eKtab
EN ع
شهقة باب
Read free sample

شهقة باب

by مها النهدي

Page 1

المقدمة

أعُوذُ بالله منْ شرِّ نفسي و شَرِّ كيّها
ثمَّ
بسم الله ربِّ الهيكلِ الهشِّ الّذي بيَّ
ثمَّ
أشكر طيشي كثيراً لأنه أتحفني بالحياة

أنا أنثى تحترف الاختباء خلف ذكورية غاية في التضليل

ذهبتُ إلى الحلاق
هذَّبتُ لحيَتي
حلقْتُ شَعري
وضعتُ العطرَ اللّاسِع
جهَّزتُ عصافيري
غسلتُ لساني
هزهزتُ أجنحةَ صبري
طرتْ!
ونسيتُ بأنَّكِ فراشةٌ لا تجيدُ السِّباحةَ!!
وسمكةٌ لا تطيرْ!
تلكَ الأنْثى الوحيدة
الّتي أترقبُ وجْهَهَا
بخوفٍ
منْ هيَ؟
ما اسمُها؟؟
تلكَ الّتي تملكُ رُموشَاً كثيفة
في الزَّوايا الخارجيَّةِ لعينيهَا
تُشعرُكَ وكأنَّ وجْهَهَا
متأهبٌ للطيران.
Page 2
ولأنَّني في الأصلِ رجلٌ اسمهُ أحمد
أذبحُ الخراف
أخطف قطعَ الّلحم ساخنةً
منْ بطنِ الذّبيحة
أبتلعها نيئة
أراهن على سباق الخيل
أضرب
الرّجال بأحجام شواربِهِمْ
بزندٍ نحيلٍ وعينٍ عميقةِ الذّكاء
ووجهٍ واضحٍ كقرصِ الشَّمس
لا يتخفَّى خلفَ شارب كثيف
وثوب مُسبل!
رغْم هذا أطلي أظافري
باللون الأحمر.
ما زلتُ أخرجُ
من الشق الأيسر
كلَّ صباح
أتبعثرُ كنسمة شذية
فوقَ أجراسكِ
وأتَسَلقك كلص
مدهون بالعفَّة.
عنْدَما أهدي إليكِ نِصفاً منْ وقتِي
هذا لا يعنِي امتلاكَكِ لي
عنْدما أقدِّمُ لكِ المساعدةَ
هذا لا يعنِي ضعفِي
عنْدما أعلِّمك مهارة جديدة
هذا لا يعنِي أنَّكِ لا تُعجبينني
عنْدَما أرفِّهُ عنْكِ
هذا لا يعنِي أنَّني أُخبِّئ شيئاً ما
عنْدَما أقدِّم لكِ العطر
Page 3
هذا لا يعنِي أنّ رائحتَكِ كريهة
أمَّا عنْدما أقدِّم لكِ المبالغةَ في كرمِ أخلاقِي
فثقِي بأنَّنِي ما عُدْتُ أريدك.
الباب موارب والأحداق على هامتِها
أحجار انتفاضةٍ مرتعشَة
على هاوية الكُحل
تتأملُ فراشاتِ
الجسدِ الطائرة
نحو شهقاتٍ
تقرعُ طبولَ الخاصِرَةِ
المطعونةِ بأملِ
النجوم
تزدحمُ الشهب
على قبابه
ينوي الصلاة بلا وضوء!
أخرجُ من التّابوتِ أنفضُ العتمةَ
أرتدي جدائلَ الشَّمس
المتنفِّسة على صدري
والراضعة لمعصمِي
أدفعُ ثلاثةَ قروشٍ
مقابلَ جيبٍ شق الصبحُ خيطَه
تنكحُ أصابعي
أطرافَ ياقَتي قُعوداً
أُشْعلُ ثِقاباً
ينكسرُ من رائحةِ البللِ المعلَّقةِ بكفّي
ينتفضُ فيسقط مرتبكاً
يلعقُ أسفلَ كعبِي وينتحِب!
لتقفَ رغبَتِي المجنونةُ العطنَة
أسفلَ علبةِ السَّجائرِ الممزوجَةِ
بطفولةِ الإعياءِ
و رجولةِ
المرض.
Page 4

تحت القِبلَة

امرأةٌ ترقب مؤونتي الفارغةَ من الاشتياق
وأنفاسِيَ الملبدةَ بالشَّفق
وأرقبُ أنا ثوبَها الرّطبَ الّذي يهطل بالدمع
تجدِّف نحوي لتركُلَنِي بحضنٍ يعصر
شِرياني
ينزِعُ أرضي
أدسُّ منديلِي بينَ بكائِها
أنسحقُ تدريجيَّاً خلفَ الشَّمسِ
لأدخلَ ثانيةً جوفَ
الأرض
Page 5

شهقة باب

إنَّها هيَ! إنَّها هيَ!
الأنثَى الَّتي تنْفشُ ريشَ العصفورِ
عندَ كلِّ صباح
تغمسُ ياقتَهَا في العطرِ
تعلِّقُ ابتسامةً على شفتَيْهَا
وتغادرُ
تجلسُ على الطَّاولةِ المنحدِرة
تفرغُ الحليبَ من جيبِه
تسكبُ حبوبَ الذُّرة
وتتناولُه كالحمامة
تصرفُ النَّظر عنْ كلِّ شيءٍ
تدخنُ أنفاسَهَا
الَّتي ترتِّلُ تعويذة العصافير فقَطْ
نقّبْ عنِ العنبرِ الّذي أضَعتَهُ
في جوفِ ذلك الحوتِ الذي
ابتلعَ المحيط!
ما زالَ البابُ مغلقاً يا ديباجَة
وأنا هنا منذُ خمسةَ عشرَ عاماً
أمضغُ الثَّوانِيَ
ولا شيء لا شيء!
يتدحرجُ رأسِي فقط
حتى أقعَ في جوفِ النَّومِ مغشيَّاً
عليَّ
من الشَّوقِ إلى ذاكَ اليومِ وتلكَ السَّنة وما بعدَها
لمْ أُصدقْ
عصفورَكِ يا ديباجةُ مفتَّتُ الهيكلِ
على النافذةِ والزَّرعُ أصفرُ متكسرٌ والنافذةُ تطير!
وكلُّ ما حولَكِ أصفر أصفر!
العمارةُ هواء والسُّكان أموات
والأشباحُ تُفْزِعُ القِططَ خلفَ القُمامة.
Page 6
* * *
ما زلتُ أراكِ تقفيْن على النَّافذةِ
ترقصينَ بجنونٍ وتهمِسِينَ
(اصعدْ اصعدْ لا تنس الطَّابقَ التَّاسعالشُّقة رقم أربَعة)
ما زالَ الجيران يرمقونَنِي
وأنا محمَّلٌ بتلكَ الكتب الضَّخمة
والَّتي تجعلُ منْ جنوني وخدعتنا شيئاً مهذَّباً
وكأنَّنِي معلِّم الفلسفة
ما زلتُ أرقبُ شهقة البَاب تلك
وجذعك الَّذي يتوسَّدُ الحائطَ متخفِّياً
وثوبك الأبيض القطني القصير
ويدَكِ الَّتي تلثم فمِي (ششششْ يا وغدْ)لا تنطقْ بحَرف.
وتلكَ الرحلة المجنونة على شاطئِ اليونان
أتذكُرِين؟
مفتاحَكِ المغموسَ في جيبِ العفة
والَّذي ضاعَ بموجةٍ واحدةٍ
والسمكة التي تكزُ قلبَكِ : هذا الرجل يحبك
أتذكرينَ الفتاةَ التي تحرَّشتُ بها؟
وكيفَ أنِّي توددتُ لأطفالِها جهلاً منِّي بأنَّهم أبناؤُهَا
وضحكتك الطويلة بعدما أخبرتنِي
بأنَّها زارتكِ في الغرفةِ بسببِ
بكاء طفلِهَا المحموم وأنَّها تطلبُ عونَكِ
ما زلتُ أديرُ شريطَ الفيديو الَّذي جمعنَا
هلْ تصدِّقينَ يا ديباجَة؟
أنَّنَا في ذلك الشريط
ما زِلْنَا صغيرين
ونمارسُ طفولتَنَا
فوقَ ذلكَ المسرحِ الأبيض
وما زالَ جبينكِ فوقَ السَّماء
يحلِّقُ كملاك حائر في حسنات كثيرة!
Page 7
ديباجة!
ديباجة!
ديباجة!
في كُلِّ أعياد ميلادِك
أشتري كفناً ولا أموت
فأبكي وأغادرُ الموت مجبراً
في عيدِي أشترِي عِطْرَك
وأكسرُهُ حتّى يفوحَ صدري برعشة.
ديباجَتِي
أعلَمُ بأنَّ الله قدْ حباكِ زوجاً يحبُّكِ
لكنَّنِي أعلَمُ بأنَّ قلبَكِ لمْ يمتْ كما مات عصفورنا!
أجلْ عصفورنا الذي كنا
نركضُ خلفَهُ حتّى نعيْدَهُ إلى القفص.
وجسدُكِ الذي لمْ يُذبِله الإنجاب.
فقدْ كانَ لكل مساحة
فيهِ نوتةٌ موسيقيَّةٌ.
ولمْ تتطايَري كنافذَتكِ
فقدْ وهبَكِ الله سحراً وجاذبية
إنَّها هيَ! إنَّها هيَ!
ديباجَة!؟
هلْ تذكُرينَنِي؟
أعلمُ بأنَّ العمرَ غيَّرَ ملامحي
والشَّوقَ جعَّدنِي
الذكرى قوَّسَتْ ظهرِي و..... و
عفواً يا سيِّدي!
أنا لستُ ديباجَة
ماذا؟
كيف؟
مستحيل!!
أنا حرير ابنَتُها الكبرى
وديباجَةُ أمِّي توفِّيتْ منذُ ثلاثِ سنوات.
Page 8

نرجسيةُ الفُل

قال بطريقَةٍ عنْجَهيَّة

عليكِ أنْ تقرئِي روايةَ تفاحِ المجانين للطيِّبِ صالح
وبعدَها تناولي بعضَ قصصِ الأطفالِ كوجبَةٍ دسِمَةٍ
ولا تَنْسَي غسْلَ يدَيكِ جيِّداً
فيبدُو لِي أنَّكِ طفلةٌ تحبُّ الَّلعبَ في الوحلِ دائِمَاً
قاطعتُهُ بهَمْسٍ:
تقصدُ كـــــأنت!
ثمَّ عادَ إلى عنجَهيَّتِهِ:
اسمعي يا رُبعَ كاتبة تغرق في شبرٍ منَ الماء
كما ذكرتُ لكِ اسمَ الروايةِ
الَّتي لربَّما تخلُقُ منْكِ نصفَ قلَمٍ نافدِ الحبرِ
قلتُ وبضحكَةٍ رقيقةٍ:
تقصدُ روايَةَ "تفاحِ المجانين ليَحيَى يخلَف"!
ولأنَّهُ مسكينٌ تركنِي ومضى
ليحمِّصَ الخبزَ على قفاه.
ولأنَّنِي أملكُ ذكاءَ روحٍ
قويَّةٍ
فأنَا أستطيعُ الوقوفَ
والرَّقصَ
على طاولةٍ منحنيَةٍ
بلْ شبْه
منتَحِرَة!
Page 9
قلْبِي
وطن كبير
يتَّسِع
لمواطن
واحد
فقط!
الشَّمسُ
تشرقُ منِّي
حتَّى أكونَ
لغسَقِهَا البُكَاءَ
وحتَّى يبتَلِعَ
الظمأ
غُرُوبِي
أنَا الوضوءُ
والفرضُ
والكفايَةُ
ذُكرتُ
في كتابٍ
سيعيشُ
إلى يوم
القيامة!
أنا رضيعَةُ زمْزَم
رَبيبَةُ الطَّوافِ....
ومنْ فوقِي حُلَّة كتَّان! (2)
أنا شَرنقَةٌ تنْفثُ الحبْرَ على الأكفانِ البَيْضاءِ
تزرعُ على الخدِّ تفاحةً، تحلِّقُ في فضاءِ الجسدِ بحرِّيَةٍ
أملِكُ سُلطَةَ التَّحرُّرِ منْ كلِّ شَيءٍ
يافعةُ المبدأِ هرمةُ الطّباعِ، أتعفَّفُ عن ثرثرة النساء
أقفُ عاريةَ الحرفِ أمامَ الجمالِ ولا أزيد
أملكُ قصَّتينِ ورواية في شهرِها السَّادسِ مخاضُها العامُ القادمُ وفِطَامُهَا بعدَ عقدينِ أفْلتُ ابتسامةً عرجاءَ عندما أكونُ غاضبةً أتنحَّى عن الاستماعِ إلى نحيبِ العصافيرِ
أعلق أحجيةَ الهروبِ منَ الحزنِ دائماً، وأحبُّ الجميعَ بالتّساوي.
Page 10
أنْ تكتبَ
سطراً سيراً على الأقلام
باحثَاً في كلِّ الفصولِ
عنْ منعطفٍ
يرمُقُ النِّهايةَ المؤديةَ
إلى صدْقِ الحرفِ
أنْ تجعلَ منَ النُّقطةِ
ورقةً خضراءَ
تطفو على كومةِ الأوراقِ
المتهالكةِ في الحاويةِ
أنْ تجعلَ الفواصلَ
شَرنَقةً تَنفُثُ الحبرَ
على أوراقٍ مكفَّنَةٍ بالبياضِ التَّام
خاليةً منَ الخطوطِ والخيوط
أنْ تفضَّ الورقةَ البكر
بقلمٍ يتموَّجُ على
عذراء مسرْبَلةٍ بدفَّتينِ
أنْ ينتشِيَ القلمُ
ويجنَّ صريرُهُ ويصدح:
كتبت كتبت.
ويُراقَ الحبرُ
ببشرى انتهاءِ فريضةِ الكتابة
لكنَّنِي ما زلتُ أستَجدي
مالمْ أكتبْهُ بعدُ
أشعرُ بأنَّنِي خصبةٌ خصبةٌ
وعندي الوفرةُ والغزارةُ
كلاهُمَا مشنقَةٌ لذيذةٌ
ترفرفُ عليْهَا روحِي
إنْ أحدهُمَا أخطأَ وراودني إليه.
أبدأُ المسيرةَ
وفضَّ بكارةِ كلِّ الأوراقِ
وأحتملُ رجْمَ الحاقدينَ
حتَّى أصلَ إلى قيامةِ الرِّضا.