eKtab
EN ع
شبـاطيـات
Read free sample

شبـاطيـات

by هشام خاطر

Page 1
شباطيات
 
عندما خضت في نصوص هشام خاطر، لم أكن أتوقع أني سأخوض في مخاضة كبيرة واسعة الامتداد من مساحات الألم، فنصوص هشام وهي تحمل اسم (شباطيات)، تعيدنا لجو شهر شباط بما يحمله من تخبط وعنفوان، ويذكرني بالمثل الشعبي الذي كان أجدادنا يقولونه أمام تقلب شهر شباط وعنفوانه: (شهر شباط ما عليه رباط)، فلم يكن لأحد أن يتوقع موعد الشمس من لحظات الغضب ولحظات الرياح والمطر، وهكذا كانت نصوص (شباطيات)، تحمل في دواخلها وبين طياتها مجموعة من أشهر شباط وليس شهراً واحداً، تدفع القارئ لها لوضع العديد من التساؤلات، ولعل أهم سؤال هو: ماذا يريد الكاتب؟
 
فالذي يقول في نص (ابتسامة موجهة) عبارة: (باستطاعتي انتزاع قنبلة من بين الصخور، ولكنني أعجز عن انتزاع آلامي من رؤيتي لعاهة مستديمة)، يجعلنا نحن القراء نجهل (المعاني رغم تكرار الإشارة دائماً) كما يقول عن نفسه في النص. فهشام يعتمد كثيراً في نصوصه على الرمزية، وأحياناً تكون الرمزية مغرقة في ثنايا النص مما لا يترك المجال للقارئ إلا أن يعود ويقرأ النص أكثر من مرة في محاولة لأن يصل للمعاني المختبئة خلف العبارات، فهو لا يكتب لمجرد الكتابة، وهو في نفس الوقت لا يتحذلق بالكلمات، بمقدار ما رأيت أن هناك خلف هذه السطور روحاً يشوبها الألم، يشوبها الغضب، فهو (كمارد غاضب مدفوعاً بكل أسباب النقمة)
 
وفي نصه (بيلار) أشعر بأنه نص منتزع من الواقع، أشعر أنه يروي حكاية حصلت، لكنه يصوغها بعد مضي وقت طويل كنـزف روح، ويتساءل: (كم من الموت كان سيحتاج حتى ليخرج بك من بين الركام؟)، وهنا نجد في السؤال فلسفة معينة حول الموت وحول الحياة، وفي نصوص أخرى نجد الكاتب يلجأ للغرائبية ورسم لوحات سريالية كما في قصة (طبع مكتسب) حيث يقول: (كانت وجوه لنا نراها للوهلة الأولى)، وهو يبدأ القصة بقوله: (هذا ما تبقى من وجهي على حائط المدرسة القديم)، فهو من خلال فكرة غرائبية إلى حد الإدهاش يعري الوجوه في المجتمع كونها ليست أكثر من أقنعة مزيفة، وهو يلجأ لنفس الأسلوب وإن كان بشكل أقل حدة في قصة (صوباشي عريس)، بينما تزداد حدية الغرائبية والرمزية في قصته (عادة قديمة) حتى تصل إلى درجة الإغراق بالرمز، والتي يصرخ في نهايتها: أنا ما زلت هنا..، ما يعطي النص طابع الشعور بالبحث عن الذات في ظل فكرة غريبة صاغها النص، بينما في نصه (عملية مضاعفة)، نراه يمازج بين أفكار مرتبطة بالجوع (الجوع حين ينال من حواسنا يجعل للعظام الجافة نكهتها) فيأتي النص كأنه على شكل حلم ونهاية القصة هي الواقع.
Page 2
إن أسلوب الكاتب في مجموعته متنوعة رغم الرابط الذي يربطها معاً، فنحن نجد أنفسنا في عالم مختلف بأجواء كل قصة أو نص، رغم الخيوط السرية التي تربطه بالنصوص الأخر، ونجد ذلك بوضوح في نصه (مداهمة أمنية)، من حيث العنوان ومن حيث الأسلوب، ونجد ذلك بشكل مختلف قليلاً في نصه (نحو المدافن)، وفي نصوص أخرى نجد أن الغرائبية تسود في النص ولكن النص لا يخلو من هدف وفكرة، إضافة للأسلوب الشيق الذي يشد القارئ إلى الغوص في لب النص لفهمه، أو وضعه جانباً إن لم تسعفه أفكاره بأن يتقمص روح هشام ويحلق بالنص.
 
إن التجوال في نصوص هشام خاطر يتطلب من القارئ التركيز في ثنايا النصوص وطياتها، فالكاتب امتلك أسلوباً مختلفاً في السرد والقص والتعبير، وكانت النصوص تحمل في طياتها الكثير من أفكار تحتاج التركيز معها للوصول لأهدافها، فأنا وفي قراءاتي لها كنت أضطر أن أعيد قراءة النص كاملاً أحياناً، وفقرات منه أحياناً أخرى، من أجل استنباط الفكرة والمغزى بالنص المنفرد، وفي المجموعة المتكاملة، فهو يحمل فكرة بأسلوبه منذ النص الأول حتى الأخير، فهي نصوص مازجت بين البوح الروحي والقصة القصيرة، فكانت تمتلك أسلوباً له تأثير على النفس، فمثل هذه النصوص لم تكتب بقرار الكتابة، بمقدار ما كانت نزفاً روحياً يكاد يصل إلى درجة الهذيان.
 
هشام هذا الشاب يعيدني مرة أخرى للسؤال الذي طرحته في البداية: ماذا يريد الكاتب؟ لأجد نفسي وبعد كل رحلة التجوال لا أستطيع أن أضع إجابة محددة، فهشام هذا الشاب الذي ما زال في بداية الثلاثينات من العمر، عاشق الموسيقى والشعر والأدب، وما زال يعيش في صومعة الوحدة بدون زواج وربما لرفضه كل أشكال القيود، رغم معاناته من الاحتلال للجولان الذي ولد فيه وتفتحت عيناه على احتلال ظالم وغاشم، لعل هشاماً من خلال نصوصه يبدي احتجاجه على قدر ارتبط بشهر شباط، وزمن عاشه ارتبط بوجود احتلال، فيشهر قلمه ولسانه في وجه كل القواعد المألوفة، ليخط فضاء هشام الذي حلق وحلقنا به.
 
رام الله التاسع من أيار 2010
Page 3
كروم الإقطاع
 
لو أنّه لم يذهب في تلك الزيارة إلى المدينة لكان اليوم يُخرج لنا إحدى مشاهداته الهزليّة عن السيدة الأولى أو في حالات جنونه القصوى عن بزّة رئيس الطهاة المنتهية ولايته.
 
ظلالنا كانت تمتد ساكنة نحو الأفق عندما ظهر لنا خياله أسفل المنعرج إلى كروم الإقطاع التابعة للقرية المجاورة، فور وصوله إلينا كانت العتمة تملأ ما تبقّى من الضوء فوق الطرقات الإسفلتيّة الخارجة من القرية، بدت على ملامحه علامات خوف عتيد كمن قابل لتوّه رغبة في فراق هذه الدنيا التي لم تمنحه من شيئها سوى أصدقاء طيبين سينسونه يوماً ما لقدرة فيهم على بقر الذاكرة بأصابع من حديد.
 
عاد إلينا بعد تلك الزيارة الموتورة إلى المدينة، ولكنه لم يعد أبداً كما كان . . الآن وبعد مضي عشرة أعوام وسنين دراسة لا تنتهي وأصدقاء تعددت آراؤهم أستطيع أن أفهم الفكرة التي ذهب إليها مبتعداً عن القرية وعن شجرة الحور التي كان يرتاح إليها بعد عناء يوم طويل من العمل في "مزرعة الكلاب"، كما كان يرغب هو دائماً بتسميتها.
Page 4
إبتسامة موجّهة
 
ما أتعسني هذا المساء . . باستطاعتي انتزاع قنبلة من بين الصخور، ولكنني أعجز عن انتزاع آلامي من رؤيتي لعاهة مستديمة.
 
ذلك المجنون لا يزال يبتسم لي كل مساء.
 
أنا السبب في ذلك، فهو لا يتوقف إلّا بعد أن أستوقفه أنا بنظراتي . . يبحر في عيوني للحظات من تيهٍ لطائفي ثم تسقط تلك الابتسامة النكراء بين شفتيه . . كنت أجهل المعاني رغم تكرار الإشارة دائماً.
 
فكرت في بداية الأمر باحتمال أن تكون ابتساماته مدروسة، يخطّها لأصحاب الظنون كي يتفادى سخريتهم أو استهزاءً مقيتاً منهم بعاهته الذهنية . . فهذه الأجساد تغلب فيها صفات الروح وقد لا تحتمل سعاف المذلة.
 
رحت أمشي خلفه كالمجنون والأمنيات تزحف خلفي كالسّحالي الاستوائية ببلادتها التي لا نعهدها في بلادنا . . مثبّطةً ومختزلةً إلى حظوظ، لا يُمنى منها إلّا العيش أو حتى البقاء.
 
كانت آمالي كذلك عذراءَ عقيمة بعد اكتشافي للحقيقة . . فهو لا يبتسم لأحد غيري ولغير بائع العطور المستهان !! ذاك الذي توفيت زوجته إثر نوبة قلبية على فراش راحتها في أولى ساعات الليل، ليستفيق هذا الرقيق في الصباح ورائحة الموت تحاول عنوةً قبض آخر أنفاسه.
 
رحت بعدها أضرب الأرض بقدميّ لتهتزّ في عيوني صور المكان . . كنت كمارد غاضب مدفوعاً بكل أسباب النقمة، لا يرى عدوه الأقمط في انتظاره لينتهب اللحم ويمتصّ منه الروح، ولكنه مثلي كان متيقناً لتلك الكراهية المختبئة في مكان ما . . مكان كنت أجهله أنا أيضاً.
Page 5
باب الحانوتي
 
كان كلّما اقتربت بدأ بتحريك أصابع قدميه بطريقة استرعت انتباهي الشديد، كنت قد انتقلت حديثاً إلى ذلك الحي في البلدة القديمة لأسباب اقتصاديّة صرفة . . طباع ساكني الحي طفحت مخيلتي بالكثير من العجز أمام نظراتهم المشوبة بالحذر من كل قادم جديد، فطرتهم في استدراك الفارق الحضاري كانت تحتّم عليهم ردوداً من الأفعال أسكنتني أسبوعاً كاملاً في غرفة خُلِع بابها من شِدّة الإرباكات التي لازمت كل من سبقني إلى تلك الزاوية النائية من المدينة.
 
نزلت الشارع بحثاً عن باب ريفي قديم يفي بغرضي في درء الأصوات التي كانت تملأ الشارع حتى ساعات متأخرة من الليل، وصلت ذلك الحانوت الذي كان يبيع الخردة وأشياء أخرى تطايرت ألوانها في الزمن البعيد حتى انعدم استخدامها في أيامنا هذه وأصبحت لا تثير اهتمام السائح الأجنبي الذي كانت تنشد عروقه لاكتشافاتنا البالية القديمة.
 
كانت الأبواب تقف إلى الجدران باتجاه باب الحانوتي الكبير الذي كان أشبه بالسماسرة هناك لطعونه في السن ولباعه الطويل في الوقوف مستجدياً المارّة بالدخول لملاقاة صاحبه الذي لم يتوقف عن تحريك أصابع قدميه إلّا عندما سألت عن أحد الأبواب المسنّة الذي لم يلحظ حتّى، رغبتي اليائسة باقتنائه.
Page 6
بيــــلار
 
تعرّى أمام الله وأمام الجميع، وأنتِ يا بيلار . . لم تدركي بأنه قضى وحيداً لأجلكِ هناك.
 
"الطريق إلى الحيّ مقفل، فبيلار في زيارة للبقّالية لشراء بعض الفاكهة . . تستطيع أن تَحني سيّارتك هنا وأن تذهب مشياً على الأقدام لرؤيتها إذا أحببت".
 
بائع الأقمشة هذا لم يتبيّن ملامحي بعد، وإلّا لما كان خاطبني بتلك الكلمات!! فأنا مطلق هذا الاسم الأعجمي على تلك الفتاة البائسة.
 
أكاد أثق بأنها لا تعرفني الآن، فالحادثة مضى عليها زمن طويل.
 
أتذكر وجهه في تلك الليلة وهو يخرج وجلاً من بين الجموع، كان البيت شعلة ملتهبة والنار وصلت في كيّها الأسقف والجدران مرحلة الانصهار.
 
وقف مسمّراً لثانيتين وهو يتأمل مشهد الموت أمامه، لا أظنه كان يشغل باله بمصير أمواله من بعده فيما لو أن مكروهاً أصابه، ولكن عملية حسابية كانت تدور في رأسه . . فالدخول كان موتاً محتّماً.
 
كم من الموت كان ليحتاج حتى يخرج بكِ من بين الركام ?!! فصوتكِ كان يبتعد خافتاً خلف الدخان.
 
تغسّل ببعض الماء ودخل، لم يسع الحاضرين حينها غير العويل والبكاء . . فهو ميت لا محال.
 
خرج بعد بضع دقائق من فوّهة المنزل وارتمى ساجداً أمام الجميع.
 
كنتِ يا بيلار تتجرعين آخر نظراته عندما انتزعوكِ من بين ذراعيه.
 
ها أنا اليوم، أعود لأراكِ ثانية . . كم أنتِ تشبهينها!
Page 7
صوباشي عريس
 
جلّ ما كان يشغلني في الظروف النسوية هو انتحال حواسي في محاولة منّي لاشتمام رائحة الإبط التي لطالما حلمت بها.
 
كانت قد تبرجت بكل ما أوتيت من مستحضرات التجميل، لا لاستقطاب أفكاري المشتتة فحسب، وعيوني التي كانت تلوح في سماء المقهى . . بل لتفادي أي خسارة لها معي أستنبطها من بين الكلمات، وأيضاً لإتاحة الأحلام للمزيد من المعجبين إذا أمكن . . فأنا وكما هي تعلم أرتدي حذاءً توقف استيراده منذ أعوام لانعدام جاذبيته ولسوء سمعة صانعيه.
 
وصلت وجلست على الطرف المقابل بينما كنت قد أعددت مكاناً بجانبي يتّسع لها ولكلبها الطفيف الذي التقيته أول مرة أمام المكتبة العامة ينتظرها ريثما تعود من زيارة لصديقتها التي كانت تعمل هناك . . ذلك الكلب الذي كان يشاركني الرأي في صديقتها تلك، والذي كان يدفع بي للاعتقاد جازماً بأني سأكون زوجها في المستقبل لوقوعها في حبّه قبلي.
 
بدأت حديثها بتوبيخي بجديّة متعمدة لأنني استهنت بقدرات خالها الجنسية، فهو لا ينجب إلّا قططاً برّية يأتي بها من الحقول لسد هوّة عاطفية تشكّلت لديه بسبب عدم إنجابه للأطفال ولتحميل الآلهة أيضاً عرفاناً له بهذا الجميل . . وكأن هذه القطط كانت تموء إليه بأن يتبناها وبأنها لم تكن تهنأ قبل لقائه بحياتها بين أفياء الكرز والليمون.
 
عاودت توبيخي ثانية ولكن هذه المرة لأني طلبت لنفسي كأساً من القهوة، فما معنى أن أطلب سبعة فناجين من القهوة بينما باستطاعتي أن أدمجها في كأس واحد يلبي حاجتي في تضييع أثمن الفرص عليها في رؤية ذلك النادل السّمج صديقها.
 
وتوالت النصائح والتوجيهات في طرق الحديث وفي ابتكار أساليب جديدة من شأنها أن تستأصل بعضاً من همجيتي في التعامل مع من حولها.
 
حين أنهت حديثها أشرت إليها بأنني سأكون على جاهزيّة قصوى لأيّ استعطاف طارئ، وبأني سأكون الفارس المنتظر لفتاة تحلم ببورجواز في عصر لفقراء مثلي.
Page 8
اثنان في واحد
 
من حيث لم أدر تسلسل أحدهم إلى جوفي واتفقنا أن نخرج سوية من المنزل. ارتأينا أفضل الحلول لنزول الدرج وتعثرنا كثيرا حتى وصلنا باب البناية الرئيس، وفي كل مرّة كنا نسقط فيها كنت أسمع صوته يتأفف من ألم بسيط في ساقه.
 
وقفت إلى جانب الرصيف ونفضت طلاء الجدار عن ثوبي ثم رحت أرقب الألم الذي كان تجمّع في ساقي الملتوية.
 
إلى الطرف المقابل من الشارع شددنا المسير حيث كانت صديقتي تودع رفيقاتها، لكن زوبعة بصرية ضربت المكان ومحقتهم جميعا قبل وصولي إلى الضفة الأخرى من التيار الإسفلتي الذي كان ينحدر بطيئا نحو الشاطئ.
 
لم يتبق لي حينها سوى خطوتين فقط كي أصل كشك السجائر، بيد أنه أصرّ فجأة على الوقوف . . اتكأت لأجله على عامود للكهرباء نصب عند زاوية الطريق ووقفت أنتظر عودته حتى منتصف الليل .
 
لم أسمع صوته بعد ذلك اليوم لأن أصواتا أخرى كثيرة كانت تدور حولي، وشيئا فشيئا راحت تلك الأصوات تطرد عني حتى سقطت منها أخيراً في سكون تام.
Page 9
مداهمة أمنية
 
خلعوا الأبواب على رؤوسهم ودخلوا، بينما جرائي انتشرت في جيوبهم لتبدأ المهمة . .
 
استغرق فتق الجيوب بضع دقائق، كان عليّ في تلك الأثناء أن أتلهى بمصيري إلى حين خروجهم وليس أقرب مَن يدفعهم عني سوى أسطورة موتي.
 
تم استدعاء الوكلاء لتزوير سيرتي وتقريب موعد احتضاري بضع سنين.
 
دخلوا ليجدوني مسجًّى على طاولتي، أسعل بالدماء وأفرز من الثقوب في جسدي ما زاد عنها.
 
تراءى لهم المشهد عبثياً، فمن الغباء اتهامي وأنا في هذه الحالة.
 
حملتهم الشكوك إلى إلغاء انفعالاتهم وسحب تهديداتهم بالقضاء على مدبر عملية اغتيال كنت قد رسمتها لأصدقائي في الحي للتخلص من حارس ملجأ عمومي كانوا يخططون تحويله إلى ملهىً ليلي.
 
مضت تلك الدقائق مسرعة وبات لزوم مغادرتي قبل انتشار خبر الوفاة،
 
في تلك الأثناء كانت جرائي قد أنهت مهمتها.
 
قفل المداهمون عائدين أدراجهم بعد أن تركوا وراءَهم مرغمين بضع قوالب من الشوكولاه الحامضة وقلماً لم أعرف حتى الآن ما حاجة الرعاع به.
Page 10
زينـــــة
 
خاطب أقرباءه هاتفياً للحضور إلى قبو المنزل الذي اتخذه صديق لوالده مخزناً للعطور، حضر الجميع ما عدا زينة التي كانت في زيارة لوالدتها المتوفاة منذ ما قارب السنتين . . أعطى تعليماته للجميع بالحذر من محتويات الصناديق الحديديّة الصدئة التي كانت مكوّمة في إحدى الزوايا المضاءة بنافذة صغيرة كانت تطلّ على محطة للركاب توسطت الشارع الرئيسي المؤدي إلى الحي حيث كان يسكن أحد أكبر أعوان القرية.
 
بدءوا بتحطيم الأقفال القديمة للصناديق بغية استبدالها لاحقاً بأقفال جديدة يفتحها الشخص الذي ستجاوره الحظوظ في التمطي على شؤون العامة مِمَن شاهد انبعاث الضوء الكثيف الذي أفقدهم أبصارهم في لحظة العثور على ما أوصاهم به ذلك الصديق من عدم تحريك الأقفال أو المساس بها.
 
زينة لم يرها أحد وهي تدخل المقبرة وإلّا لجاءوها بخبر اختفاء الباب الخلفي للقبو حيث كان المخرج لكل من يدخل هناك.
 
في طريق عودتها . . كان الهواء يحاول اختراق النافذة الصغيرة التي تركوا على الزجاج منها آخر أنفاسهم المحتضرة وملامح لهم ستعبر ذاكرة كل من وقف إلى جانبهم ينتظر الحافلة نحو المدينة.