Page 1
كلمة شكر
من الممكن جمع هذا المشروع في عدة طرق: في أوراق تقويم (بقيمة عامين)، في مسافة مقطوعة (50.000 ميل جوي)، أو في عدد الخيبات التي عشتها حين حاولتُ بتفاؤل أن أنافس في التنس، والرياضيات، وكرة القدم، وغيرها من الأنشطة المختلفة بعض من أكثر أهل الأرض إفرازًا للمايلين (الذين كانوا قد اعتقدوا أن عازفي التشيللو سيكونون جيدين في كرة الطاولة؟). ولكن الطريقة الأكثر ثباتًا لقياس هذا الكتاب هو، كرم ومعاونة الناس الذين صادفتهم على طول الطريق.
في موسكو، أود أن أشكر إيلينا ربيانا، مايا باليائيفا، فيتالي ياكوفينكو، مايكل جورين، وشاميل تاربيشاف. في كوراساو، فرانك كورييل، نورفال فانياتي، بيرسي ليباكس، لوثيو أنطونيو، وفيلبرت لويلين. في ساو باولو، الدكتور إميليو ميراندا، فرناندو ميراندا، والممتاز مايك كيوهان من فوتورو كرة القدم. في مدرسة ميدوماونت للموسيقى، وماري مكجوان - ويلب، أوين كارمان، سكاي كارمان، هانز ينسن، ميليسا كروت، وسالي توماس. في مجموعة سيبتن الترفيهية، ماثيو بتلر، ريمنجتن رافائيل، إيريك نيف، وسارة الكسندر. في برنامج المعرفة قوة، صهباء علي، ستيف مانشيني، آنا بايز، مايكل مان، ليزلي إيشلر، ولوليتا جاكسون. في عيادة الخجل، نيكول شيلووف، وعزيز جازيبورا. وأيضا مرشدون جيدون منهم ماري كاريو، جون ياندل، إليوت تلتشر، مات كرونين، كريس داونز، اليكسي توكاتشف، تشارلز أوتشنر، مايكل سوكولوف، كيم إنجلر، رافي إسكويث. أود أيضا أن أشكر روبرت لانسدورب وتوم مارتينيز لكونه ذا روح رياضية جيدة بكل معنى الكلمة.
أول استكشاف لهذا الموضوع يتألف من مقال لمجلة بلاي: مجلة نيويورك تايمز الرياضية. أود أن أشكر محرري مجلة بلاي: مارك براينت ولورا هونهولد، لذكائهم المتقد وصداقتهم، وأشير أيضا أننا ندخل عقدنا الثالث من العمل معًا، وهو ما يُؤخذ في الحسبان، طريقة المايلين. الشكر أيضا لتشارلز ويلسون صاحب الحيلة دائمًا لمساعدته البحثية العالية، وجيمس واطسون، شان كارتر، وكاسي بركن.
أنا ممتن لكثير من أطباء الأعصاب وعلماء النفس، وعلماء الذين أعطوا وقتهم وخبرتهم، خصوصا دوج فيلدز، أندرس إريكسون، وجورج بارتزوكس. أود أيضا أن أشكر ألبرت باندورا، جون بارغ، جيف كوهن، ديبورا فيلتز، دان جولد، بيل جرينوف، جون ميلتون، ريتشارد نيسبت، وسام ريجالادو، رونالد ريجيو، جاك روزنبلوث، جيم ستينجلر، جيف ستون، كريستوفر ستورم، جريج والتون، مارك وليامز، وباري زيمرمان.
الشكر على الأخص إلى محرري الرائع، بيث راشبام، الذي يمكن الإحساس بحماسه، وصبره، وتوجيهاته الخبيرة في كل صفحة؛ إلى الموهوب الرائع بارب بورغ وتيريزا زورو، اللذين ساعد دعمهما في إطلاق هذا الكتاب في وقت مبكر، وإلى صاحبة يد العون دائمًا أنجيلا بوليدورا. الشكر لوكيل أعمالي ديفيد بلاك، الذي هو في مهنته كمايكل جوردان فى الدوري الأمريكي للمحترفين، وكذلك لبقية فريقه الرائع، بما في ذلك سوزان ريهوفر، أنطونيلا إيانارينو، لي آن إليسيو، وديفيد لاربل.
بالحديث عن فرق، فقد كنت محظوظا بما فيه الكفاية لأن يتم الاطلاع على المسودّات الأولى للكتاب من العيون الخبيرة للكاتب الرائع توم كيزيا، فضلًا عن تود بالف، الذي لا تفوق فطنته التحريرية إلا مهاراته في كرة السلة. وآخرون ساعدوا في توجيه المشروع بطرق مختلفة من بينهم الكاتب الرائع توم كيزيا، جيف كيلر، روب فيشر، جيم كلاين، مارشال سيلا، مايك باترنيتي، فينس تيليون، بولا مارتن، مارك برينستر، جيو بيتش، مايا روهر، بيل بابست، روس ريدل، مارك نيوصن سميث، جيف رب، كين دايس، بيل بل، جيم جالاجر، وموظفي مجلة سلتي كات، وزملائي المدرّبين في دوري الصغار بوني جيسون، دوجلاس ويستفال، وكنتون بلووم. أود أن أشكر المدرسين المتخصصين في المدارس العامة أنكوراج، بما في ذلك نيل سيمونز، بات جوبي، هوب فيج، نينا بروكيش، كاتي هانون، كارولين كروسبي، مارثا هيرشبرجر، مارلين سمينو، جوردون سبيدل، وباط ميدلتون. شكر خاص لتوم بورش، الذي كان هناك لإجراء محادثات لا تحصى عن المواهب، والذي، كان في شوارع ساو باولو، يتلقى مظاهرة عالمية لا تُنْسَى في مهارات النشل. (وكنا نظن أن رونالدينهو وحده لديه حركات جيدة).
إن هذا واحد من تلك المشروعات التي تجعلك تقدر والديك، وأنا محظوظ أن يكون أفضل والدين في العالم. شكرا، أمي وأبي، على كل شيء.
ساعدني أخي موريس في هذا الكتاب بطرق لا تُقدر. لقد شحذ الأفكار، والأمثلة المكتشفة، والتفكير المشتعل من البداية الى النهاية، وفعل كل شيء بصبر وحس دعابة بدأت أشك في أنه يفهم كل هذا أفضل بكثير مما كنت سأفعل. أود أيضا أن أشكر أطفالي، ايدين، كاتي، ليا، وزوي- أنتم رائعون، وأنا أحبكم.
وأخيرا، أود أن أشكر زوجتي، جين، التي بدونها ما كان سيحدث شيء من هذا، التي تظل، في النهاية، أكثر شخص موهوب قابلته في حياتي
من الممكن جمع هذا المشروع في عدة طرق: في أوراق تقويم (بقيمة عامين)، في مسافة مقطوعة (50.000 ميل جوي)، أو في عدد الخيبات التي عشتها حين حاولتُ بتفاؤل أن أنافس في التنس، والرياضيات، وكرة القدم، وغيرها من الأنشطة المختلفة بعض من أكثر أهل الأرض إفرازًا للمايلين (الذين كانوا قد اعتقدوا أن عازفي التشيللو سيكونون جيدين في كرة الطاولة؟). ولكن الطريقة الأكثر ثباتًا لقياس هذا الكتاب هو، كرم ومعاونة الناس الذين صادفتهم على طول الطريق.
في موسكو، أود أن أشكر إيلينا ربيانا، مايا باليائيفا، فيتالي ياكوفينكو، مايكل جورين، وشاميل تاربيشاف. في كوراساو، فرانك كورييل، نورفال فانياتي، بيرسي ليباكس، لوثيو أنطونيو، وفيلبرت لويلين. في ساو باولو، الدكتور إميليو ميراندا، فرناندو ميراندا، والممتاز مايك كيوهان من فوتورو كرة القدم. في مدرسة ميدوماونت للموسيقى، وماري مكجوان - ويلب، أوين كارمان، سكاي كارمان، هانز ينسن، ميليسا كروت، وسالي توماس. في مجموعة سيبتن الترفيهية، ماثيو بتلر، ريمنجتن رافائيل، إيريك نيف، وسارة الكسندر. في برنامج المعرفة قوة، صهباء علي، ستيف مانشيني، آنا بايز، مايكل مان، ليزلي إيشلر، ولوليتا جاكسون. في عيادة الخجل، نيكول شيلووف، وعزيز جازيبورا. وأيضا مرشدون جيدون منهم ماري كاريو، جون ياندل، إليوت تلتشر، مات كرونين، كريس داونز، اليكسي توكاتشف، تشارلز أوتشنر، مايكل سوكولوف، كيم إنجلر، رافي إسكويث. أود أيضا أن أشكر روبرت لانسدورب وتوم مارتينيز لكونه ذا روح رياضية جيدة بكل معنى الكلمة.
أول استكشاف لهذا الموضوع يتألف من مقال لمجلة بلاي: مجلة نيويورك تايمز الرياضية. أود أن أشكر محرري مجلة بلاي: مارك براينت ولورا هونهولد، لذكائهم المتقد وصداقتهم، وأشير أيضا أننا ندخل عقدنا الثالث من العمل معًا، وهو ما يُؤخذ في الحسبان، طريقة المايلين. الشكر أيضا لتشارلز ويلسون صاحب الحيلة دائمًا لمساعدته البحثية العالية، وجيمس واطسون، شان كارتر، وكاسي بركن.
أنا ممتن لكثير من أطباء الأعصاب وعلماء النفس، وعلماء الذين أعطوا وقتهم وخبرتهم، خصوصا دوج فيلدز، أندرس إريكسون، وجورج بارتزوكس. أود أيضا أن أشكر ألبرت باندورا، جون بارغ، جيف كوهن، ديبورا فيلتز، دان جولد، بيل جرينوف، جون ميلتون، ريتشارد نيسبت، وسام ريجالادو، رونالد ريجيو، جاك روزنبلوث، جيم ستينجلر، جيف ستون، كريستوفر ستورم، جريج والتون، مارك وليامز، وباري زيمرمان.
الشكر على الأخص إلى محرري الرائع، بيث راشبام، الذي يمكن الإحساس بحماسه، وصبره، وتوجيهاته الخبيرة في كل صفحة؛ إلى الموهوب الرائع بارب بورغ وتيريزا زورو، اللذين ساعد دعمهما في إطلاق هذا الكتاب في وقت مبكر، وإلى صاحبة يد العون دائمًا أنجيلا بوليدورا. الشكر لوكيل أعمالي ديفيد بلاك، الذي هو في مهنته كمايكل جوردان فى الدوري الأمريكي للمحترفين، وكذلك لبقية فريقه الرائع، بما في ذلك سوزان ريهوفر، أنطونيلا إيانارينو، لي آن إليسيو، وديفيد لاربل.
بالحديث عن فرق، فقد كنت محظوظا بما فيه الكفاية لأن يتم الاطلاع على المسودّات الأولى للكتاب من العيون الخبيرة للكاتب الرائع توم كيزيا، فضلًا عن تود بالف، الذي لا تفوق فطنته التحريرية إلا مهاراته في كرة السلة. وآخرون ساعدوا في توجيه المشروع بطرق مختلفة من بينهم الكاتب الرائع توم كيزيا، جيف كيلر، روب فيشر، جيم كلاين، مارشال سيلا، مايك باترنيتي، فينس تيليون، بولا مارتن، مارك برينستر، جيو بيتش، مايا روهر، بيل بابست، روس ريدل، مارك نيوصن سميث، جيف رب، كين دايس، بيل بل، جيم جالاجر، وموظفي مجلة سلتي كات، وزملائي المدرّبين في دوري الصغار بوني جيسون، دوجلاس ويستفال، وكنتون بلووم. أود أن أشكر المدرسين المتخصصين في المدارس العامة أنكوراج، بما في ذلك نيل سيمونز، بات جوبي، هوب فيج، نينا بروكيش، كاتي هانون، كارولين كروسبي، مارثا هيرشبرجر، مارلين سمينو، جوردون سبيدل، وباط ميدلتون. شكر خاص لتوم بورش، الذي كان هناك لإجراء محادثات لا تحصى عن المواهب، والذي، كان في شوارع ساو باولو، يتلقى مظاهرة عالمية لا تُنْسَى في مهارات النشل. (وكنا نظن أن رونالدينهو وحده لديه حركات جيدة).
إن هذا واحد من تلك المشروعات التي تجعلك تقدر والديك، وأنا محظوظ أن يكون أفضل والدين في العالم. شكرا، أمي وأبي، على كل شيء.
ساعدني أخي موريس في هذا الكتاب بطرق لا تُقدر. لقد شحذ الأفكار، والأمثلة المكتشفة، والتفكير المشتعل من البداية الى النهاية، وفعل كل شيء بصبر وحس دعابة بدأت أشك في أنه يفهم كل هذا أفضل بكثير مما كنت سأفعل. أود أيضا أن أشكر أطفالي، ايدين، كاتي، ليا، وزوي- أنتم رائعون، وأنا أحبكم.
وأخيرا، أود أن أشكر زوجتي، جين، التي بدونها ما كان سيحدث شيء من هذا، التي تظل، في النهاية، أكثر شخص موهوب قابلته في حياتي
Page 2
مقدمة
الفتاة التي قامت بتمرين شهر في ست دقائق
كل رحلة تبدأ بمجموعة أسئلة، وها هي ثلاثة أسئلة:
كيف يصنع نادي تنس روسي لا يملك مليمًا، وفيه ملعب واحد مغطَّى، أكثر من عشرين لاعبة متميزة وهو ما فاق الولايات المتحدة الأمريكية بأسرها؟
كيف يمكن لمدرسة للموسيقى، يوجد عند مدخلها دكان متواضع، في مدينة دالاس بولاية تكساس، أن تخرّج جيسيكا سيمبسون وديمي لوفات(1)، وسلسلة متوالية من نوابغ موسيقى البوب؟
كيف تُخرِّج أسرة بريطانية فقيرة محدودة التعليم في قرية نائية ثلاث كاتبات عالميات؟
مكامن الموهبة أماكن مبهمة، والأمر الأكثر غرابة فيها هي أنها تنمو من دون سابق إنذار. أوائل لاعبي البيسبول من جزيرة صغيرة في جمهورية الدومينكان وصلوا إلى مباريات الدوري العام في الخمسينات، والآن هم أحد أهم تسعة لاعبين في الدوري الوطني. وفي عام 1998 فازت أول لاعبة جولف من كوريا الجنوبية بمسابقة اتحاد الجولف للسيدات المحترفات، والآن توجد خمس وأربعون لاعبة في مسابقة الاتحاد، من بينهن ثمانٍ ضمن الفائزات العشرين الأعلى مرتبة الحائزات على جوائز نقدية. وفي عام 1991 كان يوجد مشترك صيني واحد في مسابقة فان كليبورن للبيانو(2)، وفي المسابقة الأخيرة برز ثمانية صينيين، إنها وثبة متسقة انعكس أثرها في أعلى فرق الأوركسترا السيمفونية حول العالم.
تميل التغطية الإعلامية في التعامل مع كل مكمن للموهبة على أنه ظاهرة استثنائية، إلا أنهم جميعها في الحقيقة جزء من قالب أوسع وأقدم. تأمَّل ملحّني فيينا في القرن التاسع عشر، كُتاب إنجلترا في الحقبة الشكسبيرية، أو فناني النهضة الإيطالية التي تفجرَّت خلالها مدينة فلورنسا النائمة ذات الـ70 ألف نسمة فجأة بالنبوغ على نحو لم يُرَ له مثيل من قبل ولا من بعد. وفي كل حالة، تتردد الأسئلة ذاتها: من أين تأتي هذه الموهبة الباهرة؟ وكيف تنمو وتترعرع؟
الإجابة قد تبدأ مع مقطع فيديو لافت للنظر، يُظهر فتاة ذات وجه يعلوه النمش في الثالثة عشر من عمرها وتدعى كلاريسة. كلاريسة (ليس اسمها الحقيقي) كانت جزءًا من دراسة قام بها المتخصصان النمساويان في علم النفس الموسيقي، جيري ماكفرسون وجيمس رينوك لتتبع تقدم مستواها على آلة الكلارينيت على مدار عدة سنوات. رسميًا عنوان مقطع الفيديو هو shorterclarissa3.mov، لكنه يجب أن يطلق عليه: الفتاة التي قامت بتمرين شهر في ست دقائق.
على الشاشة لا يبدو بوضوح على كلاريسة أنها موهوبة. ترتدي سويت شيرت أزرق له غطاء رأس، وشورتًا رياضيًا، ويبدو عليها تعبير بليد بعدم الاكتراث. في الحقيقة، طيلة الدقائق الست المصوَّرة بالفيديو، تُصنف كلاريسة بأنها متوسطة موسيقيًا. وبحسب اختبارات تحديد المستوى التي قام بها ماكفرسون، وشهادة مدرِّسها ووالديها وشهادتها هي نفسها، فإن كلاريسة ليست عندها أية مَلَكة موسيقية. تفتقر إلى أذن موسيقية، وإحساسها بالإيقاع متوسط، والدافع لديها أقل من المتوسط. (في الجزء المكتوب من الدراسة حددت كلاريسة «لأني مفروض عليَّ» باعتباره السبب الأقوى للتمرين). إلا أن كلاريسة أصبحت مشهورة في الدوائر الموسيقية العلمية. وذلك لأنه في صباح يوم عادي سجلت كاميرا ماكفرسون هذه الطفلة عادية المستوى تقوم بوضوح بعمل شيء غير عادي. ففي الدقيقة الخامسة وأربع وأربعين ثانية، سرّعت كلاريسة من سرعة تعلمها عشر مرات، بحسب حسابات ماكفرسون. والأدهى أنها لم تلحظ حتى ذلك.
يُقدّم ماكفرسون المقطع إلينا قائلا: صباحًا، الوقت المعتاد لكلاريسة لكي تتمرن، بعد درسها الأسبوعي بيوم واحد. إنها تعمل على أغنية جديدة بعنوان «الزفاف الذهبي» وهو لحن وضعه في العام 1941، عازف الكلارينيت جاز ودي هيرمن. ولقد استمعتْ إليه بضع مرات. وهي تحبه. الآن ستحاول أن تعزفه.
تسحب كلاريسة نَفسًا وتعزف نغمتين. ثم تتوقف. تنزع الكلارينت عن شفتيها وتحدِّق في النوتة الموسيقية. عيناها تضيق. تعزف سبع نغمات، مفتتح الأغنية. تنسى آخر نغمة وعلى الفور تتوقف، وبحركة فجائية واضحة تنزع الكلارينت عن شفتيها. ومرة أخرى تنظر شذرًا للنوتة وتغني المقطع بنعومة. «داه داه دوم داه».
تبدأ من جديد وتعزف اللازمة الموسيقية من البداية، مُضيفةً بضع نغمات من الأغنية هذه المرة، ناسيةً النغمة الأخيرة، تعيد الكرَّة، مُحاولةً رأب الصدع. وتبدأ نغمات الافتتاحية في الجلجلة معًا، نغمات فيها حيوية وإحساس. وعندما انتهت من هذا المقطع، تتوقف ثانية لست ثوانٍ، وكأنها تعيد عزفه في ذهنها، وتتحسس بأصابعها الكلارينت كما تتخيل. تنحني للأمام، تأخذ نفسًا وتبدأ مرة أخرى.
الصوت سيئ جدًا. إنها ليست موسيقى، إنها خلطة متقطعة بطيئة من نغمات مليئة بالوقفات والهنات. المنطق السليم سيقودنا للتصديق بأن كلاريسة أخفقت. لكن في هذه الحالة المنطق السليم مخطئ تمامًا.
يقول ماكفرسون: «هذا أمر مذهل، في كل مرة أشاهد فيها هذا، أرى أشياء جديدة، باهرة على نحو غير معقول، وقوية. هكذا يتدرب موسيقار محترف يوم الأربعاء قبيل حفلة يوم السبت».
على الشاشة كلاريسة تنحني على النوتة الموسيقية، تحاول استبيان نغمة «صول-حادة» لم يسبق لها عزفها أبدًا. تنظر ليدها ثم إلى النوتة ثم إلى يدها ثانية. تدندن المقطع. وضعيَّة كلاريسة المائلة للأمام تجعلها تبدو وكأنها تمشي في مهب ريح باردة، بينما وجهها اللطيف المنمَّش مقطَّب الجبين. تعزف الجملة الموسيقية مرارًا وتكرارًا. وفي كل مرة تضيف طبقة من الروح والتناغم والإيقاع المطرد.
«انظروا لذلك!» يقول ماكفرسون، «لقد صار لديها مخطط في رأسها تقارن نفسها به باستمرار. إنها تعمل على الجمل الموسيقية والأفكار الكاملة. إنها لا تتجاهل الأخطاء، بل تسمعها وتصلحها. تضع الأجزاء الصغيرة بما يتلاءم مع مكانها ككل، تدقّق النظر طيلة الوقت، تبني لنفسها سقَّالة لترتقي بها الى مستوى أعلى».
ليس هذا تمرينًا عاديًا. إنه شيء آخر: عملية استهداف عالية لتحري الخطأ. إنه شيء ينمو وينبني. الأغنية تبدأ في الخروج ومعها تخرج ميزة جديدة داخل كلاريسة.
يستمر مقطع الفيديو. بعد التمرن على أغنية «الزفاف الذهبي»، تمضي كلاريسة في العمل على القطعة الثانية وهي بعنوان «الدانوب الأزرق». لكنها هذه المرة تعزفها مرة واحدة، بلا توقف. ومن دون أن تلتفت إلى الوقفات الصارخة، يخرج اللحن متعثرًا، في قالب متناغم مألوف لكن يصاحبه صرير من حين لآخر.
يتذمر ماكفرسون: «إنها تعزف وكأنها تقف على ممشى متحرك. إنه أمر مريع تمامًا. إنها لا تفكر ولا تتعلم، ولا تبني، إنها فقط تضيّع الوقت. إنها تنتقل من السيئ للعادي للفذ ثم تتراجع ثانية، ولا فكرة لديها أنها تفعل ذلك».
الفتاة التي قامت بتمرين شهر في ست دقائق
كل رحلة تبدأ بمجموعة أسئلة، وها هي ثلاثة أسئلة:
كيف يصنع نادي تنس روسي لا يملك مليمًا، وفيه ملعب واحد مغطَّى، أكثر من عشرين لاعبة متميزة وهو ما فاق الولايات المتحدة الأمريكية بأسرها؟
كيف يمكن لمدرسة للموسيقى، يوجد عند مدخلها دكان متواضع، في مدينة دالاس بولاية تكساس، أن تخرّج جيسيكا سيمبسون وديمي لوفات(1)، وسلسلة متوالية من نوابغ موسيقى البوب؟
كيف تُخرِّج أسرة بريطانية فقيرة محدودة التعليم في قرية نائية ثلاث كاتبات عالميات؟
مكامن الموهبة أماكن مبهمة، والأمر الأكثر غرابة فيها هي أنها تنمو من دون سابق إنذار. أوائل لاعبي البيسبول من جزيرة صغيرة في جمهورية الدومينكان وصلوا إلى مباريات الدوري العام في الخمسينات، والآن هم أحد أهم تسعة لاعبين في الدوري الوطني. وفي عام 1998 فازت أول لاعبة جولف من كوريا الجنوبية بمسابقة اتحاد الجولف للسيدات المحترفات، والآن توجد خمس وأربعون لاعبة في مسابقة الاتحاد، من بينهن ثمانٍ ضمن الفائزات العشرين الأعلى مرتبة الحائزات على جوائز نقدية. وفي عام 1991 كان يوجد مشترك صيني واحد في مسابقة فان كليبورن للبيانو(2)، وفي المسابقة الأخيرة برز ثمانية صينيين، إنها وثبة متسقة انعكس أثرها في أعلى فرق الأوركسترا السيمفونية حول العالم.
تميل التغطية الإعلامية في التعامل مع كل مكمن للموهبة على أنه ظاهرة استثنائية، إلا أنهم جميعها في الحقيقة جزء من قالب أوسع وأقدم. تأمَّل ملحّني فيينا في القرن التاسع عشر، كُتاب إنجلترا في الحقبة الشكسبيرية، أو فناني النهضة الإيطالية التي تفجرَّت خلالها مدينة فلورنسا النائمة ذات الـ70 ألف نسمة فجأة بالنبوغ على نحو لم يُرَ له مثيل من قبل ولا من بعد. وفي كل حالة، تتردد الأسئلة ذاتها: من أين تأتي هذه الموهبة الباهرة؟ وكيف تنمو وتترعرع؟
الإجابة قد تبدأ مع مقطع فيديو لافت للنظر، يُظهر فتاة ذات وجه يعلوه النمش في الثالثة عشر من عمرها وتدعى كلاريسة. كلاريسة (ليس اسمها الحقيقي) كانت جزءًا من دراسة قام بها المتخصصان النمساويان في علم النفس الموسيقي، جيري ماكفرسون وجيمس رينوك لتتبع تقدم مستواها على آلة الكلارينيت على مدار عدة سنوات. رسميًا عنوان مقطع الفيديو هو shorterclarissa3.mov، لكنه يجب أن يطلق عليه: الفتاة التي قامت بتمرين شهر في ست دقائق.
على الشاشة لا يبدو بوضوح على كلاريسة أنها موهوبة. ترتدي سويت شيرت أزرق له غطاء رأس، وشورتًا رياضيًا، ويبدو عليها تعبير بليد بعدم الاكتراث. في الحقيقة، طيلة الدقائق الست المصوَّرة بالفيديو، تُصنف كلاريسة بأنها متوسطة موسيقيًا. وبحسب اختبارات تحديد المستوى التي قام بها ماكفرسون، وشهادة مدرِّسها ووالديها وشهادتها هي نفسها، فإن كلاريسة ليست عندها أية مَلَكة موسيقية. تفتقر إلى أذن موسيقية، وإحساسها بالإيقاع متوسط، والدافع لديها أقل من المتوسط. (في الجزء المكتوب من الدراسة حددت كلاريسة «لأني مفروض عليَّ» باعتباره السبب الأقوى للتمرين). إلا أن كلاريسة أصبحت مشهورة في الدوائر الموسيقية العلمية. وذلك لأنه في صباح يوم عادي سجلت كاميرا ماكفرسون هذه الطفلة عادية المستوى تقوم بوضوح بعمل شيء غير عادي. ففي الدقيقة الخامسة وأربع وأربعين ثانية، سرّعت كلاريسة من سرعة تعلمها عشر مرات، بحسب حسابات ماكفرسون. والأدهى أنها لم تلحظ حتى ذلك.
يُقدّم ماكفرسون المقطع إلينا قائلا: صباحًا، الوقت المعتاد لكلاريسة لكي تتمرن، بعد درسها الأسبوعي بيوم واحد. إنها تعمل على أغنية جديدة بعنوان «الزفاف الذهبي» وهو لحن وضعه في العام 1941، عازف الكلارينيت جاز ودي هيرمن. ولقد استمعتْ إليه بضع مرات. وهي تحبه. الآن ستحاول أن تعزفه.
تسحب كلاريسة نَفسًا وتعزف نغمتين. ثم تتوقف. تنزع الكلارينت عن شفتيها وتحدِّق في النوتة الموسيقية. عيناها تضيق. تعزف سبع نغمات، مفتتح الأغنية. تنسى آخر نغمة وعلى الفور تتوقف، وبحركة فجائية واضحة تنزع الكلارينت عن شفتيها. ومرة أخرى تنظر شذرًا للنوتة وتغني المقطع بنعومة. «داه داه دوم داه».
تبدأ من جديد وتعزف اللازمة الموسيقية من البداية، مُضيفةً بضع نغمات من الأغنية هذه المرة، ناسيةً النغمة الأخيرة، تعيد الكرَّة، مُحاولةً رأب الصدع. وتبدأ نغمات الافتتاحية في الجلجلة معًا، نغمات فيها حيوية وإحساس. وعندما انتهت من هذا المقطع، تتوقف ثانية لست ثوانٍ، وكأنها تعيد عزفه في ذهنها، وتتحسس بأصابعها الكلارينت كما تتخيل. تنحني للأمام، تأخذ نفسًا وتبدأ مرة أخرى.
الصوت سيئ جدًا. إنها ليست موسيقى، إنها خلطة متقطعة بطيئة من نغمات مليئة بالوقفات والهنات. المنطق السليم سيقودنا للتصديق بأن كلاريسة أخفقت. لكن في هذه الحالة المنطق السليم مخطئ تمامًا.
يقول ماكفرسون: «هذا أمر مذهل، في كل مرة أشاهد فيها هذا، أرى أشياء جديدة، باهرة على نحو غير معقول، وقوية. هكذا يتدرب موسيقار محترف يوم الأربعاء قبيل حفلة يوم السبت».
على الشاشة كلاريسة تنحني على النوتة الموسيقية، تحاول استبيان نغمة «صول-حادة» لم يسبق لها عزفها أبدًا. تنظر ليدها ثم إلى النوتة ثم إلى يدها ثانية. تدندن المقطع. وضعيَّة كلاريسة المائلة للأمام تجعلها تبدو وكأنها تمشي في مهب ريح باردة، بينما وجهها اللطيف المنمَّش مقطَّب الجبين. تعزف الجملة الموسيقية مرارًا وتكرارًا. وفي كل مرة تضيف طبقة من الروح والتناغم والإيقاع المطرد.
«انظروا لذلك!» يقول ماكفرسون، «لقد صار لديها مخطط في رأسها تقارن نفسها به باستمرار. إنها تعمل على الجمل الموسيقية والأفكار الكاملة. إنها لا تتجاهل الأخطاء، بل تسمعها وتصلحها. تضع الأجزاء الصغيرة بما يتلاءم مع مكانها ككل، تدقّق النظر طيلة الوقت، تبني لنفسها سقَّالة لترتقي بها الى مستوى أعلى».
ليس هذا تمرينًا عاديًا. إنه شيء آخر: عملية استهداف عالية لتحري الخطأ. إنه شيء ينمو وينبني. الأغنية تبدأ في الخروج ومعها تخرج ميزة جديدة داخل كلاريسة.
يستمر مقطع الفيديو. بعد التمرن على أغنية «الزفاف الذهبي»، تمضي كلاريسة في العمل على القطعة الثانية وهي بعنوان «الدانوب الأزرق». لكنها هذه المرة تعزفها مرة واحدة، بلا توقف. ومن دون أن تلتفت إلى الوقفات الصارخة، يخرج اللحن متعثرًا، في قالب متناغم مألوف لكن يصاحبه صرير من حين لآخر.
يتذمر ماكفرسون: «إنها تعزف وكأنها تقف على ممشى متحرك. إنه أمر مريع تمامًا. إنها لا تفكر ولا تتعلم، ولا تبني، إنها فقط تضيّع الوقت. إنها تنتقل من السيئ للعادي للفذ ثم تتراجع ثانية، ولا فكرة لديها أنها تفعل ذلك».
Page 3
بعد عدة دقائق لا يستطيع ماكفرسون تحمُّل الأمر أكثر من ذلك. يعيد مقطع الفيديو إلى الوراء لمشاهدة كلاريسة وهي تتمرن على أغنية «الزفاف الذهبي» مرة أخرى. إنه يريد مشاهدة المقطع لنفس السبب الذي عندي. إنها ليست صورة لموهبة صنعتها الجينات الوراثية، بل هو أمر أكثر تشويقًا. إنها ست دقائق لشخص عادي يدخل منطقة مثمرة بشكل ساحر، حيث المزيد من المهارات يُصنع مع كل ثانية.
«يا إلهي» يقول ماكفرسون في حزن، «لو أن أحدًا بوسعه تعبئة ذلك السر في زجاجة لقدِّرت قيمته بالملايين».
هذا الكتاب عن فكرة بسيطة مفادها أن كلاريسة ومكامن الموهبة تعملان نفس الشيء. فهما ملتصقتان بآلية عصبية تبني المهارةَ فيها بأنماط معينة من التدريب محدد الغاية. ودون أن تعيا ذلك، تكونان قد دخلتا منطقة التعلم السريع، التي وإن كان يصعب تعبئتها في زجاجة، لكن يمكن، للعارفين كيفية ذلك، الوصول إليها. باختصار الذين حلُّوا رموز شِفرة الموهبة.
«شِفرة الموهبة» مبنية على اكتشافات علمية ثورية بخصوص عازل عصبي يسمى المايلين، الذي يعتبره بعض أطباء الأعصاب الكأس المقدسة لاكتساب المهارة. وهنا السبب. كل مهارة بشرية، سواء كانت لعب البيسبول أم لعب مقطوعة موسيقية لـ«باخ»، مصنوعة من سلسلة من الألياف العصبية تحمل موجة كهربائية متناهية الصغر بشكل أساسي، إنها إشارة ترتحل عبر دائرة كهربية. ودور المايلين الحيوي هو أن يلف على الألياف العصبية بنفس الطريقة التي يلف بها العازل المطاطي على سلك النحاس، مما يجعل الإشارة أقوى وأسرع من خلال منع الموجات الكهربية من التسرب. عندما نشعل دوائرنا الكهربية على النحو الصحيح، حين نتمرن على تطويح ذلك المضرب أو عزف تلك النغمة، فإن المايلين الخاص بنا يستجيب بلف طبقات من العزل حول تلك الدائرة العصبية، كل طبقة جديدة تضيف المزيد من المهارة والسرعة. وكلما زادت سماكة المايلين كلما تحسن عزله، وصارت حركاتنا وأفكارنا أسرع وأكثر دقة.
المايلين مهم لعدة أسباب.:
فهو عالمي: أي بوسع كل شخص تنميته بشكل أسرع طيلة الطفولة وطيلة الحياة أيضًا.
وغير انتقائي: فنموه يُمَكِّن من امتلاك كل المهارات الذهنية والبدنية.
وغير محسوس: لأننا لا يمكننا رؤيته أو الشعور به، ولا يمكننا استشعار نموه إلا عن طريق نتائجه التي تبدو سحرية.
الأهم من هذا كله، على أية حال، هو أن المايلين مهم لأنه يمدنا بنموذج حيوي جديد لفهم المهارة. وبذلك تكون المهارة هي عازل خلوي يغلف الدوائر العصبية وينمو استجابةً لإشارات معينة. فكلما أضفتَ المزيدَ من الوقت والطاقة في التمرين الصحيح -أي كلما مكثتَ أطول وقت في منطقة كلاريسة، تشعل الإشارات الصحيحة خلال دوائرك العصبية- كلما حصلت على المزيد من المهارة، أو لنقل على نحو مختلف اكتسبت المزيد من المايلين. كل كسب للمهارة، وكذلك كل مكامن الموهبة، يعملان وفق نفس قواعد الأداء، ولا يهم كيف يبدوان لنا مختلفين. وهكذا كما قال دكتور جورج برتازوكس، طبيب الأعصاب والباحث في مادة المايلين بجامعة كاليفورنيا، في لوس أنجلوس: «كل المهارات، واللغات، والموسيقى، والحركات مصنوعة من دوائر حية، وكل الدوائر تنمو وفق قواعد معينة».
على مدار الصفحات القادمة، سنرى هذه القواعد وهي قيد العمل، وذلك من خلال زيارة أفضل لاعبي كرة القدم في العالم، أو سارقي البنوك، وعازفي الكمان، والطيارين المقاتلين، الفنانين ولاعبي التزلج. سنكتشف بعض مكامن الموهبة المدهشة التي تتفوق لأسباب لا يقدر حتى أصحابها على تخمينها. سنلتقي بمجموعة متنوعة من علماء ومدرّبين ومدرسين وباحثين في الموهبة، يكتشفون أدوات جديدة لاكتساب المهارة. علاوة على ذلك سنكتشف طرقًا معينة يمكن أن تحدث فيها هذه الأدوات فرقًا في زيادة النتائج المرتقبة في حياتنا وحياة الآخرين من حولنا.
تبدو فكرة أن كل المهارات تنمو وفق نفس الآلية الخلوية غريبة ومفاجئة، لأن المهارات متنوعة بشكل مذهل. لكن مرة أخرى، كل تنوع هذا الكوكب مبني على آليات تكيفية مشتركة، التطور لا يكون بأي وسيلة أخرى. فالشجر الأحمر يختلف عن الورد لكن كلًا منهما ينمو من خلال عملية البناء الضوئي. تختلف الفيَلّة عن الأميبا، لكن كلا منهما يستخدم نفس الآلية الخلوية لتحويل الطعام إلى طاقة. لاعبو التنس والمغنون والرسامون لا يبدو أن لديهم الكثير من القواسم المشتركة، إلا أنهم جميعًا يحسنون من أدائهم من خلال التحسين التدريجي للتوقيت والسرعة والدقة، من خلال شحذ الشبكات العصبية والالتزام بقواعد شِفرة الموهبة- باختصار عن طريق زيادة نمو المايلين.
هذا الكتاب مقسم إلى ثلاثة أجزاء -التدريب العميق والاشتغال والتدريس المتخصص- تتطابق والعناصر الثلاثة الرئيسية في شِفرة الموهبة. كل عنصر مفيد في حد ذاته، لكن التقاءهم هو مفتاح صنع المهارة. نحِّ جانبًا عنصرًا تُبطِىء العملية. ادمجهم، حتى لست دقائق، وستبدأ الأشياء في التغير.
«يا إلهي» يقول ماكفرسون في حزن، «لو أن أحدًا بوسعه تعبئة ذلك السر في زجاجة لقدِّرت قيمته بالملايين».
هذا الكتاب عن فكرة بسيطة مفادها أن كلاريسة ومكامن الموهبة تعملان نفس الشيء. فهما ملتصقتان بآلية عصبية تبني المهارةَ فيها بأنماط معينة من التدريب محدد الغاية. ودون أن تعيا ذلك، تكونان قد دخلتا منطقة التعلم السريع، التي وإن كان يصعب تعبئتها في زجاجة، لكن يمكن، للعارفين كيفية ذلك، الوصول إليها. باختصار الذين حلُّوا رموز شِفرة الموهبة.
«شِفرة الموهبة» مبنية على اكتشافات علمية ثورية بخصوص عازل عصبي يسمى المايلين، الذي يعتبره بعض أطباء الأعصاب الكأس المقدسة لاكتساب المهارة. وهنا السبب. كل مهارة بشرية، سواء كانت لعب البيسبول أم لعب مقطوعة موسيقية لـ«باخ»، مصنوعة من سلسلة من الألياف العصبية تحمل موجة كهربائية متناهية الصغر بشكل أساسي، إنها إشارة ترتحل عبر دائرة كهربية. ودور المايلين الحيوي هو أن يلف على الألياف العصبية بنفس الطريقة التي يلف بها العازل المطاطي على سلك النحاس، مما يجعل الإشارة أقوى وأسرع من خلال منع الموجات الكهربية من التسرب. عندما نشعل دوائرنا الكهربية على النحو الصحيح، حين نتمرن على تطويح ذلك المضرب أو عزف تلك النغمة، فإن المايلين الخاص بنا يستجيب بلف طبقات من العزل حول تلك الدائرة العصبية، كل طبقة جديدة تضيف المزيد من المهارة والسرعة. وكلما زادت سماكة المايلين كلما تحسن عزله، وصارت حركاتنا وأفكارنا أسرع وأكثر دقة.
المايلين مهم لعدة أسباب.:
فهو عالمي: أي بوسع كل شخص تنميته بشكل أسرع طيلة الطفولة وطيلة الحياة أيضًا.
وغير انتقائي: فنموه يُمَكِّن من امتلاك كل المهارات الذهنية والبدنية.
وغير محسوس: لأننا لا يمكننا رؤيته أو الشعور به، ولا يمكننا استشعار نموه إلا عن طريق نتائجه التي تبدو سحرية.
الأهم من هذا كله، على أية حال، هو أن المايلين مهم لأنه يمدنا بنموذج حيوي جديد لفهم المهارة. وبذلك تكون المهارة هي عازل خلوي يغلف الدوائر العصبية وينمو استجابةً لإشارات معينة. فكلما أضفتَ المزيدَ من الوقت والطاقة في التمرين الصحيح -أي كلما مكثتَ أطول وقت في منطقة كلاريسة، تشعل الإشارات الصحيحة خلال دوائرك العصبية- كلما حصلت على المزيد من المهارة، أو لنقل على نحو مختلف اكتسبت المزيد من المايلين. كل كسب للمهارة، وكذلك كل مكامن الموهبة، يعملان وفق نفس قواعد الأداء، ولا يهم كيف يبدوان لنا مختلفين. وهكذا كما قال دكتور جورج برتازوكس، طبيب الأعصاب والباحث في مادة المايلين بجامعة كاليفورنيا، في لوس أنجلوس: «كل المهارات، واللغات، والموسيقى، والحركات مصنوعة من دوائر حية، وكل الدوائر تنمو وفق قواعد معينة».
على مدار الصفحات القادمة، سنرى هذه القواعد وهي قيد العمل، وذلك من خلال زيارة أفضل لاعبي كرة القدم في العالم، أو سارقي البنوك، وعازفي الكمان، والطيارين المقاتلين، الفنانين ولاعبي التزلج. سنكتشف بعض مكامن الموهبة المدهشة التي تتفوق لأسباب لا يقدر حتى أصحابها على تخمينها. سنلتقي بمجموعة متنوعة من علماء ومدرّبين ومدرسين وباحثين في الموهبة، يكتشفون أدوات جديدة لاكتساب المهارة. علاوة على ذلك سنكتشف طرقًا معينة يمكن أن تحدث فيها هذه الأدوات فرقًا في زيادة النتائج المرتقبة في حياتنا وحياة الآخرين من حولنا.
تبدو فكرة أن كل المهارات تنمو وفق نفس الآلية الخلوية غريبة ومفاجئة، لأن المهارات متنوعة بشكل مذهل. لكن مرة أخرى، كل تنوع هذا الكوكب مبني على آليات تكيفية مشتركة، التطور لا يكون بأي وسيلة أخرى. فالشجر الأحمر يختلف عن الورد لكن كلًا منهما ينمو من خلال عملية البناء الضوئي. تختلف الفيَلّة عن الأميبا، لكن كلا منهما يستخدم نفس الآلية الخلوية لتحويل الطعام إلى طاقة. لاعبو التنس والمغنون والرسامون لا يبدو أن لديهم الكثير من القواسم المشتركة، إلا أنهم جميعًا يحسنون من أدائهم من خلال التحسين التدريجي للتوقيت والسرعة والدقة، من خلال شحذ الشبكات العصبية والالتزام بقواعد شِفرة الموهبة- باختصار عن طريق زيادة نمو المايلين.
هذا الكتاب مقسم إلى ثلاثة أجزاء -التدريب العميق والاشتغال والتدريس المتخصص- تتطابق والعناصر الثلاثة الرئيسية في شِفرة الموهبة. كل عنصر مفيد في حد ذاته، لكن التقاءهم هو مفتاح صنع المهارة. نحِّ جانبًا عنصرًا تُبطِىء العملية. ادمجهم، حتى لست دقائق، وستبدأ الأشياء في التغير.
Page 4
الباب الأول: التدريب العميق
1
المنطقة المحببة
ستصبح بارعًا من خلال أخطائك
مثل ألماني
عشش هارفارد
في ديسمبر 2006، بدأتُ في زيارة أماكن صغيرة أفرزت قامات من الموهبة بحجم قمة إفرست(3). بدأتْ رحلتي من ملعب تنس آيل للسقوط في موسكو، ثم قادتني على مدار الأربعة عشر شهرًا، التي تلت ذلك، إلى ملعب كرة قدم في ساو بولو بالبرازيل، وستديو صوتيات في دالاس بتكساس، ومدرسة بوسط مدينة سان جوزيه بكاليفورنيا، وأكاديمية موسيقية متهالكة في جبال أديرونداك بولاية نيويورك، وإحدى جزر الكاريبي المهووسة بالبيسبول، وحفنة من أماكن أخرى صغيرة ومتواضعة جدًا، لكنها ذات إنجاز عملاق لدرجة أن صديقًا لقَّبها بـ"عشش هارفارد".
الشروع في الرحلة عرّضني لبعض الإشكاليات، أوْلاها كيف أوضح الأمر لزوجتي وأربعة أطفال صغار على نحو منطقي (أو قل: غير أهوج) قدر المستطاع. لذا قررتُ أن أصيغ الرحلة وكأنها إحدى البعثات الكبرى من ذلك النوع الذي قام به علماء الطبيعة في القرن التاسع عشر. وعقدتُ مقارنة جادة بين رحلتي ورحلة تشارلز داروين على متن السفينة بيجل، وشرحتُ بمهارة كيف أن أماكن صغيرة ومنعزلة تقدمِّ عيّنات وقوى أكثر، تشبه نوعًا ما علب بتري(4) لزراعة الخلايا. هذا الشرح بدا أنه قد أدى الغرض، على الأقل لفترة.
"بابا ذاهب للبحث عن كنز"، هكذا سمعتُ بالمصادفة ابنتي كاتي، ذات العشر سنوات تشرح بصبر لأخواتها الصغار: "أتعرفون تمامًا كما في حفلة عيد الميلاد".
بحث عن كنز وعيد ميلاد، في الحقيقة لم يكن ذلك ببعيدٍ عن المقصود. فالمكامن التسعة التي زُرتُها يكاد لا يكون بينها أي قاسم مشترك اللهم إلا التشكك البهيج في وجودها. فكل منها يستحيل وجوده إحصائيًا، كفأر لم يكن يزأر فقط، بل إنه استحوذ بطريقة ما على سلطة الحكم في الغابة. لكن كيف؟
أول مفتاح للغز جاء على هيئة نموذج غير متوقع. فحين شرعتُ في زيارة مكامن الموهبة، توقعتُ أن يصيبني الانبهار، وأن أشهد سرعة وقوة ورشاقة على مستوى عالمي. لم تخب تلك التوقعات، بل إنها فاقت المتوقع، طيلة منتصف المدة. فعلى مدار نصف المدة هذه، كان الوجود في مكمن للموهبة يشبه الوقوف وسط قطيع من غزلان مندفعة: حيث كل شيء يتحرك على نحو أسرع وأرشق مما هو عليه في الحياة اليومية. (فأنت لم يُمتحن إحساسك بذاتك العليا بعد، إلا حين يشفق عليك طفل في الثامنة من العمر، وأنت في ملعب تنس).
لكن ذلك كان طيلة نصف المدة. أما طيلة النصف الآخر للمدة، فلقد شاهدتُ شيئًا مختلفًا جدًا: لحظات من كفاح بطيءٍ متقطع، أو بالأحرى، شيء يشبه ما رأيتُه في فيديو كلاريسة. كما لو أن قطيع الغزلان المندفعة صادف منحدرًا مغطى بالثلج. فكبحوا جماحهم، فتوقفوا، ونظروا، ثم فكروا بعناية قبل اتخاذ كل خطوة. أصبح إحراز التقدم مسألة إخفاقات صغيرة، أو نموذجًا منظمًا من أفعال خرقاء، وشيئًا آخر أيضًا: ألا وهو تعبير وجه واحد. فنظرتهم المتوترة الحادة تجعلهم أشبه ما يكون (وأعلم أن هذا يبدو غريبًا) بإطلالة كلينت إيستوود المتحيرة.
لنتعرف إلى برونيو. هو في الحادي عشر من عمره، ويشتغل على حركة جديدة في كرة القدم في ملعب إسمنتي في مدينة ساو بولو بالبرازيل. إنه يتحرك ببطء، يستشعر تدحرج الكرة تحت فردة حذائه الرياضي الرخيص. إنه يحاول أن يتعلم حركة الإليستيكو، وهي مناورة بالكرة يقوم فيها بدفع الكرة برفق بوجه القدم الخارجي، ثم يلف قدمه حول الكرة بسرعة ليضربها بمشط قدم في الاتجاه المعاكس. إن تمت الحركة بشكل صحيح فهي تعطى للمشاهد انطباعًا بأن الكرة مربوطة برباط مطاطي. في أول مرة نشاهد برونيو يحاول أداء الحركة ويفشل ثم يتوقف ويفكر. يكرر فعلها ولكن على نحو أبطأ، ويفشل مرة أخرى، وتندفع الكرة بعيدًا. يتوقف ويفكر ثانية. يفعلها ثانية ولكن على نحو أكثر بطئًا، مُفككًا الحركة إلى مكوناتها، هذه وهذه وتلك. وجهه متوتر وعيناه مُرَكَزتان جدًا، ويبدو أنهما تنظران لمكان آخر. ثم ينجح الأمر: ها هو يبدأ في التمكن من الحركة.
ولنتعرف إلى جيني. إنها في الرابعة والعشرين من عمرها بستديو صوتيات ضيق في دالاس، وتعمل مع الكورس على أغنية "الوقت ينفد". إنها تحاول الإلمام بالخاتمة الكبيرة، التي تُحول فيها كلمة وقت إلى شلال من النغمات. إنها تحاول وتخفق بشدة، تتوقف وتفكر ثم تغنيها ثانية بسرعة أقل جدًا. في كل مرة تنسى فيها نغمة تتوقف وترجع للبداية أو للموضع الذي نسيته. جيني تغني وتتوقف، وتغني وتتوقف. وفجأة تتمكن من أداء الخاتمة. وتستقر المقاطع في أماكنها. وخلال المرة السادسة، تغني جيني الميزان الموسيقي بإتقان تام.
1
المنطقة المحببة
ستصبح بارعًا من خلال أخطائك
مثل ألماني
عشش هارفارد
في ديسمبر 2006، بدأتُ في زيارة أماكن صغيرة أفرزت قامات من الموهبة بحجم قمة إفرست(3). بدأتْ رحلتي من ملعب تنس آيل للسقوط في موسكو، ثم قادتني على مدار الأربعة عشر شهرًا، التي تلت ذلك، إلى ملعب كرة قدم في ساو بولو بالبرازيل، وستديو صوتيات في دالاس بتكساس، ومدرسة بوسط مدينة سان جوزيه بكاليفورنيا، وأكاديمية موسيقية متهالكة في جبال أديرونداك بولاية نيويورك، وإحدى جزر الكاريبي المهووسة بالبيسبول، وحفنة من أماكن أخرى صغيرة ومتواضعة جدًا، لكنها ذات إنجاز عملاق لدرجة أن صديقًا لقَّبها بـ"عشش هارفارد".
الشروع في الرحلة عرّضني لبعض الإشكاليات، أوْلاها كيف أوضح الأمر لزوجتي وأربعة أطفال صغار على نحو منطقي (أو قل: غير أهوج) قدر المستطاع. لذا قررتُ أن أصيغ الرحلة وكأنها إحدى البعثات الكبرى من ذلك النوع الذي قام به علماء الطبيعة في القرن التاسع عشر. وعقدتُ مقارنة جادة بين رحلتي ورحلة تشارلز داروين على متن السفينة بيجل، وشرحتُ بمهارة كيف أن أماكن صغيرة ومنعزلة تقدمِّ عيّنات وقوى أكثر، تشبه نوعًا ما علب بتري(4) لزراعة الخلايا. هذا الشرح بدا أنه قد أدى الغرض، على الأقل لفترة.
"بابا ذاهب للبحث عن كنز"، هكذا سمعتُ بالمصادفة ابنتي كاتي، ذات العشر سنوات تشرح بصبر لأخواتها الصغار: "أتعرفون تمامًا كما في حفلة عيد الميلاد".
بحث عن كنز وعيد ميلاد، في الحقيقة لم يكن ذلك ببعيدٍ عن المقصود. فالمكامن التسعة التي زُرتُها يكاد لا يكون بينها أي قاسم مشترك اللهم إلا التشكك البهيج في وجودها. فكل منها يستحيل وجوده إحصائيًا، كفأر لم يكن يزأر فقط، بل إنه استحوذ بطريقة ما على سلطة الحكم في الغابة. لكن كيف؟
أول مفتاح للغز جاء على هيئة نموذج غير متوقع. فحين شرعتُ في زيارة مكامن الموهبة، توقعتُ أن يصيبني الانبهار، وأن أشهد سرعة وقوة ورشاقة على مستوى عالمي. لم تخب تلك التوقعات، بل إنها فاقت المتوقع، طيلة منتصف المدة. فعلى مدار نصف المدة هذه، كان الوجود في مكمن للموهبة يشبه الوقوف وسط قطيع من غزلان مندفعة: حيث كل شيء يتحرك على نحو أسرع وأرشق مما هو عليه في الحياة اليومية. (فأنت لم يُمتحن إحساسك بذاتك العليا بعد، إلا حين يشفق عليك طفل في الثامنة من العمر، وأنت في ملعب تنس).
لكن ذلك كان طيلة نصف المدة. أما طيلة النصف الآخر للمدة، فلقد شاهدتُ شيئًا مختلفًا جدًا: لحظات من كفاح بطيءٍ متقطع، أو بالأحرى، شيء يشبه ما رأيتُه في فيديو كلاريسة. كما لو أن قطيع الغزلان المندفعة صادف منحدرًا مغطى بالثلج. فكبحوا جماحهم، فتوقفوا، ونظروا، ثم فكروا بعناية قبل اتخاذ كل خطوة. أصبح إحراز التقدم مسألة إخفاقات صغيرة، أو نموذجًا منظمًا من أفعال خرقاء، وشيئًا آخر أيضًا: ألا وهو تعبير وجه واحد. فنظرتهم المتوترة الحادة تجعلهم أشبه ما يكون (وأعلم أن هذا يبدو غريبًا) بإطلالة كلينت إيستوود المتحيرة.
لنتعرف إلى برونيو. هو في الحادي عشر من عمره، ويشتغل على حركة جديدة في كرة القدم في ملعب إسمنتي في مدينة ساو بولو بالبرازيل. إنه يتحرك ببطء، يستشعر تدحرج الكرة تحت فردة حذائه الرياضي الرخيص. إنه يحاول أن يتعلم حركة الإليستيكو، وهي مناورة بالكرة يقوم فيها بدفع الكرة برفق بوجه القدم الخارجي، ثم يلف قدمه حول الكرة بسرعة ليضربها بمشط قدم في الاتجاه المعاكس. إن تمت الحركة بشكل صحيح فهي تعطى للمشاهد انطباعًا بأن الكرة مربوطة برباط مطاطي. في أول مرة نشاهد برونيو يحاول أداء الحركة ويفشل ثم يتوقف ويفكر. يكرر فعلها ولكن على نحو أبطأ، ويفشل مرة أخرى، وتندفع الكرة بعيدًا. يتوقف ويفكر ثانية. يفعلها ثانية ولكن على نحو أكثر بطئًا، مُفككًا الحركة إلى مكوناتها، هذه وهذه وتلك. وجهه متوتر وعيناه مُرَكَزتان جدًا، ويبدو أنهما تنظران لمكان آخر. ثم ينجح الأمر: ها هو يبدأ في التمكن من الحركة.
ولنتعرف إلى جيني. إنها في الرابعة والعشرين من عمرها بستديو صوتيات ضيق في دالاس، وتعمل مع الكورس على أغنية "الوقت ينفد". إنها تحاول الإلمام بالخاتمة الكبيرة، التي تُحول فيها كلمة وقت إلى شلال من النغمات. إنها تحاول وتخفق بشدة، تتوقف وتفكر ثم تغنيها ثانية بسرعة أقل جدًا. في كل مرة تنسى فيها نغمة تتوقف وترجع للبداية أو للموضع الذي نسيته. جيني تغني وتتوقف، وتغني وتتوقف. وفجأة تتمكن من أداء الخاتمة. وتستقر المقاطع في أماكنها. وخلال المرة السادسة، تغني جيني الميزان الموسيقي بإتقان تام.
Page 5
عندما نرى الناس تتمرن بفعالية، عادة ما نصف الأمر بكلمة من قبيل قوة الإرادة أو التركيز. إلا أن هذه الكلمات غير مناسبة تمامًا لأنها لا تقبض على تفصيلة ارتقاء المنحدر الثلجي الخاصة بالحدث. فالناس في مكامن الموهبة تنخرط في حركة تبدو من الخارج غريبة ومفاجئة. فهم ينشدون التلال الزلقة. ومثلما فعلت كلاريسة، فهم يشتغلون عمدًا بآخر حدود قدرتهم، لذا سيفشلون تمامًا. وبطريقة ما فإن الفشل يحسِّن من أدائهم. فكيف ذلك؟
إن محاولة وصف الموهبة الجماعية للاعبي كرة القدم البرازيليين لهي أشبه بوصف قانون الجاذبية الأرضية. يمكنك قياسها، كأس العالم خمس مرات، تسعمائة أو أكثر من المواهب الصغيرة التي توقع كل عام للنوادي الأوربية المحترفة. أو يمكنك تسمية كوكبة من النجوم الأفذاذ مثل بيليه وزيكو وسقراط وروماريو ورونالدو وجونينيو وروبينيو ورونالدينهو وكاكا، وآخرين نالوا لقب "أفضل لاعب في العالم". إلا أنك في النهاية لا يمكنك التقاط قوة الموهبة البرازيلية ووضعها في هيئة أرقام أو أسماء. لا بد وأن تحسّ. كل يوم يشاهد جمهور الكرة المشهد الأساسي: مجموعة من لاعبي الفريق الخصم تحيط باللاعب البرازيلي دون أن تترك له خيارات أو مساحة أو أمل. ثم حركة تمويه راقصة حيلة وحركة خاطفة وانطلاقة سريعة وفجأة يكون اللاعب البرازيلي في أمان، مبتعدًا عن خصومه المرتبكين الآن بثقة عفوية لشخص يخطو خارج باص مزدحم. في كل يوم تحقق البرازيل شيئًا غاية في الصعوبة وغير متوقع: في لعبة يتنافس فيها العالم كله على نحو محموم، وما زالت تنتج نسبة عالية بشكل عجيب من اللاعبين الأكثر مهارة.
إن الطريقة التقليدية لشرح هذا النوع من الموهبة المركزة هي أن ترجعها إلى تركيبة من الجينات والبيئة أو ما يُعرف باسم الطبيعة والتغذية. إذن بطريقة التفكير هذه، تكون البرازيل عظيمة لأنها تملك تجميعة فريدة من العوامل: مناخ لطيف، وشغف كبير بكرة القدم، وتعداد سكاني متنوع جينيًا يقدر بنحو 190 مليون نسمة، 40 في المائة منهم فقراء جدًا، ويرغبون في الفرار من ذلك من خلال "اللعبة الساحرة". ضع العوامل كلها معًا ثم ها هو ذا- صار لديك المصنع المثالي للتفوق الكروي.
لكن توجد مشكلة صغيرة بخصوص هذا التفسير: فالبرازيل لم تكن دائما المنتج العظيم للاعبي كرة القدم. ففي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ومع المناخ اللطيف والشغف والفقر الموجود حينها بقوة، لم ينتج المصنع المثالي نتائج باهرة، فلم يفز أبدًا بكأس العالم، ولم يتمكن من التغلب على المجر، القوة العظمى في ذلك الحين خلال أربع محاولات، ولم تظهر إلا بضع مهارات ارتجالية باهرة سيُعرف بها فيما بعد. لم تكن حتى عام 1958 البرازيل، التي يعرفها العالم الآن قد وصلت بالفعل، لتشكيل فريق متألق برز فيه بيليه ابن السبعة عشر ربيعًا، إلا في بطولة كأس العالم بالسويد(5). ولو أن البرازيل يومًا ما خلال العقد القادم سوف تفقد على نحو فظيع مكانتها البارزة في الرياضة (كما فعلت المجر بشكل أفظع)، عندئذ سيغادرنا الجدل حول كون البرازيل الفريق الفريد من نوعه، من دون ردة فعل ممكنة أكثر من هز الكتفين في استهجان والاحتفاء بالفريق البطل الجديد، الذي سيمتلك بلا شك مجموعة من الميزات كلها تخصه وحده.
إذن، كيف تنتج البرازيل الكثير من اللاعبين العظام؟
الإجابة المفاجئة هي أن البرازيل تنتج لاعبين عظامًا لأنها منذ الخمسينيات واللاعبين البرازيليين يتدربون بطريقة خاصة، وبأداة خاصة طورت من مهارة التعامل مع الكرة أسرع من أي مكان آخر في العالم. وكأنهم أمة كل أفرادها كلاريسة، لقد وجدوا طريقة لزيادة معدل سرعة التعلم، ومثلها تماما فإنهم بالكاد واعون بالأمر. إنني أطلق على هذا النوع من التدريب، التدريب العميق، وكما سنرى، فإنه يسري على ما هو أكثر من كرة القدم.
إن أفضل طريقة لاستيعاب مفهوم التدريب العميق هو ممارسته. خذ بضع ثوانٍ للاطلاع على القائمتين التاليتين: وامضِ نفس الوقت على كل قائمة.
أ ب
بحر/ نسيم خبز/ ز_دة
ورقة/ شجرة موسيقى/ ك_مات
حلو/ مر حذ_ء/ جورب
فيلم/ ممثلة تليفون/ كت_ب
بنزين/ محرك تشي_ز/ صلصا
مدرسة ثانوي/ كلية قلم ر_اص/ ورقة
ديك رومي/ حشو نهر/ ق_رب
فاكهة/ خضروات ب_رة/ نبيذ
كمبيوتر/ رقاقة إلكترونية تليفزيون/ راد_و
كرسي/ أريكة غ_اء/ عشاء
الآن اقلب الصفحة. ودون أن تنظر، حاول أن تتذكر أكبر عدد من أزواج الكلمات بقدر المستطاع. من أي العمودين تذكرت أغلب الكلمات؟
لو أنك مثل معظم الناس، وإن لم يكن أكثر: فإنك ستتذكر أكثر كلمات العمود ب التي تحتوي على أحرف ناقصة. تظهر الدراسات بأنك ستتذكر ثلاث مرات على الأكثر. إن الأمر كما لو أن مهارات الحفظ لديك في تلك الثواني القليلة شُحذت فجأة. لو كان هذا اختبارًا، لكان معدل درجاتك في العمود ب أعلى بنسبة 300 في المائة.
إن محاولة وصف الموهبة الجماعية للاعبي كرة القدم البرازيليين لهي أشبه بوصف قانون الجاذبية الأرضية. يمكنك قياسها، كأس العالم خمس مرات، تسعمائة أو أكثر من المواهب الصغيرة التي توقع كل عام للنوادي الأوربية المحترفة. أو يمكنك تسمية كوكبة من النجوم الأفذاذ مثل بيليه وزيكو وسقراط وروماريو ورونالدو وجونينيو وروبينيو ورونالدينهو وكاكا، وآخرين نالوا لقب "أفضل لاعب في العالم". إلا أنك في النهاية لا يمكنك التقاط قوة الموهبة البرازيلية ووضعها في هيئة أرقام أو أسماء. لا بد وأن تحسّ. كل يوم يشاهد جمهور الكرة المشهد الأساسي: مجموعة من لاعبي الفريق الخصم تحيط باللاعب البرازيلي دون أن تترك له خيارات أو مساحة أو أمل. ثم حركة تمويه راقصة حيلة وحركة خاطفة وانطلاقة سريعة وفجأة يكون اللاعب البرازيلي في أمان، مبتعدًا عن خصومه المرتبكين الآن بثقة عفوية لشخص يخطو خارج باص مزدحم. في كل يوم تحقق البرازيل شيئًا غاية في الصعوبة وغير متوقع: في لعبة يتنافس فيها العالم كله على نحو محموم، وما زالت تنتج نسبة عالية بشكل عجيب من اللاعبين الأكثر مهارة.
إن الطريقة التقليدية لشرح هذا النوع من الموهبة المركزة هي أن ترجعها إلى تركيبة من الجينات والبيئة أو ما يُعرف باسم الطبيعة والتغذية. إذن بطريقة التفكير هذه، تكون البرازيل عظيمة لأنها تملك تجميعة فريدة من العوامل: مناخ لطيف، وشغف كبير بكرة القدم، وتعداد سكاني متنوع جينيًا يقدر بنحو 190 مليون نسمة، 40 في المائة منهم فقراء جدًا، ويرغبون في الفرار من ذلك من خلال "اللعبة الساحرة". ضع العوامل كلها معًا ثم ها هو ذا- صار لديك المصنع المثالي للتفوق الكروي.
لكن توجد مشكلة صغيرة بخصوص هذا التفسير: فالبرازيل لم تكن دائما المنتج العظيم للاعبي كرة القدم. ففي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، ومع المناخ اللطيف والشغف والفقر الموجود حينها بقوة، لم ينتج المصنع المثالي نتائج باهرة، فلم يفز أبدًا بكأس العالم، ولم يتمكن من التغلب على المجر، القوة العظمى في ذلك الحين خلال أربع محاولات، ولم تظهر إلا بضع مهارات ارتجالية باهرة سيُعرف بها فيما بعد. لم تكن حتى عام 1958 البرازيل، التي يعرفها العالم الآن قد وصلت بالفعل، لتشكيل فريق متألق برز فيه بيليه ابن السبعة عشر ربيعًا، إلا في بطولة كأس العالم بالسويد(5). ولو أن البرازيل يومًا ما خلال العقد القادم سوف تفقد على نحو فظيع مكانتها البارزة في الرياضة (كما فعلت المجر بشكل أفظع)، عندئذ سيغادرنا الجدل حول كون البرازيل الفريق الفريد من نوعه، من دون ردة فعل ممكنة أكثر من هز الكتفين في استهجان والاحتفاء بالفريق البطل الجديد، الذي سيمتلك بلا شك مجموعة من الميزات كلها تخصه وحده.
إذن، كيف تنتج البرازيل الكثير من اللاعبين العظام؟
الإجابة المفاجئة هي أن البرازيل تنتج لاعبين عظامًا لأنها منذ الخمسينيات واللاعبين البرازيليين يتدربون بطريقة خاصة، وبأداة خاصة طورت من مهارة التعامل مع الكرة أسرع من أي مكان آخر في العالم. وكأنهم أمة كل أفرادها كلاريسة، لقد وجدوا طريقة لزيادة معدل سرعة التعلم، ومثلها تماما فإنهم بالكاد واعون بالأمر. إنني أطلق على هذا النوع من التدريب، التدريب العميق، وكما سنرى، فإنه يسري على ما هو أكثر من كرة القدم.
إن أفضل طريقة لاستيعاب مفهوم التدريب العميق هو ممارسته. خذ بضع ثوانٍ للاطلاع على القائمتين التاليتين: وامضِ نفس الوقت على كل قائمة.
أ ب
بحر/ نسيم خبز/ ز_دة
ورقة/ شجرة موسيقى/ ك_مات
حلو/ مر حذ_ء/ جورب
فيلم/ ممثلة تليفون/ كت_ب
بنزين/ محرك تشي_ز/ صلصا
مدرسة ثانوي/ كلية قلم ر_اص/ ورقة
ديك رومي/ حشو نهر/ ق_رب
فاكهة/ خضروات ب_رة/ نبيذ
كمبيوتر/ رقاقة إلكترونية تليفزيون/ راد_و
كرسي/ أريكة غ_اء/ عشاء
الآن اقلب الصفحة. ودون أن تنظر، حاول أن تتذكر أكبر عدد من أزواج الكلمات بقدر المستطاع. من أي العمودين تذكرت أغلب الكلمات؟
لو أنك مثل معظم الناس، وإن لم يكن أكثر: فإنك ستتذكر أكثر كلمات العمود ب التي تحتوي على أحرف ناقصة. تظهر الدراسات بأنك ستتذكر ثلاث مرات على الأكثر. إن الأمر كما لو أن مهارات الحفظ لديك في تلك الثواني القليلة شُحذت فجأة. لو كان هذا اختبارًا، لكان معدل درجاتك في العمود ب أعلى بنسبة 300 في المائة.
Page 6
لم يزد معدل ذكائك في أثناء نظرك للعمود ب. ولم تشعر باختلاف. ولم تُصب بالعبقرية (للأسف). لكن حين صادفت الكلمات الناقصة، حدث شيء ما دقيق جدًا وعميق جدًا. توقفت. تلعثمت لفترة وجيزة جدًا، ثم تبينتها. لقد كافحت لمدة جزء من الثانية، وذلك الجزء من الثانية هو ما صنع كل هذا الاختلاف. أنت لم تقم بتمرين أصعب حين نظرت إلى العمود ب. أنت فقط تدربت بعمق.
مثال آخر: لنقل إنك في حفلة وتحاول جاهدًا أن تتذكر اسم شخص ما. لو أن أحدًا ما أعطاك ذلك الاسم، فإن احتماليات نسيانك إياه ثانية تكون عالية. لكن لو تمكنت من استرجاع الاسم بطريقتك - بمعنى أن تشعل الإشارة بنفسك، بدلا من أن تستقبل المعلومة بطريقة سلبية - فإنك بذلك ستحفره في ذاكرتك. وليس ذلك لأن الاسم أكثر أهمية على نحو ما، أو لأن ذاكرتك تحسنت، لكن ببساطة لأنك تدربت بعمق.
أو لنقل إنك على متن طائرة، وأنك شاهدت عددًا لا يحصى من المرات، المضيفة وهي تعطي شرحًا واضحًا مختصرًا لمدة دقيقة عن كيفية إرتداء سترة النجاة. "ضع السترة عليك سريعًا" هكذا تقول التعليمات، "شد رباط الحزامين الأسودين عند مقدمة السترة. وانفخ السترة بجذب الشريط الأحمر الى الأسفل". بعد مضي ساعة من رحلة الطيران، تتمايل الطائرة ويأتي صوت الكابتن بإلحاح عاجل عبر نظام الاتصال الداخلي يطلب من الركاب وضع ستر النجاة الخاصة بهم. كيف ستتمكن من فِعْل ذلك سريعًا؟ كيف يلتف الحزامان الأسودان؟ وما وظيفة الشرائط الحمراء ثانية؟
إليك سيناريو بديل: نفس رحلة الطيران، لكن هذه المرة بدلا من ملاحظة شرح آخر عن سترة النجاة، أنت تجربها. تضع السترة البلاستيكية الصفراء عليك ثم تعبث في الشرائط والأحزمة. بعد ساعة، تتمايل الطائرة ويأتي صوت الكابتن عبر نظام الاتصال الداخلي. كيف ستكون سرعتك حينئذ؟
التدريب العميق مبني على مفارقة: الاجتهاد بطرق معينة مستهدفة - الشغل بأقصى حدود قدرتك بحيث ترتكب الأخطاء - مما يجعلك أكثر ذكاءً. أو بصيغة مختلفة نوعًا ما، هو أن تتدرب على أن تجبر نفسك أن تبطئ من سرعتها وترتكب أخطاءً وتصححها، كما لو أنك تصعد تلا مغطى بالثلج، تنزلق وتتعثر كلما تقدمت، فينتهي بك الأمر وقد صرت سريعًا ورشيقًا دون أن تدرك ذلك.
"إننا نفكر في أداءٍ لا عناء فيه، ويكون أيضا محببًا للنفس، لكنها طريقة فظيعة للتعلم"، قال روبرت بيورك، الرجل الذي طوَّر المثالين السابقين. قضى بيورك، رئيس قسم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، أغلب سني عمره في التعمق في أسئلة الذاكرة والتعلم. إنه رجل مرح متعدد الثقافات، وهو ماهر سواء في مناقشة منحنيات اضمحلال الذاكرة أو كيف أنه على نجم الدوري الأمريكي لكرة السلة للمحترفين، شاكيل أونيل، المعروف عنه أنه مريع في الرميات الحرة، أن يتدرب عليها من مسافات عجيبة، 14 و16 قدمًا، بدلًا من المسافة الطبيعية 15 قدمًا. (تشخيص بيورك: "أن شاكيل يحتاج لتطوير قدرته على تعديل برامجه الحركية. وإلى أن يتم هذا فسيظل فظيعًا").
"الأشياء التي تبدو عراقيل تتحول بعد سنوات طويلة إلى أمور محببة للنفس"، قال بيورك: "محكٌ واحدٌ حقيقي، وإن كان لبضع ثوان، لهو أكثر إفادة من مئات الملاحظات". ينوّه بيورك إلى تجربة أجراها هنري روديجر بجامعة واشنطن بسان لويس، حيث تم تقسيم الطلبة إلى مجموعتين لدراسة نص في التاريخ الطبيعي. المجموعة (أ) درست الورقة على مدار أربع محاضرات. أما المجموعة (ب) فقد درسته مرة واحدة فقط واختبرت فيه ثلاث مرات. بعد أسبوع تمّ اختبار كلٍّ من المجموعتين، وكانت درجات المجموعة ب أعلى من المجموعة أ بنسبة 50 في المائة. فلقد ذاكروا بمقدر الربع، ومع ذلك تعلموا أكثر. (قالت كاثرين فريتز، إحدى طالبات بيورك، إنها طبقت هذه الأفكار على دروسها المدرسية ورفعت درجاتها إلى الدرجة النهائية بينما ذاكرت بمقدار النصف).
والسبب، كما شرح بيورك، يكمن في الطريقة التي بنيت بها عقولنا. وقال: "إننا نميل إلى تصور ذاكرتنا على أنها شريط تسجيل، لكن ذلك ليس صحيحًا. إنها كيان حي، سقالة ذات حجم يكاد يكون لا نهائيًا. كلما ولّدنا موجات وصادفنا صعوبات وتخطيناها كلما بنينا سقالة أطول. وكلما بنينا سقالة أطول كلما تعلمنا أسرع".
عندما تتدرب بعمق، فإن قواعد العالم التقليدية تتوقف. فأنت تستخدم الوقت بفاعلية أكثر. وتثمر مجهوداتك الصغيرة نتائج كبيرة تدوم. لقد وضعت نفسك في موضع القدرة الفاعلة بحيث يمكنك الإمساك بالفشل وتحويله إلى مهارة. الحيلة هي أن تختار لنفسك هدفًا يفوق قدراتك الحالية، لتحديد الصراع. إن الضربات الارتجالية لا تجدي. أما الوصول للهدف فينفع.
"الموضوع برمته هو أن تجد المنطقة المحببة"، قال بيورك "توجد فتحة ضيقة بين ما تعرفه وما تحاول فعله. حين تجد تلك المنطقة المحببة تحقق أعلى نسبة تعلُّم"(6)..
التدريب العميق مفهوم غريب لسببين. السبب الأول، أنه يخالف حدسنا حيال الموهبة. فحدسنا يخبرنا أن التدريب مرتبط بالموهبة بنفس الطريقة التي يرتبط بها حجر المِسَنّ بالسكين: فهو حيوي لكنه بلا فائدة من دون شِفرة صلبة لما نطلق عليه القدرة الطبيعية. فالتدريب العميق يزيد من الإمكانات الخلابة: بأن التدريب قد يكون الطريقة التي تشحذ بها الشِفرة الصلبة نفسها.
والسبب الثاني، الذي يجعل التدريب العميق غريبًا هو، أنه يتناول الأحداث التي عادة ما نسعى لتحاشيها، وأعني بها الأخطاء، ويحوِّلها لمهارات. ولكي نفهم كيف يعمل التدريب العميق، فمن المفيد أولًا الأخذ بعين الاعتبار الأهمية القصوى وغير المتوقعة للأخطاء بالنسبة لعملية التعلم. في الواقع دعنا نتأمل مثلًا مُبالغًا فيه، ولنضعه في صيغة استفسار: كيف ستُحَسِّن من أدائك لشيء ما حين يكون ارتكاب خطأ قد يؤدي لفقدان حياتك؟
حيلة إيدوين لينك الفذة
في شتاء 1934، كانت لدى الرئيس فرانكلين روزفلت مشكلة. وهي أن طياري فيلق الطيران بالجيش الأمريكي وهم وفق كل التقديرات أكثر رجال الجيش مهارةً واستعدادًا للقتال كانوا يموتون في حوادث تحطم. ففي 23 فبراير غرق طيار عند هبوطه بعيدًا عن سواحل نيوجيرسي، في حين قُتل اخر عندما انقلبت طائرته في قناة بتكساس. وفي 9 مارس مات أربعة طيارين آخرين عندما تحطمت طائراتهم في فلوريدا، وأوهايو، ووايومنج. لم يكن سبب المجزرة الحرب. لقد كان الطيارون ببساطة يحاولون الطيران في العواصف الشتوية لتسليم البريد الأمريكي.
أمكن اقتفاء أثر الحوادث مما قاد إلى فضيحة مؤسسية. فلقد كشف تحقيق أجراه مؤخرًا مجلس الشيوخ عن وجود خطة بين خطوط الطيران التجارية المتعاقدة على نقل البريد الأمريكي على تثبيت السعر عند عدة ملايين دولار. وعلى الفور رد الرئيس روزفلت بإلغاء التعاقدات. ومن أجل توصيل البريد، استدعى الرئيس الفيلق الجوي الذي كان جنرالاته متلهفين لإثبات استعداد وشجاعة طياريهم. (كما أرادوا أيضًا أن يُظهروا لروزفلت أن الفيلق الجوي يستحق شعبةً عسكريةً شاملة أسوة بالجيش والأسطول). ولقد كان الجنرالات عمومًا على حق بخصوص طياري الفيلق الجوي: فلقد كانوا مستعدين وشجعانًا. لكن في العواصف الشتوية القاسية لعام 1934، ظل طيارو الفيلق الجوي يتعرضون لحوادث تحطم. في صبيحة 10 مارس، وبعد موت الطيار التاسع في غضون عشرين يومًا، استدعى الرئيس فرانكلين روزفلت الجنرال بنجامين فولويس، قائد الفيلق الجوي، إلى البيت الأبيض "أيها الجنرال"، قال الرئيس بعنف، "متى ستنتهي حوادث البريد الجوي المميتة؟".
مثال آخر: لنقل إنك في حفلة وتحاول جاهدًا أن تتذكر اسم شخص ما. لو أن أحدًا ما أعطاك ذلك الاسم، فإن احتماليات نسيانك إياه ثانية تكون عالية. لكن لو تمكنت من استرجاع الاسم بطريقتك - بمعنى أن تشعل الإشارة بنفسك، بدلا من أن تستقبل المعلومة بطريقة سلبية - فإنك بذلك ستحفره في ذاكرتك. وليس ذلك لأن الاسم أكثر أهمية على نحو ما، أو لأن ذاكرتك تحسنت، لكن ببساطة لأنك تدربت بعمق.
أو لنقل إنك على متن طائرة، وأنك شاهدت عددًا لا يحصى من المرات، المضيفة وهي تعطي شرحًا واضحًا مختصرًا لمدة دقيقة عن كيفية إرتداء سترة النجاة. "ضع السترة عليك سريعًا" هكذا تقول التعليمات، "شد رباط الحزامين الأسودين عند مقدمة السترة. وانفخ السترة بجذب الشريط الأحمر الى الأسفل". بعد مضي ساعة من رحلة الطيران، تتمايل الطائرة ويأتي صوت الكابتن بإلحاح عاجل عبر نظام الاتصال الداخلي يطلب من الركاب وضع ستر النجاة الخاصة بهم. كيف ستتمكن من فِعْل ذلك سريعًا؟ كيف يلتف الحزامان الأسودان؟ وما وظيفة الشرائط الحمراء ثانية؟
إليك سيناريو بديل: نفس رحلة الطيران، لكن هذه المرة بدلا من ملاحظة شرح آخر عن سترة النجاة، أنت تجربها. تضع السترة البلاستيكية الصفراء عليك ثم تعبث في الشرائط والأحزمة. بعد ساعة، تتمايل الطائرة ويأتي صوت الكابتن عبر نظام الاتصال الداخلي. كيف ستكون سرعتك حينئذ؟
التدريب العميق مبني على مفارقة: الاجتهاد بطرق معينة مستهدفة - الشغل بأقصى حدود قدرتك بحيث ترتكب الأخطاء - مما يجعلك أكثر ذكاءً. أو بصيغة مختلفة نوعًا ما، هو أن تتدرب على أن تجبر نفسك أن تبطئ من سرعتها وترتكب أخطاءً وتصححها، كما لو أنك تصعد تلا مغطى بالثلج، تنزلق وتتعثر كلما تقدمت، فينتهي بك الأمر وقد صرت سريعًا ورشيقًا دون أن تدرك ذلك.
"إننا نفكر في أداءٍ لا عناء فيه، ويكون أيضا محببًا للنفس، لكنها طريقة فظيعة للتعلم"، قال روبرت بيورك، الرجل الذي طوَّر المثالين السابقين. قضى بيورك، رئيس قسم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، أغلب سني عمره في التعمق في أسئلة الذاكرة والتعلم. إنه رجل مرح متعدد الثقافات، وهو ماهر سواء في مناقشة منحنيات اضمحلال الذاكرة أو كيف أنه على نجم الدوري الأمريكي لكرة السلة للمحترفين، شاكيل أونيل، المعروف عنه أنه مريع في الرميات الحرة، أن يتدرب عليها من مسافات عجيبة، 14 و16 قدمًا، بدلًا من المسافة الطبيعية 15 قدمًا. (تشخيص بيورك: "أن شاكيل يحتاج لتطوير قدرته على تعديل برامجه الحركية. وإلى أن يتم هذا فسيظل فظيعًا").
"الأشياء التي تبدو عراقيل تتحول بعد سنوات طويلة إلى أمور محببة للنفس"، قال بيورك: "محكٌ واحدٌ حقيقي، وإن كان لبضع ثوان، لهو أكثر إفادة من مئات الملاحظات". ينوّه بيورك إلى تجربة أجراها هنري روديجر بجامعة واشنطن بسان لويس، حيث تم تقسيم الطلبة إلى مجموعتين لدراسة نص في التاريخ الطبيعي. المجموعة (أ) درست الورقة على مدار أربع محاضرات. أما المجموعة (ب) فقد درسته مرة واحدة فقط واختبرت فيه ثلاث مرات. بعد أسبوع تمّ اختبار كلٍّ من المجموعتين، وكانت درجات المجموعة ب أعلى من المجموعة أ بنسبة 50 في المائة. فلقد ذاكروا بمقدر الربع، ومع ذلك تعلموا أكثر. (قالت كاثرين فريتز، إحدى طالبات بيورك، إنها طبقت هذه الأفكار على دروسها المدرسية ورفعت درجاتها إلى الدرجة النهائية بينما ذاكرت بمقدار النصف).
والسبب، كما شرح بيورك، يكمن في الطريقة التي بنيت بها عقولنا. وقال: "إننا نميل إلى تصور ذاكرتنا على أنها شريط تسجيل، لكن ذلك ليس صحيحًا. إنها كيان حي، سقالة ذات حجم يكاد يكون لا نهائيًا. كلما ولّدنا موجات وصادفنا صعوبات وتخطيناها كلما بنينا سقالة أطول. وكلما بنينا سقالة أطول كلما تعلمنا أسرع".
عندما تتدرب بعمق، فإن قواعد العالم التقليدية تتوقف. فأنت تستخدم الوقت بفاعلية أكثر. وتثمر مجهوداتك الصغيرة نتائج كبيرة تدوم. لقد وضعت نفسك في موضع القدرة الفاعلة بحيث يمكنك الإمساك بالفشل وتحويله إلى مهارة. الحيلة هي أن تختار لنفسك هدفًا يفوق قدراتك الحالية، لتحديد الصراع. إن الضربات الارتجالية لا تجدي. أما الوصول للهدف فينفع.
"الموضوع برمته هو أن تجد المنطقة المحببة"، قال بيورك "توجد فتحة ضيقة بين ما تعرفه وما تحاول فعله. حين تجد تلك المنطقة المحببة تحقق أعلى نسبة تعلُّم"(6)..
التدريب العميق مفهوم غريب لسببين. السبب الأول، أنه يخالف حدسنا حيال الموهبة. فحدسنا يخبرنا أن التدريب مرتبط بالموهبة بنفس الطريقة التي يرتبط بها حجر المِسَنّ بالسكين: فهو حيوي لكنه بلا فائدة من دون شِفرة صلبة لما نطلق عليه القدرة الطبيعية. فالتدريب العميق يزيد من الإمكانات الخلابة: بأن التدريب قد يكون الطريقة التي تشحذ بها الشِفرة الصلبة نفسها.
والسبب الثاني، الذي يجعل التدريب العميق غريبًا هو، أنه يتناول الأحداث التي عادة ما نسعى لتحاشيها، وأعني بها الأخطاء، ويحوِّلها لمهارات. ولكي نفهم كيف يعمل التدريب العميق، فمن المفيد أولًا الأخذ بعين الاعتبار الأهمية القصوى وغير المتوقعة للأخطاء بالنسبة لعملية التعلم. في الواقع دعنا نتأمل مثلًا مُبالغًا فيه، ولنضعه في صيغة استفسار: كيف ستُحَسِّن من أدائك لشيء ما حين يكون ارتكاب خطأ قد يؤدي لفقدان حياتك؟
حيلة إيدوين لينك الفذة
في شتاء 1934، كانت لدى الرئيس فرانكلين روزفلت مشكلة. وهي أن طياري فيلق الطيران بالجيش الأمريكي وهم وفق كل التقديرات أكثر رجال الجيش مهارةً واستعدادًا للقتال كانوا يموتون في حوادث تحطم. ففي 23 فبراير غرق طيار عند هبوطه بعيدًا عن سواحل نيوجيرسي، في حين قُتل اخر عندما انقلبت طائرته في قناة بتكساس. وفي 9 مارس مات أربعة طيارين آخرين عندما تحطمت طائراتهم في فلوريدا، وأوهايو، ووايومنج. لم يكن سبب المجزرة الحرب. لقد كان الطيارون ببساطة يحاولون الطيران في العواصف الشتوية لتسليم البريد الأمريكي.
أمكن اقتفاء أثر الحوادث مما قاد إلى فضيحة مؤسسية. فلقد كشف تحقيق أجراه مؤخرًا مجلس الشيوخ عن وجود خطة بين خطوط الطيران التجارية المتعاقدة على نقل البريد الأمريكي على تثبيت السعر عند عدة ملايين دولار. وعلى الفور رد الرئيس روزفلت بإلغاء التعاقدات. ومن أجل توصيل البريد، استدعى الرئيس الفيلق الجوي الذي كان جنرالاته متلهفين لإثبات استعداد وشجاعة طياريهم. (كما أرادوا أيضًا أن يُظهروا لروزفلت أن الفيلق الجوي يستحق شعبةً عسكريةً شاملة أسوة بالجيش والأسطول). ولقد كان الجنرالات عمومًا على حق بخصوص طياري الفيلق الجوي: فلقد كانوا مستعدين وشجعانًا. لكن في العواصف الشتوية القاسية لعام 1934، ظل طيارو الفيلق الجوي يتعرضون لحوادث تحطم. في صبيحة 10 مارس، وبعد موت الطيار التاسع في غضون عشرين يومًا، استدعى الرئيس فرانكلين روزفلت الجنرال بنجامين فولويس، قائد الفيلق الجوي، إلى البيت الأبيض "أيها الجنرال"، قال الرئيس بعنف، "متى ستنتهي حوادث البريد الجوي المميتة؟".
Page 7
لقد كان سؤالا جيدًا ذلك، الذي وجَّهه روزفلت لمشروع تدريب الطيارين كله. التدريب الأوَّلي للطيارين بُني على اعتقاد راسخ وهو أن الطيارين الجيدين يولدون هكذا ولا تتم صناعتهم. أغلب البرامج اتبعت الإجراء نفسه: يأخذ المعلم الطالب المحتمل على متن الطائرة ويقوم بتنفيذ سلسلة من التحليقات والدورانات. فإن لم يصب الطالب بالتعب، يتم اعتباره على أنه ذو قدرة ليصبح طيارًا، وتدريجيا يسمح له، بعد عدة أسابيع في المدرسة الأساسية، بالقيادة. تعلم المتدربون من خلال تدريبات التحرك البطيء على الأرض، وحَجْلة البطريق بطائرات قصيرة ذات أجنحة، وإما أن يطيروا ويحجلوا. (وكان لقب ليندي المحظوظ(7) مستحقًا بجدارة). إلا أن النظام لم يعمل جيدًا. أول المعدلات المفجعة في مدارس الطيران الحربية اقتربت من 25 في المائة، ففي عام 1912 مات ثمانية طيارين من الجيش الأمريكي من أصل أربعة عشر طيارًا في حوادث تحطم. ومع حلول عام 1934 تحسنت التقنيات والتكنولوجيا في حين ظل التدريب بدائيًّا. نكسة البريد الجوي، ومشكلة روزفلت التي سرعان ما صارت معروفة، أثارت بحدة السؤال التالي: هل هناك طريقة أفضل لتعلم الطيران؟
جاءت الإجابة من مصدر غير متوقع: إيدوين ألبرت لينك، الصغير، ابن صانع بيانو وأرغون من مدينة بينجامتون بولاية نيويورك، الذي تربّى وهو يعمل في مصنع أبيه. كان لينك، النحيل، ذو الأنف المنقاري، والعنيد بشكل أسطوري، سمكريًا بالسليقة. وحين كان في السادسة عشر من عمره أُغرم بالطيران، وتلقى درسًا بقيمة 50 دولارًا على يد سيدني شابلن (الأخ غير الشقيق لنجم السينما). "بالنسبة لأفضل جزء في تلك الساعة هو أننا قمنا بالتحليق والدوران وملأنا كل شيء على مرمى البصر ضجيجًا". قال لينك فيما بعد متذكرًا "والحمد لله لم أتعب، لكن حين هبطنا لم ألمس عجلة القيادة مطلقًا. ساعتها فكرت: إنها لطريقة لعينة لتعليم أحد ما الطيران".
زاد افتتان لينك. وبدأ يحوم حول الطيارين الاستعراضيين يستجدي منهم الدروس. لكن أباه لم يُقدِّر اهتمامه بالطيران، وعلى الفور فصله من مصنع الأرغون بمجرد اكتشافه للأمر. إلا أن لينك ظل على ما فيه، وفي نهاية المطاف اشترى طائرة ماركة سيسنا ذات الأربعة مقاعد. وفي ذات الوقت ظل عقله السمكري يقلب فكرة تطوير تدريب الطيارين. في عام 1927، أي بعد سبع سنوات من درسه الأول مع شابلن، مضى لينك للعمل. استعار من مصنع الأرغون مضخات هوائية، وبنى جهازًا كبس فيه عناصر الطائرة الأولية في مساحة تزيد قليلًا على مساحة حوض الاستحمام. وبرزت من الجهاز أجنحة قصيرة وكبيرة قادرة على الإمساك بأي شيء، وذيل صغير، ولوحة قيادة، وموتور كهربائي جعل الجهاز يدوِّي ويهتز وينحرف استجابة لقيادة الطيار. وضوء صغير يُضيء عندما يرتكب الطيار خطأً. وأطلق عليه لينك اسم "طائرة لينك التدريبية لتعليم الطيران" ووضع إعلانًا: إنه يعلم الطيران العادي والطيران الآلي، وهو القدرة على الطيران دون رؤية عبر الضباب والعواصف مع الاعتماد على المعايير القياسية وحدها. وأنه سيعلم الطيارين الطيران في نصف الوقت المعتاد للتدريب مقابل مبلغ تافه من المال.
أن نقول إن العالم أغفل الطرف عن جهاز لينك التدريبي فلن يكون ذلك دقيقًا. الحقيقة كانت، أن العالم نظر إلى الأمر برمته وأصدر كلمة لم تكن حاسمة ومدوية. لم يظهر الاهتمام بجهاز لينك على أي شخص اتصل به، لا الأكاديميات العسكرية ولا مدارس الطيران الخاصة ولا حتى طياري العروض الاستعراضية. ففي النهاية كيف يمكنك تعلم الطيران في لعبة أطفال؟ ولم يكن أقل من دائرة تسجيل براءات الاختراع الأمريكية، أن أعلنت أن جهاز لينك هو "جهاز للتسلية مربح وجديد". وهكذا بدا أن الجهاز أصبح مخصصًا لذلك. فبينما باع لينك من طائرته التدريبية خمسين قطعة لحدائق الملاهي والممرات الترفيهية ذات الألعاب التي تعمل بالعملات المعدنية، وصلت قطعتان لأماكن تدريب حقيقية: واحدة باعها لمهبط طائرات تابع للأسطول في مدينة بينساكولا، بولاية فلوريدا، والأخرى أقرضها لوحدة نيوجيرسي للحرس الوطني في مدينة نيو أرك. ومع أوائل الثلاثينيات انحدرت الحال بلينك، فصار يسحب إحدى طائراته التدريبية على شاحنة مسطحة إلى ساحات المقاطعة نظير خمسة وعشرين سنتًا للركوبة الواحدة.
وحين حلت نكسة البريد الجوي في شتاء 1934، أصاب اليأس، مع ذلك، مجموعة من قادة سلاح الطيران. كاسي جونز، طيار حربي محنك كان قد درب العديد من طياري الجيش، تذكر طائرة لينك التدريبية وأقنع مجموعة من ضباط الفيلق الجوي بإعادة النظر في الأمر. مع بداية شهر مارس، تم استدعاء لينك ليطير من مدينته كورتلاند بولاية نيويورك إلى مدينة نيو أرك، ليشرح كيفية عمل طائرته التدريبية التي أقرضها للحرس الوطني. كان اليوم المتفق عليه غائمًا وانعدمت فيه الرؤية مع رياح مؤذية ومطر. وخمن قادة الفيلق الجوي، بعد أن صاروا على دراية بالنتائج الممكن حدوثها في هذه المخاطر، أنه لا يمكن لطيار، مهما كان شجاعًا أو ماهرًا، الطيران في مثل هذا الطقس. كانوا على وشك مغادرة الساحة حين تناهى إلى مسامعهم ما يشبه أزيز طائرة في السماء بين السحب، تهبط بثبات. ثم ظهرت طائرة لينك كما لو أنها شبح تجسد على مقربة بضعة أقدام أعلى مهبط الطائرات، ثم قَبَّلت الأرض وهي تهبط هبوطًا متقنًا وزحفت على المهبط حتى وصلت إلى الجنرالات المندهشين. صاحبنا النحيل لم يكن يشبه تشارلز ليندبرج، لكنه حلق مثله تمامًا، وتعلم ذلك على آلة، ليس أكثر. ثم شرع لينك في شرح عمل طائرته التدريبية، في واحدة من أولى الحالات المسجلة التي تغلبت فيها قوة الاستذكار النظري على التقاليد العسكرية، وفهم الضباط إمكاناتها. وطلب الجنرالات أول شحنة من طائرات لينك التدريبية. وبعد مُضِيّ سبع سنوات، بدأت الحرب العالمية الثانية، ومعها تنامت الحاجة إلى تحويل آلاف الشباب غير المدرّب إلى طيارين بأسرع وأأمن وسيلة ممكنة. تلك الحاجة لبتِّها عشرة آلاف طائرة من طائرات لينك التدريبية، ومع نهاية الحرب، سجل نصف مليون طيار ملايين الساعات داخل ما أطلقوا عليه بإعزاز "الصندوق الأزرق(8)" (9). وفي عام 1947 أصبح الفيلق الجوي الأمريكي القوات الجوية الأمريكية، ومضى لينك في بناء أجهزة محاكاة لطائرات نفاثة وقاذفات قنابل ونموذج لمركبة قمرية لبرنامج أبوللو للفضاء.
عملت طائرة إيدوين لينك التدريبية جيدًا لذات السبب الذي جعلك تحرز درجات أفضل بنسبة 300 في المائة في اختبار بيورك للكلمات الناقصة. لقد أتاحت طائرة لينك التدريبية للطيارين أن يتدربوا على نحو أكثر عمقًا، أن يتوقفوا ويجتهدوا ويرتكبوا الأخطاء ويتعلموا منها. ففي غضون بضع ساعات على طائرة لينك التدريبية، تمكن الطيار من «الإقلاع» و»الهبوط» لعشرات المرات على الآلات. بإمكانه القيادة، ثم فقدان التحكم في القيادة، ثم استعادتها، وهو يقضي الساعات في المنطقة المحببة له، يعمل بأقصى قدراته وبطرق لم يكن بوسعه المخاطرة بعملها في طائرة حقيقية. طيارو الفيلق الجوي الذين تدربوا على طائرات لينك التدريبية ليسوا أشجع أو أذكى ممن تحطمت بهم طائراتهم. إنهم ببساطة أُتيحت لهم الفرصة للتدرب على نحو أكثر عمقًا.
فكرة التدريب العميق هذه تنمي الحس المثالي في التدرب للوظائف الخطيرة مثل الطيارين المقاتلين ورواد الفضاء. وتصبح أكثر إثارة مع ذلك حين نطبقها على أنواع أخرى من المهارات. على سبيل المثال مثل مهارات لاعبي الكرة البرازيليين.
جاءت الإجابة من مصدر غير متوقع: إيدوين ألبرت لينك، الصغير، ابن صانع بيانو وأرغون من مدينة بينجامتون بولاية نيويورك، الذي تربّى وهو يعمل في مصنع أبيه. كان لينك، النحيل، ذو الأنف المنقاري، والعنيد بشكل أسطوري، سمكريًا بالسليقة. وحين كان في السادسة عشر من عمره أُغرم بالطيران، وتلقى درسًا بقيمة 50 دولارًا على يد سيدني شابلن (الأخ غير الشقيق لنجم السينما). "بالنسبة لأفضل جزء في تلك الساعة هو أننا قمنا بالتحليق والدوران وملأنا كل شيء على مرمى البصر ضجيجًا". قال لينك فيما بعد متذكرًا "والحمد لله لم أتعب، لكن حين هبطنا لم ألمس عجلة القيادة مطلقًا. ساعتها فكرت: إنها لطريقة لعينة لتعليم أحد ما الطيران".
زاد افتتان لينك. وبدأ يحوم حول الطيارين الاستعراضيين يستجدي منهم الدروس. لكن أباه لم يُقدِّر اهتمامه بالطيران، وعلى الفور فصله من مصنع الأرغون بمجرد اكتشافه للأمر. إلا أن لينك ظل على ما فيه، وفي نهاية المطاف اشترى طائرة ماركة سيسنا ذات الأربعة مقاعد. وفي ذات الوقت ظل عقله السمكري يقلب فكرة تطوير تدريب الطيارين. في عام 1927، أي بعد سبع سنوات من درسه الأول مع شابلن، مضى لينك للعمل. استعار من مصنع الأرغون مضخات هوائية، وبنى جهازًا كبس فيه عناصر الطائرة الأولية في مساحة تزيد قليلًا على مساحة حوض الاستحمام. وبرزت من الجهاز أجنحة قصيرة وكبيرة قادرة على الإمساك بأي شيء، وذيل صغير، ولوحة قيادة، وموتور كهربائي جعل الجهاز يدوِّي ويهتز وينحرف استجابة لقيادة الطيار. وضوء صغير يُضيء عندما يرتكب الطيار خطأً. وأطلق عليه لينك اسم "طائرة لينك التدريبية لتعليم الطيران" ووضع إعلانًا: إنه يعلم الطيران العادي والطيران الآلي، وهو القدرة على الطيران دون رؤية عبر الضباب والعواصف مع الاعتماد على المعايير القياسية وحدها. وأنه سيعلم الطيارين الطيران في نصف الوقت المعتاد للتدريب مقابل مبلغ تافه من المال.
أن نقول إن العالم أغفل الطرف عن جهاز لينك التدريبي فلن يكون ذلك دقيقًا. الحقيقة كانت، أن العالم نظر إلى الأمر برمته وأصدر كلمة لم تكن حاسمة ومدوية. لم يظهر الاهتمام بجهاز لينك على أي شخص اتصل به، لا الأكاديميات العسكرية ولا مدارس الطيران الخاصة ولا حتى طياري العروض الاستعراضية. ففي النهاية كيف يمكنك تعلم الطيران في لعبة أطفال؟ ولم يكن أقل من دائرة تسجيل براءات الاختراع الأمريكية، أن أعلنت أن جهاز لينك هو "جهاز للتسلية مربح وجديد". وهكذا بدا أن الجهاز أصبح مخصصًا لذلك. فبينما باع لينك من طائرته التدريبية خمسين قطعة لحدائق الملاهي والممرات الترفيهية ذات الألعاب التي تعمل بالعملات المعدنية، وصلت قطعتان لأماكن تدريب حقيقية: واحدة باعها لمهبط طائرات تابع للأسطول في مدينة بينساكولا، بولاية فلوريدا، والأخرى أقرضها لوحدة نيوجيرسي للحرس الوطني في مدينة نيو أرك. ومع أوائل الثلاثينيات انحدرت الحال بلينك، فصار يسحب إحدى طائراته التدريبية على شاحنة مسطحة إلى ساحات المقاطعة نظير خمسة وعشرين سنتًا للركوبة الواحدة.
وحين حلت نكسة البريد الجوي في شتاء 1934، أصاب اليأس، مع ذلك، مجموعة من قادة سلاح الطيران. كاسي جونز، طيار حربي محنك كان قد درب العديد من طياري الجيش، تذكر طائرة لينك التدريبية وأقنع مجموعة من ضباط الفيلق الجوي بإعادة النظر في الأمر. مع بداية شهر مارس، تم استدعاء لينك ليطير من مدينته كورتلاند بولاية نيويورك إلى مدينة نيو أرك، ليشرح كيفية عمل طائرته التدريبية التي أقرضها للحرس الوطني. كان اليوم المتفق عليه غائمًا وانعدمت فيه الرؤية مع رياح مؤذية ومطر. وخمن قادة الفيلق الجوي، بعد أن صاروا على دراية بالنتائج الممكن حدوثها في هذه المخاطر، أنه لا يمكن لطيار، مهما كان شجاعًا أو ماهرًا، الطيران في مثل هذا الطقس. كانوا على وشك مغادرة الساحة حين تناهى إلى مسامعهم ما يشبه أزيز طائرة في السماء بين السحب، تهبط بثبات. ثم ظهرت طائرة لينك كما لو أنها شبح تجسد على مقربة بضعة أقدام أعلى مهبط الطائرات، ثم قَبَّلت الأرض وهي تهبط هبوطًا متقنًا وزحفت على المهبط حتى وصلت إلى الجنرالات المندهشين. صاحبنا النحيل لم يكن يشبه تشارلز ليندبرج، لكنه حلق مثله تمامًا، وتعلم ذلك على آلة، ليس أكثر. ثم شرع لينك في شرح عمل طائرته التدريبية، في واحدة من أولى الحالات المسجلة التي تغلبت فيها قوة الاستذكار النظري على التقاليد العسكرية، وفهم الضباط إمكاناتها. وطلب الجنرالات أول شحنة من طائرات لينك التدريبية. وبعد مُضِيّ سبع سنوات، بدأت الحرب العالمية الثانية، ومعها تنامت الحاجة إلى تحويل آلاف الشباب غير المدرّب إلى طيارين بأسرع وأأمن وسيلة ممكنة. تلك الحاجة لبتِّها عشرة آلاف طائرة من طائرات لينك التدريبية، ومع نهاية الحرب، سجل نصف مليون طيار ملايين الساعات داخل ما أطلقوا عليه بإعزاز "الصندوق الأزرق(8)" (9). وفي عام 1947 أصبح الفيلق الجوي الأمريكي القوات الجوية الأمريكية، ومضى لينك في بناء أجهزة محاكاة لطائرات نفاثة وقاذفات قنابل ونموذج لمركبة قمرية لبرنامج أبوللو للفضاء.
عملت طائرة إيدوين لينك التدريبية جيدًا لذات السبب الذي جعلك تحرز درجات أفضل بنسبة 300 في المائة في اختبار بيورك للكلمات الناقصة. لقد أتاحت طائرة لينك التدريبية للطيارين أن يتدربوا على نحو أكثر عمقًا، أن يتوقفوا ويجتهدوا ويرتكبوا الأخطاء ويتعلموا منها. ففي غضون بضع ساعات على طائرة لينك التدريبية، تمكن الطيار من «الإقلاع» و»الهبوط» لعشرات المرات على الآلات. بإمكانه القيادة، ثم فقدان التحكم في القيادة، ثم استعادتها، وهو يقضي الساعات في المنطقة المحببة له، يعمل بأقصى قدراته وبطرق لم يكن بوسعه المخاطرة بعملها في طائرة حقيقية. طيارو الفيلق الجوي الذين تدربوا على طائرات لينك التدريبية ليسوا أشجع أو أذكى ممن تحطمت بهم طائراتهم. إنهم ببساطة أُتيحت لهم الفرصة للتدرب على نحو أكثر عمقًا.
فكرة التدريب العميق هذه تنمي الحس المثالي في التدرب للوظائف الخطيرة مثل الطيارين المقاتلين ورواد الفضاء. وتصبح أكثر إثارة مع ذلك حين نطبقها على أنواع أخرى من المهارات. على سبيل المثال مثل مهارات لاعبي الكرة البرازيليين.
Page 8
سلاح البرازيل السري
مثل كثير من مشجعي الرياضة حول العالم، كان المدرّب سيمون كليفورد مبهورًا بمهارات لاعبي كرة القدم البرازيليين الخارقة. إلا أنه، وخلافًا لأغلب المشجعين، قرر أن يذهب للبرازيل ليرى إن كان بمقدوره أن يكتشف كيف طوروا تلك المهارات. كانت هذه مبادرة طموحةً على نحو غير عادي من جانب كليفورد، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه اكتسب خبراته التدريبية في مدرسة كاثوليكية ابتدائية بمدينة ليدز، التي لم تكن مكمنًا لكرة القدم، بإنجلترا. مع أن كليفورد ليس من النوع الذي قد تطلق عليه عاديًا. فهو طويل القامة وسيم بحيوية ويشع بذلك النوع من الثقة الجذابة المضادة للرصاص التى عادةً ما تصاحب التَبشِيريّين والأباطرة. (في أوائل عشرينياته أُصيب كليفورد إصابة بالغة في حادث كرة قدم مريع ويعاني من تلف في عضو داخلي، استئصال كلى وربما لذلك يقترب يومًا فيوم من الحماسة المفرطة). في صيف 1997، عندما كان في السادسة والعشرين من عمره، اقترض كليفورد مبلغ ثمانية آلاف دولار من نقابة المدرّسين التابع لها، وبدأ رحلته للبرازيل يحمل حقيبة ظهر، كاميرا فيديو ودفترًا مليئًا بأرقام هواتف اِحتال لأخذها من لاعب برازيلي كان قد التقى به.
وهناك قضى كليفورد أغلب وقته في استكشاف ساحات ساو بولو المحتشدة، ينام ليلًا في أماكن للمبيت تعج بالصراصير، ويدوِّن بالنهار ملاحظاته. رأى أشياءً توقعها: الشغف، المنهج، ومراكز التدريب المُنظمة لحد كبير، والدورات التدريبية الطويلة. (يسجل اللاعبون المراهقون في أكاديميات كرة القدم البرازيلية عشرين ساعة تدريبية في الأسبوع، مقارنة بخمس ساعات في الأسبوع لنظرائهم البريطانيين). رأى فقر الأحياء الشعبية المُدْقِع، والإحباط في أعين اللاعبين.
لكن كليفورد رأى أيضًا شيئًا لم يتوقعه: لعبة غريبة. تشبه كرة القدم إذا تم لعبها داخل كابينة تليفون، وحقنها بالأمفيتامينات. كرتُها كانت نصف الحجم التقليدي وأثقل مرتين، فكانت بالكاد تنط. ولم يكن اللاعبون يتدربون، على مساحة واسعة من النجيلة، ولكن على رُقع بحجم ملعب كرة سلة لها أرضية من الإسمنت، الخشب، أو التراب. وبدلًا من الأحد عشر لاعبًا يوجد على كل جانب خمسة أو ستة لاعبين. في إيقاعها وسرعتها الجنونية، كانت اللعبة أقرب ما تكون للبيسبول أو الهوكي أكثر منها لكرة القدم: فقد كانت تتألف من سلسلة من التمريرات السريعة والمحكمة مع حركة لا تتوقف من المرمى إلى المرمى. وكانت تدعى: futebol de salao، وتعني بالبرتغالية «كرة قدم الغرفة». وتجسيدها العصري يطلق عليه الكرة الخماسية.
«كان من الواضح لي أن هذا هو المكان الذي ولدت فيه المواهب البرازيلية»، قال كليفورد. «لقد كان الأمر بمثابة العثور على الحلقة المفقودة».
تم ابتكار الكرة الخماسية في عام 1930، كبديل للتدريب في يوم ممطر عن طريق مدرّب من الأوروجواي. وعلى الفور وضع البرازيليون أيديهم عليها وسنوا أولى قواعدها في عام 1936. ومنذ ذلك الحين انتشرت اللعبةكالفيروس، وبخاصة في مدن البرازيل المزدحمة، وسرعان ما احتلت مكانة مميزة في الثقافة البرازيلية الرياضية. أمم كثيرة لعبت الكرة الخماسية، لكن البرازيل أصابها الهوس باللعبة بشكل فريد، جزئيًا لأن اللعبة يمكن لعبها في أي مكان (وليست هذه بميزة صغيرة في بلد تندر فيه الملاعب الخضراء). لقد تنامت كرة القدم الخماسية وسيطرت على شغف الأطفال البرازيليين مثلما سيطرت كرة سلة الشوارع على شغف أطفال الأحياء القديمة في أمريكا. تحتل البرازيل عرش هذه الرياضة في شكلها المنظم، فلقد فازت بـ35 مسابقة دولية من أصل 38، بحسب ما ورد عن فيسنتي فيجيريدو في كتابه «تاريخ الكرة الخماسية». لكن ذلك الرقم يشير فقط إلى الوقت والجهد والطاقة التي تصبها البرازيل في هذه اللعبة المحلية الغريبة. وكما كتب ألكس بيلوس، صاحب كتاب «كرة القدم على الطريقة البرازيلية» فإن كرة القدم الخماسية تعتبر «حاضنة الروح البرازيلية».
وانعكس الاحتضان في سير اللاعبين. فمن بيليه وصاعدًا، كل لاعب برازيلي كبير كان قد لعب فعليًّا الكرة الخماسية في صغره، في الحي أولًا وبعد ذلك في أكاديميات كرة القدم في البرازيل، حيث يكرس من هم في السابعة إلى نحو اثني عشر عامًا ثلاثة أيام في الأسبوع بشكل مميز للكرة الخماسية. يقضي اللاعب المميز البرازيلي آلاف الساعات في اللعبة. جونينيو العظيم، على سبيل المثال، قال إنه لم يركل كرة كاملة الحجم على النجيلة إلى أن صار في الرابعة عشر من عمره. روبينهو إلى أن وصل للثانية عشرة من عمره كان قد قضى نصف وقته في التدريب في لعب الكرة الخماسية(10).
مثلما يميز صانع النبيذ عصرة العنب الرائعة، بوسع خبير كالدكتور إيميليو ميراندا، أستاذ كرة القدم بجامعة ساو بولو، أن يميز وصلات كرة الخماسية في الحيل الكروية البرازيلية. ماذا عن حركة الإليستيكو التي اشتهر بها رونالدينهو، دفع الكرة وسحبها كاليويو؟ لقد تم ابتكارها في لعبة الكرة الخماسية. وماذا عن هدف رونالدو الذي سجله بطرف قدمه في كأس العالم 2002؟ إنها الكرة الخماسية مرة أخرى. وحركات مثل الديسبيرو والباريت والفيزلينة؟ كلها جاءت من الكرة الخماسية. عندما أخبرت ميراندا أنني كنت أتصور أن البرازيليين بنوا مهاراتهم عن طريق لعب كرة القدم على الشاطئ، ضحك. "يطير الصحفيون إلى هنا ويذهبون إلى الشاطئ، يلتقطون الصور ويكتبون القصص. لكن اللاعبين العظام لا يأتون من الشاطئ بل من ملاعب الكرة الخماسية".
سبب واحد يكمن في المعادلة الرياضية. فلاعبو الكرة الخماسية يلمسون الكرة أكثر بكثير من لاعبي كرة القدم، أكثر من ست مرات في الدقيقة الواحدة بحسب دراسة قامت بها جامعة لفيربول. فالكرة الأصغر حجمًا والأثقل وزنًا تتطلب وتمنح أيضا مهارات دقيقة للتعامل مع الكرة، فكما يوضح المدرّبون فأنت لا يمكنك الخروج ببساطة من حيز ضيق بركل الكرة ناحية أرجاء الملعب. التمريرات الحادة هي السمة الغالبة: فاللعبة كلها تتعلق بالبحث عن زوايا ومساحات والعمل بسرعة على توفيقات مع اللاعبين الآخرين. التحكم في الكرة والرؤية أمران حاسمان، لذا حين يلعب لاعبو الكرة الخماسية كرة القدم في حجمها الكامل، فإنهم يشعرون كما لو أن لديهم أفدنة من المساحات المفتوحة للعمل فيها. وعندما شاهدتُ مباريات احترافية في ملاعب مكشوفة في ساو بولو بصحبة دكتور ميراندا، كان يشير إلى اللاعبين الذين كانوا يلعبون كرة خماسية، وكان بوسعه قوْل ذلك من طريقة احتفاظهم بالكرة. لم يهتموا لمدى اقتراب الخصم منهم. وكما لخص دكتور ميراندا الأمر، "ضيق الوقت والمساحة يساوي مهارات أفضل. الكرة الخماسية هي مختبرنا الوطني للارتجال".
بمعنى آخر، البرازيل مختلفة عن سائر العالم لأنها توظف لديها البديل الرياضي لطائرة لينك التدريبية. الكرة الخماسية ضغطت مهارات كرة القدم الرئيسية داخل صندوق صغير، إنها تضع اللاعبين داخل منطقة التدريب العميق، يصنعون الأخطاء ويصححونها، يوجدون حلولا على الدوام لمشكلات حية. اللاعبون الذين يلمسون الكرة 600 في المائة أكثر غالبًا ما يتعلمون، دون إدراك ذلك، أسرع مما لو كانوا في ساحة تتواثب فيها الكرة في مباراة خارجية (حيث يجري اللاعبون يصاحبهم، في بالي على الأقل، شريط صوتي لكلاريسة وهي تزمِّر معزوفة "الدانوب الأزرق").
للتوضيح، الكرة الخماسية ليست هي السبب الوحيد لعظمة الكرة البرازيلية. الأسباب الأخرى التي غالبًا ما يتم التنويه بها –المناخ والشغف بالكرة والفقر– تهم بالفعل. لكن الكرة الخماسية هي الرافعة التي تنقل من خلالها العوامل الأخرى مفعولها.
عندما رأى سيمون كليفورد الكرة الخماسية، تحمس جدًا. عاد إلى بلده، ترك مهنة التدريس، وأسس الاتحاد الدولي للكرة الخماسيةفي غرفة شاغرة في منزله، وطور برنامجًا لكرة القدم لطلبة المدارس الابتدائية والثانوية وسمّاه مدرسة الكرة البرازيلية. ونظم سلسلة مدروسة من التدريبات ترتكز على حركات الكرة الخماسية. ولقد شرع لاعبوه، وأغلبهم جاءوا من مناطق فقيرة وصعبة بمدينة ليدز، في محاكاة حركات زيكو ورونالدينهو. ولإضفاء الجو الملائم، شغل كليفورد موسيقى السامبا على جهاز استريو متنقل.
لنعد خطوة إلى الوراء، ونلقي نظرة موضوعية على ما كان يفعله كليفورد. كان يُجري تجربة ليرى إن كان بالإمكان استزراع مصنع المواهب البرازيلية ذي المليون قدم في بلدٍ أجنبي آخر من خلال هذه اللعبة الصغيرة البسيطة. كان يراهن على أن لعب الكرة الخماسية سيجعل بذرة السحر البرازيلي الوقادة تضرب بجذورها في أرض ليدز الباردة والمعتمة.
مثل كثير من مشجعي الرياضة حول العالم، كان المدرّب سيمون كليفورد مبهورًا بمهارات لاعبي كرة القدم البرازيليين الخارقة. إلا أنه، وخلافًا لأغلب المشجعين، قرر أن يذهب للبرازيل ليرى إن كان بمقدوره أن يكتشف كيف طوروا تلك المهارات. كانت هذه مبادرة طموحةً على نحو غير عادي من جانب كليفورد، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه اكتسب خبراته التدريبية في مدرسة كاثوليكية ابتدائية بمدينة ليدز، التي لم تكن مكمنًا لكرة القدم، بإنجلترا. مع أن كليفورد ليس من النوع الذي قد تطلق عليه عاديًا. فهو طويل القامة وسيم بحيوية ويشع بذلك النوع من الثقة الجذابة المضادة للرصاص التى عادةً ما تصاحب التَبشِيريّين والأباطرة. (في أوائل عشرينياته أُصيب كليفورد إصابة بالغة في حادث كرة قدم مريع ويعاني من تلف في عضو داخلي، استئصال كلى وربما لذلك يقترب يومًا فيوم من الحماسة المفرطة). في صيف 1997، عندما كان في السادسة والعشرين من عمره، اقترض كليفورد مبلغ ثمانية آلاف دولار من نقابة المدرّسين التابع لها، وبدأ رحلته للبرازيل يحمل حقيبة ظهر، كاميرا فيديو ودفترًا مليئًا بأرقام هواتف اِحتال لأخذها من لاعب برازيلي كان قد التقى به.
وهناك قضى كليفورد أغلب وقته في استكشاف ساحات ساو بولو المحتشدة، ينام ليلًا في أماكن للمبيت تعج بالصراصير، ويدوِّن بالنهار ملاحظاته. رأى أشياءً توقعها: الشغف، المنهج، ومراكز التدريب المُنظمة لحد كبير، والدورات التدريبية الطويلة. (يسجل اللاعبون المراهقون في أكاديميات كرة القدم البرازيلية عشرين ساعة تدريبية في الأسبوع، مقارنة بخمس ساعات في الأسبوع لنظرائهم البريطانيين). رأى فقر الأحياء الشعبية المُدْقِع، والإحباط في أعين اللاعبين.
لكن كليفورد رأى أيضًا شيئًا لم يتوقعه: لعبة غريبة. تشبه كرة القدم إذا تم لعبها داخل كابينة تليفون، وحقنها بالأمفيتامينات. كرتُها كانت نصف الحجم التقليدي وأثقل مرتين، فكانت بالكاد تنط. ولم يكن اللاعبون يتدربون، على مساحة واسعة من النجيلة، ولكن على رُقع بحجم ملعب كرة سلة لها أرضية من الإسمنت، الخشب، أو التراب. وبدلًا من الأحد عشر لاعبًا يوجد على كل جانب خمسة أو ستة لاعبين. في إيقاعها وسرعتها الجنونية، كانت اللعبة أقرب ما تكون للبيسبول أو الهوكي أكثر منها لكرة القدم: فقد كانت تتألف من سلسلة من التمريرات السريعة والمحكمة مع حركة لا تتوقف من المرمى إلى المرمى. وكانت تدعى: futebol de salao، وتعني بالبرتغالية «كرة قدم الغرفة». وتجسيدها العصري يطلق عليه الكرة الخماسية.
«كان من الواضح لي أن هذا هو المكان الذي ولدت فيه المواهب البرازيلية»، قال كليفورد. «لقد كان الأمر بمثابة العثور على الحلقة المفقودة».
تم ابتكار الكرة الخماسية في عام 1930، كبديل للتدريب في يوم ممطر عن طريق مدرّب من الأوروجواي. وعلى الفور وضع البرازيليون أيديهم عليها وسنوا أولى قواعدها في عام 1936. ومنذ ذلك الحين انتشرت اللعبةكالفيروس، وبخاصة في مدن البرازيل المزدحمة، وسرعان ما احتلت مكانة مميزة في الثقافة البرازيلية الرياضية. أمم كثيرة لعبت الكرة الخماسية، لكن البرازيل أصابها الهوس باللعبة بشكل فريد، جزئيًا لأن اللعبة يمكن لعبها في أي مكان (وليست هذه بميزة صغيرة في بلد تندر فيه الملاعب الخضراء). لقد تنامت كرة القدم الخماسية وسيطرت على شغف الأطفال البرازيليين مثلما سيطرت كرة سلة الشوارع على شغف أطفال الأحياء القديمة في أمريكا. تحتل البرازيل عرش هذه الرياضة في شكلها المنظم، فلقد فازت بـ35 مسابقة دولية من أصل 38، بحسب ما ورد عن فيسنتي فيجيريدو في كتابه «تاريخ الكرة الخماسية». لكن ذلك الرقم يشير فقط إلى الوقت والجهد والطاقة التي تصبها البرازيل في هذه اللعبة المحلية الغريبة. وكما كتب ألكس بيلوس، صاحب كتاب «كرة القدم على الطريقة البرازيلية» فإن كرة القدم الخماسية تعتبر «حاضنة الروح البرازيلية».
وانعكس الاحتضان في سير اللاعبين. فمن بيليه وصاعدًا، كل لاعب برازيلي كبير كان قد لعب فعليًّا الكرة الخماسية في صغره، في الحي أولًا وبعد ذلك في أكاديميات كرة القدم في البرازيل، حيث يكرس من هم في السابعة إلى نحو اثني عشر عامًا ثلاثة أيام في الأسبوع بشكل مميز للكرة الخماسية. يقضي اللاعب المميز البرازيلي آلاف الساعات في اللعبة. جونينيو العظيم، على سبيل المثال، قال إنه لم يركل كرة كاملة الحجم على النجيلة إلى أن صار في الرابعة عشر من عمره. روبينهو إلى أن وصل للثانية عشرة من عمره كان قد قضى نصف وقته في التدريب في لعب الكرة الخماسية(10).
مثلما يميز صانع النبيذ عصرة العنب الرائعة، بوسع خبير كالدكتور إيميليو ميراندا، أستاذ كرة القدم بجامعة ساو بولو، أن يميز وصلات كرة الخماسية في الحيل الكروية البرازيلية. ماذا عن حركة الإليستيكو التي اشتهر بها رونالدينهو، دفع الكرة وسحبها كاليويو؟ لقد تم ابتكارها في لعبة الكرة الخماسية. وماذا عن هدف رونالدو الذي سجله بطرف قدمه في كأس العالم 2002؟ إنها الكرة الخماسية مرة أخرى. وحركات مثل الديسبيرو والباريت والفيزلينة؟ كلها جاءت من الكرة الخماسية. عندما أخبرت ميراندا أنني كنت أتصور أن البرازيليين بنوا مهاراتهم عن طريق لعب كرة القدم على الشاطئ، ضحك. "يطير الصحفيون إلى هنا ويذهبون إلى الشاطئ، يلتقطون الصور ويكتبون القصص. لكن اللاعبين العظام لا يأتون من الشاطئ بل من ملاعب الكرة الخماسية".
سبب واحد يكمن في المعادلة الرياضية. فلاعبو الكرة الخماسية يلمسون الكرة أكثر بكثير من لاعبي كرة القدم، أكثر من ست مرات في الدقيقة الواحدة بحسب دراسة قامت بها جامعة لفيربول. فالكرة الأصغر حجمًا والأثقل وزنًا تتطلب وتمنح أيضا مهارات دقيقة للتعامل مع الكرة، فكما يوضح المدرّبون فأنت لا يمكنك الخروج ببساطة من حيز ضيق بركل الكرة ناحية أرجاء الملعب. التمريرات الحادة هي السمة الغالبة: فاللعبة كلها تتعلق بالبحث عن زوايا ومساحات والعمل بسرعة على توفيقات مع اللاعبين الآخرين. التحكم في الكرة والرؤية أمران حاسمان، لذا حين يلعب لاعبو الكرة الخماسية كرة القدم في حجمها الكامل، فإنهم يشعرون كما لو أن لديهم أفدنة من المساحات المفتوحة للعمل فيها. وعندما شاهدتُ مباريات احترافية في ملاعب مكشوفة في ساو بولو بصحبة دكتور ميراندا، كان يشير إلى اللاعبين الذين كانوا يلعبون كرة خماسية، وكان بوسعه قوْل ذلك من طريقة احتفاظهم بالكرة. لم يهتموا لمدى اقتراب الخصم منهم. وكما لخص دكتور ميراندا الأمر، "ضيق الوقت والمساحة يساوي مهارات أفضل. الكرة الخماسية هي مختبرنا الوطني للارتجال".
بمعنى آخر، البرازيل مختلفة عن سائر العالم لأنها توظف لديها البديل الرياضي لطائرة لينك التدريبية. الكرة الخماسية ضغطت مهارات كرة القدم الرئيسية داخل صندوق صغير، إنها تضع اللاعبين داخل منطقة التدريب العميق، يصنعون الأخطاء ويصححونها، يوجدون حلولا على الدوام لمشكلات حية. اللاعبون الذين يلمسون الكرة 600 في المائة أكثر غالبًا ما يتعلمون، دون إدراك ذلك، أسرع مما لو كانوا في ساحة تتواثب فيها الكرة في مباراة خارجية (حيث يجري اللاعبون يصاحبهم، في بالي على الأقل، شريط صوتي لكلاريسة وهي تزمِّر معزوفة "الدانوب الأزرق").
للتوضيح، الكرة الخماسية ليست هي السبب الوحيد لعظمة الكرة البرازيلية. الأسباب الأخرى التي غالبًا ما يتم التنويه بها –المناخ والشغف بالكرة والفقر– تهم بالفعل. لكن الكرة الخماسية هي الرافعة التي تنقل من خلالها العوامل الأخرى مفعولها.
عندما رأى سيمون كليفورد الكرة الخماسية، تحمس جدًا. عاد إلى بلده، ترك مهنة التدريس، وأسس الاتحاد الدولي للكرة الخماسيةفي غرفة شاغرة في منزله، وطور برنامجًا لكرة القدم لطلبة المدارس الابتدائية والثانوية وسمّاه مدرسة الكرة البرازيلية. ونظم سلسلة مدروسة من التدريبات ترتكز على حركات الكرة الخماسية. ولقد شرع لاعبوه، وأغلبهم جاءوا من مناطق فقيرة وصعبة بمدينة ليدز، في محاكاة حركات زيكو ورونالدينهو. ولإضفاء الجو الملائم، شغل كليفورد موسيقى السامبا على جهاز استريو متنقل.
لنعد خطوة إلى الوراء، ونلقي نظرة موضوعية على ما كان يفعله كليفورد. كان يُجري تجربة ليرى إن كان بالإمكان استزراع مصنع المواهب البرازيلية ذي المليون قدم في بلدٍ أجنبي آخر من خلال هذه اللعبة الصغيرة البسيطة. كان يراهن على أن لعب الكرة الخماسية سيجعل بذرة السحر البرازيلي الوقادة تضرب بجذورها في أرض ليدز الباردة والمعتمة.
Page 9
وعندما سمع أهل ليدز بخطة كليفورد، استقبلوا الأمر بلطف وترحاب. ولما شاهدوا بالفعل مدرسته وهي تعمل، كانوا في خطر شديد من أن يموتوا من شدة الضحك للمنظر: عشرات الأطفال من يوركشير، شاحبون، محمرو الوجوه، غلاظ الرقاب، يركضون بلا هدف وراء كرات صغيرة وثقيلة جدًا، ويتعلمون حيلًا خيالية على إيقاع موسيقى السامبا. كان الأمر مضحكًا فيما عدا نقطة واحدة وهي: أن كليفورد كان على حق.
فبعد أربع سنوات تغلب فريق كليفورد تحت سن الأربعة عشر على الفريق القومي لأسكتلندا لذات السن. أحد أطفاله من مدينة ليدز، وهو مدافع اسمه ميكاه ريتشاردز، يلعب الآن للمنتخب الإنجليزي. مدارس كليفورد: للكرة البرازيلية امتدت لتصل لدستة من دول العالم. يقول كليفورد "وما زال المزيد من النجوم في الطريق".
2
خلية التدريب العميق
دائما ما أُكد أنه فيما عدا الحمقى، لا يختلف البشر كثيرًا في الذكاء، إنهم فقط يختلفون في الحمية والكَدّ.
تشارلز داروين.
تركيب موجة عريضة(11) طبيعية
التدريب العميق فكرة قوية لأنها تبدو سحرية. كلاريسة تبدأ كموسيقية عادية ثم، في ست دقائق، تقوم بعمل شهر. طيار غير ماهر على نحو خطير يصعد إلى طائرة لينك التدريبية، وفي غضون بضع ساعات، يخرج وهو يتمتع بقدرات جديدة. حقيقة أن الجهد المُوَجَّه يزيد من سرعة التعلم عشرة أضعاف، أشبه بحكاية خرافية تنمو فيها حفنة من البذور الصغيرة لتصبح كرمًا مسحورًا. لكن الغريب أن الكرم المسحور يكاد أن يكون حقيقة عصبية.
مادة الموهبة: مقطع عرضي لاثنتين من الألياف العصبية، وقد لفّهما المايلين. هذا الصورة تم تصويرها في السابق أثناء العملية، فعلى بعض الألياف، ينمو المايلين بمعدل خمسين طبقة أعمق. (بإذن من أر. دوجلاس فيلدز ولويس داي، معاهد الصحة الوطنية)
أحد الأعراض الجانبية للمايلين، أنه يجعل أطباء الأعصاب الرزينين يبتسمون ويتلعثمون مثل مكتشفين وطأوا لتوِّهم شاطئ قارة جديدة واعدة وواسعة. إنهم لا يريدون أن يتصرفوا هكذا، لذا يبذلون قُصارى جهدهم لكي يظلوا جادين على نحو يليق بطبيب أعصاب. لكن المايلين لا يدعهم. فمعرفتهم به تغير من طريقة نظرتهم للعالم.
"إنه، واو – إنه كبير"، قال الدكتور دوجلاس فيلدز، مدير مختبر علم الأحياء العصبي التنموي بمعاهد الصحة الوطنية بمدينة بيثيسدا، بولاية ماريلاند: "إنه من المبكر قول ذلك لكن هذا بوسعه أن يكون ضخمًا".
"نقلة ثورية"، أخبرني دكتور جورج بارتزوكس، أستاذ علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس. المايلين هو "مفتاح التحدث والقراءة ومهارات التعلم وأن تكون إنسانًا".
كأغلب الناس، كنتُ أعتقد أن مفتاح تعلم المهارات، وأن تكون إنسانًا يكمن في خلايا أدمغتنا العصبية، التي تومض شبكة من الألياف العصبية المتداخلة فيما بينها، والمشابك العصبية الشهيرة التي تتصل الألياف عبرها وتتواصل. لكن فيلدز وبارتزوكس وآخرين أخبروني، أنه وبينما لا يزالون يعتقدون في أن الخلايا والمشابك العصبية مهمة على نحو حيوي، فإن الرؤية العالمية التقليدية للمركزية العصبية تتغير جذريًا عن طريق ثورة علمية بحجم اكتشافات كوبرنيكوس. إن هذا العازل المتواضع الهيئة، اتضح أنه يلعب دورًا محوريًا في الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا، وتحديدًا حين يتعلق الأمر باكتساب المهارات.
بُنيت الثورة العلمية على ثلاث حقائق بسيطة.
فبعد أربع سنوات تغلب فريق كليفورد تحت سن الأربعة عشر على الفريق القومي لأسكتلندا لذات السن. أحد أطفاله من مدينة ليدز، وهو مدافع اسمه ميكاه ريتشاردز، يلعب الآن للمنتخب الإنجليزي. مدارس كليفورد: للكرة البرازيلية امتدت لتصل لدستة من دول العالم. يقول كليفورد "وما زال المزيد من النجوم في الطريق".
2
خلية التدريب العميق
دائما ما أُكد أنه فيما عدا الحمقى، لا يختلف البشر كثيرًا في الذكاء، إنهم فقط يختلفون في الحمية والكَدّ.
تشارلز داروين.
تركيب موجة عريضة(11) طبيعية
التدريب العميق فكرة قوية لأنها تبدو سحرية. كلاريسة تبدأ كموسيقية عادية ثم، في ست دقائق، تقوم بعمل شهر. طيار غير ماهر على نحو خطير يصعد إلى طائرة لينك التدريبية، وفي غضون بضع ساعات، يخرج وهو يتمتع بقدرات جديدة. حقيقة أن الجهد المُوَجَّه يزيد من سرعة التعلم عشرة أضعاف، أشبه بحكاية خرافية تنمو فيها حفنة من البذور الصغيرة لتصبح كرمًا مسحورًا. لكن الغريب أن الكرم المسحور يكاد أن يكون حقيقة عصبية.
مادة الموهبة: مقطع عرضي لاثنتين من الألياف العصبية، وقد لفّهما المايلين. هذا الصورة تم تصويرها في السابق أثناء العملية، فعلى بعض الألياف، ينمو المايلين بمعدل خمسين طبقة أعمق. (بإذن من أر. دوجلاس فيلدز ولويس داي، معاهد الصحة الوطنية)
أحد الأعراض الجانبية للمايلين، أنه يجعل أطباء الأعصاب الرزينين يبتسمون ويتلعثمون مثل مكتشفين وطأوا لتوِّهم شاطئ قارة جديدة واعدة وواسعة. إنهم لا يريدون أن يتصرفوا هكذا، لذا يبذلون قُصارى جهدهم لكي يظلوا جادين على نحو يليق بطبيب أعصاب. لكن المايلين لا يدعهم. فمعرفتهم به تغير من طريقة نظرتهم للعالم.
"إنه، واو – إنه كبير"، قال الدكتور دوجلاس فيلدز، مدير مختبر علم الأحياء العصبي التنموي بمعاهد الصحة الوطنية بمدينة بيثيسدا، بولاية ماريلاند: "إنه من المبكر قول ذلك لكن هذا بوسعه أن يكون ضخمًا".
"نقلة ثورية"، أخبرني دكتور جورج بارتزوكس، أستاذ علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس. المايلين هو "مفتاح التحدث والقراءة ومهارات التعلم وأن تكون إنسانًا".
كأغلب الناس، كنتُ أعتقد أن مفتاح تعلم المهارات، وأن تكون إنسانًا يكمن في خلايا أدمغتنا العصبية، التي تومض شبكة من الألياف العصبية المتداخلة فيما بينها، والمشابك العصبية الشهيرة التي تتصل الألياف عبرها وتتواصل. لكن فيلدز وبارتزوكس وآخرين أخبروني، أنه وبينما لا يزالون يعتقدون في أن الخلايا والمشابك العصبية مهمة على نحو حيوي، فإن الرؤية العالمية التقليدية للمركزية العصبية تتغير جذريًا عن طريق ثورة علمية بحجم اكتشافات كوبرنيكوس. إن هذا العازل المتواضع الهيئة، اتضح أنه يلعب دورًا محوريًا في الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا، وتحديدًا حين يتعلق الأمر باكتساب المهارات.
بُنيت الثورة العلمية على ثلاث حقائق بسيطة.
Page 10
(1) كل حركة إنسانية، فكرة، أو شعور هي عبارة عن إشارة عصبية محددة التوقيت تسافر عبر سلسلة من الخلايا العصبية دائرة من الألياف العصبية.
(2) المايلين هو العازل الذي يلتف على هذه الألياف العصبية، ويزيد من قوة الإشارة العصبية وسرعتها ودقتها.
(3) فكلما أشعلنا دائرة محددة من الألياف العصبية، كلما حسّن المايلين تلك الدائرة، وصارت حركاتنا وأفكارنا أكثر سلاسة.
"إن كل شيء تفعله الخلايا العصبية تفعله بسرعة فائقة. يحدث الأمر مع تكة الزر"، قال فيلدز، مشيرًا إلى المشابك العصبية. "لكن تكّة الزر ليست هي المعنية بكيفية تعلم أشياء كثيرة. إن تحسُّن أدائك في البيانو أو الشطرنج أو البيسبول يلزمه كثير من الوقت، وهذا ما يفلح فيه المايلين".
"ما الذي يصنعه الرياضيون البارعون عندما يتمرنون؟"، قال بارتزوكس. "إنهم يرسلون موجات محددة على طول الأسلاك العصبية تعطي الإشارة لعزل ذلك السلك بالمايلين. ينتهون بعد كل هذا التمرين وقد صار لديهم سلك مذهل، نطاق ترددي واسع وكبير، وصلة ثلاثية عالية السرعة. وهذا ما يجعلهم مختلفين عن بقيتنا".
سألت فيلدز: لو أن المايلين له علاقة بظاهرة مكامن الموهبة. لم يتردد. قال "يمكنني التنبؤ بأن لاعبات الجولف من كوريا الجنوبية لديهنّ في المتوسط الكثير من المايلين أكثر من لاعبات من دول أخرى. لديهنّ الكثير في الأجزاء الصحيحة من المخ ولمجموعة العضلات الصحيحة، وذلك ما يسمح لهن بتحسين نظام دوائرهنّ العصبية. نفس الشيء ينطبق على أي جماعة مثلهن".
"وماذا عن تايجر وودز(13)؟"، سألته.
قال فيلدز، "بالتأكيد. هذا الرجل لديه الكثير من المايلين".
باحثون مثل فيلدز جذبهم المايلين، لأنه يَعِد بسبر أغوار الجذور البيولوجية للتعلم والاضطرابات الإدراكية. لكن، بالنسبة لغرضنا، فإن أعمال المايلين تربط مكامن الموهبة المختلفة بعضها ببعض وبنا. تحمل نظرية المايلين للمهارة البشرية نفس العلاقة كالتي تحملها نظرية الصفائح التكتونية(14) لعلم الجيولوجيا، أو عملية الانتقاء الطبيعي(15) لعملية التطور. إنها تشرح تعقيد العالم بآلية بسيطة وأنيقة. المهارة هي طبقة عازلة من المايلين تلتف على الدوائر العصبية وتنمو وفق إشارات معينة. إن قصة المهارة والموهبة هي قصة المايلين.
كلاريسة لم تتمكن من الشعور بالأمر، لكنها حين كانت تتدرب باستغراق على معزوفة "الزفاف الذهبي"، كانت تشعل وتحسِّن من دائرة عصبية، وتنمي المايلين.
وحين تدرب طيارو سلاح الطيران باستغراق داخل طائرة لينك التدريبية، فإنهم كانوا يشعلون ويحسنون دوائر عصبية وينمون المايلين.
وعندما لعب رونالدينهو ورونالدو الكرة الخماسية، فإنهما كانا يشعلان ويحسّنان من دوائرهما العصبية أكثر في أغلب الأوقات، وتحديدًا أكثر من لعبهما مباراة في الهواء الطلق. لقد كانا ينتجان المزيد من المايلين.
ومثل أي اكتشاف منير لائق، فإن الاعتراف بأهمية المايلين يهز المفاهيم القديمة. بعد زيارتي لفيلدز وعلماء المايلين الآخرين، شعرت كما لو انني أرتديت نظارة مزودة بأشعة أكس كشفت لي طريقة جديدة لرؤية العالم. رأيت قواعد المايلين تعمل ليس فقط في مكامن الموهبة ولكن أيضًا في تدريب أطفالي على البيانو، وفي هوس زوجتي الجديد بلعبة الهوكي، وإقبالي المريب على الكاريوكي(16). كان إحساسًا جيدًا دون شك، شعورًا مثيرًا بهيجًا لاستبدال التخمين والشعوذة بآلية مفهومة وجلية. وصارت الأسئلة المبهمة واضحة.
س: لماذا التدريب المحدد ذو التركيز على الخطأ فاعل للغاية؟
ج: لأن أفضل طريقة لبناء دائرة عصبية جيدة هو أن تشعلها، مع مراعاة الأخطاء، ثم إشعالها ثانية، ثم مرارًا وتكرارًا. الاجتهاد ليس خيارًا: إنه حاجة بيولوجية.
س: لماذا الشغف والمثابرة من المكونات الرئيسية للموهبة؟
ج: لأن التفاف المايلين على دائرة عصبية كبيرة يحتاج لطاقة كبيرة ووقت. فإن لم تكن تحبها، فلن تجتهد على نحو كافٍ لكي تكون عظيمًا.
س: ما أفضل الطرق للوصول لقاعة كارنيجي(17)؟
ج: امضِِ قدمًا في شارع المايلين.
بدأت رحلتي في شارع المايلين بزيارة لحضّانة في مختبر علم الأحياء العصبي التنموي بمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية. الحضّانة، بحجم ثلاجة صغيرة، تحوي أرففًا سلكية لامعة رُصت عليها عدة صفوف لأوعية مخبرية (بتري) فيها سائل يشبه مشروب الطاقة (جاتوريد) الوردي. داخل السائل الوردي شرائط من البلاتين ترسل انفجارات تيار ضئيلة لكي تتصيد خلايا عصبية مغطاة بمادة بيضاء لامعة.
"ها هي المادة"، قال دكتور فيلدز.
فيلدز، أربعة وأربعون عامًا، رجل مشدود القوام، مفعم بالحيوية ذو ابتسامة عريضة ومشية نشيطة. هو خبير بيولوجي سابق في علم دراسة المحيطات، يشرف على معمل فيه ستة أشخاص وسبع غرف مجهزة بأوعية تطلق صفيرًا وصناديق كهربائية طنانة، وحزم مرتبة من أسلاك وخراطيم، الأمر يشبه سفينة فاعلة ومُنظمة. بالإضافة أن فيلدز لديه عادة الكابتن البحري في جعل اللحظات المثيرة جدًا تبدو كأمر علمي. كلما يكون الشيء مثيرًا، كلما يجعله يبدو مملًا. على سبيل المثال، كان يخبرني عن الستة أيام التي تسلق فيها جبل الكابيتان ذا الـ3500 قدم ارتفاعًا بوادي يوسيميتي منذ صيفين ماضيين، وسألته عن شعور النوم وهو معلق بحبل على ارتفاع آلاف الأقدام عن سطح الأرض. "في الحقيقة ليس الأمر مختلفًا لهذا الحد"، قال فيلدز وتعبير وجهه لم يتغير وكأنه كان يناقش رحلة إلى محل البقالة. وأضاف، "فأنت تتكيّف في النهاية".
الآن يصل فيلدز إلى الحضّانة، يستخرج واحدة من أوعية بتري ثم يدسها تحت المجهر. صوته هادئ. يقول "اِلْقِ نظرة سريعة".
أنحني وأنا أتوقع أن أرى شيئًا يبدو سحريًا أو من قبيل الخيال العلمي. لكنني بدلًا من ذلك أرى كومة متشابكة من الخيوط تشبه الإسباجيتي، التي يخبرني فيلدز أنها ألياف عصبية. يصعب رؤية المايلين، إنه شراريب خيطية ضعيفة متموِّجة تحيط بأطراف الخلايا العصبية. أغمض عيني وأفتحهما، أعيد التركيز ثانية، وأجاهد لتصور كيف أن هذه المادة قد تكون القاسم المشترك بين موتزارت ومايكل جوردن، أو على أقل تقدير مفتاح تحسن أدائي في لعبة الجولف.
لحسن الحظ أن دكتور فيلدز مدرِّس جيد، فعلى مدار محادثاتنا في الأيام الماضية شرح لي المبدأين الأساسيين اللذين يرتكز عليهما فهم طبيعة المايلين والموهبة. إن التحدث إليه، ككثير من أطباء الأعصاب، أشبه بتسلق الجبل نفسه: إنه ينطوي على بعض العرق، لكنك تفوز بمنظر عالٍ وجديد.
(2) المايلين هو العازل الذي يلتف على هذه الألياف العصبية، ويزيد من قوة الإشارة العصبية وسرعتها ودقتها.
(3) فكلما أشعلنا دائرة محددة من الألياف العصبية، كلما حسّن المايلين تلك الدائرة، وصارت حركاتنا وأفكارنا أكثر سلاسة.
"إن كل شيء تفعله الخلايا العصبية تفعله بسرعة فائقة. يحدث الأمر مع تكة الزر"، قال فيلدز، مشيرًا إلى المشابك العصبية. "لكن تكّة الزر ليست هي المعنية بكيفية تعلم أشياء كثيرة. إن تحسُّن أدائك في البيانو أو الشطرنج أو البيسبول يلزمه كثير من الوقت، وهذا ما يفلح فيه المايلين".
"ما الذي يصنعه الرياضيون البارعون عندما يتمرنون؟"، قال بارتزوكس. "إنهم يرسلون موجات محددة على طول الأسلاك العصبية تعطي الإشارة لعزل ذلك السلك بالمايلين. ينتهون بعد كل هذا التمرين وقد صار لديهم سلك مذهل، نطاق ترددي واسع وكبير، وصلة ثلاثية عالية السرعة. وهذا ما يجعلهم مختلفين عن بقيتنا".
سألت فيلدز: لو أن المايلين له علاقة بظاهرة مكامن الموهبة. لم يتردد. قال "يمكنني التنبؤ بأن لاعبات الجولف من كوريا الجنوبية لديهنّ في المتوسط الكثير من المايلين أكثر من لاعبات من دول أخرى. لديهنّ الكثير في الأجزاء الصحيحة من المخ ولمجموعة العضلات الصحيحة، وذلك ما يسمح لهن بتحسين نظام دوائرهنّ العصبية. نفس الشيء ينطبق على أي جماعة مثلهن".
"وماذا عن تايجر وودز(13)؟"، سألته.
قال فيلدز، "بالتأكيد. هذا الرجل لديه الكثير من المايلين".
باحثون مثل فيلدز جذبهم المايلين، لأنه يَعِد بسبر أغوار الجذور البيولوجية للتعلم والاضطرابات الإدراكية. لكن، بالنسبة لغرضنا، فإن أعمال المايلين تربط مكامن الموهبة المختلفة بعضها ببعض وبنا. تحمل نظرية المايلين للمهارة البشرية نفس العلاقة كالتي تحملها نظرية الصفائح التكتونية(14) لعلم الجيولوجيا، أو عملية الانتقاء الطبيعي(15) لعملية التطور. إنها تشرح تعقيد العالم بآلية بسيطة وأنيقة. المهارة هي طبقة عازلة من المايلين تلتف على الدوائر العصبية وتنمو وفق إشارات معينة. إن قصة المهارة والموهبة هي قصة المايلين.
كلاريسة لم تتمكن من الشعور بالأمر، لكنها حين كانت تتدرب باستغراق على معزوفة "الزفاف الذهبي"، كانت تشعل وتحسِّن من دائرة عصبية، وتنمي المايلين.
وحين تدرب طيارو سلاح الطيران باستغراق داخل طائرة لينك التدريبية، فإنهم كانوا يشعلون ويحسنون دوائر عصبية وينمون المايلين.
وعندما لعب رونالدينهو ورونالدو الكرة الخماسية، فإنهما كانا يشعلان ويحسّنان من دوائرهما العصبية أكثر في أغلب الأوقات، وتحديدًا أكثر من لعبهما مباراة في الهواء الطلق. لقد كانا ينتجان المزيد من المايلين.
ومثل أي اكتشاف منير لائق، فإن الاعتراف بأهمية المايلين يهز المفاهيم القديمة. بعد زيارتي لفيلدز وعلماء المايلين الآخرين، شعرت كما لو انني أرتديت نظارة مزودة بأشعة أكس كشفت لي طريقة جديدة لرؤية العالم. رأيت قواعد المايلين تعمل ليس فقط في مكامن الموهبة ولكن أيضًا في تدريب أطفالي على البيانو، وفي هوس زوجتي الجديد بلعبة الهوكي، وإقبالي المريب على الكاريوكي(16). كان إحساسًا جيدًا دون شك، شعورًا مثيرًا بهيجًا لاستبدال التخمين والشعوذة بآلية مفهومة وجلية. وصارت الأسئلة المبهمة واضحة.
س: لماذا التدريب المحدد ذو التركيز على الخطأ فاعل للغاية؟
ج: لأن أفضل طريقة لبناء دائرة عصبية جيدة هو أن تشعلها، مع مراعاة الأخطاء، ثم إشعالها ثانية، ثم مرارًا وتكرارًا. الاجتهاد ليس خيارًا: إنه حاجة بيولوجية.
س: لماذا الشغف والمثابرة من المكونات الرئيسية للموهبة؟
ج: لأن التفاف المايلين على دائرة عصبية كبيرة يحتاج لطاقة كبيرة ووقت. فإن لم تكن تحبها، فلن تجتهد على نحو كافٍ لكي تكون عظيمًا.
س: ما أفضل الطرق للوصول لقاعة كارنيجي(17)؟
ج: امضِِ قدمًا في شارع المايلين.
بدأت رحلتي في شارع المايلين بزيارة لحضّانة في مختبر علم الأحياء العصبي التنموي بمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية. الحضّانة، بحجم ثلاجة صغيرة، تحوي أرففًا سلكية لامعة رُصت عليها عدة صفوف لأوعية مخبرية (بتري) فيها سائل يشبه مشروب الطاقة (جاتوريد) الوردي. داخل السائل الوردي شرائط من البلاتين ترسل انفجارات تيار ضئيلة لكي تتصيد خلايا عصبية مغطاة بمادة بيضاء لامعة.
"ها هي المادة"، قال دكتور فيلدز.
فيلدز، أربعة وأربعون عامًا، رجل مشدود القوام، مفعم بالحيوية ذو ابتسامة عريضة ومشية نشيطة. هو خبير بيولوجي سابق في علم دراسة المحيطات، يشرف على معمل فيه ستة أشخاص وسبع غرف مجهزة بأوعية تطلق صفيرًا وصناديق كهربائية طنانة، وحزم مرتبة من أسلاك وخراطيم، الأمر يشبه سفينة فاعلة ومُنظمة. بالإضافة أن فيلدز لديه عادة الكابتن البحري في جعل اللحظات المثيرة جدًا تبدو كأمر علمي. كلما يكون الشيء مثيرًا، كلما يجعله يبدو مملًا. على سبيل المثال، كان يخبرني عن الستة أيام التي تسلق فيها جبل الكابيتان ذا الـ3500 قدم ارتفاعًا بوادي يوسيميتي منذ صيفين ماضيين، وسألته عن شعور النوم وهو معلق بحبل على ارتفاع آلاف الأقدام عن سطح الأرض. "في الحقيقة ليس الأمر مختلفًا لهذا الحد"، قال فيلدز وتعبير وجهه لم يتغير وكأنه كان يناقش رحلة إلى محل البقالة. وأضاف، "فأنت تتكيّف في النهاية".
الآن يصل فيلدز إلى الحضّانة، يستخرج واحدة من أوعية بتري ثم يدسها تحت المجهر. صوته هادئ. يقول "اِلْقِ نظرة سريعة".
أنحني وأنا أتوقع أن أرى شيئًا يبدو سحريًا أو من قبيل الخيال العلمي. لكنني بدلًا من ذلك أرى كومة متشابكة من الخيوط تشبه الإسباجيتي، التي يخبرني فيلدز أنها ألياف عصبية. يصعب رؤية المايلين، إنه شراريب خيطية ضعيفة متموِّجة تحيط بأطراف الخلايا العصبية. أغمض عيني وأفتحهما، أعيد التركيز ثانية، وأجاهد لتصور كيف أن هذه المادة قد تكون القاسم المشترك بين موتزارت ومايكل جوردن، أو على أقل تقدير مفتاح تحسن أدائي في لعبة الجولف.
لحسن الحظ أن دكتور فيلدز مدرِّس جيد، فعلى مدار محادثاتنا في الأيام الماضية شرح لي المبدأين الأساسيين اللذين يرتكز عليهما فهم طبيعة المايلين والموهبة. إن التحدث إليه، ككثير من أطباء الأعصاب، أشبه بتسلق الجبل نفسه: إنه ينطوي على بعض العرق، لكنك تفوز بمنظر عالٍ وجديد.