eKtab
EN ع
شهدت إختطاف وطن
Read free sample

شهدت إختطاف وطن

by نيران السامرائي

Page 1
العدد:- م خ / 506
 
التاريخ:- 5/7/2006
 
الى / معالي السيد وزير الشباب والرياضة المحترم
 
تحية طيبة
 
منذ اليوم الاول لتسلمكم مهام وزارة الشباب والرياضة عاهدناكم على ان نعمل سوية من اجل مستقبل افضل للشباب والرياضة والعمل على نجاح مهمتكم الوطنية· وهذا لايتم الا بالتشاور المستمر بين الوزارة واللجنة الاولمبية الوطنية العراقية·
 
خلال الاسبوع الماضي وبعد لقاء سيادتكم مع مجموعة من الذين لا موقع لهم في ادارة الرياضة العراقية منهم من فشل في الانتخابات والاخر ممن لم يشارك اصلاً في اية انتخابات اطلقوا على انفسهم اسماً كبيراً هو (المجلس الاعلى للرياضة الاولمبية العراقية)·
 
من منطلق المسؤولية الوطنية اود ان ابين لسيادتكم مايلي:-
 
1· ان اللجنة الاولمبية الوطنية العراقية هي لجنة منتخبة من هيئات عامة اكتسبت الشكل القانوني في انتخابها وكذلك حصلت موافقة الشرعية الدولية عليها· وخير ايجاز على ذلك هي رسالة رئيس اللجنة الاولمبية الدولية المرسلة الى السادة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب (للاطلاع على الرسالة المذكورة اضغط هنا)
 
2. كما ورد في الرسالة ان مدة عمل اللجنة الاولمبية الوطنية العراقية هي اربعة سنوات تنتهي بعد الدورة الاولمبية في بكين عام 2008.
 
(مكتب السيد رئيس اللجنة الاولمبية اثناء دعوته للسيد وزير الشباب جاسم محمد جعفر بمناسبة استيزاره)
 
3. في العراق الجديد عراق الحرية لا اعتراض على تأسيس اي تنظيم او تجمع وفق القوانين السائدة· ولكن يجب ان يراعى في ذلك ان لا يكون هذا التنظيم بديلا لما هو موجود وبشكل قانوني, فهل يسمح لمن فشل في الانتخابات البرلمانية او ممن لم يشارك فيها ان يؤسس برلمانا بديلا لمجلس النواب؟·
 
4. لا اريد الخوض في الشخصيات المؤسسة لهذا المجلس اذ سبق واخبرت سيادتكم منهم المحكوم بجرائم عديدة ومنهم الكاذب والمزور· كما ارجو سيادتكم معرفة السيرة الذاتية لرئيس واعضاء المجلس المذكور وكفائتهم في المجال الرياضي والشبابي للاطلاع عليه.
 
5. ان دعم الوزارة الرسمي لمثل هذا المجلس البديل للجنة الاولمبية الوطنية العراقية (كما مذكور في لقاء شرار حيدر مع جريدة المؤتمر) هو اجراء يتعارض مع كون العراق الجديد دولة قانون ويرتبط مع دول العالم بمواثيق معترف بها· وان حصل ذلك فأن (203 دولة) في العالم سيكون لها موقفاً حازما تجاه العراق ويكون في عزلة دولية ولن يكون ذلك في مصلحة العراق الرياضية أو السياسية· والسؤال لمصلحة من؟
 
6. ان نضالنا المشترك الذي استمر سنوات عديدة من اجل العراق الجديد لا يمكن ان يذهب سدى لحفنة ممن كانوا ولعهد قريب مع نظام صدام· فدم ارواح الشهداء الذين ضحوا من اجل هذا العهد امانة في اعناقنا والله تعالى الذي ذهب بصدام وجاء بنا لقادرعلى ان يذهب بنا· فلنتقي الله في اعمالنا يوم لاينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم·
 
ارجو من سيادتكم اعادة النظر في دعم ما يسمى المجلس الرياضي الاولمبي·
 
وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام
 
أحمد عبد الغفور السامرائي
 
رئـيس اللجنة الاولمبية الوطنية العراقيـة
 
5/7/2006
Page 2
مقدمة
 
هدفي من هذا الكتاب تثبيت حقائق دامغة وأحداث جسام مرت على بلادي مثل ما عشتها لفترة زمنية قاسية خلتها دهراً، دفع ثمنها خيرة أبناء الوطن وأشرفهم، وذلك بسبب إثارة نيران الطائفية المهلكة بين الطوائف المختلفة، وبين الأديان المتعددة، وقد أردت بكلماتي هذه التحذير من غياب ميزان العدل وشرعية القانون وبالتالي التحذير من استبدال نظام جائر بنظام جائر آخر·
 
الكتاب لا يحكي قصة جريمة واحدة تعرضت لها عائلتي في بغداد فحسب، ولا يقتصر الموضوع على قضية شخصية أثارت اهتمام الرأي العام الدولي منذ حوالى الأربع سنوات وحتى يومنا هذا، إنما هي شهادة على أحداث عشتها في بغداد في الفترة 2004-2007، شاهدت فيها مرارة العيش التي تواجهها المرأة العراقية، أماً كانت أو زوجة، أختاً كانت أو ابنة·
 
لم أفكر يوماً بنشر ما أكتب على الإطلاق، لكن تطور الأحداث من ناحية، وتشجيع الأصدقاء من ناحية أخرى شجعني على وضع النقاط على الحروف في كلمات بسيطة، علها تعكس هموم الوطن·
 
أين الوطن؟!!
 
الوطن ليس خريطة أو شهادة ميلاد فحسب،
 
الوطن عشق أزلي يحمله الإنسان بين خافقيه أينما كان وحيثما حل·
 
الوطن انتماء تعززه هويتك·
 
وأنت بعيد تعيش غربة قاحلة
 
ترنو إلى حيث ولدت، وترعرعت، ومارست كل الممارسات الطفوليــة والشبابيــة بكل ما فيها من سذاجة وشقاوة وبـراءة
 
تحمل ذكرياتها معك وتحلم بالعودة معها لتستظل بسماء صافيــة تعكــس زرقتها زرقة ماء النهر الخالد··· دجلة الخيــر
 
وتفجؤك الطلقة القاضية
 
طلقة الحقد، والانتقام
 
والرغبة في القتل والعدوان
 
تفجؤك أمطار دم أسود تظللك
 
تفجؤك أكوام من الهم، والخوف
 
تفجؤك أكوام من الجثث
 
جثث شهداء، أطفال ونساء وشيوخ
 
جثث أبرياء رميت في الشوارع، في وضح النهار
 
وسالت دماء قانية في الحواري،
 
والأركان
 
يا الله!!
 
أين العدل، أين الحق أين، أين الميزان؟
 
أينكـم يا ولاة أمرنا؟
 
أينكـم يا حماة ديننا؟
 
أينـكم، وأين ضمائركم والوطن يغرق في الأحزان؟
 
ويظل الوطن متوجاً في الذاكرة···
 
ويظل هوى عارماً
 
وعشقاً أبدياً··· تطمره الأحزان·
 
من قال ان الغربة تلغي الأوطان؟!
Page 3
بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ
 
15 تموز 2006
 
 
 
حوالي الساعة الواحدة وأربعين دقيقة رن جرس الموبايل (الهاتف المحمول) عدة مرات، رددت قائلة: أهلاً سمير أنا قادمة، لكن الخط انقطع قبل أن أتم حديثي· طلبته فوراً فلم يرد علي··· ولم يرد أبداً···
 
كنت في تلك اللحظة جالسة مع سيدات الأمانة العامة لمجلس المرأة الوطني الذي عملت على تأسيسه بعد عودتي إلى بغداد عام 2004، كواحد من مؤسسات المجتمع المدني· ويعنى، وفق نظامه الداخلي، بالاهتمام بشؤون المرأة والطفل من كافة النواحي الحياتية، والتركيز بشكل خاص على الأيتام الذين فقدوا أولياءهم خلال سنين الحروب التي تعاقبت على البلاد منذ الثمانينيات·
 
تعاظمت دهشتي لعدم رده رغم تكرار الاتصال به، ذلك أنني كلمته في حوالي الساعة الواحدة والربع واتفقنا على أن أمر عليه في النادي الثقافي النفطي في البتاويين وسط العاصمة العراقية بغداد لنذهب معاً لإنجاز بعض الأمور الخاصة، ثم ها هو يتصل بي الآن وقبل أن يسمع ردي أغلق الخط· رغم ذلك حملت أوراقي متوجهة إلى خارج الدار وهاجس غريب يعتريني أحسست معه بشيء يقبض أنفاسي، شيء ما في صدري اعتصرني واخافني وأنا أبذل جهداً للتغلب عليه· ناديت السائق الذي كان واقفاً في ساحة الدار الخارجية تحيط به مجموعة من شباب المحلة وهم في حالة من الذعر والحيرة زاد من حدتها رؤيتهم لي وأنا أخرج إليهم متهيأة للمغادرة·
 
قلت للسائق: هيئ السيارة لنغادر إلى البتاويين خلال دقائق···
 
أجاب: لا خاله، ما ممكن!
 
قاطعته بقولي: لدي مواعيد وسمير ينتظرنا···
 
وقبل أن أكمل حديثي قاطعني ووجهه يزداد شحوباً: لا خاله الطريق مقطوع·· والتفتيش··
 
قلت له: قصصك وأعذارك لا تنتهي وإن وافقتك فإنني لن أغادر البيت مطلقاً·
 
وبمنتهى الجدية والإصرار قلت له: سنذهب الآن·
 
قال: خاله والله مو أعذار البتاويين محاصرة وأنا أخاف أخذك إلى هناك وأنا··· يعني··· قصدي·
 
لاحظت أنه بدأ يتلكأ في الكلام وشحوب وجهه يزداد وشفتاه ترتعشان··· وما هي إلا لحظات حتى انفجر ببكاء مرير·
 
في تلك اللحظة وجدتني ألجأ إلى الموبايل لطلب سمير مرة أخرى ولكن بدون نتيجة· إقتربت من السائق الشاب ونظرتي ثاقبة متفحصة لدرجة أنه غض معها الطرف لكي لا يواجهني وقلت له بصوت حاد: قل لي ماذا حدث في البتاويين؟ هل هجموا على النادي النفطي؟ هل قتلوا أحداً من المؤتمرين في النادي؟
 
في نفس اللحظة وقفت سيارة الأهل خارج الدار ونزل منها سائقها يهرول نحوي صارخًا: خاله جئنا لأخذك إلى بيت الحاجة (ويقصد الوالدة)·
 
أجبته: مصطفى، قل الحقيقة هل حدث شيء في النادي النفطي؟
 
إنفجر باكياً بمرارة وهو يلطم رأسه بكلتى يديه صائحاً: أويلي سوّوهه الجبناء(1)! مصيبة يا خالة لقد خطفوا عمي··· خطفوا عمي أحمد واللجنة الأولمبية· هجم عليهم مسلحون لابسين ملابس شرطة وزارة الداخلية قبل نصف ساعة وخطفوهم بعد أن أطلقوا وجرحوا بعض الموجودين وقتلوا آخرين··· قتلوا أكرم··· مات المسكين أكرم···
 
كانت اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية تجتمع ذلك اليوم في النادي النفطي العراقي وسط العاصمة بغداد حيث يعقد مؤتمرها السنوي العام بحضور رؤساء كافة الاتحادات الرياضية والممثليات ووفود المحافظات بالإضافة إلى مدعوين من الوسط الرياضي ومن الأساتذة الجامعيين والأكاديميين المعنيين بالشئون الرياضية لشباب العراق، وحضر الاجتماع أيضاً عدد كبير جداً من الصحفيين والإعلاميين ومحطات التليفزيون لنقل وقائع هذا المؤتمر العام والذي اعتبر فيما بعد المؤتمر الفاضح لما يتم التخطيط له وتنفيذه من قبل بعض المسئولين ضد وجود اللجنة الأولمبية الوطنية وعزمهم السيطرة عليها·
Page 4
لماذا؟
 
لحظات مرت عليّ كأنها دهر آت من زمن سحيق·
 
دارت بي الأرض واسودت فقد أصبت بحالة إعياء شديد فقدت معها توازني ولم أشعر إلا وذراعان تسنداني من الخلف كي تحمياني من السقوط·
 
إنها مدبرة المنزل أم منى التي خرجت من المطبخ راكضة نحونا بعد سماعها صراخ مصطفى ونحيب الآخرين·
 
إحتضنتني بقوة وهي تسحبني إلى الوراء حيث أجلستني على أقرب مقعد في الحديقة وهي تنادي بصوت عال: ميّ، ميّ (أي ماء) بسرعة يا مصطفى·
 
بعد لحظات تمالكت نفسي وحاولت استعادة الأحداث التي بدأت فصولها منذ شهور طويلة لفتت أنظار الكثيرين بما فيهم أفراد الوسط الرياضي وكلها تصب في مصب واحدٍ يراد به السيطرة على اللجنة الأولمبية الوطنية وبأي ثمن· وقد جاءت تصريحات بعض المسئولين في الصحف والبرامج التلفزيونية مؤكدة مساندتهم لمجموعة من الرياضيين الفاشلين الذين لم يستطيعوا تحقيق الفوز في الانتخابات الرياضية التي أقيمت في دوكان، محافظة السليمانية في كانون الثاني عام 2004 لانتخاب اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية وللمرة الأولى في تاريخ العراق·
 
مما لا شك فيه أن تلك التصريحات كانت المدخل لتنفيذ المؤامرة التي حيكت فصولها في مكاتب مسئولين في الحكومة العراقية، وسآتي على تفاصيل ذلك لاحقاً·
 
فجأة قطع رنين الموبايل الصمت المخيم على الجميع، وكان موبايل السائق الباكي وقد تعالى صوته قائلاً: أين أنت؟ لا تتحرك من مكانك سنأتي إليك··· قلت لك لا تتحرك·· ولا تتصل بأحد·
 
كان المتصل أحد أفراد الحماية ممن أفلت من الاختطاف، يسأل عني وكيف يصل إلي·
 
إستأذن السائق الشاب للذهاب إلى حيث المتصل وكانت الساعة قد قاربت الثانية والنصف ظهراً، أي بعد أربعين دقيقة تقريباً من الاتصال الثاني لسمير فقد اتصل بي بعد الواحدة بربع ساعة لتأكيد موعدنا وها قد اتصل بي مرة أخرى قبل الساعة الثانية بدقائق ولم يتكلم؟ ترى هل أراد في اتصاله الثاني تنبيهي لما حدث ولم يستطع أن يتكلم؟ وأين هو الآن؟ ولماذا لم يرد علي؟ هل أخذوه مع من اختطفوا؟ وهل أصيب مع من أصيب؟
 
هل وهل وعشرات التساؤلات المتصاعدة والمتصارعة في ذهني وأنا جالسة على كرسي الحديقة مشلولة الحركة جافة الريق لدرجة لم استطع معها أن أنبس ببنت شفة·
 
سمير يحتل منزلة خاصة عندي وعند جميع أفراد العائلة والأهل وهو بمثابة الابن لنا إذ عاش أيام شبابه في بيتنا طوال السبعينيات وحتى مغادرتنا الوطن في أوائل الثمانينيات وبعد عودة أحمد إلى العراق عام 2003 كان سمير الوفي أول العائدين إلى الأحضان، وبعدها علمت أنه عين مديراً للإدارة في اللجنة الأولمبية الوطنية الشرعية المنتخبة في 2004 وذلك لكفاءته وخبرته في مجال العمل الإداري وشئون الموظفين التي اكتسبها طوال السنين الماضية·
 
بعد غربة دامت حوالي ربع قرن قضيتها في انجلترا عدت إلى بغداد عام 2004 وكان سمير وأفراد عائلته الصغيرة أول المستقبلين لي بحفاوة وترحيب صادقين·
 
عاد سمير الأمين ليحتل مكاناً وسط الأسرة ويستعيد ذكرياته السعيدة مع ابنائها، واصطحبته في هذه العودة الجميلة أسرته المؤلفة من زوجته وابنتيه الشابتين وولده الصغير·
 
بعد ساعة تقريباً عاد السائق مصطحباً الهارب الذي كان منهاراً بشكل واضح ويلطم رأسه صائحاً: شلُون دخلت الفرقة المسلحة وما ضربناهم··· كان لازم نرميهم أول ما يفُوتُون، بس خالة والله إِحنا ما عرفناهم لأن دخل واحد ملثم يصيح··· وصل السيد المستشار··· بالْكُم عَنِّي (أي افسحوا لي)، بالكُم··· السيد المستشار يحضر المؤتمر··· خالة··· أخْذُونا غَفُل···
 
كان يبكي بمرارة، ومع ذلك وجدتني أرد عليه بغضب: وهل كان لازم يبعثون برقية بالهجوم؟ وين كنت أنت أثناء دخولهم؟ وين البقية؟ وين حماية المنشآت؟ لماذا لم يؤمن المكان وكلكم تعرفون أن الأستاذ مهدد؟
 
وفجأة سكتُّ··· أدركت ألاَّ فائدة من الكلام فقد وقع المحظور··· وهذا الهارب يجلس في حضرتي باكياً مولولاً ولا أفهم منه غير أويلي عمي ما يستاهل!
Page 5
حلـــم العــــودة
 
وطنـــي، يا وطنــــي
 
آه عليــك يا وطنـــــي
 
يا وطــن السيــف والقلـم
 
يا وطــن القهـــر والألـم
 
آه عليـــــــك، وأوّاه،
 
يا وطــــن الخيـــــر
 
يا وطــــن السعـــــد
 
يا وطــــن الجـود والكرم
 
بعد غربة قسرية دامت أكثر من عشرين عاماً عدت إليك محملة بالأماني العِذاب، معبأة بشوق جارف إلى مرابع الطفولة وملاعب الشباب
 
عدت إليك وأنا مشوقة للقاء الأهل والأحبة، متلهفة لرؤيتهم والاستماع إلى حكاياتهم وما مر عليهم خلال السنوات الماضية وأنا بعيدة عنهم· سنوات عشرون قاحلة مرت على العراق وأهل العراق بكل ما فيها من مرارة وجدب وبكل ما حوته من معاناة وألم· تلك السنوات الماضية القاسية وقد فعلت فعلها فيهم حيث قتل الكثير وشرد الكثير الأمر الذي زرع الخوف في نفوس العائدين إلى وطنهم بعد سنين غربة طويلة، الخوف من الآتي، والخوف من مواجهة حقيقة الفقدان، فقدان الأحبة ورحيل الأعزاء·
 
طوال سنوات الغربة التي عشتها في العاصمة البريطانية، وفي أحسن حال، كنت أمُنّي النفس بيوم العودة إلى بغداد، كنت أمنيها بعودة نهائية لا رجوع منها وأن تذكرة السفر أحادية الرحلة·
 
حلمت بأنني سأعود إليك يوماً أيتها الأرض الحبيبة
 
ستمس شفتاي تربتك الطاهرة
 
ستقع عينيّ على ذكريات طفولتي
 
وأسمع وقع خطاي·
 
آه يا بغداد، يا أثيرة
 
آه يا بغداد، يا حبيبة
 
لو تعلمين ما كابدته النفس من لواعج الحنين ومرارة الشوق
 
لو تعلمين، وتعلمين كيف أضنى البعد قلوب أناس طيبين فارقوك ظلماً وعدواناً، هم أهلك الذين ما طلعت عليهم شمس ولا غربت إلا وصورتك ماثلة أمام أعينهم تقفين مزهوة بجمالك الخالد خلود نهريك الرائعين··· دجلة والفرات·
 
كنت عروس المدائن، وقبلة الناظرين
 
كنت ملهمة الشعراء والعاشقين
 
كنت
 
وكنت
 
وكنت
 
ونحن أمة يحلو لها أن تفخر بأنها كانت وكانت، ويحق لها أن تفخر اليوم بأنها برعت في تضييع كل ما كان وكانت· لها أن تفخر بأنها أضاعت ما كانت تزهو به من أمجاد وما كانت تباهي به الأمم·
Page 6
رحلة العودة إلى بغداد
 
كانون الثاني/يناير 2004
 
وصلت بغداد قادمة من عمّان بعد رحلة شاقة بالسيارة استغرقت أكثر من خمس عشرة ساعة اصطحبني فيها ولدي أسامة وكان قد استأجر سيارتين لنقلنا مع أمتعتنا الكثيرة ومرافقين اثنين لحمايتنا أثناء الرحلة· وقد فوجئت بهذه الترتيبات الغريبة إذ كنا في منتصف الخمسينيات نسافر أطفالاً مع أهلنا في سيارات كبيرة تشبه الباصات عرفت بإسم سيارات نيرِن نسبة إلى الشركة الناقلة من بغداد إلى مصايف سوريا ولبنان مروراً بالأردن لقضاء العطلة الصيفية· وقد اتبع ذلك السياق من قبل العوائل الميسورة للهرب من شدة حرارة الجو أيام الصيف اللاهب حيث تصل درجة الحرارة إلى 45 درجة مئوية نهاراً·
 
لم تكن ترافقنا حماية أو حراسة من أي نوع رغم ما كنا نسمعه من قصص عن وجود قطاع طرق في منطقة الصحراء الغربية التي تمتد من غرب العراق إلى الأراضي الأردنية والسورية حيث الحدود المشتركة بين تلك البلدان·
 
أما عن الأمتعة الكثيرة التي حملناها معنا في رحلتنا فكانت عبارة عن أكياس وعلب أطعمة مختلفة تحوي أنواعاً متعددة من كل ما يخطر على البال من مأكل ومشرب كان الأهل والأصحاب قد حرموا منه أيام الحصار الدولي القاسي الذي فرض على العراق بعد حرب الخليج عام 1991· كذلك حملنا معنا صناديق كبيرة للأدوية المتنوعة غير المتوفرة في بغداد بعد أن أشار علينا بانتقائها الأطباء المختصون في لندن·
 
وعلى ذكر الأدوية فهذه هي المرة الثانية التي يصر أسامة على تعبئة سيارة كبيرة بصناديق الأدوية لأخذها معنا، ذلك أنه كان قد ذهب إلى بغداد قبلي بستة أشهر للالتحاق بوالده، ويومها حمل معه عشرات الصناديق لأنواع الأدوية والمضادات الحيوية والفيتامينات وقام بتوزيعها على المراكز الصحية والمستشفيات العامة وخاصة مستشفى اليرموك التعليمي التي تفتقد إلى الكثير من مواد الإسعاف الضرورية بعد أن تم نهبها وتفريغها تماماً حتى من الأسرّة عام 2003 بعد دخول الأمريكان بغداد·
 
أما عن أسلوب السفر الحالي إلى العراق فقد كان محكوماً بنظام جديد خاص بتوقيتات الرحلة وخط السير المؤدى إلى بغداد بسبب الخطورة الكبيرة التي قد يتعرض لها المسافرون أثناء الرحلة على يد قطّاع الطرق وعصابات تكونت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان عام 2003، تقوم بالسلب والنهب والقتل أحياناً إن واجهتها مقاومة من المسافرين·
 
دخلت القوات الأمريكية الغازية بغداد في 9 نيسان 2003 وكل ما يهمها السيطرة على الموارد الطبيعية التي وهبها الله لهذه البقعة من الأرض· لذلك لم تهتم بما له علاقة بأمن البلاد أو سلامة أهلها مما أدى إلى أن يصير العراق أرضاً مشاعة لكل من هبِّ ودب· وكان على المسافر إلى وطنه العراق توفير الحماية الشديدة لنفسه وعائلته ومرافقيه، وكذا حال المغادرين إلى الخارج·
 
تستغرق الرحلة من عمّان إلى بغداد عادة خلال الأوضاع الطبيعية ما بين 9 - 12 ساعة لكنها وبعد أحداث 2003، صارت تطول إلى أكثر من ذلك بحيث تصل أحياناً إلى يومين·
 
غادرنا عمّان في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل كي نصل إلى الحدود الأردنية الآمنة حيث مركز الكرامة بعد مسيرة أكثر من ثلاث ساعات قطعنا فيها حوالي 400 كم· وبعد إكمال المعاملات الرسمية في مكتب الكرامة الحدودي داخل الأراضي الأردنية، سارت السيارة مسافة أمتار قليلة حيث مركز طريبيل الحدودي العراقي، وبعد إنجاز أوراق الدخول الرسمية بدأت الرحلة نحو بغداد حيث تبلغ المسافة من نقطة طريبيل إلى العاصمة العراقية حوالي 500 كم تمتد عبر طريق صحراوي موحش·
 
يفتقد الطريق إلى كل الاحتياجات الضرورية من إضاءة كهربائية إلى أماكن الاستراحة، إلى نقاط الحراسة وغيرها· لذلك صار الطريق خاوياً إلا من محطة أو محطتين يقوم السائق بالتزود فيها بالوقود إن وجد! أما المكان الوحيد الذي يسمح للمسافرين النزول فيه قرب آخر محطة بنزين قبل مغادرتنا الأراضي الأردنية فهو عبارة عن عدد من المخازن التي تبيع الأطعمة والتجهيزات الغذائية المتوفرة، وبجانبها يقع المقهى الوحيد الذي يقدم إفطار الصباح من شاي وخبز وبيض مقلي لا غير·
 
هذ المقهى هو المكان الوحيد والأخير الذي يؤمه المسافرون لتناول الطعام والاغتسال في حمامات أكل عليها الدهر وشرب ولولا الضرورة لما دخلها إنسان·
 
بعد غزو العراق عام 2003، صار الطريق من بغداد حتى نقطة الحدود العراقية الأردنية خطراً للغاية وقد تعرض الكثيرون إلى حوادث السلب والنهب والخطف بالإضافة إلى جرائم القتل في بعض الأحيان، مما حدا بسائقي السيارات إلى المسير أثناء النهار فقط للحصول على أكبر قدر من الأمان وفي حالة تأخر إنجاز المعاملات الحدودية إلى آخر النهار بالنسبة للقادمين على العراق، يضطر ركاب السيارة إلى قضاء الليل بطوله داخل السيارة لعدم وجود أي مكان للاستراحة، وحتى شروق الشمس في اليوم التالي كي يواصلوا رحلتهم نحو بغداد، وهذا يعني البقاء في نقطة الحدود يوماً كاملاً!
Page 7
تسير السيارات بسرعة جنونية وكأن العفاريت تلاحقها· ويقوم السائق عادة بشرح تفاصيل الرحلة قبل البدء بها ليكون المسافرون على دراية تامة وتأهب نفسي لها لا سيما فيما يتعلق بموضوع السرعة القصوى· ولا يمكن لأي إنسان أن يتصور عمق ذلك الإحساس بالخوف لدى المسافر خلال ساعات الرحلة الطويلة المملة ما لم يعشه فعلياً·
 
الكيلو 160 هي المنطقة الأشد خطورة طوال الطريق حيث المسافة المتبقية من الطريق تبلغ 160 كم للوصول إلى بغداد· وفي هذه المنطقة تكثر عمليات السلب والخطف وعند الوصول إليها يزيد السائق من سرعة سيارته إلى أقصى ما يستطيع كي يدخل بغداد قبل العصر عن طريق منطقة أبو غريب، ليتفادى قطاع الطرق المنتشرين في المنطقة·
 
كذلك يفضل دخول بغداد قبل أن يرخي الليل سدوله لتفادي السيطرات الوهمية التي تنتشر في أحياء العاصمة وبسبب حوادث القتل والخطف المستمرة سميت طريق الرحلة بطريق الموت!
 
وهنا يجب أن يسجل التاريخ الحديث أول مكسب للوطن بعد احتلاله من قبل الأمريكان - صارت حياة الإنسان أرخص من نفاية!
 
كانت الرحلة أطول رحلة في حياتي رغم أسفاري الكثيرة على مر السنين، ولم تكن كغيرها من الرحلات على الإطلاق، فالخوف رائدها ويسيطر على كل من في السيارة ابتداء من سائقها إلى ركابها· أما المرافقون من الحراس فتراهم متأهبين طوال ساعات الرحلة الشاقة المملة وقد استغرقت يومها أكثر من خمس عشرة ساعة· هم متأهبون وكأنهم مقبلون على حرب مرعبة مع الوحوش·
 
لم تكن أوقات السفر محددة أو ثابتة كما هو معمول به في أنحاء العالم، ذلك أن الرحلة البرية إلى العراق تتأثر بالكم الكبير للسيارات القادمة أو المغادرة، وقد تصل مدة انتظار الدور للدخول إلى مكتب الجوازات الحدودي عدة ساعات تعقبها ساعات أخرى في انتظار إتمام ختم الجواز من قبل موظفي المكتب، أضف إلى ذلك عملية تفتيش السيارة بمحتوياتها وخصوصاً بالنسبة لمغادري العراق من قبل موظفي الجمارك والتي قد تطول وتتعقد لاسيما إذا أصر المفتش على إجراء التفتيش ببطء ولمرات متكررة للتأكد من عدم وجود مواد مهربة، علما أن التهريب كان قائماً على قدم وساق ومن قبل أناس ذوي سطوة ونفوذ· فقد تم إخراج الغالي والنفيس إلى خارج العراق بواسطة الرحلات البرية هذه، حيث هربت كثير من الأعمال الفنية من لوحات وتماثيل لفنانين عراقيين كبار معظمهم من رواد الحركة الفنية في البلاد· علماً أن هناك أفراداً من الفنانين المقيمين في الخارج ساهموا على قلتهم مساهمة فعالة في هذا الإنجاز التاريخي الموسوم، وأقصد إنجاز تهريب الأعمال الفنية لاسيما اللوحات المرسومة·
 
كانوا يرسلون العملة الصعبة إلى أفراد يتعاملون معهم حيث يقوم هؤلاء بشراء الأعمال بأثمان بخسة بسبب انهيار سعر الدينار العراقي الذي بلغ يومها 1500 دينار للدولار الواحد بعد أن كان الدينار الواحد يعادل ثلاثة دولارات ونصف في الثمانينيات وقبل عاصفة الصحراء عام 1991!
 
أضف إلى ذلك فإن حوادث السرقة التي صاحبت احتلال بغداد في نيسان 2003 والتي تعرضت لها المتاحف ودور الثقافة بالإضافة للوزارات أوصلت تلك المقتنيات إلى من لا يعرف قدرها وكانت تباع على أرصفة شوارع العاصمة في الأيام الأولى للاحتلال بمبالغ تافهة· ولست هنا بصدد ذكر أسماء هؤلاء الفنانين ولا أسماء السماسرة الذين تعاونوا معهم، لا ولا أسماء تجار الحروب الذين ساهموا مساهمة فعالة في إخراج ثروة البلاد العظيمة إلى الخارج، بل يكفي أن أسماءهم معروفة وسيلعنها تاريخ الحركة الفنية العراقية الرائدة·
Page 8
ترى ما الفرق بينهم وبين اللصوص الذين سرقوا المتاحف والآثار رغم اختلاف انتماءاتهم، دخلاء كانوا أم محتلين؟
 
غادرنا منطقة طريبيل الحدودية حوالي الساعة السابعة صباحاً والسائق يزيد من سرعة السيارة ويحاول إعطاء تبريرات لهذه السرعة، وكان أسامة يعلق أحياناً بكلمات قليلة لافتاً نظر السائق إلى ضرورة توخي الحذر والتركيز على ما أمامه وخصوصا إذا ما أراد الأخير الاسترسال في الكلام· وفي عدة مرات طلبت منه التقليل من السرعة فقد كانت السيارة تسابق الريح! وهو يعلق بقوله: خالة لا تخافي أنا حافظ الطريق··· ولم تنفع تطميناته في إزاحة الشعور بالخوف والقلق عن نفسي·
 
بدأنا الرحلة مع عدة سيارات التقينا بها في المركز الحدودي ذلك أن سائقي السيارات يتفقون أثناء تواجدهم هنا على السير تباعاً كقافلة واحدة، وقد اتبع هذا الأسلوب لتوفير الإحساس بالأمان من ناحية ولمساعدة بعضهم لبعض عند الحاجة من ناحية أخرى·
 
وبعد أن قطعنا نصف المسافة تقريباً عصفت الريح فجأة وبشدة وبدا الغبار يتصاعد في الجو وما هي إلا لحظات حتى هبت علينا عاصفة رملية شديدة الكثافة انعدمت معها الرؤية إلى حد كبير مما حدا بالسائق إلى خفض السرعة تماماً· وبدأ يفقد السيطرة على السيارة التي صارت تتأرجح في مهب الريح يميناً تارة وشمالاً تارة أخرى وقد اختفت السيارات الأخرى عن النظر ولم نعد ندري ما العمل·
 
كان الخوف الكبير من احتمال اصطدام السيارات بعضها بالبعض الآخر، لكن الله سبحانه وتعالى ألهم السائق حسن التصرف إذ حرص على أن يسير بهدوء وبطء في خط مستقيم رغم انعدام الرؤية أمامه، وكذا فعل الآخرون رغم اشتداد العاصفة التي لونت الأرض والسماء بلون أحمر داكن، وكانت الفاتولات، وهي كتل كثيفة من التراب، تدور حول نفسها بسرعة كبيرة تتبعها أصوات قوية مرعبة تشبه إلى حد كبير عواء الذئاب·
 
استمرت العاصفة الترابية أكثر بكثير مما هو متوقع وبدأت أعراض القلق تبدو على السائق من خلال حركاته المتوترة وتعليقاته الكثيرة، وحاول أسامة إبعاد القلق عنه بتوجيه أسئلة مختلفة لا علاقة لها بما يجري خارج السيارة، وفي الوقت نفسه لم تكن أسئلة تحتاج إلى إجابات مفصلة لكي لا يشغله عن مراقبة الطريق·
 
ترى ألا يكفي كم الخوف الذي استشعرناه منذ لحظة دخول أرض الوطن؟ الخوف من كل ما سمعنا عنه وما يتوقع حدوثه، وبالتالي ما يمكن أن يترتب عليه من نتائج قاسية··· وتأتي الآن عاصفة ترابية عاتية تذكي نار الهلع في النفس وتوصد أبواب الرؤية أمامنا في طريق الموت·
 
أحياناً يمكننا وضع حد لخوف يعترينا من أمر معلوم وذلك بوضع الحلول لتفاديه، لكن الخوف من المجهول أقسى···
 
والأقسى من ذلك عندما يكون الخوف مرهوناً بالعجز·
 
سارت السيارة بمفردها بعد أن شتتت العاصفة ركب السيارات المنطلق نحو بغداد، ولم تكن هناك أية سيارة قريبة منا، ترى أين ذهبت تلك السيارات الأربعة؟ وكيف عبرت الصحراء تحت هول العاصفة الترابية؟ وهل سبقتنا أم ما زالت خلفنا؟
 
لاحظ السائق قلقي وتساؤلاتي الصامتة فقال مازحاً: شفتي خالة كيف أنا سائق ماهر··· ثم أنا حافظ الطريق شبر شبر·
 
ورغم ارتياحه من انقشاع ظلمة التراب فقد بدأ رأسه يترنح ويدور لإحساسه بالنعاس··· يا ويلنا، ما العمل الآن وهو لا يعترف بأنه نعسان!
 
قلت له: تعرف ناصر كم أنا مشتاقة لبغداد؟ أنا أشتاقها شوق العصافير المهاجرة إلى أعشاشها، وأشتاق إلى أهلي وناسي اللي فارقتهم من زمن طويل···
 
قال وما زال رأسه يتمايل: آه، صحيح·
 
قلت: وبعدين أنا تركتها وهي حلوة مشرقة وخصوصاً وقت الربيع عندما تمتلئ أشجار البرتقال والليمون بزهر القداح··· ويملأ عطره شارع بيتنا بعطره الفواح···
 
قال: وهل تزرعون بالبيت البرتقال؟
 
تمتمت لنفسي: وهل يوجد بيت بغدادي لا تزرع فيه الحمضيات الدائمة الخضرة!
 
أدركت آنذاك أنه لا يعي ما يقول وقد غلبه النعاس فعلا، وهي أصعب حال بالنسبة للسائق وأخطرها بالنسبة للركاب· ويبدو أن محاولاتي لإشغاله لم تنفع لأنه بعد أن كان متحمساً للرد على استفساراتي وتصحيح بعض معلوماتي القديمة، بدأ تحمسه يتلاشى وعيناه تصارعان النعاس فلم أجد بداً من القول: لماذا لا توقف السيارة وترتاح قليلا نعاود بعدها المسير؟
 
نفض رأسه بقوة وهو يقول: كيف؟ كيف خالة أرتاح؟ كيف أوقف بها الصحرا والمغرب لاح؟ مجنون أنا حتى···
 
قاطعته: أحسن ما تعمل حادث· أنت ما شايف قدامك·
Page 9
قال: خالة ما تخافي الله معنا، كل شيء إلا بوقّف· الله يكفينا شر الوحوش···
 
سألته: وحوش؟ هنا بالصحرا وحوش؟
 
ضحك قائلاً: وحوش بشرية! لصوص، يقتلو من شان دينار·· الله معنا ويكفينا شرهم·
 
ويبدو أن صيغة الحوار أفاقته قليلاً فاغتنمت الفرصة وفتحت قنينة ماء لبلّ منديل صغير أعطيته إياه مما أسعده فصار يشكرني وهو يمسح وجهه مرطباً إياه ببرودة المنديل، وكان العطش بادياً عليه فناولته علبة سفن آب أخذ منها رشفة واحدة ووضعها بجانبه في المكان المخصص لها حيث متكأ ذراعه·
 
دقائق قصيرة لم أنعم فيها بالراحة وإذا بحضرة السيد ناصر يغفو على المقود، صرخت به صرخة أيقظته وأيقظت أسامة الذي كانت حرارته قد ارتفعت كثيراً بسبب تعرضه للبرد ليلة مغادرتنا عمان، أفاق الاثنان مذعورين، وأحس ناصر بخطئه فصار يعتذر ويتأتئ بكلمات غير واضحة·
 
وفجأة اكفهر الجو وبدأ صوت الرعد مزمجراً مسبوقاً بموجات البرق المشعة، واستمرت الحال دقائق كأنها دهر ونحن نرى الغيوم تتكاثف وتتسارع حتى امتلأت السماء بالسحاب الثقال·
 
إنهمر المطر مدراراً، وشيئاً فشيئاً أصبح الأمر خطراً رغم هبوط سرعة السيارة إلى أقل من عشرين كيلومتراً بالساعة· ورغم ذلك فنحن نترنح والسائق يعاني من صعوبة السيطرة على السيارة·
 
إستمر المطر بهذه القوة والغزارة أكثر من نصف ساعة كانت كافية لإثارة كابوس الخوف من جديد·
 
يا الله، أما لهذا اليوم من آخر؟ كيف اجتمع الضدان خلال ساعة من الزمن؟
 
كيف يهدأ الغبار الكثيف بعد ثورة عاتية مظلمة ليفسح مساحة كبيرة لسيول من المطر صارت تعصف بالأجواء ملبدة الأرض والسماء برمادية قاتمة، وصارت قطراته تضرب زجاج السيارة بوقع عنيف وإيقاع مدوّ···
 
إنعدمت الرؤية أمامنا، إنعدمت خلفنا، وانعدمت الرؤية تماماً· كيف تتسع النفس لهذا الخوف من الطبيعة الغاضبة؟
 
كيف تعبر الروح هذا البرزخ المظلم ما بين العاصفة والمطر؟
 
كيف، ومتى، ولمَ··· وتتسارع الأسئلة في نفسي باحثة عن مخرج من هذه الورطة التي تخيم علينا دون سابق إنذار···
 
وفجأة، صاح السائق··· لا تخافوا إن شللّه يوقف المطر··· يا رب قولوا معي يا رب··· وصار ناصر يتمتم بأدعية غير مفهومة وصلوات متتابعة·
 
بقينا على هذه الحال دهراً وفجأة ابتدأت أنهار المطر المدرارة تتباطأ واستقامت خطوط قطراتها رغم قوتها مما جعل أمر السيطرة على المقود أيسر، وابتدأت سرعة السيارة تزداد لكن استمرار هطول المطر حوالي الساعتين أثر جداً في وقت الوصول وبالتالي أقلق الأمر أهل بغداد وكانوا مجتمعين كلهم لدى الوالدة لاستقبالنا، بعد غيبة سنين طوال!
 
في الساعة السابعة ليلاً دخلنا بغداد من ناحية أبي غريب·
 
ومنذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها السائق وصولنا بغداد أدركت أننا ندخل منطقة أثرية مهجورة عصفت بها الوحوش، وقد كانت يوماً تسمى بغداد!
 
وأبو غريب على ما أذكر، منطقة جميلة معروفة ببساتينها الخضراء وحدائقها الغناء حيث يملك العديد من أهالي بغداد الأغنياء بساتين خاصة شيدت داخلها بيوت استراحة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع فيها، أو لإقامة الدعوات الخاصة والحفلات العائلية حيث الهواء الطلق وأشجار الحمضيات الكثيفة ومساحات الورد المنتشرة في أرجاء كل بستان· في فصل الربيع تزهو البساتين ويثقل حمل أشجارها بزهر القداح اللؤلؤي مما يشيع في أنحاء المنطقة جواً من عطر ذكي الرائحة· وهذا المشهد الطبيعي الرائع بما تحمله أنسام الربيع من عطره ورائحته يكاد يكون ميزة معروفة تنفرد بها بغداد عن بقية العواصم، ذلك أن بيوتها تحاط عموماً بحدائق عامرة بأشجار الحمضيات المزروعة حول أسوار البيت المشيد من الطابوق النظيف الأملس مما يشكل حاجزاً كثيفاً شديد الخضرة يرتفع أعلى من السور الطابوقي· وعندما تمتلئ الأشجار بالقداح تمتد مساحته على مد بصر المرء وهو يسير في شوارعها، أما الليالي المقمرة فترسل إشعاعاً درياً رائعاً يضفي بمنظره البراق جمالاً خلاباً متناغماً مع أنسام الليالي الربيعية المعبأة بالعطر الفواح·
 
وإذ دخلنا أبو غريب ابتدأت سيول المطر بالانحسار وبدت الخرائب واضحة بشكل مثير للدهشة والسائق يحاول جاهداً أن يتفادى الحفر الكثيرة التي تنتشر على طول الشارع الرئيسي المؤدي إلى العاصمة، بغداد· أما منظر البيوت المتهدم والجدران المتداعية فإعلان قاس عن دمار حقيقي وقصف همجي تعرضت له المدينة التي كانت شوارعها خالية تماماً من أي أثر للحياة··· لا بشر يسير ولا سيارة تتحرك ولا أي مؤشر من مؤشرات وجود حياة على هذه الأرض·
 
المدينة مهجورة تماماً، أو هكذا يبدو، تتناثر أكوام النفايات في كل مكان بشكل مقزز، شوارعها غارقة في مياه المطر، الجزء المبلط من الشارع تساوى مع الأرصفة ولا مجاري تسحب المياه إلى الأعماق··· و··· و···· علماً أن بغداد من أوائل المدن التي احتفت بنظام شبكات المجاري الحقيقية منذ العهد الملكي، أسوة بأنظمة المجاري العالمية التي تتميز بها أوروبا بشكل عام·
 
أضف إلى هذه القتامة الظلام الدامس الذي تغرق فيه المدينة وكأنها مدينة أشباح يخيم عليها صمت مخيف·
 
صحت بانفعال: أنت متأكد يا ناصر أننا في بغداد؟ وين بغداد؟
 
أجاب الاثنان في وقت واحد: بعد ما شفتي شي··
 
وحاول أسامة أن يعطيني شرحاً للموقف بمعونة السائق ناصر، وأنا أستمع مذهولة وأتلفت يميناً ويساراً وأهز رأسي علامة الرفض وعدم القبول بما أرى أمامي··· وأنا أكابد غصة أمسكت بتلابيبي وخنقتني، وفجأة انفجرت في بكاء مرير لم أفلح في كتمانه·
 
بكيت بغداد ولسان حالي يتساءل: إن كانت بغداد هكذا فماذا بقى من الوطن؟
 
بغداد، بغداد··· قبل ربع قرن تقريباً وفي أوائل الثمانينيات تركتك عروساً شابة تتبختر مزهوة بجمالها، وأعود إليك اليوم لأجدك عجوزاً كسيحة تتوكأ على عود يابس منكسر···
 
عدت لأجدك تحتمين بأركان كوخك المتهدم··· كوخ معتم بارد حيث لا نور يبدد عتمته، ولا نار تدفئ أركانه، ولا ماء يطفئ عطشه·
 
بغداد··· يا لفجيعتنا ببغداد··· يا لبلوانا يا ربي
 
يا الله، يا الله، ماذا حل ببغداد؟
 
ماذا أصاب بلدتي الحبيبة؟
 
ماذا حل بعزة أهلك الشماء؟
 
كيف أصابك هولاكو الجديد؟ كيف تمكن منك وفي عقر دارك؟
 
كيف··· وكيف
 
وأنا حائرة بأفكاري مهمومة بتساؤلاتي تنبهت على صوت السائق مشيراً إلى أننا سنصل بعد قليل وعلي أن ألملم نفسي·
 
فعلاً، كيف سألتقي الأهل بعد غيبة هذه السنين وأنا باكية مكسورة الخاطر! كيف سيكون رد فعلهم وهم أساساً مطحونون يسحقهم الهم بسبب معاناتهم الطويلة وحرمانهم من الأشياء الأساسية لديمومة حياتهم، وبعد انتظار طويل لليل بارد قاس مرير، إذا به ينبلج عن صبح أقسى وأعتى وأمر·
 
نعم علي أن أجفف دمعي الآن ومن الواضح جداً أن البكاء سيطول، وأن الدموع ستسيل·
 
لملمت نفسي وأعدت ترتيب هيئتي استعداداً للقاء الأحبة، وما أكثرهم!
Page 10
إنتخابات اللجنة الأولمبية في دوكان
 
29 كانون ثاني 2004
 
بقيت في بغداد حوالي الشهرين قضيتهما مع الأهل والأقارب والأحبة في ظروف اعتبرتها آنذاك قاسية ولعدة أسباب أهمها انقطاع الماء لعدة أيام وانقطاع الكهرباء المستمر وبمعدل يومي لساعات متصلة· أما مواد التدفئة المقننة وبنزين السيارات فقد تم توفيرهما وفق أسلوب التقنين المحدد· أضف إلى ذلك عطل شبكات الهاتف شبه الدائم· وقد أدى ذلك إلى صعوبة الاتصال بين أهالي العاصمة المحتلة التي تخضع إلى ساعات منع التجوال ابتداء من العاشرة مساء وحتى فجر اليوم التالي قبل الخامسة صباحاً· مما أدى إلى تفكك عقد الرابطة الاجتماعية وانقطاع أخبار أفراد العائلة الواحدة بعضهم عن بعض بسبب المسافات لا سيما إذا كان مقر سكناهم موزعاً بين ناحيتي النهر العريق دجلة، بجانبيه الكرخ والرصافة·
 
بعد وصولي مباشرة أخبرني أحمد بأنه يتهيأ للسفر إلى السليمانية في إقليم كردستان شمال العراق في نهاية الشهر وذلك لإجراء أول انتخابات بتاريخ العراق لانتخاب اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية، بداية لعهد جديد يرعى مصلحة الشباب الرياضي العليا من خلال ارتباط اتحادات الرياضة الأولمبية باللجنة الأولمبية الدولية· وقد تم ذلك فعلاً في الموعد المحدد في تظاهرة رياضية كبيرة ساهمت فيها وفود من كافة أنحاء العراق بحضور إعلامي عالمي مكثف·
 
بعد الأحداث التي جرت في العراق في نيسان 2003 وما تعرضت له البلاد من تدمير وخراب للبنية التحتية وتعطيل كافة مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية ومن ضمنها اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية التي تعرضت بنايتها إلى قصف شديد ما أدى إلى تدميرها وسرقة كافة موجوداتها، أقدمت نخبة من الرياضيين على تشكيل نواة اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية في العراق الجديد (الهيئة المؤقتة لإدارة الرياضة في العراق)، وفي ظل الوضع الصعب المفروض آنذاك وبجهود شخصية مضنية قام بها رئيس الهيئة السيد أحمد عبد الغفور السامرائي وعدد من أعضاء الهيئة الذين قاموا بزيارات إلى كافة محافظات العراق للاطلاع على واقع عمل المؤسسات الرياضية فيها من خلال الالتقاء بالرياضيين - رؤساء أندية ولاعبين ومدربين وإداريين - والتحاور والنقاش للوصول إلى طريق عودة الروح الرياضية من خلال دعم المنتخبات الوطنية والأندية لكافة الألعاب للمشاركة في المسابقات الخارجية، والعمل على توفير كافة الوسائل المتاحة لإعداد الملاعب وتوفير التجهيزات الرياضية·
 
بعد لم شمل الرياضيين قامت الهيئة على إجراء الانتخابات لمئات الأندية والاتحادات المركزية في كافة أنحاء العراق ونجحت نجاحاً كبيراً في تحقيق طموحات الرياضيين وبذلك تم وضع اللبنة الصلبة للهرم الرياضي·