eKtab
EN ع
شهقة اليائسين - الانتحار في العالم العربي
Read free sample

شهقة اليائسين - الانتحار في العالم العربي

by ياسر ثابت

Page 1

المقدّمة

حتّى في الموت رسائل!

هكذا يرى بعضهم في قرار الترحّل عن الحياة، سبيلًا للخلاص والانعتاق. وفي حين يبدو هذا العنف المُوجَّه نحو النفس قرارًا ذاتيـًّا للتخلّص من بؤس البقاء على قيد الحياة، فإنّه يكون في كثير من الأحيان رسالةَ إنذارٍ، أو غضب حيال المحيطين بالشخص المنتحر.

وفي ظلّ أزماتٍ اقتصادية خانقة، وتضييق سياسيّ على المشاركة في الممارسة الديمقراطيّة، وغياب ملامح العدالة الاجتماعيّة وتكافُؤ الفرص والحسّ المشترك والقيم الجماعيّة، يلوح الانتحار في الأفق بالنسبة إلى مَن يشعرون بالقلق والجزع ويَنشدون الخلاص أو يريدون التعبير عن رفضهم لواقعهم الأليم.

إنّ الانتحار ينجم، عادةً، عن كون المنتحر ترك نفسه ليُحشَر في فخٍ، حتّى يبدو الانتحار بالنسبة للمنتحر حلّا أو مهربـًا، سواء من الإخفاق أو العزلة أو الأزمات النفسيّة والجسميّة والماليّة، التي يرى الفرد أنّه عجز عن مواجهتها أو التكيُّف معها.

وبين هذا وذاك تكون النتيجة واحدة: وهي الموت.

والعرضان الأشد خطورةً للانتحار هما الإحساس بفقدان الأمل، والإحساس بقلة الحيلة. فإذا اجتمعا معًا، انهارت قلاع الإنسان، واستسلم لأفكار قد تقوده إلى إزهاق روحه، على رغم أن فطرتنا الحقّة ترفض الإفناء الإراديّ للذّات.

ولعلّ ما زاد الطين بِلّة، حالنا التي لا تخفى على أحدٍ، من تقوقُع للشرائح الاجتماعيّة بعضها على بعض، سواء على أساس فكريّ أو طبقيّ معيشيّ أو وظيفيّ أو مهنيّ أو قبليّ أو عائليّ. نضيف إلى ذلك أنّنا نرزح تحت قيود مفروضة محسوسة ولكنّها ليست بملموسة: مثل الأعراف الاجتماعية والتقاليد، والمحظورات السياسية. ولهذه القيود آثارٌ نفسيّة واجتماعيّة جانبيّة، تعتصر كثيرين، وتُجبرهم على الرضوخ لسلسلة من الأوامر والنواهي والضغوط التي قد تقود بعضهم إلى ضعفٍ إنسانيٍّ، واستسلام لفكرة الانتحار.

هذه الظاهرة المُؤسِفة نهشت في جسد الوطن العربيّ الكبير، بتعقيداتِ واقِعِه، وثقل تجربته التاريخيّة، وأدّت إلى حوادث محزنة، وأوضاع مأساويّة، تستدعي النظر في الأسباب، والبحث عن حلول، حتّى نحمي أنفسنا وأحبتنا من خطرٍ داهمٍ وموجة عارمة تصبغ أيامنا بالسّواد.

كان الموتُ يتخطّف أبناء هذه الأمة بإرادتهم طوعـًا وقسرًا، ويجذبهم إلى سراديب النهاية ومداراتها. وإذا كانت الأزمات حقـًّا وحقيقة، فإنّ الانتحار بدا حنقـًا وطريقة للتعبير عن السخط واليأس والاكتئاب، ومثالًا على قلّة الحيلة تارة، ودليلًا على ضعف الإرادة تارة أخرى.

إنّ الجروح المعنويّة العميقة والشديدة التي يتعرّض لها الإنسان، يمكن لها أن تدفعه للتفكير في إنهاء حياته بنفسه، بكامل سلطانه على ذاته، وفي هذا بعض التبرير لدى مَن يرصدون ظاهرة الانتحار في المنطقة العربيّة. ويبدو أنّ رؤية الإنسان اليائسة للواقع والأحداث والظروف الخاصّة والعامّة التي يمرّ بها، قد تجعل فكرة الانتحار بديلًا مقبولًا عن واقعه والكروب التي يمرّ بها.

Page 2

وفي مدنٍ عربيّة دخلتْ نفق التخلّي، وقرى وبلدات ذاقت طعم التجاهل والنسيان، نجد أجيالًا بأكملها نُحرت قبل أن تنتحر، وشعوبًا أُهملت قبل أن تنحدر إلى قاعها الدّامي، وأفقرت إلى حدّ الاغتيال.

ونحن ننسى أنّه لا يعود البشر بشرًا، عندما يفقد الإنسان كرامته ويغيب إحساسه ويقتل تفكيره، وحين يصبح يدًا ممدودة لطلب المساعدة.

ومع ذلك، فإنّه ممّا يسترعي الانتباه هو أنّ المجتمع المصريّ بشكل خاصّ، ومعظم شعوب المنطقة العربيّة بشكلٍ عامّ، تتهرّب من مواجهة مرآة الواقع وتتحايل على نفسها، بالتكتُّم على الحقيقة حينـًا والتهرب من تسمية الانتحار بوصفه سببـًا للوفاة في أحيان أخرى، لأسبابٍ اجتماعيّةٍ وأخلاقيّةٍ وقانونيّة. ولذا نجد من يُلبس الانتحار ثوبَ الغموض، لتجنب نظرة المجتمع أو الأحكام الدينيّة الواضحة التي تُحرم الانتحار، فضلاً عن القوانين التي تجرّم هذا الفعل. إذ يُنظر إلى الانتحار في الوعي الجمعيّ بوصفه سلوكـًا مشينـًا. ويزيد من صعوبة الموقف، شبهاتٌ هنا وهناك بحدوث تلاعبٍ في الأرقام من قِبَل بعض الهيئات والجهات الرسميّة والأمنيّة في بلادنا العربيّة، لإخفاء الحقائق وتجميلها.

إنّ إزهاق الروح، وهي أمانة الله ـ عزّ وجلّ ـ التي اؤتُمن عليها بنو البشر، خطبٌ جلل، يستدعي البحث والرصد والتأمُّل والتحليل، حتّى نتصدّى للظاهرة ونحول بين المرء ونفسه إن أراد بها سوءًا أو فكّر في التخلّص من نفسه بنفسه.

وينبغي ألا ننسى أنّ الحياة هبةٌ ينبغي الاحتفاظ بها حتّى يطلبها واهبُها، وبالتالي فإنّ من واجب الفرد والمجتمع والدولة التكاتُفَ لإعانة المرء على تجاوز المشكلات والتغلّب على الأزمات، وتقوية مناعته في مواجهة أيّ دوافع أو ميول انتحاريّة.

وبعدُ، هذا كتابٌ ينظر في أمر ظاهرةٍ مقلقة، تستحق منّا ما هو أكثر من الشعور بالأسى وما هو أعمق من الإحساس بالأسف؛ لأنّ مَن يُقدِمون على الانتحار ليسوا سوى إخوة وأحبّة وأهل؛ ولأنّنا لا نريد أوطانـًا مصنوعة من خدر، ومن مسؤولين يتشبثون في كراسي مثبتة بأوتادٍ فولاذيّة، مغروسةٍ في أعناق الفقراء.

ليكن كتابُنا، إذن، نداءَ استغاثةٍ، وجرس إنذار، ودعوة للتفكر والنقاش الجادّ والموضوعيّ، حتّى ننقذ أرواحهم.. أو أرواحنا. وإذا نجح هذا الكتاب في أن يكون سببًا لإنقاذ روح بشريّة واحدة، فسيكون قد أحيا الناس جميعًا.

جميعًا!

ما أجملها من كلمة!، قد تكون درعـًا واقية لحماية الفرد.. بغض النظر عن اسمه وهُويّته وجنسه. فالفرد هو، ببساطة، نواة الجماعة؛ ولذا كانت هذه الوقفة الجادّة مع قضية تؤرّق كثيرين وتمُسُّ المصريين والعرب بشكل عامّ في عالمنا اليوم.

ياسر ثابت

أبوظبي 6 أغسطس 2012

email: [email protected]

Page 3

خلفَ السّتار

«لا عذر للمنتحر في انتحاره مهما امتلأ قلبه بالهمّ ونفسه بالأسى، ومهما ألمَّت به كوارث الدهر، وأزِمَت به أزمات العيش، فإنّ ما قَدِمَ عليه أشدُّ ممّا فرّ منه، وما خسره أضعافُ ما كسبه»(1).

الانتحار، شهقة اليأس، والفعل الوحيد الذي يصبح الفاعل بعده جزءًا من الماضي.

وعلى حافّة الحياة، يرغب بعضهم في خلاصٍ يوقف دبيب جيوش الألم، وراحة وقتيّة قد تفتح باب عذاباتٍ أبديّة.

إنّها اللحظة التي يبدو فيها كلُّ شيء خاليـًا من المعنى والأساس والمبرّر، ويجتاح الأيام عقمٌ مطلق، بالنسبة لشخص عاجز عن الاستقرار أو الاستمرار، فيتأهب لمواجهة هاوية أخرى لا تنضب.

رسائل خلاص لن تصل، ونهايات يظنّ أصحابها أنّها فعل اختيار، ويرى كثيرون أنّها جناية على الروح التي نُؤتمن عليها.

والانتحار ـ بدايةً ـ معناه أن يُقدِم الفرد على قتل نفسه عمدًا وذاتيًّا، لأسباب مختلفة منها النفسيّ. أغلب القواميس أيضًا تضع ملحوظة الحاسّة المستعارة «الرغبة التدميريّة للذات».(2)

ويقدم كارل مننغر Menninger تعريفـًا للانتحار يهتمّ فيه بالنصّ على اختيار الوسيلة لما في ذلك من دلالة في التحليل النفسيّ، فالانتحار عنده «فعل قتل الإنسان نفسه بالطريقة التي يختارها، سواء كان الموت الناتج عاجلًا أو آجلًا»(3). أمّا شارل بلوندل Blondel (1932) ودلما Delmas إلى أنّ الانتحار «هو الفعل الذي يصدر عن إنسان يفضل الموت عن وعي، وبرغم قدرته على اختيار الحياة، دونما ضرورة أخلاقيّة»(4).

ويقرّر الباحث المصري مكرم سمعان أنّ «السلوك الانتحاريّ هو سلسلة الأفعال التي يقوم بها الفرد محاولًا تدمير حياته بنفسه دونما تحريضٍ من آخرَ أو تضحية لقيمةٍ اجتماعيّة ما»(5).

وفي اللّغة العربية، يفيد الانتحار معنى قتل النفس، فالكلمة مشتقة من «نَحَرَ» أي: ذبح وقتل، وفي معاجم اللغة العربيّة، نجد أنّه «انْتَحر الرجلُ أي نَحَر نفسه»(6).

جلُّ تفسيرات الانتحار في البداية كانت خرافيّة، بعيدة كلّ البُعد عن النظريات العلمية، بل كانت تفسيراتٍ خياليةً يعتريها الغموضُ والسطحيّة، مصحوبةً بقصص الجنّ والعفاريت، مدعمةً بدلائلَ مشبعة بقوة الشعائر والطقوس الدينيّة(7).

ظلّت هذه النزعة الدينيّة والخرافيّة سائدة إلى أن حلّت مجموعة من النظريّات والتفسيرات العلميّة.

Page 4

وجاء وقت أصبحت فيه النظريّة السائدة بشأن الانتحار أنّه من نتاج الحضارة الحديثة أو بالتحديد من نتاج التقدّم التكنولوجيّ، مع أنّ كثيرًا من الباحثين يعتقد أن الانتحار كان سائدًا بشكل خاصّ في العصور الوسطى، أي في زمن هيمنة الكنيسة على الفكر والمعتقدات ومن ثمّ السلوكيات.

وكما ساد الاختلاف بشأن وجود ظاهرة الانتحار في الأزمنة المختلفة، فإنّ الاختلاف قد ساد بشأن مواقف الديانات والثقافات والمذاهب الفكريّة من الانتحار. ويمكن أن نرصد تسامحـًا واضحـًا لدى الرومان والإغريق مع فكرة الانتحار، إلى أن حرمت المسيحيّة هذا الفعل حتّى جرى وصفه في عام 452 بأنّه من عملِ الشّيطان(8).

الرؤى عن الانتحار تأثرت بآراء وثقافات عن ملامح مستقرّة وحيّة مثل الدين، والشرف، ومعنى الحياة. فالدّيانات الإبراهيميّة تعتبِر الانتحار جريمةً منكرة بسبب اعتقاد دينيّ يخصّ قدسيّة الحياة. وبشكل عامّ، وكما يقول د. عمار بلحسن، فإنه «يبدو الموت في الميتافيزيقا الإسلاميّة حدًّا بين الدنيا والآخرة، ممرًّا وجسرًا بين دار الإقامة ودار البقاء، بين الفناء وأبد الخلود. وبهذا المعنى، هو لحظة وسيطة لانحلال الجسد والتحاق الروح بالرفيق الأعلى وملكوته»(9).

الثابت أن الإسلام حرَّم بعبارات صريحة لا تحتمل التأويل قتل الإنسان لنفسه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ (سورة النساء ـ الآية 29). وفي التعاليم الإسلاميّة زجرٌ وتخويفٌ من خيار الانتحار، وبدلاً من كونه نوعـًا من الراحة والخلاص في خيال المريض، نجد أنّ التّصوّر الدينيّ يجعله مصيرًا مخيفـًا حيثُ يخلد المنتحِر في جهنّم ويتعذّب بالوسيلة التي استعملها في الانتحار. رَوَى البخاريُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عن أَبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، أنّه قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فيها أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَديدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا».

وهذا التصوُّر وحده يعكس المنظومة الانتحاريّة برمّتها ويُغلق باب خيار الانتحار، وفي الوقت نفسه يفتح باب أمل في رحمة الله والأمل في تفريج الكربات مهما اشتدت، عملًا بقول الله، عزّ وجلّ، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة الزمر ـ الآية 53).

«لا يمكن أن يكون هناك انتحار من دون معرفة الموت»، حسب المعالِج النفسيّ الدكتور عدنان حبّ الله، الذي يشرح لنا أنّ الانسان «منذ بدأ الدخول في الحضارة عبّر عالم اللّغة، أدرك ما يسمّى بصدمة الموت من طريق موت الآخر. جعلت هذه المعرفة فعل الموت محتملاً»(10).

وربّما كان سائدًا لدى الباحثين في ظاهرة الانتحار حتّى وقتٍ قريبٍ نسبيـًّا أنّ الإنسان البدائيّ لم يكن يعرف الانتحار(11). غير أنّ المؤرّخين المحدثين لهذه الظاهرة الإنسانيّة يرون أنّ الانتحار كان جزءًا من التاريخ الإنسانيّ منذ أن بدأ تسجيله(12)، وفي جلّ الجماعات الإنسانيّة ـ على اختلاف حضاراتها، أيـًّا كان ترتيب وجودها الزمنيّ وأنّى كان موقعها الجغرافيّ ـ يوجد أفراد يُقدِمون على الانتحار بصورةٍ ما.

Page 5

وتبرهن البحوث الأنثروبولوجيّة على انتشار السلوك الانتحاريّ في كثير من الجماعات البدائيّة، إذ يشير مالينوفسكي (1949) إلى شيوع الانتحار في جماعات جزر التروبرياند. وأكّدت بندكت (1953) انتشاره على نطاق واسع في جماعات الدوبو Dobu جنوبي المحيط الهادي وفي جماعات الكواكيوتيل Kwakiutil شمال غربي كندا، وذلك لأسباب مختلفة. وعادة ما كانت أسباب الانتحار في هذه الجماعات تتراوح ما بين قتل النفس للخلاص من موقف مشينٍ غير محتمل، أو التخلص من منازعات عائليّة، أو تضحية شخصيّة، أو عقابـًا ذاتيـًا على شعور عنيف بالإثم، أو ردِّ فعلٍ لمشاعرَ فاجعة نتيجة انفصام روابط عاطفيّة خاصة، أو نتيجة انهيار السلطة أو المكانة الاجتماعيّة بسبب فقدان ثروة، أو قد ينتحر المجنيّ عليه انتقامًا من الجاني فيضطر الأخير إلى الإقدام على مصير مماثل... إلخ(13).

وفي جماعة الويو Wayau كان المُعتدي على المحارم يُجبَر على الانتحار تحت ضغطٍ اجتماعيٍّ شديد. أمّا عند قبائل الإسكيمو التي تسكن المناطق القطبيّة، فإنّ المسنين والمرضى الذين يشعرون أنّهم أصبحوا عالةً على ذويهم ولم يعودوا قادرين على العمل ينتحرون بأن يَدفن الواحدُ منهم نفسَه في الثلج ويظلّ هكذا حتّى يموت وهدفه من ذلك أن لا يكون عالةً أو عبئًا على أبنائه. وكذلك الحال في أوقات نقص الطعام بوجه خاصّ، تقع حالات الانتحار لدى الإسكيمو؛ توفيرًا لطعام غيرهم.

وعند هنود ساحل أمريكا الشماليّ الغربيّ، كان من الشرف أن ينتحر الأسرى والخدم عند وفاة سيّدهم ويُدفنون معه في المقبرة نفسها. وبين قبائل أمريكا الوسطى كان موت الزعيم يقتضي أن تُقِبل زوجاتُه وأقاربُه وجواريه وأصدقاؤه على تنفيذ الموت الإراديّ(14).

والانتحار معروف أيضـًا في الحضارة الإغريقيّة، التي كانت تُعدّه وسيلةً عقابيّةً على الجرائم الكبرى وطريقة ـ في الوقت نفسه ـ للتخلُّص من وطأة ظروف غير محتملة. أمّا في روما فإذا عرض للشريف أن تورّط في موقف مَشين يمسُّ سمعته ويُهين كرامته، فإنّه قد يلجأ إلى الانتحار تخلُّصـًا من ظروفه السيّئة وإثباتـًا لحرّيته، وتأكيدًا لكرامته الشخصيّة. وشهد العرب في الجاهليّة وصدر الإسلام حوادث انتحار، وإن تكن نادرة.

وإذا كان بعضهم رأى «أنّ الانتحار نزعةٌ فاسدةٌ وعادةٌ مستهجنةٌ، رمتنا بها المدنيّة الغربية فيما رمتنا بها من مفادها وآفاتها»، فقد جانبه الصّوابُ من نواحٍ عدّة. ففي الغرب، اعتُبر الانتحار جريمة كبرى. ويرى اليابانيّون أنّ الشرف والدّين يدفعان إلى سيبوكو، وهي واحدة من أبشع طرق الانتحار وأشدِّها إيلامـًا، ويعتقدون بضرورتها، واحترامها كوسيلة للتكفير عن الأخطاء والفشل، وكنوع من الاحتجاج خلال حقبة الساموراي.

وفي القرن العشرين، أصبح الانتحار شكلًا من التضحية بالنفس واستُخدم كإحدى صور الاحتجاج، ثم انتشر شكل الكاميكازي والهجوم أو التفجير الانتحاريّ لأغراض سياسيّة وعسكريّة تستند إلى مفهوم دينيّ لدى بعضهم يمجدّ مثل هذا العمل باعتباره ردًّا على أو استهدافًا لمعتدين. أمّا ساتي فهو تقليد جنائزيّ هندوسيّ، وفيه تُقدّم الأرملُ أنفسَهنّ قربانـًا في نار حرق جثة زوجها، إمّا طوعـًا، أو تحت ضغط من أسرة زوجها(15).

بوجهٍ عامّ، تباينت المواقف من الانتحار تباينـًا شديدًا بصورة عكست التاريخ الثقافيّ النفسيّ للمجتمع. وفسّر علماء الاجتماع ذلك بأنّ رفض الانتحار كان سائدًا في المجتمعات التي تسود فيها الخرافات والسحر وترتبط فيها هذه المُعتقدات بالفزع والصراعات النفسيّة الحادّة والرغبة في إبعاد الشرور التي تنجم عن الانشغال بموضوع الموت. وكان هناك حرصٌ في هذه المجتمعات على إبقاء روح الرغبة في الانتحار سجينة حتّى لا تعود تطارد الإنسانَ الحيّ(16).

Page 6

ويعزو التفسير النفسيّ الانتحار إلى طيّات التكوين النفسيّ(17). ومن روّاد هذه المقاربة صاحب مدرسة التحليل النفسيّ سيغموند فرويد، الذي يشير إلى أنّ الانتحار هو نتيجة إخفاق دوافع الفرد العدائيّة نحو التعبير عن نفسها، فتُوجّه نحو الفرد نفسه (أي اتجاه الذّات) لتدميرها (القتل)(18).

المفارقة أنّ الإنسان في الموقف الانتحاريّ «تتنازعه قوتان: قوّة القاتل، وقوّة القتيل معـًا، قوّة الجاني وقوة المجنيّ عليه في وقتٍ واحد»(19).

ويرى فرويد أنّ غرائز الموت تنشط في إطار نفسيّ، حيث يوجه المنتحر إرادته الكاملة في القضاء على نفسه، بمعنى أنّ الأنا يكون مكتمل الوجود في عمليّة الانتحار الذي يكون بمنزلة تأكيد لوجود الذات التي تصدر الحكم على الذّات المحكوم ضدّها.

وبالتالي يرى فرويد أنّ الانتحار عدوان تجاه الداخل، يستهدف موضوعـًا للحبّ تم استحضاره، وثارت نحوه مشاعر متناقضة من الحبّ والكره. فعلى سبيل المثال، فإنّ الشخص الذي يستحضر صورة أمّه بداخله ولكنّه يشعر نحوها بخليط من مشاعر الحبّ لرعايتها له ومشاعر الغضب والعدوان بسبب حرمانه منها في فتراتٍ معينة أو بسبب إحباطها له في مواقف أخرى، نجده حين يقتل نفسه فإنّه في الحقيقة يوجه العدوان نحو الأم المستحضرة في داخله نظرًا لغضبه وإحباطه منها. إذن فقتل النفس هنا يعني قتل شخص آخر داخل هذه النفس(20).

أمّا وقود تلك الدوافع العدائيّة فيتمثّل في حالات نفسيّة كثيرة كالاكتئاب، حيث عرَّفه ستور Storr أنّه مفهوم حالة انفعاليّة يعاني منها الفرد من الحزن وتأخّر الاستجابة والميول إلى التشاؤميّة، وأحيانـًا يصل إلى درجة الميل إلى الانتحار، وكذلك قد تعلو درجة الشعور بالذنب عند الفرد إلى حدّ أنّه لا يتذكّر إلا أخطاءه وذنوبه، وقد يصل إلى البكاء الحادّ(21).

وذهب في الاتجاه نفسه كارل مننغر، وهو من أتباع المذهب الفرويديّ، حيث أرجع السلوك الانتحاريّ إلى مجموعة من الرغبات هي:

1 ـ الرغبة في القتل (عدوان).

2 ـ رغبة الفرد في أن يُقْتَلَ (عقاب).

3 ـ الرغبة في أن يموت (استسلام)(22).

وبناءً على ما سبق، فإنّ نظرية التحليل النفسيّ للانتحار ترى أنّ شخصية المنتحر تعبّر عن تناقض صارخ وشديدٍ يتراوح بين مشاعر الحبّ والكراهية، ممّا يولد نزعة عدائيّة تراكميّة، تنتهي برغبة مُلحّة وجامحة بالقتل والموت(23).

ووَفقـًا لفرضيّة التّوحُّد ـ الخروج، فقد اقترح فرويد أنّ التوحُّد الشديد مع مفقود أو مرفوض، أو كما أوضح غريغوري زيلبورغ، فإنّ التّوحُّد مع أيّ فقدٍ مثاليّ (الحياة العمليّة ـ الحريّة ـ الصّحة)، يكون حاسمـًا في فهم الشخص الانتحاريّ.

وفي الانتحار، تختلط مجموعة من الأحاسيس مثل الانعزال واليأس والاكتئاب، إذ يشعر الإنسان بألم انفعاليّ لا يُطاق ولا يُرى حلًّا لذلك سوى الانتحار. ويعتبر الاكتئاب من أهمّ العوامل المرتبطة بالانتحار، حيثُ يُعدّ من أكثر التشخيصات النفسيّة التي لها عَلاقة قوية بالانتحار؛ لأنّ الفرد المكتئب شخصٌ يهجر الحياة ويرفضها ولا يجد أيّة لذّة بها وبالتالي يرفض وجوده وينبذه ممّا يدفع به إلى الانتحار، وقد ينتحر 15 % ممن يعانون من الاكتئاب الشديد.

Page 7

وفي نشرة إحصائيّة صادرة عن المعهد القوميّ الأمريكيّ للصحة النفسيّة عام 1981، تبيّن أنّ الاكتئاب بأنواعه يعتبر في مقدمة الاضطرابات النفسيّة كافة من حيث الانتشار(24). وفي بحث أجْـرِيَ عام 1957، لدراسة حالات الانتِـحار لوحظ أنّ 98% منهم كانوا يعانُون من أمراض نفسيّة أو جسمانيّة، وكانت أشهر الاضطرابات المصاحبة للانتحار، هي الاكتئاب وإدمان الكحوليّات. وعندما أجري بحث تتبعيّ للمقارنة بين مجموعتيْن: الأولى، مصابة بأمراض نفسيّة مختلفة، والثانية، مصابة بأمراض جسمانيّة، وُجد أنّ نسبة الانتحار في الأولى تصل إلى 5.5%، بينما في الثانية، لم تتجاوز 0.6%.

كما أثبتت دراسة أخرى أنّ ‏15%‏ من مرضى الاكتئاب والانفصام ينتحرون، وأنّ ‏17%‏ من المُـدمنين يُـمارسون هذا السلوك، وأنّ نسبة الانتحار بين مرضى الانفصام (الشيزوفرينيا)، تصل إلى 10%، كما تُوجد أعراضٌ اكتئابيّة لدى ثلثي مرضى الانفصام المنتحِـرين، ولهذا، يُـعتبر المرض النفسيّ من أقوى دوافع الانتحار، وتزيد خطورة الانتحار في المرضى النفسيّين من 3 - 12 مرّة، بالمقارنة بعموم الناس(25).

أمّا المدرسة المعرفيّة فقد صوَّرت الانتحار على أنّه رؤيا النفق أو التفكير غير المرن حيث إنّ الحياة مريعة ولا يوجد حلّ سوى الانتحار. والبعض رأى في الانتحار تعبيرًا عن البكاء الرمزيّ أو للفت الانتباه.

وهنا، يتمّ تفسير الانتحار على أساس وجود ألمٍ نفسيٍّ لا يُحتمل ويريد الشخص اليائس أن يخرج منه فيلجأ إلى الانتحار. وهذا ما لاحظه هنري موراي من أنّ الانتحار وظيفة؛ لأنّه يريد أن يُلغي توترًا مُؤلمـًا للفرد، وأنّه يقدم شفاء من معاناة غير مُحتملة(26).

ومن خلال الدراسات الاسترجاعيّة لتاريخ الأشخاص المنتحرين وُجِدَ أنّه كانت لديهم التخيّلاتُ التالية: الرغبة في الانتقام أو القوة والسيطرة أو العقاب. الرغبة في التكفير أو التعويض أو التضحية أو العودة أو الهرب أو النوم أو الإنقاذ أو الولادة من جديد أو التوحُّد مع أحد الموتى الأعزاء أو الحياة الجديدة. وكما يبدو، فإنّ هذه الخيالات برّاقة ومُغرية للشخص الذي يعتزم الانتحار، ويساعده على تنفيذها أو تفعيلها أن يكون واقعـًا تحت معاناة نتيجة فقدِ شخص أو شيءٍ عزيز أو نتيجة جرحٍ نرجسيٍّ مُؤلمٍ أو يكون مشحونـًا بمشاعر طاغية من الغضب والإحساس بالذنب، أو يكون مُتحدًا مع شخص آخر منتحر.

وتبدو العَلاقة بين الانتحار والاضطرابات النفسيّة موضوع نقاش مُطوّل. والمقبول في الوقت الرّاهن أنّ للمرضى العقليين نزوعـًا إلى التدمير الذاتيّ أقوى من نزوع الأفراد الأسوياء. فالفعل يمكنه أن يكون اندفاعيـًّا أو، على العكس، موضع تأمُّل طويل. والموت الإراديُّ متواتر بصورة خاصة لدى السوداويين، حتّى لدى أولئك الذين يبدون في مرحلة خمود، وغير نادر أن يرى المرء هؤلاء المرضى يسببون الموت لدى بعض أعضاء محيطهم.

ونُلاحظ بخاصة لدى المكتئبين، غير السوداويّين، محاولات انتحار. وفعل تدمير الذات، لدى الفصاميّين، طارئ اندفاعيّ، ترافقه تشويهات في بعض الأحيان، وبتر أعضاء يتحقق من دون انفعال ولا ألم ظاهر. ونواجه عادة لدى الهستيريين محاولات انتحار مشهديّة، ولكن يمكنها أيضـًا أن تؤدّي بهم إلى الموت(27). ومحاولات التدمير الذاتيّ لدى المصابين بعدم التوازن في الطبع متواترة، اندفاعيّة دائمـًا على وجه التقريب. كما أنّ الارتكاسات والنزعات الانتحاريّة متوافرة إلى حدٍّ كافٍ في حالات السكر الكحوليّ ولدى المصابين بالصّرع(28). ويضيف البعض إلى ذلك الأمراض المستعصيّة والأمراض العقليّة المُزمِنة(29).

Page 8

ويقول سترنز (1921) Sterns إنّه وجد بين 167 حالة انتحار في ولاية ماساشوستس، بينها 52.7% لمصابين باضطراب عقليّ على نحو ما، وأنّ 38.9% آخرين كانوا ذهانيّين فعلًا(30). وتتبعت سوزان سيرا 430 حالة انتحار في باريس 1925/1926، فوجدت أنّ حَوالَي 36% منهم كانوا مصابين بمرض عقليّ بصورةٍ ما، وأنّ حَوالَي 30% آخرين كانوا مصابين بجنون إدمان الكحوليّات(31).

إنّ الأمراض النفسيّة والعقليّة أحد أبرز العوامل المُسبّبة للانتحار. وينضوي تحت لواء تلك العوامل المرضُ النفسيُّ الناشئ عن خَلل عضويّ في الدماغ، وينشأ غالبـًا منذ الولادة، مثل الشلل الجنونيّ العام، والتخلّف العقليّ، والصرع.. ومنها الاضطرابات النفسيّة والعقليّة وهي تنشأ عن خلل وظيفي، وتشمل:

أولاً: الاضطرابات النفسيّة، والتي تظهر غالبـًا عبر سنوات العمر نتيجة التعرض لصدمات ومشكلات ومنها: القلق، وتوهُّم المرض، والهستيريا، والخواف (الفوبيا)، والوسواس القهريّ، والاكتئاب.

ثانيًا: الاضطرابات العقليّة (الذهنيّة) وقد تكون وراثيّةً ومنها: الفصام، وذُهان الهوس الاكتئابيّ. وتلعب الأمراض النفسيّة والاضطرابات النفسيّة والعقليّة دورًا مهمًّـا في الكثير من حالات الانتحار لدى المراهقين والراشدين، تقريبـًا 40% من حالات الانتحار المُسجَّلة(32).

من العوامل الأخرى المُسبِّبة للانتحار اضطرابُ الشخصيّة، وهو ليس مرضـًا نفسيًّا أو عضويـًّا، وإنّما سمات مُتطرِّفة تجعل تلك الشخصياتِ مُختلفةً عن بقيّة الناس. وهم لا يشعرون بأنّهم يعانون من اضطراب، ولهذا يعاني مَن يعيشون معهم، ويعانون هم أيضـًا من أنفسِهم وتصرفاتهم، وهم لا يستجيبون للعلاج بشكل جيّد؛ لأنّهم لا يقتنعون بحاجتهم إليها، ومنهم: الشخصيّة الهستيريّة، والشخصيّة غير الناضجة انفعاليـًّا، والشخصيّة العاجزة، والشخصيّة الانطوائيّة، والمُدمنون على الكحول أو المخدرات.. وكلّ هؤلاء يفكّرون في الانتحار.

وتشير إحصاءاتٌ في المجتمع المصريّ، مثلًا، إلى أنّ المُدمنين على الكحول والمخدّرات تصل نسبة انتحارهم إلى 15%، وأنّ المصريين ينفقون على المخدرات 100 مليار جنيه مصريّ في السنة(33).

نضيف إلى أسباب الانتحار المشكلاتِ الأُسريّةَ واحترام الذّات، إذ إنّ الصراعات الأُسريّة المتكرّرة أو الشديدة بين أفراد الأسرة وخصوصًا الوالدين، وكذلك عيش الطفل أو المراهق مع زوجة أَبٍ قاسية أو زوج أمّ قاسٍ، أو تعرُّض الطفل للضرب والإيذاء أو الحرمان العاطفيّ بشكل متكرّر، أو الإهمال للطفل وحاجته النفسيّة والجسديّة، أو تعرّض المراهق للنقد المستمرّ أو الاستهزاء وعدم احترام ذاته ومشاعره، وتعليم الوالدين المُتدنّي، وحالات الاغتصاب للنساء. قد تؤدّي جميعها إلى الوصول إلى حالة اكتئابٍ شديدةٍ ومن ثمَّ، التفكير في الانتحار والتخلّص من الحياة(34).

وتشير دراسة كنديّة حديثة أجراها باحثون من جامعة تورونتو إلى أنّ إساءة معاملة الأطفال والعنف الجسديّ الذي يتعرّض له الأطفال قد ينعكس على مستقبلهم بشكل كارثيّ، إذ تسيطر الأفكار الانتحاريّة على عقولهم بعد البلوغ بشكل أكبر بكثير مقارنة بأولئك الذين لم يسبق أن تعرضوا للإساءة.

وأوضحت الدّراسة، التي نُشرت في مجلة «سويسايد آند لايف»، أنّ ثلث البالغين الذين تعرّضوا لسوء المعاملة في صغرهم لدرجة تصل حدّ الإيذاء الجسديّ، فكّروا بجديّة في إنهاء حياتهم بأنفسهم مرّة واحدة على الأقل(35).

وتبقى من أهم أسباب الانتحار المشكلاتُ الاقتصاديّة كالفقر، والبطالة وعدم الحصول على المهن اللازمة على الرّغم من الشهادات والمؤهّلات، أو فقدان المهنة أو المنزل.

وعندما نقول إنّ «البطالة هي الرعب»، فنحن نستلهم قول سارتر: «إنّ الحريّة هي الرعب». فقد بيّنت الدراسات حول الراشدين في هونغ كونغ مثلًا أنّ 55% من حالات الانتحار يقوم بها عاطلون عن العمل. وأعربت منظمة الصّحة العالميّة عن خشيتها من أن تؤدّي الأزمة الاقتصاديّة العالميّة إلى ارتفاع حالات الانتحار خاصةً بعد إقدام بعض رجال الأعمال على الانتحار.

Page 9

والشاهد أنّ الأزماتِ الاقتصاديّةَ تؤثّر تأثيرًا بالغـًا على الميل إلى الانتحار. فحينَ انفجرتِ الأزمة الماليّة في فيينا عام 1873، وبلغت ذروتها عام 1874، ارتفع عدد جرائم الانتحار على الفور من 141 انتحارًا عام 1872 إلى 153 عام 1873، ثم إلى 216 عام 1874، بزيادة قدرُها 51% بالقياس إلى عام 1872، و41% بالقياس إلى عام 1873. وفي أثناء الانهيار الماليّ في بورصة باريس خلال شتاء عام 1882، بلغ متوسط الزيادة السنويّة لجرائم الانتحار 7% مقابل 2% في السنوات الثماني السّابقة(36).

وفي دراسة أجرتها وزارة الصّحة الأمريكيّة عن العَلاقة بين حالات الكساد والإقدام على الانتحار في الولايات المتّحِدة خلال الفترة من 1928 - 2007 ، يمكن رصدُ الكثير من النقاط المُهمّة. في هذه الدراسة التي تُعدّ الأولى من نوعها التي تحلّل العَلاقة بين حالات الكساد وحالات الانتحار حسب التوزيع العمري للمنتحرين، إضافة إلى تحليل العَلاقة بين حالات الدورات الاقتصاديّة وحالات الانتحار، كما أنّها غطّت أطول فترة زمنيّة تناولتها دراسة في هذا المجال، حيث غطّت 80 عامـًا، وأوسع مجموعات عمريّة للمنتحرين.

توصّلت هذه الدراسة إلى أنّ هناك عَلاقةَ ارتباطٍ قويّةً بين الدورات الاقتصاديّة والإقدام على الكساد. فقد وُجد أنّ عَلاقة الارتباط الأقوى تُوجد بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 25 و65 عامـًا. كذلك أوضحت نتائج الدراسة أنّ معدلات الانتحار ارتفعت بشكل عامّ خلال الكساد الكبير (1929-1933)، ويُعدّ معدل النمو خلال السنوات الأربع التي مرّ بها الاقتصادُ الأمريكيُّ في الكساد الكبير والذي بلغ 22.8 في المائة هو أكبر معدلات النمو في حالات الانتحار في التاريخ الأمريكيّ. كذلك ارتفعت معدلات الانتحار خلال الفترة (1937- 1938)، وخلال أزمة ارتفاع أسعار النفط (1973-1975)، وخلال الكساد المزدوج في الفترة (1980-1982).

من ناحية أخرى، انخفضت حالات الانتحار خلال فترة التوسّع الاقتصاديّ بين 1939-1945، وكذلك خلال أطول فترات التوسّع التي مرّت على الولايات المُتّحدة 1991-2001 في القرن العشرين، حيث تمتّع الاقتصاد الأمريكيّ بمعدلات نمو مرتفعة ومعدلات بطالة منخفضة، وتشير نتائج الدراسة إلى أنّ أكبر زيادة في حالات الانتحار في الولايات المُتّحدة حدثت خلال الكساد العالميّ الكبير (1929-1933)، حيث ارتفعت معدلات الانتحار من 18 حالةً لكل 100 ألف نسمة في 1928 إلى 22.1 لكل 100 ألف نسمة في 1933، بينما انخفضت معدلات الانتحار إلى أقلّ مستوياتها التاريخيّة في عام 2000.

بشكل عامّ، أشارت الدراسة إلى أنّ حالاتِ الانتحار انخفضت خلال الفترات التي كان أداءُ الاقتصاد الأمريكيّ فيها جيدًّا، فبانتهاء الكساد العالميّ الكبير مالت معدلات الانتحار نحو الانخفاض، بينما حدث ارتفاعٌ في تلك المعدّلات مرّةً أخرى خلال فترات الضغط الاقتصاديّ، أي أنّ المشكلاتِ الاقتصاديّةَ التي يتعرّض لها الاقتصاد تؤثّر في شعور الأفراد نحو أنفسهم وحول مستقبلهم وعَلاقاتهم داخل الأُسرة ومع الأصدقاء، ففي عام 2007، قبل الأزمة الماليّة مباشرةً، انخفض معدّل الانتحار في الولايات المتّحدة إلى 11.2 لكل 100 ألف نسمة، حيث أقدَمَ 34598 شخصـًا على الانتحار(37).

ويُعدّ الفشل الماليّ كالفشل في سداد الالتزامات الماليّة أو التّعرُّض للخسائر، أو الفشل العاطفيّ، أو الفشل الدراسيّ، أو الفشل الاجتماعيّ، أو الفشل المهنيّ كتأمين وظيفة كريمة والمحافظة عليها، أحدَ الأسباب الرئيس\ة المؤدِّية للانتحار. وقد أظهرت الدراسات الدُّوليّة أنّ 60 % من حالات الانتحار كانت بسبب الفشل.

ويُعتبر الشعور بالذّنب أو الوَحدة سببًا رئيسًا في الانتحار وهو الشعور بالذنب والرغبة في عقاب الذّات، أو الشعور بالوَحدة والاعتقاد بأنّ العالم لا يفهمه ولا أحدَ يشعرُ به، وبسبب عدم القدرة على توجيه العقاب للآخرين فيوجه العقوبة إلى ذاته. وتكثُر هذه الحالة عند المراهقين وغير الناضجين فكريًّا أو المضطربين نفسيًّا.

Page 10

ولا شكّ أنّ الحالة الصحيّة لها عَلاقة مباشرة بالاكتئاب والانتحار، فالمرضى المصابون بأمراض مستعصية الشفاء كالإيدز والسرطان، أكثر إقبالاً على الانتحار، وتتراوح نسبتهم بين 15- 18% من بين المنتحرين.(38)

وقد تكون للانتحار أسبابٌ بيولوجيّةٌ، كاختلالات في التوازن الهرمونيّ وخاصةً لدى الفتيات أثناء البلوغ، أو فقر الدم الناتج عن نقص الحديد، أو اضطرابات في الغُدّة الدرقيّة أو في سكر الدّم، أو عدم التوازن الكيميائيّ في المرسلات العصبيّة(39).

إن أسبابًا عدّةً قد ترتبط بمحاولة الانتحار، بينها الصحة النفسيّة والحالة الصحيّة للفرد بشكلٍ عام.

ولنأخذ نموذجًا بسيطًا في هذا الشأن.

فقد خلصت دراسة شملت أكثر من 45 ألف امرأة دنماركيّة إلى أنّ النساءَ اللّاتي يصبن بطفيل شائع هنَّ أكثر عرضةً لإيذاء النفس أو محاولة الانتحار.

وتحدُث العدوى نتيجة طفيل يُعرف باسم توكسوبلازما غوندي. ويمكن أن يُصاب الإنسان بعدوى مُزمنة بهذا الطفيل من خلال أكل اللحوم غير المطهُوّة جيّدًا والخَضروات من دون غسلها أو التعامُل مع فضلات القطط؛ نظرًا لأنّ هذا الطفيل يتكاثر في فضلاتها.

وربطت بعض الدراسات بين هذا الطفيل ومخاطر عالية للإصابة بالفصام. ويَعتقد باحثون أنّه نظرًا لأنّ هذا الطفيل يعيش في المخّ فإنّه يمكنه التأثيرُ على الانفعالات والسلوك.

وكتب تيودور بوستولاتشي، الباحث الذي قاد الدراسة وهو من كليّة الطبّ بجامعة ماريلاند في بالتيمور، في دوريّة سجلات الطبّ النفسيّ العام أنّ «النّساء اللّاتي يُصبنَ بعدوى الطفيل تي. غوندي هُنّ أكثرُ عرضةً لإيذاء النفس».

واستند بوستولاتشي ورفاقه في الدّراسة على السّجلات الطبيّة الدنماركيّة لنحو 45788 امرأة شملتهنّ دراسةٌ سابقةٌ عن الطفيل توكسوبلازما لدى المواليد(40).

نموذج آخر: الصُّداع النصفيّ

فقد وجدت دراسةٌ أمريكيّة أنّ احتمالاتِ محاولة الانتحار ترتفع لدى الأشخاص المصابين بصُداعٍ حادٍّ سواء كان نصفيـًّا أم لا. وحسب ناعومي بيرسلو من جامعة ولاية ميشيغان في آيست لانسينغ والتي رأست هذه الدراسة، فإنّ عددًا من الدراسات على مدى سنوات أشارت إلى أنّ الأفرادَ المُصابين بصُداع نصفيّ تزيدُ لديهم معدلاتُ الانتحار بالمقارنة مع الأشخاص غيرِ المصابين به، ولكن لم يتّضح ما إذا كان لهذا عَلاقة بشكلٍ مُحدّدٍ «ببيولوجيّة الصُّداع النصفيّ».

وقالت بيرسلو لرويترز هيلث: «لم نعرف ما إذا كان هو الصُّداع النصفيّ أو الألم بشكلٍ عامّ»، برغم أنّ نتائجها لا تثبت أنّ الصُّداع يسبِّب محاولاتِ الانتحار.