ولد حمزة بن عبد المطلب في مكة، تميز بالشجاعة وعزة النفس، كما كان طيب القلب، يعطف على الضعفاء، ويحسن إلى فقيرهم، ويفضلهم على نفسه بالخير.
عندما شب حمزة، كان أكثر فتيان العرب الذين يتدربون على أعمال الحرب، فأجاد ركوب الخيل، وضرب السيف، وتعلم ما كان يعرفه أهل مكة في تلك الأيام من الحروب وطرق النصر.
أحب حمزة صيد الوحوش، فكان يخرج إلى الجبال، ومعه قوسه وسهامه فيطاردها ويرميها فيصيب ما يقصد ولا يفلت منه إلا القليل، أعجبت قريش بحمزة لشجاعته وفروسيته، وما يتصف به من نبل وكرم، وابتعاده عن مواطن الفساد الذي انغمس فيها كثير من شباب مكة حينذاك.
كان حمزة يعتز بنفسه، فلا يضع نفسه في موضع يجرح كرامته، أو يدع لأحد أن يتحدث عنه بشر، لذا كان موضع حب واحترام الآخرين.
لما بعث الله محمدا برسالة الإسلام، وأخذ يدعو الناس إلى عبادة الإله الواحد، وترك عبادة الأصنام، آمن به عدد قليل على خوف من قريش وساداتها، الذين كانوا يكرهون الإسلام ويعذبون من أسلم، وكان أبو جهل من أشد الناس عداوة لمحمد ودينه ، فقد كان قلبه يمتلئ حقدا وغيظا على محمد، فسعى في نشر العداوة له بين مكة، آملا أن يصده عن الإسلام، وذات يوم تعرض لمحمد وأخذ يؤذيه ويكيد له.
ذات يوم كان حمزة خارجا للصيد خارج مكة، ثم عاد، فاتجه إلى الكعبة كي يطوف بها، قبل أن يرجع إلى بيته، فلما اقترب من الكعبة سمع صوتا، فاقترب من المرأة صاحبة الصوت، فأخبرته بما فعله أبو جهل مع محمد، فغضب حمزة أشد الغضب، ثم انطلق مسرعا، يبحث عن أبي جهل فوجده في حلقة من الرجال بجانب الكعبة، فلما اقترب منه، ضربه فوق رأسه بقوسه، قائلا: أتؤذي محمدا ابن أخي، ألا تعلم أني على دينه؟
ولم يكن حمزة قد أعلن إسلامه من قبل، فلما سمع كفار قريش ذلك، ارتجفت قلوبهم فزعا، وانشقت خوفا ورعبا، وحاولوا الكلام فعجزوا، ولم يستطع أبو الجهل أن يرفع عينيه في وجه حمزة، وقام بمسح الدم من على وجهه، ثم سار إلى بيته خزيان.
لما اشتد تعذيب المشركين للمؤمنين، واتفقوا على قتل محمد، أمره الله بالهجرة إلى المدينة، ليعيش مع الأنصار الذين آمنوا به وأحبوه، فأمر الرسول أصحابه بالهجرة قبله، ليكون هو آخر من يترك مكة، فيذهب مطمئنا على أصحابه، ولا يدعهم في يد الكفار يعذبوهم أو يقتلوهم.
علم المشركون بأمر الرسول لأصحابه بالهجرة، فاتفقوا فيما بينهم أن يمنعوا أصحاب الرسول من الهجرة، وحرسوا أبواب مكة ليل نهار، وكلما جاء أحد من المسلمين ليخرج، قبضوا عليه وعذبوه وأهانوه، فردوا بعض المؤمنين، وفر البعض تحت ستار الظلام.
هجرة حمزة
عندما قرر حمزة الهجرة إلى المدينة، خرج في وقت الظهر، وأهل مكة جميعهم يرونه، ويعرفون موعد خروجه، فوقفوا ينظرون إليه، وهو يسير في قوة وشجاعة، ولا يستطيع أحد أن يتعرض له، واستطاع كثير من المسلمين أن يفروا إلى المدينة، وأفلت الرسول من أيدى المشركين، الذين عزموا على قتله، وهاجر في تلك الليلة التي حددوها لقتله، واستقر بالمدينة، ينشر دين الله، ومعه حمزة وأصحابه من حوله
قافلة قريش
علم الرسول أن قافلة كبيرة لقريش عائدة من الشام، فعزم على مهاجمتها، لأن كفار قريش قد استولوا على أموال المسلمين في مكة التي تركوها عند الهجرة، ودعا أصحابه إلى ذلك، فكان حمزة أسبقهم، فلبس سلاحه، وجهز قوسه وسهامه، وخرج المسلمون ومعهم الرسول ينتظرون القافلة، لكن قائدها أبا سفيان بن حرب، علم أن الرسول خرج من المدينة بأصحابه إليه، فأرسل إلى قريش رجلا يخبرها بجيش محمد، وأن القافلة في خطر، فأسرع هذا الرجل، فلما وصل إلى مكة صاح قائلا: أدركوا أموالكم إن لم تدركوها أخذها محمد، وفي نفس الوقت، سار أبو سفيان في طريق آخر، غير الذي اعتادت القوافل السير فيها ..
وكانت مكة كلها قد خرجت لتنقذ القافلة، حين أخبرها رسول أبي سفيان، وخرج معهم أبو جهل يحثهم ويدفعهم، حتى اقتربوا من المكان الذي نزل به المسلمون، فعلموا أن القافلة نجت، وفضل عقلاؤهم أن يرجعوا إلى مكة، لكن أبا جهل أخذ يسخر منهم ويصيح فيهم، هذه فرصة للقضاء على محمد وأصحابه قبل أن تكبر قوتهم، فهل تعجز قريش كلها عن محمد وأصحابه وهم قليلون؟، فخاف الرؤساء أن يقول الناس عنهم إنهم جبناء، فنزلوا في مكان اسمه بدر.
علم رسول الله أن مكة كلها خرجت إلى قتاله، وأنهم عرضوا ألا يرجعوا حتى يقضوا عليه وعلى دينه، فنظر إلى أصحابه، فعرفوا أنه يريد أن يعرف رأيهم، فصاحوا في قوة وإيمان: سر يا رسول، فالله معك، ونحن معك، ثم سار إلى ميدان القتال، والتقت الصفوف، ونظرت العيون إلى العيون، فكان المشركون صغارا في عيون المؤمنين، لأن الله ثبت قلوب المؤمنين، بينما كبر المسلمون في عيون الكفار، وبدأت المعركة وانطلق حمزة يشق الصفوف كالسهم، وسيفه يبرق تحت أشعة الشمس، وراح يضرب به يمينا ويسارا، ورقاب الكفار تتساقط حوله، وارتفع تكبير المسلمين، واندفعوا نحو المشركين، يحصدون رقابهم حتى امتلأت ساحة القتال بجثث الكفار، وانتصر المسلمون، وقتل حمزة من الكفار عددا كثيرا.
قتل حمزة
رجع المسلمون إلى المدينة فرحين، بنصر الله، ومعهم كثير من الأموال والأسلحة التي غنموها، أما بيوت مكة فكانت في حزن شديد، لما أصابهم من هزيمة كبيرة، وامتلأت قلوبهم حقدا على المسلمين، وخاصة على حمزة الذي أطار كثير من الرؤوس ، وكانت أشدهم حقدا عليه هند بنت عتبة، لأنه قتل أباها وأخاها، فأخذت تفكر في الانتقام منه.
وكانت قريش قد عزمت على أن تجمع جموعا كثيرة، وتسير بها إلى المدينة، وتقتل محمد وأصحابه، وتهدم عليهم بيوتهم، حتى يرى العرب أنهم انتصروا على المسلمين، ولا يسخروا منهم، وأخذت هند تفكر فيما تصنع، إذا ذهب جيش مكة إلى المدينة، ومن يقف أمام حمزة، ومن يقتله، ثم انتهت إلى حيلة ماكرة.
كان في مكة عبد حبشي، يحسن ضرب الحربة، اسمه " وحشي"، وكان عبدا لرجل من كفار قريش، قتل حمزة عمه في بدر، وقد فكر الرجل في أن يقوم وحشي بقتل حمزة وقت المعركة، فيترقبه من بعيد، ويضربه بحربته، لأن الرجل يعلم أن حمزة لا يقدر عليه أحد، وأن قريشا وهي تفكر في حرب المسلمين تحسب لحمزة كل حساب، وكان وحشي يحي أن يعتقه سيده، فيصبح حرا.
وذات يوم، دعاه سيده قائلا له، ماذا تدفع يا وحشي لتعتق ، وتصبح حرا؟
فقال وحشي: تعلم أني لا أملك غير حربتي.
فقال سيده: أريد أن تقتل حمزة ثمنا لحريتك، أتقدر على ذلك؟
فنظر إلى حربته قائلا: استعدي لتكوني حرة في يد حر.
ولما علمت هند بنت عتبة بذلك، ذهبت إليه قائلة: إن دخلت حربتك في قلب حمزة، فسوف أعطيك وزنها ذهبا، أيرضيك يا وحشي؟
فالتمعت عيناه قائلا: إن حربة وحشي لا تخيب.
استشهاد حمزة
خرجت قريش في جموع حاشدة، تقصد المدينة لقتال المسلمين والقضاء عليهم، حتى بلغوا جبل أحد خارج المدينة، وخرج المسلمون لقتالهم، وحمزة أمامهم يسرع إلى المشركين، ويبشر بالنصر، والتقى الفريقان وتلاقت السيوف، وسيف حمزة يشق هامات الكفار، وبينما هو يتقدم ويتأخر وكفار قريش يفرون من أمامه، عثرت رجله في جثث القتلى، فوقع على ظهره وانكشف درعه عن بطنه، وكان وحشي يرقبه، فوجدها فرصة، فدفع إليه حربته نحو وحشي، لكنه وقع مرة أخرى، وفر وحشي ووقف بعيدا يرقبه، حتى استشهد حمزة، فعاد ونزع حربته، وأخذها هاربا.
وكان المسلمون منتصرين في أول المعركة، ولكن هذا النصر انقلب هزيمة ، لأنهم خالفوا أمر الرسول، وترك الرماة الجبل، فهجم الكفار عليهم وقتلوا كثيرا من المسلمين، وانتهت المعركة، وسار الرسول حزينا بين القتلى، حتى وقعت عيناه على جثة حمزة، وكان المشركون قد شقوا بطنه ومثلوا به، فحزن الرسول قائلا: يرحمك الله يا عمي، لقد كنت وصولا للرحم، فعولا للخير.
أبو ذر الغفاري من قبيلة غفار، وكانت تلك القبيلة تسكن في قلب الصحراء العربية، حيث تتوسط المسافة بين مكة والمدينة، وكان معظم سكان القبيلة يعيشون علي مهاجمة قوافل التجار التي تمر بهم، ويستولون على أموالهم قهرا وظلما، لذا فإن قلوب التجار تتفزع خوفا ورعبا، كلما مروا بمساكن هذه القبيلة.
شجاعة أبي ذر
نشأ أبو ذر شجاعا قويا في الحق، وأبى أن يشارك قومه في السطو على القوافل، ورفض أن يكون لصا أو قاطع طريق، بل كان ينهاهم عن ذلك، وكلما رأى قومه يهاجمون قافلة، صاح فيهم قائلا: دعوا القافلة تسير في أمان، واتركوا لهم أموالهم..
موقف أبي ذر من الأصنام
كانت قبيلة غفار قبل الإسلام، تعبد الأصنام كسائر قبائل الأعراب في ذلك الوقت، وحدث ذات يوم، أن جاء عام انقطع فيه المطر، فجفت المراعي، وانعدمت المياه، وقرر رجال القبيلة أن يرحلوا إلى بيت الأصنام، ويقدموا لها الهدايا من الإبل والضحايا، ويقيموا عندها أياما، يعبدونها ويتوسلون إليها، أن ترسل إليهم المطر، فرحل القوم، وأبى أبو ذر أن يذهب معهم، غير إن أخاه أنيسا، ظل يلح عليه ، فلم يشأ أن يغضب أخاه، فرحل مع القوم..
عند الأصنام
نحر القوم الذبائح، وتوسلوا إلى أصنامهم، أن ترضى عنهم، وترسل إليهم المطر، ولم يكن أبو ذر من المتضرعين أمام تلك الأصنام، وظل بعيدا عنهم، يراقب ما يفعلون، ويسخر منهم، إلى أن جن الليل، ونام القوم، فاقترب من كبير الأصنام الذي يعبده قومه، ثم أمسك بحجر غليظ، وقذفه في وجهه، وانتظر أبو ذر أن يتحرك هذا الصنم، أو يدافع عن نفسه إلا إن الصنم ظل ساكنا، فانفجر أبو ذر بالضحك حتى أيقظ النائمين.
عند الصباح عاد القوم
رجع القوم إلى مساكنهم في الصحراء، فلم يجدوا مطرا، وعلم القوم أن أبا ذر يسخر من أصنامهم التي يقدسونها، فأخبرهم أبو ذر أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، وما هي إلا أحجار صنعتها أيديهم، وأن الله الذي خلق السموات والأرض، وابدع الكائنات هو المستحق وحده للعبادة، كان أبو ذر يفعل ذلك ولم تكن قبيلة غفار تعرف عن الإسلام شيئا، حيث كانت الدعوة المحمدية مازالت في أول ظهورها، وكان محمد صلى الله عليه وسلم، يدعو إلى الإسلام سرا، خوفا من قريش التي كانت تعارض الإسلام، وتحارب المسلمين بكل عنف..
كان أبو ذر رجلا عطوفا، يحنو على الفقراء والمساكين، ويحبهم ويفكر في حياتهم، حتى إنه كان يدعو بعضهم ليقاسمه طعامه وشرابه، وكان يوصي أمه دائما فيقول لها: يا أمي لا تنضجي طعاما أو خبزا لنأكله وحدنا، أعطي منه شيئا لجيراننا، فهم قليلو الرزق، كثيرو العيال، ولا ينبغي أن نأكل وحدنا ونشبع، وحولنا من لا يجد قوت يومه، ويبيت بلا طعام.
ذات يوم، كان أبو ذر جالسا مع بعض رجال قبيلته، فدخل عليهم رجل وحياهم، وعلم أبو ذر أن الرجل غريب من مكة، فسأله أبو ذر عن أخبار مكة، فقال الرجل: لقد ظهر فيهم رجل اسمه محمد، يذيع في الناس أنه رسول الله، ويدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، وترك الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، فقال أبو ذر: وماذا قالت قريش؟
قال الرجل: منهم من آمن به، ومنهم من حاربه وآذاه.
فقام أبو ذر مسرعا من المجلس وهو ينتفض قائلا: لن أبيت في داري الليلة، فسأله أخوه أنيس: وأين تبيت إذن يا أخي؟
قال أبو ذر: سوف أذهب إلى مكة.
أبو ذر في طريقه إلى مكة
امتطى أبو ذر راحلته، واتجه إلى مكة، وليس معه من الزاد سوى قربة ماء صغيرة، وانطلق يطوى الصحراء ليلا ونهارا، حتى وصل إلى مكة فجر اليوم الثالث من رحيله.
ثم توجه أبو ذر إلى الكعبة، واستراح فيها طول النهار، وهناك سمع الناس يتحدثون عن محمد، فبعضهم يكذبه ويقول: إنه ساحر أو شاعر، وبعضهم يقول : إنه ليس ساحرا ولا شاعرا، ولكنه مرسل من عند الله.
وظل أبو ذر صامتا يستمع إلى أحاديث الناس في الكعبة، وقلبه يتحرك شوقا إلى رؤية النبي، والحديث معه، ولكن أين يجده؟
إنه لا يعرف مكانه، ويخشى أن يسأل عنه، فيناله الأذى والضرر من الأعداء..
أبو ذر وعلي بن أبي طالب "رضي الله عنه"
أقبل الليل وأبو ذر مازال في الكعبة ،غارقا في أحلامه وآماله برؤية محمد صلى الله عليه وسلم، وأثناء ذلك دخل علي بن أبي طالب الكعبة، ورأى أبا ذر منطويا على نفسه، فسأله قائلا: أغريب الرجل؟
قال أبو ذر: نعم، فصحبه علي إلى داره، دون أن يسأله عن قصده، فبات أبو ذر ليلته، وعند الصباح، خرج أبو ذر من دار علي بن أبي طالب، وتوجه إلى الكعبة، فجلس فيها كما كان بالأمس.
وفي المساء، مر به علي بن أبي طالب، فقال له: أما آن للرجل أن يجد له منزلا؟
ـ قال أبو ذر: لا.
قال له علي: قل لي ما طلبك، وأنا أرشدك؟
قال أبو ذر: جئت لأرى محمدا.
"فنظر علي في وجهه قليلا"، ثم قال له: اتبعني!
ودخل "علي" على النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو ذر بين يديه.
وقبل أن يخرج أبو ذر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبره الرسول، بأن لا يجهر بإسلامه خوفا عليه من قريش، فالدعوة لا زالت سرا، وطلب منه عندما يعود إلى قبيلته "غفار"، أن يحدثهم عن الدين الجديد، فهذه أفضل وسيلة وأسلم طريقة.
لكن أبا ذر قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله لأجهرن بإسلامي في الكعبة، ولو في ذلك ثمن حياتي.
وخرج أبو ذر من عند رسول الله، متوجها إلى الكعبة، فوجد فيها جماعة من قريش، فوقف غير بعيد منهم وصاح: يا معشر قريش، فالتفت إليه بعض الناس، وأقبلوا عليه، فهتف بأعلى صوته، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.