلد إلى صمتها من جديد:
ــــــ إذا عز العقاب في الدنيا، فأين المفر من يوم الحساب؟. واكتفيت أنت بالموافقة والتسليم بإسبال الجفنين..
العجوز تتفرج وتشتغل بالإبرة في آن واحد، أم تكتفي بالسماع؟. ولم تنبس بعدها بكلمة، لكن ماذا عساها تقول وقد عرفت طبعك الميال إلى الصمت والسكينة؟.. لا، لا. ليس ذلك طبعك، لكن قلبك يحرم عليك التنفس الطبيعي فكيف بالكلام والدردشة؟ إن مجرد التكلم يتطلب منك جهداً.
انتهت المقدمة الناحبة الطويلة، وبدأ المسلسل، ستأتي الآن زهية من المطبخ، هي معجبة بالممثلة التي تحمل اسمها وتمثل دور السكرتيرة. لا يزال صدى أغنية المقدمة يرن في أذنيك مع وجوه الممثلين التي تتكرر في كل مسلسل جديد. الأرائك الفخمة الوثيرة.. الزرابي المبثوثة.. اللوحات الفنية المعلقة.. الأثاث ذاته دائماً والديكور نفسه دوماً.. السكرتيرة زهية في الشاشة تفتح ذراعيها للشخصيات والمسؤولين وهم يتوافدون على مكتب رئيس الدائرة في المسلسل.. زهية في المسلسل تنحني على الهاتف. زهية في البيت تقفز إلى الباب.. رنين جرس الباب لايزال يرن بصخب وفي نفس واحد ومتتابع.. هو علاّوة؛ تعرفينه من الرنين المجلجل المتطاول، يتصرف كما لو كان في بيته بل وأكثر رعونة، مبادراً برفع الكلفة.. الغريب أن زوج العمة العجوز يتعمد ألا يعود إلى البيت إلا مع الثامنة، موعد الأخبار المصورة في التلفزة، مع أنه متقاعد.. ضايقتماه ولا ريب، لكن علاوة لا يكل عن تقبيل وجنتي عمته المترهلتين كلما دخل أو همّ بالخروج وهي بدورها لا تتعب ولا تمل وهي تتمسح بأصابعها المعروقة على مفرق رأسه، وتربّت بكفها المتجعّدة على كتفه، كأنها تمسح عنه غباراً وهمياً، وتقول:
Page 3
"علاوة، يا ابني المسكين.." في تنهيدة عميقة حزينة، لا يدرى إن كانت صادقة أم مصطنعة، وتخفي وراءها ما تخفي من خطط وأحبولات.. أتكون هي أيضاً مشتركة في المؤامرة عليك أم أنت تظلمينها؟. لا، ليس وهماً، لا شيء أحب إلى امرأة من أن تزوج ابنتها البكر من ابن أخيها، ما دامت في وفاق مع زوجته.. هي الآن تعرف حالتك البائسة تمام المعرفة، أنت لاتستطيعين الإنجاب.. هذا هو قدرك المسطور. ثم إنك الآن مقبلة على العملية الجراحية المعقدة، التي يتحدثون عنها وينتظرونها بفرح وبفارغ الصبر، عملية يريدون بها أن ينحروك ويتخلصوا منك في أقرب وقت وحتى إذا نجحت العملية، وذلك أمر تستبعدينه، ما الجدوى في أن يضع رجل في بيته حطام امرأة عاقر، وهو لايزال في شرخ الشباب ويخطر في سرباله؟.. لا بد أن تراود العجوز أفكار وأفكار مثلما تراودك أنت..
ــــــ أنظري.. افتحي الباب يازهية يا ابنتي.. همهمت العجوز بصوتها الرخو، وكأن بها بحة مزمنة.. أحقاً أنها لم تنتبه إلى أن زهية كانت قد قفزت إلى الباب قفزاً قبل أن تأمرها هي بلهجتها المتعلكة؟.. لكنها ظلت واقفة متصالبة مع الباب وكأنها تنتشي بضغطات علاوة للجرس، وهي في الحقيقة تعاكسه وتعابثه، وكان هو يعلم بوجودها خلف الباب ولذلك بالذات، لم يرد أن يرفع يده عن قفل الجرس، حتى تبادر هي إلى فتح الباب فتكون الغلبة له في المعاندة والمشاكسة، وقد كسب الجولة فعلاً..
وصاح علاوة، وهو يقتحم قاعة الجلوس اقتحاماً في فرح ساخر، ضاغطاً على مقاطع ألفاظه وكأنه يريد أن يقول شيئاً آخر غير ما تعني الألفاظ: ــــــ هل جاء مسلسل النساء لذلك لا أحد يسمع الجرس؟.. وراح كالمعتاد يطبع قبلاته الباردة على وجنتي عمته التي يتهلل وجهها لهذه القبلات التي لا بد أن تقرأ من خلالها رسالة ما. وردّت عليه زهية بالأسلوب الملغز ذاته:
- لا. هذا مسلسل الرجال، دور النساء فيه محدود للغاية، أتدري يا علاوة، يا ابن خالي أن اسمي البطلين في المسلسل "علاوة وزهية" مثل اسمينا، أنا وأنت تماماً: زهية وعلاوة..
كانت تلفق، فاسم البطل في المسلسل علاء، طار علاوة فرحاً بهذه المصادفة التي لا شك أنها فأل مفعم بالآمال والأحلام. وصاح كالطفل:
ــــــ أحقاً؟.. أذلك صحيح؟.. ثم استدرك وهو يداري ارتباكه، حين غمزته زهية بطرف عينها باستخفاء منبهة لوجودك أنت يا علجية.. وقد شقيت شقاء مبرماً.. علاوة وزهية. الأمر جلي لا يحتاج إلى أي تورية أو مزيد من التلغيز، وقال يعاكس زهية:
- دعينا من هذا الآن، لكن اشرحي لي، ما قصة هذا المسلسل أيتها الحاقدة علينا؟ أعني الحاقدة على الرجال.
طبعاً ليس هناك حقد يا علجية، ذلك غزل مكشوف تعرفه كل نفس معذبة مثلك، وأن يتغزل رجل بامرأة أخرى، وبمحضر زوجته، فأمر فظيع قد لا يطيقه الصخر ذاته لو قُدر له أن ينطق ويشكو، وقالت زهية وقد أتاح لها فرصة التواصل اللفظي معه، وهي تجد في ذلك لذة وانتشاءً:
ــــــ موظف صغير ينزل مدينة صغيرة، فيتوهم المسؤولون المحليون بأنه المفتش العام للحكومة، والذي شاع بأنه سيفد على المدينة الصغيرة للتفتيش في حالة متنكرة، فتــــــُغدق على الموظف البسيط المجهول أموال وهدايا، ويحاط بكل تبجيل، وتقدم لزوجته المزعومة عشرات الهدايا الثمينة. ويقوم بمساعي الضيافة تلك "زهية " كاتبة رئيس الدائرة وعلاء، بل علاوة الأمين العام للبلدية، وفي هذه الحلقة الأخيرة ستنكشف الحقيقة، وربما يأتي المفتش العام، هل أزيدك شرحاً يا ابن خالي أدهم؟
ــــــ آه.. هي مسرحية المفتش لغوغول، قال علاوة مغتبطاً. ثم أضاف: مؤلف روسي يعيش أغلب فصول السنة في الدرجة العشرين تحت الصفر. وقالت، لا لجهلها، فالأمر معروف ومعلن عنه في المقدمة الموسيقية بالبنط العريض، لكن مجاراة لعلاوة في الحديث، لأنها حقاً تجد في ذلك لذة قاهرة، ولهذا خرجت عن عادتها عندما يحين موعد المسلسل اليومي، حيث تتخذ مكانها الملائم أمام الشاشة لتتفرج بإمعان في أدق تفاصيل الصور والمشاهد بكل جوارحها، وتنصت لكل كلمة وهمسة يأتيها الممثلون، وتطلق صيحات التأثر وتتنهد بملء الصدر والفم إذا لزم التنهد، وتمسح الدموع من عينيها وقد انغمست تماماً في المواقف الدرامية لأنها غالباً ما تتقمص الشخصيات والأحداث والمواقف من دون إرادتها. فما الذي غيّر سيرتها هذه العشية، وتنازلت عن متابعة فقرات مؤثرة، فلم تأبه ولم تنتبه لها. إنه وجود علاوة قبالتها، إنها تحيا لحظات مفعمة بالسعادة، لحظات قصة فعلية، فما حاجتها لقصة خيالية؟
Page 4
قالت إذن وهي تصيح في سذاجة مصطنعة.
ــــــ لا، كل الأسماء فيه عربية، لا يوجد اسم روسي واحد. وتصدى علاوة يشرح، ولسان حاله أن يبرهن لزهية أن مستواه الثقافي ليس صفراً.
ــــــ لا، هذا مجرد اقتباس، انظري يا زهية، يا ابنة العمة، دور المرأة في أصل المسرحية محدود للغاية، لكن إخواننا مططوا فيه، وأدخلوا عليه الرقص وضرب الدفوف وليّ البطون.. أنظري إلى كاتبة رئيس الدائرة كيف جعلوها شبه عارية، أنظري إلى مواقف الغنج التي تصطنعها للإيقاع بهذا الموظف الصغير أو الشاعر، لا أحد يدري.. هذه الشقشقة كلها دخيلة على المسرحية الأصلية، وأجبر غوغول على وصف ما لا يعرف عن حياة النساء المتعالمات. يقال إن غوغول مات أعزب، ولم يعرف امرأة في حياته.
وكان علاوة يشدد على كل لفظة ذات دلالة خاصة بلهجة وقحة خارقة للمألوف مثل " البطون" "شبه عارية.. الغنج.. أعزب".
ولم تتحملي المزيد يا علجية، فتلفتِّ إليه بصعوبة، وزفرت بصوت مبحوح كأنه ينطلق من كهف عميق فلا يكاد يسمع، لكنه كان حاسماً بفضل تلك النظرة المنكسرة التي يعرفها عنك علاوة دون سواه.
ــــــ علاوة!.. يكفي دروساً، دعنا نسمع..
والواقع أنك تقولين له إني أفهم كل شيء من ألغازك التي لم تعد ألغازاً، ألا تخجل قليلاً من نفسك؟.. في المظهر، كان علاوة يهابك بفضل فارق السن إلى هذه الساعة، فأنت تفوقينه بأكثر من سنتين، هذه نقطة ضعف أخرى لديك - لا يحتمل الرجال النساء الأكبر سناً منهم إلا من كان في مرتبة نبي.. نعم كانت تصرفاته في الخفاء تنضح بالخيانة لكنه في هذه الأمسية خرج عن طوره وها هو يجترئ أمامك ويلغز في حديثه بصورة استفزازية، بل ويغازل زهية عِياناً.. أنظري كيف اتخذ مجلساً متوارياً عنك حتى يضمن غفلتك عن الحركات المريبة والإشارات الفاسقة التي يأتي بها مع هذه الحية الرقطاء من وراء ظهرك في الحقيقة والواقع لا في التورية والمجاز.. الغريب أن هذه العجوز زهور المرتخية الأوداج، قد صامت عن الكلام، وهي تتجاهل الموقف كله، وتتظاهر بأنها لا تفهم شيئاً مما جرى أمامها.
كلا أيتها العجوز المرائية.. آثار المساحيق على تجاعيد وجهك الذي كان جميلاً يوماً، وآثار أصباغ محجريك الذاويين اللذين كانت تسطع منهما نظرات كالمغناطيس في الزمن الذي تولى، إن تلك الآثار كلها تنطق بأنك كنت ذات يوم من الفاتنات العابثات بقلوب الرجال، مثلما تفعل ابنتك الآن مع علاوة.. كلا، لا تتجاهلي الموقف، أنت في صمتك إنما تباركين هذا المسلك المريب، بل المكشوف، لا، أنت تخططين لقرانها بأعصاب يهودية باردة.. فليحبل علاوة ابنتك زهية أولاً، ثم تتم تسوية الأمور في يسر مع أخيك أدهم في الشعبة بلف الفضيحة إقرار الأمر الواقع.. أليست هذه هي الموضة في كل زيجة من هذا النوع؟.. إضفاء الشرعية على الزنا تحت ستار إنقاذ طفل بريء وستر الفضيحة وإنقاذ الشرف.. الحبل أولاً، والزفاف البسيط ثانياً، وتطوى القضية، وعلى الزوجة الشرعية الأولى أن تذعن أو تسرح سراحاً جميلاً أو غير جميل.
قال رئيس الدائرة في غضب ومقت، يخاطب الكاتب العام للبلدية:
ــــــ اخرس يا قذر كيف تجرؤ أن تنكر مع هذه المعتوهة (وهو يشير إلى كاتبته الشخصية التي كانت واقفة حذاءه منحنية تستمع للأوامر بمذلة وخنوع)، أنتما سبب كل ما حدث في المدينة كلها.. أنتما مصدر الإشاعة الكاذبة. أنت مفصول من اليوم، يا بليد الحس، يا عديم الفطنة والحصافة.. وأنت؟...... أنت سأرى كيف أعاقبك العقاب الذي يلائم المومسات أمثالك. غوري عن وجهي حالاً ولا تظهري قفاك مرة أخرى.
وصاح مدير الخزينة ساخراً بمرارة:
Page 5
ــــــ سيدي الرئيس... أنا خير من يحسن عقاب المومسات، اقترحني أنا لمعاقبتها يا سيدي الفاضل... وانفجر المكتب كله بالضحك المجلجل، والصخب العارم. وقال محافظ أمن الدائرة محتجاً، وهو يداري قهقهة مدوِّية:
ــــــ أعرف اختصاصك أيها الخزناجي المبتدئ. مهمة الاعتقال موكولة لي وحدي، وبعد الاعتقال ربما يأتي الحديث عن العقاب... وعلا الصخب واللغط أكثر فأكثر، فقال رئيس الدائرة وقد فقد ما بقي له من وقار:
ــــــ رجاءً شيئاً من الهدوء... رجاء لنفكر معاً في المصيبة التي حلّت بنا... لعنة الله على المفتش العام، أفسد علينا ما كنا عليه من نعمة الانسجام..".
ما كاد السكون يستتب حتى وثب مدير القطاع الصحي على علاء الأمين العام للبلدية، وأخذ يشد خناقه ويزعق:
ــــــ يا خائن. يا ابن الحركة أباً وأماً.. أتستطيع أن تقسم اليمين بأن هذا الرجل الحقير النازل في الفندق هو المفتش حقاً؟.. أقسم بشرفك إن بقي لك فضل من الشرف بأن تلك المرأة التي معه هي زوجته، وأنها قالت لك بأنها زوجة المفتش، أحلف قبل أن أفض فاك بهذه القبضة. وقال الأمين العام بلهجة لا تخلو من تهكم على الرغم من الوضع المزري الذي هو فيه:
ــــــ أقسم غير حانث، إنها استسلمت لي، وقضيت منها وطري، ولم أندم على الهدايا التي قدمتها لها من جانبي، لقد كانت امرأة من الطراز الرفيع حقاً، ولم يخطر ببالي أن مثل هذه السيدة البالغة الأناقة والأرستقراطية ليست حرم المفتش.
وتقدم وكيل الجمهورية من جهة، وبصق في وجه الكاتب العام، وزمجر مهدداً:
ــــــ أتسخر من أسيادك يا وقح، يا قليل التربية، أتتفاخر علينا بغزواتك الفجة؟.. كأننا سلّمنا لك أموالنا لتزني بها لا لتخدم قضيتنا، وهي أن تغمر الزوجة بالهدايا لتخفيف غلواء الزوج المفتش بتحرياته التفتيشية.. يا لك من لعين، يجب أن أزج بك في السجن. صرفنا الملايين لتضاجع بها امرأة نكرة؟.. أعد علينا ما قالته لك في الفراش كلمة.. كلمة..
ودون أن ينتظر الإجابة تحول الى الكاتبة وقد دلفت بحافظة التوقيعات فنهرها وتوجه إليها بنظرات نارية قاسية ليزمجر في وجهها وينفث أحقاده وكأنما أصبح هو الآمر الناهي في القاعة؛ ولا بد أنه استمد هذه الغطرسة من وظيفته القضائية التي كثيراً ما تحوِّل الأقزام إلى أنصاف آلهة، فيتصرفون كأنهم آلهة متناسين آدميتهم، منسلخين من صغارهم الذين لم يخرجوا منه إلا منذ حين قليل.
ــــــ أنت أيتها العجفاء... لماذا ادعيت أن هذا الرجل اعترف لك بهُويته، عندما وقع في أحبولتك المزعومة التي نصبتها له؟... هيا تحدثي... لماذا تتصنعين الفضيلة الآن وقد فعلت مع الغريب كل شيء فيما يبدو... هيا أجيبيني...
تقلصت شفتا الآنسة زهية، وقالت في ارتباك، ضارعة متسولة:
ــــــ أنا مظلومة.. يا سادة.. علاء لقنني ما رويته لكم تلقيناً لتدفعوا أكثر... أنا من قبل ومن بعد، لم أنل من مالكم إلا ما كان من حقوق الإقامة في الفندق... حقاً قد حاولت استدراج الرجل دون أن أفقد عفتي ولا فضيلتي بطبيعة الحال... وأنتم بأنفسكم وافقتم على شرطي، بأن أمثل أمامه دور المغرمة، دون أن أقع في المحظور. وفعلاً، بادلني الغزل وقال فيّ قصيدة غزلة، وتوقفت العلاقة عند هذا الحد، وأرى أني قمت بدوري كاملاً وفق الشرط. وقال الكاتب العام في خيبة:
ــــــ يا لكنّ أنتنّ النساء من بقرات إبليس!.. يا سادة، إذا حدثتكم النساء عن الفضيلة والعفة فاعلموا أن رئيس الأبالسة هو الذي يحدثكم.... أنت بنفسك يا زهية شرحت قصيدته على غير حقيقتها، والتي ما برحت ترددينها في خيلاء حتى حفظها الجميع:
Page 6
".. أيتها الغادة الفاتنة الأسطورية الجمال
أيتها القلعة الممتنعة الحصينة على أعتى الرجال
لو تعلمين من يكون هذا الشبيه بالحمل الوديع
تجدين له مخلباً كالنصل لهزبر مريع
تجدين له قلباً في صلابة دب صحراء الصقيع
أيتها الغادة الفاتنة الغريرة
لا تنخدعي بالمظاهر الحقيرة
هل يرى الصياد صخب الحياة تحت الأمواج الكسيرة
لولا صنارته البارعة المحكمة ما رأى سمكة خطيرة.. ".
بل أنتم جميعاً أيها السادة، وافقتم على التأويل تماماً وقلتم ما يكون "الهزبر" إلا المفتش العام، وما يكون الصياد إلا هو....
ولم يتمالك وكيل الجمهورية نفسه، فجمع قبضة يمناه ولكم بها أنف علاء؛ الكاتب العام الذي تلقى اللكمة بروح من القبول والاستسلام والمذلة بصورة غير مسبوقة. وقبل أن تفيق القاعة كلها من اللكمة المُذلة وقبولها غير المنتظر من علاء، صاح الوكيل مزمجراً كالعادة، وكأنما هو في المحكمة يوجه الاتهام بالصرامة اللازمة حتى يقبض مقابل تلك الصرامة رشوة وثمناً يخفف بهما غلواءه في جلسة موالية:
- كل منكما الآن يتملص من المسؤولية ويرمي بالكرة خارج الملعب، بعد أن كان كل منكما منفوشاً كالطاووس، ويدعي بأنه هو أول من اكتشف وتحقق من أن الرجل الغريب في الفندق هو المفتش العام بالتأكيد.. قبل أن يضيف في تهكم فاحش وقد ابتلع ريقه الذي غص به مغتاظاً:
ــــــ أنت يا علاء، يا خنزير الحقول الأفّاك الفتاك بحاسة الشم القوية عند كلبك الأعور المتملق، وهو يتشمم أعطاف زوجة الغريب ويلحسها بنهم غير مشهود حتى لدى من أصابته جائحة القرم وفتكت به غائلة المجاعة السوداء.. وأنت يا.. يا أيتها الأرنبة البرية المتحفزة للنط فوق الأعشاب المخضرة بأحمر شفاهك الغليظة الفاسقة، وبقلعتك الحصينة التي كانت محل تمجيد شعري سمج وبما لست أدري من حركات الإغواء وعبارات الإغراء المموهة.. ألا لعنة الله عليكما معاً.. بذرتما أموالنا سدًى وبلا طائل.. يا حسرتا!.. لقد كنت ضحيتكما الأكبر، كانت حصتي أكبر بدعوى أني المرتشي الأكبر في البلدة...".
وحانت منك التفاتة عجلى مفاجئة يا علجية، فإذا زوجك الخليع يمطط شفتيه كالحصان ويمددهما في الهواء، ولم يبقَ له إلا أن يصهل، كان يرسم قبلة عطشى، ويرسلها في اتجاه زهية التي كانت تحملق فيه بعينين نهمتين نزقتين، والتي نسيت متابعة أحداث المسلسل، وراحت تعيش أحداثاً واقعية على الأرض وعلى المباشر، وبمحضر الزوجة المخدوعة ومرأى منها.. ازداد نبض قلبك، وتسارع.. وأحسست أن عرقاً فيه تقطع، أو قطع تقطيعاً ولم تستطيعي أن تقولي شيئاً، وجفت على الشاشة عيناك المختنقتان بالدموع، وكأنك ما رأيت منكراً، ولا أمراً فظيعاً فاضحاً، أهو الألم منعك من الانتفاضة؟.. أهو الاستسلام؟.. أهو الهدوء الذي يسبق العاصفة الهوجاء عادة؟..
"واجترأ الوكيل على رئيس الدائرة ذاته وسأله:
ــــــ ترى كيف تسنى لك أن تعرف المرتشي الأول في البلدة، مع أن كل المشاريع لا تمر إلا على يدك؟ وقال الرئيس بصراحة الوكيل نفسها: ــــــ كلا، الأمر لا يتعلق بالمشاريع العامة الهزيلة، الأمر يتعلق بعدد القضايا التي تقدم إليك.. أنا أعلم أن قاعة المحكمة تمتلئ بالمتقاضين المتخاصمين عن آخرها أسبوعياً.
Page 7
وتشجع الخزناجي بدوره، وسأل رئيس الدائرة في سخرية:
ــــــ سيدي الرئيس... ترى..... أين صهرك الوزير الذي كنت دوماً تفاخر به وتدعي أنه سيرقيك والياً في أول حركة، وقد تمت الحركة منذ أيام، وها نحن نراك معنا في القفص ذاته؟.. ثم تدعي أن لحستك أقل من لحسات وكيل الجمهورية. مع أنك نهبت العقار ووزعت السكنات الاجتماعية التي كانت من حصتك بالرشوة، وما تمّت مناقصة مشروع من المشروعات إلا وأخذت نصيباً موفوراً قبل أن ترسو الصفقة على أي مقاول كان... ولقد صرت أنت ذاتك مقاولاً من الباطن، لكن دون أن تضطر لدفع الضرائب على مداخيلك الأسطورية.
واكتسحت القاعة موجة جارفة من اللغط والاضطراب، فيما رن جرس الهاتف الداخلي وامتدت يد الرئيس إلى السماعة، كان صوت الحاجب يجلجل مرعوبا: ".. سيارة رسمية تخترق الباب إلى ساحة الدائرة، وسائق السيارة يعلن بجفاء:
".. السيد المفتش العام.. ".
ترك رئيس الدائرة سماعة الهاتف تسقط من يده من هول المباغتة وهو يحشرج في ذهول عميق مردداً العبارة بلا وعي مضاعف، وهو يرنو إلى الجمع الذي انقطع صخبه فجأة، وبدا كأن الجميع وقع على رأسهم الطير:
- السيد المفتش العام وصل....
وردد الجميع كالجوقة بصوت واحد ونفَس واحد.
ــــــ المفتش العام؟... يا لَلكارثة!..
وتسمرت الشاشة على صورة المفتش وهو يقتحم السلّم بمحفظته السميكة السمينة، وقد انطلقت أغنية نهاية المسلسل وهي تتوعد المفسدين في الأرض، وكأنه نفخ إسرافيل في الصور يقول للأرض: زلزلي زلزالك، وأخرجي أثقالك.
تحاملت أنت يا علجية متوكئة على كل ما تقع عليه يدك.. أردت أن تتوجهي إلى غرفتك التي خصّوك بها حيث كيس الدواء، وقد حان موعد تناول الأقراص والجرعات المريرة.
وتساءلت العجوز زهور بغنّتها العلكية المعهودة دون أن تتحرك من مكانها، وكأنها غدت جزءاً من ديكوره:
ــــــ إلى أين يا علجية؟...
هي تعلم فلمَ تسأل؟... "واكتفيت أنت بأن همست في أنة موجعة كالذبحة، ضاعفها ما رأيت من سلوك زوجك المعربد المشين مع هذه الصبية الوقحة":
ــــــ الدواء.....
فيما ركضت زهية إلى المطبخ. وتناسى علاوة أنك ضبطته يمدد شفتيه إلى زهية كالحصان، أو أراد أن ينسيك الموقف المخزي، فراح يتمسح إليك، ماداً يد المساعدة ليقودك إلى الغرفة.. ساعدك في الجلوس على حافة السرير، وطفق يعرض الأدوية من الكيس. وإذ شعرت بدوار ثقيل استلقيت على السرير طيّعة.. مغمضة العينين.. ويدك على قلبك يجس نبضاته وخفقاته المضطربة. واستبد شعور لا يقهر، بأن هذا القلب يريد أن يتوقف كلياً عن الخفقان، وسعى علاوة إلى المطبخ ليأتي بكوب الماء لتتجرعي به الأقراص اللعينة... وترامت إلى سمعك من المطبخ صيحات مهموسة وهمهمات مكتومة، مختلطة برشيش الماء المنبعث من الحنفية في الكوب الذي لا بد أن يكون قد أهمل، وترك الماء يفيض... تلا ذلك حشرجات أنفاس وحركات أجسام يرتطم بعضها ببعض... ولم تطيقي صبراً... يموت المرء مرة واحدة خيراً من أن يموت ألف مرة ومرة..
تحاملت يا تعيسة من جديد، ونهضت بكل قواك، وتغشاك دوار أظلمت له عيناك، ركنت إلى الأرض، فانزاحت الغشاوة قليلاً، فزحفت نحو المطبخ زحفاً كما يحبو الولْدان في عامهم الأول.. ويا لهول ما رأت عيناك الزائغتان!.. يا للَكارثة!... زهية منبطحة على طاولة المطبخ التي تعلوها قشور الخضار من كل نوع... فخذاها الحمراوان العاريان منفرجان وقد التفّت ساقاها بإليتي علاوة، الذي علاها جاثماً على صدرها الكاعب يحتضنها بهمجية، وقد أطبق فمه على فمها بشراهة. حاولت أن تصرخي، لكن الصرخة اختفت في حلْقك وقد غص بها الحلق.. مادت بك الأرض... ترنح كل شيء أمامك وتهاوى.. الذبحة تقطع كل عِرق في حلقك.. يأبى الحلْق ابتلاعها، يجف حلْقك، وتجف الصرخة فيه كالمنشار... غمغمات مبهمة... نحيب يعلو فيما يبدو.. المفتش وصل... المفتش يقطع العروق الدامية. حلْقك المختنق يتيبّس ويتجفف... لا ماء.. لاهواء.. ذهب الألم المبرّح مع ذلك. هذه يد تدعك فوق قلبك بقوة، فوق نهدك الضامر قبل الأوان، ماذا؟.. بعض بلل في حلْقك.. يعود الألم.. لا، لا جدوى، بل الرفيق الأعلى.... علجية، أنت الآن تموتين غريبة.. بعيدة عن أمك في الشعبة؛ أمك هي الإنسان الوحيد على الأرض الذي يحبك بلا حساب للربح والخسارة.. يا ليتك صارحتها بهواجسك... لا بد أنها لم تفهم دموعك الغزار، وأنت تودعينها هناك في الشعبة.. أماه.. يا أماه!.. هرج ومرج حولك.. ما الفائدة؟.. أيدٍ تمتد إليك وتحملك في حذر.. هي أيد تغتالك وتمشي في جنازتك. لا تستطيعين حتى مجرد الصراخ في وجوههم الصفيقة.. أبداً لن تغفري لهم خطيئاتهم.. المستشفى؟.. ما الجدوى من حياة هي والعدم سواء... صوت بوق سيارة الإسعاف كالنعي، بل هو النعي نفسه.. أماه.. آه.... تشهّدي يا علجية إن استطعت... رددي: أشهد أن لا إله إلا الله... المفتش.. أشهد... أشهد... إن المفتش العام يصل... علاوة يعلو زهية كالحصان ينزو على فرس... هو الموت الزؤام.. أشهد أن لا إله إلا الله... الله... الله.. الله..
وتسود عتمة الظلام عينيك الشاخصتين إلى السماء كالعدم.... وتصعد روحك إلى بارئها في سلام وطمأنينة وقد تخلصت من كل الآلام.
***