eKtab
EN ع
شمس القراميد
Read free sample

شمس القراميد

by محمد علي اليوسفي

Page 1
تقديم بقلم فؤاد التكرلي

"يا سادة،

لقد بدأ العالم بحركة حنون

فمن أين أبدأ؟"

(من مقدمة "شمس القراميد")

هكذا ساءلتُ نفسي أنا الآخر، مثلما فعل الراوي في رواية (شمس القراميد)، من أين أبدأ لأقدّم هذه الرواية المتلألئة بجدّتها، الغريبة في تألّقها والمليئة بالرموز والإشارات؟ والحيرة تأتّتْ من حقيقة كونها نصًّا روائيًّا لا يدع لك أن تنساه أو تهمله بعد الفراغ منه، بل إنه يبقى يسكنك بشكل أو بآخر، ويندسّ في ثنايا ذهنك وقلبك وما بينهما من روح أو وجود؛ يثير فيك أسئلة لا تريد أن تسألها ويوحي إليك بأجوبة ملغّزة لا تريح، فلا تجد مناصًا من العودة إليه والغرق، طواعيةً، في أمواج لغته الصافية، المتلاطمة، المخدّرة.

إنها رواية نادرة المثال، هذه " شمس القراميد" لمحمد علي اليوسفي، تكاد تميل بك الأفكار إلى اعتبارها ملحمة شعرية متأسسة على منوال الملاحم الإغريقية، إلا أن أنفاسها ذات العطر المعاصر، وما يتراءى لبصيرتك من صور الواقع المألوف الذي تعرفه، تزيح هذه الظنون سريعًا وتنهض " شمس القراميد" أمامك بعد ذلك رواية راسخة متحدّية حديثة، ذات تعبير ونبرة متميزين ومختلفين تمامًا.

تتألف الرواية من أقسام ثلاثة، قد لا تبدو مبررة للقارئ المتعجّل، لكنها، في خفاء، تؤشر لتغيير في المجال الروائي ولانتقال في الزمان:

مرايا مريم. امرأة المستنقعات. قمر البركة. كل قسم ينشطر إلى فقرات موسومة، تتشظَّى مثل نيازك ملوَّنة ثم تلتئم بعدئذ، بعملية سحرية غير مشعور بها، وتلتحم فيقف القسم واضح الحدود مستقلاً بمعناه. هنالك، في القسم الأوّل، طفولة مترعة بالحكايات، في إحدى قرى الشمال التونسي الجميل؛ طفولة أسطورية بكل معنى الكلمة، لا تنقصها الأسرار ولا الحيوانات الخرافيّة ولا المآسي ولا القمر؛ يرتفع فيه اليوسفي إلى ذرى لا تُنال بسهولة. وهذا القسم في اعتقادي، يؤشر بمفرده و بدون شك، إلى بذرة روائيّ معلّم.

وتنتهي الطفولة والحكايات، ويتوجب على الراوي/البطل أن يخوض متاهة المدينة وأن يتحمل السكنى في خان الدوابّ وبعض المشاقّ الأخرى مع النساء. و بعد حكاية لم تكتمل ورجم بالحجارة من قبل الشعب، وبسبب اختياره الطريق الخطأ، يُزجّ به في السجن؛ وهو ما يختتم به القسم الثاني الذي لا ينتهي إلَّا ويكون الراوي/البطل قد عاد من حيث بدأ... "ينبغي أن أواصل بحثي عنه مهما كانت صعوبة الرحلة باتجاه أعالي النهر. لا بد من الغطس إذاً. لماذا لم أفعل ذلك منذ البداية؟".

ولنا أن نفهم ما نفهم من معنى الغطس في النهر، فقد يكون هو سبيل البحث عن الأخ الفقيد وقد يكون الطريق الآخر ذا المزالق الذي لم يجرّبْه الراوي بعد؛ وفي كل الأحوال، فإن الرواية هنا تنفتح علينا بقسمها الثالث العجيب... قمر البِركة.

إنها الصفحات الأكثر إغراقاً بالرموز والموحيات والغرائب والإناث والعواطف المبهمة والتصرفات اللامنطقية؛ تقطعها رحلة البحث عن "العندالة" برفقة العينوس، ذلك الذئب الذي استبدل الهمزة بالعين؛ ولأن القارئ يأخذه عالم العجائب هذا فينشغل بتفاصيله، لا ينتبه إلى عناصر الرحلة تتجمع وتتوحد وتؤشر للقيام بها. كانت الرحلة عملاً ضرورياً؛ مكتوباً على الجبين؛ وهي بشكل لا مفهوم، رحلة الحياة الشاقة المعقّدة، المليئة بالآلام وبالأحلام المجهضة؛ ولعلها ذروة ما يريد أن يقوله اليوسفي. ففي ظني، أنه لا يرى إلى الحياة الإنسانية رؤيا تقليدية... بداية واضحة ومسلك ونهاية؛ بل هي عنده كتلة من رموز وألغاز ومتاهات، لا سبيل لحلّها إلا في الانغمار بها... في الغطس... بحثاً عن الأجوبة في الأعماق. وبسبب هذه الرؤيا الخاصة المسيطرة، التجأ مضطّراً، إلى شكله الروائيّ الفذّ هذا. إنه يبدأ بالإمساك بحدث أو لنقل بواقع معيّن، فيدخله في بوتقة لغته السحرية ويصهره فيها، ثم يلويه ويلويها، فيخرج منها بعد حين خطابٌ روائيّ أو نصّ أو تعبير لغويّ فريد ذو رائحة ونغمة خاصتين جدّاً؛ فلا هو الحدث نفسه ولا هو غيره، تختلط فيه ذاته مع القناع الذي قنَّعه به اليوسفي. ومن تحرّك هذا "التعبير" اللغوي عبر الزمان، تقدّماً و تراجعًا و تكرارًا، يتكوّن الهيكل الروائيّ لـ"شمس القراميد".

إنها بناءٌ تغلب عليه نكهة لغوية هي من صميم أسسه؛ فلا يبقى له ومنه شيء إذا ما سُلخت عنه لغة اليوسفي واستعمالاته الطريفة. هناك تداخل و تعاكس أحيانًا، بين دلالات اللغة التقليدية وطريقة اليوسفي في استعمالها؛ الأمر الذي يخلق في نفس القارئ صدمة ممتعة أو متعة صادمة؛ قد تتولد عنها فكرة مبهمة في ذهن القارئ عن الحياة و الإنسان لا تزول بسهولة.

"شمس القراميد" رواية مغامرات حُلمية، يصعب معها تبيّن ما حدث فعلاً وما مدى اقترابه من الواقع المعيش أو ابتعاده عنه؛ ولكنها، في كل الأحوال، مغامرات لها صلة خفيّة وغير قابلة للفهم دائماً، بما عانيناه في الحياة وما ساورنا من أحلام اغتيلت بقسوة وكيف انقلب كل شيء، آخر الأمر، إلى أوهام حزينة، لا ندري أمِن الصواب أن نعاود اجترارها، أم نتعقل و نرجع القهقرى؟

إنها رواية متوحّشة بلا معنى، تحتوي على كلّ المعاني؛ وهي، ربّما، مثل الحياة، مثل الكون، مثلنا نحن.

فؤاد التكرلي تونس 1997
Page 2
في البدء

في البدء لم تكن توجد كلمة واحدة، ولا من يروي للناس حكايات؛ ولكي يكونَ راوٍ، ويتكلم،

كان لابدّ أن يناديه أحد.

بالتماع الماء فيها، نادتْه عين شاردة.

أجاب: " ها أنذا... "

فكان صوت.

انتشرت عين الإنسان على الكون دهِشَةً، حذرةً، قبل أن تمتد يده مستكشفة، مدمّرة، أو بانية.

ثم هجست العين:" لأكوننًّ كمثل الروح، قبل الخلق، عندما كانت ترفّ فوق المياه " فصار لها ذاكرة: جزائر أحاسيس بكر، يدمدم فيها الجميع بما قبل الكلام، ولا يتكلم أحد.

ثم كانت لها الكلمة.

وكما الماء اخترق الجسمَ والتربة، بدأت الكلمة تخترق الصمت والفراغ.

وظلت العين

بيضويَّة،

مشقوقة،

مستلقية في رطوبتها،

تتوسط شَعْرها مثل امرأة؛

نفّاذة،

معرِّية،

مستكشفة فضاءَها،

تخترق دريئتها كرجل.

تحطّ العين في مكان ناءٍ فتشفّ حولها الأحداث؛

وتتوغّل في ماضٍ سحيق فتتقافز الأشباح؛

تطرق المستقبل فيربكها الخيال؛

ثم تجرّب الصمت، العمى، نبش الجذور في باطن التربة.

رغبة تحرّك اليدين هي العين.

كتابة تسوق الأصابع.
Page 3
للأعمى ظلال العين، له كثافة التلقّي وبُركانُ الإرسال.

وللقاتل صورة القتيل منطبعة في شبكيّة العين.

العين موجة كلام، شاطئ صُوَر؛

صور يمتهنها راوٍ ويؤطّرها مؤلّف كسول.

العين أمكنة في زمن، أزمنة

بصر وبصيرة، ينبوع نور ونار، حركة حلزونية في الظلام؛

حركة متلوِّنة،

حرباء

طفل يلعب. إذاً من أين أبدأ؟

هل الذي كان، هو ما سوف يكون؟

إلى متى نظل نردد ما قاله الأقدمون، والحال أنّنا وُهبْنَا حياةً كي نعيشها حتى يأتي اللاحقون ويتمكنوا من تصنيفنا في سلّم الأسلاف؟

أَخْرُجُ من زمن الأسلاف أوّلا، لأخرج من تربتهم لاحقاً.

وأَروي على لساني كلّ ما جرى بشأني.

فإليكم الحكاية، من البداية إلى النهاية.

حكاية جابر الطرودي، وما جرى له من عجائب الإقامة وغرائب الترحال، مع شمس القراميد ابنة الملك الأبيض.

وكان بينه وبينها سبع صبايا كالأقمار، وشيخٌ يسترجع الكينونة من بداياتها، دافعاً بظلمة العين وراء عرين أيّامه.

كان شيخَ طريقة معروفة، ثم مقطِّر عنب، قبل أن يتحول إلى تقطير بريق الصبايا، في مكان؛ هو دائماً مكانان: تذهب إلى أحدهما فتتساءل عمّا كان سيحدث في المكان الثاني.

ويحدث أن تنضمّ إلى السَّبْع الصّبايا، ثامنةٌ هاربة؛ قَدَرُها الوقوعُ في فخاخ دائمة، ودورها الإفلات من تلك الفخاخ، سالمة.

ويخترق رصانة الحكاية قزمٌ، سمَّمَ حياة جابر الطرودي، منذ أن تَمَرْأى له ملاحقاً، بمقصّه، عريَ العشّاق وأذناب الطيور.

وثمّة ما لا تصدّقون من وجود أصوات مخنوقة تحشرج في ثنايا جهاتنا، وتذكّرنا بأن أسلافنا لا يزالون يشاهدوننا بعيون الموتى، ويدفعون بنا إلى تذكّرهم بعيون الأحياء، كي يتمّ التبادل كأفضل ما يكون.

يا سادة

لقد بدأ العالم بحركة حنون

فمن أين أبدأ؟
Page 4
القسم الأول: مرايا مريم

امرأة من تدرّجات الضوءوخِضاب القرنفل

كل ما نفتقده يتألّق نوره في ماضينا. هذا ما أعتقده شخصيّاً. ولست أفهم كيف يتحول ماضينا إلى مستقبل للأيام الآتية، يقصده الغائبون سواء أكانوا قطارات أم بشراً.

وفي كلتا الحالتين أدركتُ أن الضجيج هو الذي تركنا، من دون التوصّل إلى الجزم بأن ما تبقّى لنا هو الصمت. يقودنا الصمت غالباً إلى الماضي، وهو حاضرنا أيضاً، إذْ يستطيع أن يكون كذلك إذا كنّا نحن نحن، ولكنْ كما قد ترانا عيون الموتى.

فهل ماتت شمس القراميد حتى ينتابني شعور بأنني ماضيها، والحال أنني لا أستطيع ذكرها إلا بصيغة الماضي؟

ليس أوحش من قرية هجرها القطار. ولست أبكي السيد بوسكو: سكّة صدئة أتينا، مع كائناتنا الأرضية، على ما تبقّى من عوارضها الخشبيّة، صمت معدنيّ عقيم، تتخلّله نباتات شوكيّة ذات أكواز متهيِّئة للريح، وتسلكه أرتال من نمال مثابر وعظايات تخطف ما تبقّى من بقع الضوء ورنين الأصداء.

في زمن آخر، سمّيْتُه الصمت، كانت السكّة تلمع متقطعة البريق، تحت ظلال شمس أخرى، سمّيناها "شمس القراميد" أو سمَّوها لنا كذلك، لا فرق. امرأة من تدرجات الضوء وخضاب القرنفل، تكشط سطح السكّة الأملس، فيجيبك أيّ واحد منا: لم يمرَّ القطار، بل هي شمس القراميد تهيّئ سكّة أقدارنا.

فهل كان قدَرنا الأحمق يهيّئ لتوقُّف القطار، لأن سكّة أخرى، في اتجاه آخر، أفضل من هذه العقدة الريفية الصغيرة، متّكئة على زمن أقلّ تعقيداً وعلى خطين متوازيين بين عاصمة ومدن ثلاث منغرسة في ما اصطلحتم عليه اليوم، باسم الشمال؟

مهلاً! الشمال الغربي، رجاءً!

شمال الماء والبوم والصوّان.

الأرض التي يسميها لك آخرون أرضَ "إفريقيّة".

لم أكن بطلاً، ويبدو أنني لن أصير كذلك. غير أنني وُِلدت خلف صخرة، في الأراضي الممتدة تحت مجرى الوادي. وكانت تلك أراضي بوسكو.

عندي نهر، وسبع قناطر، تبدأ بجرف، أخشاه كثيراً خاصة عندما يمتلئ بأمطار الشتاء أو بفيضان النهر.

وعندي ممرّ صخريّ يخترق القرية من شرقها، متعرّجاً نحو جنوبها الغربيّ، حتى يبلغ مزرعة بوسكو. وهناك أملك دبّابة ومدفعاً. وعندي أيضاً مصطبة تنفتح بها أوسع حُجرات المزرعة على منحدر الوادي. عندي صليب سرّيّ لم يكتشفه أحد إلا أنا ومريم.

من هناك أطلّ على جبالي الوردّية، ورائي، وأضواء المدينة البعيدة، أمامي. وتكون القرية على مرمى مدافعي. وكثيراً ما أفاجئ القطار بعطب مدوّ يجعله يفرّ صائحاً نحو أقواس القناطر، أو ناهباً الأرض باتجاه العاصمة. آنذاك ينتصب كلّ ما فيّ، ويتوفّز مع المدفع. وإلى اليوم ما زال يحدث لي ذلك مع صفير قاطرة، أو ارتجاج عربات، أو حتّى التماع بريق على السكّة. يكفي أن تكون سكّة ملساء، ناعمة، ذات لمعان خاطف، حتّى يقشعرّ كلّ ما هو نائم في جذعي اليابس.

عندي العين الباردة في غرب القرية، وبئر الضوء في شرقها، وسط غابة السنديان بالضبط.

بعد آخر طلقة، أصبْتُ بها رأس القطار، قرّرت الحكومة تغيير اتّجاهه، لكنه ظلّ محور تواريخنا وأمثالنا.

وهكذا صارت عندي مزرعة غادرها بوسكو، ومحطّة غادرها القطار.

كان ذلك قبل أن أقرّر، بدوري، مغادرة كاف الحجر.
Page 5
لكل بطل علامات تسبق مولده

في البدء كنتُ فقيراً مثل دجاجة. أسكن مع أمّي وأبي في كوخ منعزل عن القرية، فوق الممرّ الصخريّ الذي يقضمه القطار. وكنت أرى كلّ شيء فوقي: مزرعتكم القديمة قبل أن يشتري والدك مزرعة بوسكو، وكذلك القرية والجامع والغابة. ولم يكن تحتي سوى السكّة والجرف والنهر. وُلِدْتُ مهتزّاً مثل قطار. لكنني أنقل اهتزازاتي إلى طريق بريّة توصلني إليك في مزرعة بوسكو.

بقيت وحيداً بلا أخ ولا أخت، لأنّ بومةً شاهدتْ أمّي وهي تفرج ما بين ساقيها في الحقل كي تضعني. كانت البومة متضايقة في مخبئها الحجري النهاري، من أمّي، ولا تستطيع حراكاً. وكانت أمّي متضايقة من عينيْ البومة، من دون أن تستطيع التحكّم في أمرها.

تقول أمّي دائما، إذا عصيتُ لها أمراً: "اِذهبْ يا كلب، وُلِدْتَ كالفأر، أمام عينيْ بومة" فأفهم أنّ البومة طبعتني، مع أمّي، بشيء ما. غير أنني أحتار كيف أكون كلباً، وأولد فأراً، في وقت واحد. وعلى لسان أميّ: "اذهبْ يا كلب، وُلدتَ كالفأر فانقطع نسلي."

عندنا تيس، أكرهه، لأنّ أمّي تناديني باسمه، أو تعتبر رأسي كرأسه "يا رأس العتروس!" تقول لي" خرجتَ من كرشي، نطحتَ الصخرة، ها هي الأمارة على جبينك!"

والدي لا يتحدث إلا عن الأبطال. فتَرَبَّيتُ بينهم على الرغم من التحولات التي تحاول أمّي إقناعي بها.

وُلِدْتُ فأراً. وصرت كلباً. ونطحت صخرة.

ولم تنته سلسلة الحيوانات التي ربطتني بها أميّ، مع أنّه لا يوجد ما يثبت، في شجرة العائلة، أننا نتحدر من جدّ أقرب إلى جمل، أو جدة تشبه إوزّة.

أعتقد أن جدّتي لم تمت مثل إوزّة.

استيقظتْ ذات ليلة وغادرت الكوخ. "من دون أن تستيقظ" قالت أميّ. نزلت الممرّ الصخريّ، وسارت محاذية سكّة القرية باتجاه القناطر، لأنّ جدّي ناداها من قاع الجرف، فنزلت إليه مستيقظة. كان النهر آنذاك في بداية فيضانه الربيعيّ. لكنه استطاع أن يغمر الجرف قرب القنطرة الأولى. وفي الصباح وجدوا جثة جدّتي عالقة بين شجيرات الدفلى التي تنمو في مساحة صغيرة، تفصل بين الجرف وضفة النهر. ظلّ اندفاع الماء يجرّها وأغصان الدفلى تمسك بها، في حركة مستمرّة تتخلّلها بقبقة الماء من نداء جدّي، وتقصّف أصابع الدفلى الملتفّة على جسد جدّتي.

بكيتُ جدّتي مع أنني لم أعرفها. لكنني لم أقتنع بأنها غرقت مثل إوزّة ركضت وراء فأر. لو أنها انحرفت قليلاً فوق السكّة لبلغت العين الباردة التي تعيد الشباب لمن يشرب منها وهو يحلم. هكذا قال لي العينوس "جدّتك أخطأت الاتجاه".

علاقتي بالعين الباردة بدأت قبل ولادتي. قالت لي أمّي: "ما إن أملأ منها كفّي وأشرب حتى ترفس بقدميك بطني كأنك تعترض على برودة الماء. كنتَ طفلاً لا يهدأ إلّا عندما تتعب أمّه ويشتدّ خفقان قلبها. تسكت قرب القطار وعقارب الساعة، وتحرّك رأسك متفادياً بؤرة الضوء".

كيف أدركتْ ذلك؟

لقد جعلتني أعيش ما قبل ولادتي، كما فعل العينوس بعدها تماماً، عندما أمسك بي من أذني وقال لي: "اسمع بعينك." كان ذلك أثناء حضوري حلقة المستمعين إلى حكاية والدي عن سيف بن ذي يزن وأخته عاقصة. "يا ابن الفداوي لم يعد السماع يكفي." قال لي، ثم رافقني إلى الكُتَّاب.

أول مرة دخلت الكُتَّاب اصطدت سمكتين كبيرتين من النهر. كان لونهما رماديًّا. أخذتهما إلى أميّ فلم أجدها في البيت. وعندما عادت من الحقل فرحت بالسمكتين. ولم تسألني عن الكُتَّاب والمؤدّب. قلت لها ضربني بسبب "الكوميدينكم والكوميديني" أجابتْني "لكي تصير رجلاً" ثم تناولت السمكتين. نظّفت الأولى وقطعتها غير مصدّقة. وعندما أمسكت بالثانية قفزت هاربة من بين يديها. فظنّت أنّها انزلقت من بين أصابعها. تناولتها من قصعة الماء ثانية فتلوّت وأفلتت منها إلى الماء. سألتني: "متى اصطدت السمكتين؟" قلت: "قبل مرور القطار" قالت: "لم يخلق ربّي سمكة تعيش، خارج الماء، كل هذا الوقت!" ثم التقطت السمكة وحزَّتها بالسكين في منتصفها، فوثب النصف العلوي حيًّا، خارج القصعة، وسقط النصف السفليّ داخل القصعة. قالت: "هذا سمَك باسم الله الرحمن الرحيم!" وقذفت به للكلب. قلت لها: "الكلب أكل جدّي وجدّتي." قالت: "إن شاء الله يأكل رأسك". قلت: "الكلب لا يأكل رأس أخيه!" قالت: "الكلب يأكل رأسك ورأسه".

جاء والدي ليكرر مرّة أخرى أن شغله لم يعد ينفع. حكت له أمّي عن السمكتين. فهزّ برأسه غير مصدّق. وأضاف:

-أيام بوسكو كانت جنّة. كان يناديني لأسلّي العمّال وهم يشتغلون."هكذا أفضل" يقول لي "يا مسيو الكونتير."

وأوضح لي والدي أن "الكونتير" هو اسمه. وله أسماء أخرى مثل المدّاح والفداوي والقوّال والحكواتي، ثم سألني عن الكُتَّاب. أخبرته بأنني حفظت الكثير. فقال لي: "هكذا تستطيع أن تصير فداويًّا على الأقلّ". أجبته بأنني أعرف كل الحكايات التي يرويها من دون أن أذهب إلى الكُتَّاب. قال لي: "ما زلت تكسر اللغّة وتجهل الأمثال."

عرفت من الحكايات أن لكلّ بطلٍ علاماتٍ تسبق مولده. فسهرت أجمع علاماتي وأحصيها. بدأت بالبومة التي راقبتني، ثم عدت القهقرى إلى بطن أمّي لأكتشف علامة أخرى: علاقتي بعين الماء.

قال لي العينوس: "البطل هو الذي يبني عالماً على صورة خالقه. وأنت جئت تحت علامة العين فاصطدمت بصخرة. لن يُجْديك تكرار الحكايات." ثم أخذني من يدي حتى مصطبة المزرعة وقال لي: "انظر! ماذا ترى؟" قلت: "أرى كلّ شيء؛ السماء والشمس والحدأة والنهر..." أمرني "أصرخْ يا بابا!" فصرخت حتّى تلاشى الصدى. سألني: "أين أبوك الآن؟" قلت: "في الدكّان يلعب الورق" قال: "سوف يقول قتلتني أذناي، أمّا أنت فلا تكنْ سامعاً كبيراً بأذنين هائلتين وإلّا قَتَلَتْكَ عيناك." قلت له: " لم أفهم." قال: "عدْ إلى الكُتَّاب".

حفظت سوَراً وآيات صعبة. وفي كل مرة يقول لي المؤدّب: "أخبرْ أمّك أنّك ختمتَ وهات العصيدة" فأجلب له العصيدة حتى لا يضربني بالفلقة، من دون أن أعرف ماذا ختمت. لكنني أدركت أنّ لكلّ ختمٍ ختماً، ولكلّ عصيدة أخرى. وحده يأكل عصائده كل صباح ويتركنا في هرج بين حِبْر السمّاق ولطم الألواح. وما لم أدركه، إلاّ فيما بعد، هو أن طريق الكُتَّاب يؤدي إلى المدرسة النائية، وأن طريق المدرسة النائية معبّد بأشواك وذئاب وثلوج مفاجئة تجعل المدير يرفع العلم فوق المبنى ليقول لنا من بعيد: لا تتقدموا أكثر!
Page 6
قطار حنون يهدهدك كي تنام

القطار مرّة أخرى.

هذا القطار اللعين.

عندما أستمع إلى هديره من بعيد "يسير سيرًا حثيثًا" أو "ينهب الأرض نهبًا" كما تقول كتب المدرسة، لا أتمكن من تحديد اتجاه الصوت، وبالتالي وجهة القطار: أيَأْتي من أقصى الشمال الغربي نحو العاصمة، أم من الاتجاه المعاكس؟ كل ما أدركه هو اهتزاز النّمل واندفاع الزواحف ثم انبثاق أصوات المسافرين والباعة في دماغي. عندئذ يتركز الاهتزاز في عضو واحد من جسدي، فينتصب مثل عمود الراية في محطة شبحية.

فيما بعد سوف أجرّب ركوب الدراجة والسيارة فلا تغادرني تلك الحالة.

أراه فلا أصدّق أنّه يسير في الحاضر وينهب أرضاً واقعيّة باتجاه أرض أخرى توجد في الواقع.

تلمع السكّة. يُصفّر صفرتين بريّتيْن فتنزاح شبكة متصلة من الصمت، يمزّقها هذا السهم المداور، المخترق، والقابل للاستعباد مثل عيني.

يقف عند المحطّة فلا يجدها.

أدرك آنذاك أنني أستطيع الإدلاء بسؤالي:

"أنت لا تراني وتقف لي

وأنا أراك ولا أجدك

فمن منا الآخر؟"

وها هو ذا يصل أخيراً.

تركض مريم بشعرها المربوط إلى الوراء، وعينيها السوداوين الواسعتين، وأنفها الذي يسبقها دائما إلى صعود القطار لبيع البيض المسلوق وخبز الطابونة أو فطائر الملاوي.

تصيح بي:
Page 7
- جابر، جابر، ساعدني!

أحمل معها السلّة حتى تصعد إلى القطار، وأقول لها:

- لو كنت جابراً لما ساعدتك!

تتركني وتبدأ بالبيع.

ينزل المسافرون القادمون من العاصمة، ويصعد آخرون ينوون السفر إلى بوسالم وجندوبة وغار الدماء، وإلى المحطات الغامضة المتوزّعة بينها.

وحده القطار الصغير الرابط بين قريتنا، كاف الحجر، ومدينة باجة، يظل رابضاً في انتظار النازلين الذين سيلتحقون به من قطار العاصمة، لأنه يؤمّن الربط بين القرية والمدينة.

قطار خشبي صغير مثل مهر أشقر، يصيح في بطنه الدجاج وتلمع حوله عيون بنات آوى، حتى يقرّر التململ من مكانه، فتئزّ ألواحه وتنصفق نوافذه، ويبدأ إيقاعه المزدوج: تشيك تشاك، تشيك تشاك. وبذلك اخترنا جنسيته من صوته فسمّيناه قطار التشيك. يتحرّك فيطير اللقلق فوق المئذنة عندما تبلغه زوبعة الدخان والغبار.

فيه درجة جلد ودرجة خشب.

لكن الجميع يجلسون أينما شاؤوا.

حنون؛ يهدهدك كي تنام.

شقيّ؛ يعابث طمأنينتك بالكوابيس.

مُهْر كسول لا يهرول إلاّ في المنحدرات مُتَباهياً أمام القمم، فتكاد العربات تهوي. لكنه يلهث في المرتفعات فيظلّ الركاب في مكان ثابت لولا معجزة دوران الأرض.

ينزل الباعة من القطار الكبير لأنّه دائما في عجلة من أمره. ويتوجهون إلى القطار الصغير؛ قطار سينتظر كثيراً قبل انطلاقه محمّلاً بالحبوب والبطيخ والدجاج.

تصعد مريم. يصعد العينوس. يصعد أخي. يصعد والدي. ويصعد آخرون.

أقول: أهو قطار حقًّا؟ أصعدوا إليه؟ أم أنني عدتُ إلى الهذيان مرّة أخرى؟

ألوّح للمسافرين في بطنه. وأعيد صياغة سؤالي وفق حركته:

"أنت لا تراني وتغادرني

وأنا لا أراك وأمتطيك

من منا الآخر؟"
Page 8
أخـي

يختبئ أخي خلف الخزانة. يطلّ عليّ واضعاً عشَّ عصفور على رأسه. أرى العشّ فارغاً.

أقترب منه وأسأله:

- هل العشّ فارغ؟

يزمّ شفتيه ويحرك سبَّابته في وجهي:

- عندما يكون العشّ فارغاً، ينبغي أن تراه عشًّا فارغاً، وتقول هذا عشّ فارغ!

- لكنني لم أره جيداً، أنت تتحرّك والعشّ فوق رأسك.

- العشّ فوق رأسي، هل طار منه طائر؟

- لعلّه طار قبل أن أجيء.

- إذا طار قبل أن تجيء فمعنى ذلك أنّه عشّ فارغ.

- لماذا تضع عشًّا فارغاً على رأسك؟

- أنا لم أضعه على رأسي.

- هل سقط من شجرة؟

- لم يسقط من شجرة.

- لماذا تحب الأعشاش الفارغة؟

- أنا لا أحبّ الأعشاش الفارغة.

- إذا مددت يدك، الآن، إلى هذا العشّ الذي على رأسك

- لن أمدّ يدي

- دعني أكمل، إذا مددتَ يدك إليه، ماذا تجد فيه؟

- أجد يديَّ!

- وهل يداك في العشّ الآن؟

- العشّ فارغ.

ثم يعود أخي إلى الاختباء خلف الخزانة.
Page 9
لكنه يستطيع الظهور، أو الاكتفاء بالتلصّص عليّ، من إحدى الزوايا. لذلك لا أتركه. وأصيح به:

-يا غدّار، لماذا تقرّر، وحدك دائماً، وقت الجدّ ووقت اللعب؟

وعندما يطيل ولا يجيب أقول له:

-تغيب كما تريد، وتحضر متى تشاء، هل تخشى شاويش الجبس حقًّا؟

يتناول شيئاً أبيض، مثل كرة صغيرة، ويقذفني به. فيصيب قمّة رأسي وأنا مشغول بمراقبة جعلان الأرض. لا تؤلمني الضربة لكنها تفتح رأسي عند عين اليافوخ. فتعود إليَّ طراوتها كأنني ولدت من جديد. قبل ذلك حكت لي أميّ ماذا كنتُ أفعل قبيل الولادة. حكى لي العينوس بدايتي التي لم أعشها.

في ليالي القرية ينهض أخي. يخرج سائراً في نومه، ولا يبحث عن العين الباردة، كما فعلت جدّتي، فسقطت في الجرف، لأنّها أخطأت الاتجاه، بل يسير حتى يبلغ المقبرة، خلف مزرعة بوسكو. يحفر حفرة صغيرة. يخلع ثيابه، ثم يدفنها تحت التراب، ويعود. وبذلك يتخلص من البراغيث.

وأراه أحياناً يركض عارياً في حزمة ضوء.

أركض وراءه كي أفتح يافوخه، بدوري. لكنه يتميّز بتلك القدرة الفائقة على الظهور كما يريد، والاختفاء متى يشاء.

يظهر. أضرب.

تلتوي يدي، أو ترتخي. فلا أصيب الهدف. أقول له:

- تعْبتُ كثيراً. أريد أن أضربك، لكنني تعبت.

يقترب منّي مبتسماً أو شامتاً ولا يتكلم. فأقول له:

- لن أغطيك مرّة أخرى، ولن أحذّر أميّ من الجلوس عليك!

يرفع أصابعه المضيئة في الهواء ويقول:

-اِنسَ يافوخك ويافوخي.

فأنساهما بسرعة وأسأله:

-لماذا؟

يجيبني بسبّابته اليمنى المتحركة في الهواء:

- لأنّ لك رأسين وأربع عيون؛ النصف لك والنصف لي.

- ولماذا تضربني؟

- أضرب النصف الذي لي.

لكنني أعود إلى نفسي فأقول في سرّي: "أخذني وصار يتكلّم بي" ثم أصارحه:

- ها أنتذا تعرف أنّ ما ليس لي، ليس لي.

- الآن فقط عرفت!

- لماذا تظنّ دائماً فتصدّق ظنّك؟

- الله غالب، أنا هكذا لا تترك أميّ تجلس عليّ عندما تغسل

ثمّ ينصرف إلى سطح الماء يحرِّكه بكفّ يده.
Page 10
بوسطل، شاويش الجبس

لست أدري لماذا وُلِدَ بوسطل قصيراً، سميناً، ضيّق الكتفين، عريض الخصر، يمشي فتلوح ساقاه القصيرتان متقوّستين نحو الداخل. وهكذا يتفرّغ إلى حكّ رأسه، وهرْش بطنه، مفكّرا في حلٍّ آخر، لمشكلة جديدة. لكن كلّ مشكلة يصنعها، أو يجدها، تبقى صغيرة دائماً، لأنه يستطيع حلّها، أو تأجيل حلّها، واستبدالها بمشكلة أخرى: "لا بد من مشكلة أصعب حتى يتقدّم المخّ!"

رأيته يحمل علبتْين؛ إحداهما مملوءة جبساً والثانية مملوءة ماءًا، وهو يستطيع، إذا لم يسرق الجبس، أن يملأ علبته بالطّين. يسدّ بيوت النمل، ويقول إنّ المغناطيس يجعل النمل بغيّر أبوابه. كما يصطاد الجعلان ويرصّع بها الجدران، فيدفن أجسامها تحت الجبس ويترك رؤوسها خارجَهُ.

لكنّ المشكلة الصّغيرة التي ظلّ يؤجِّلها دائماً، هي محاولته حبس شقيقي في حفرة كبيرة.

لقد اضطرَّ إلى تجهيز سطل كامل من الجبس ليصطاد أخي، مرّة في حفرة، ومرّة في تجويف شجرة. لكنّ بوسطل الذي سمّاه أخي "شاويش الجبس" يخرج ملطَّخاً دائماً، وينسحب مبلولاً، لاعناً ثم يعيد الكرَّة بعد تأجيلها.

أسأله وهو يتعثر ورائي:

- لماذا تصرّ على اصطياد أخي؟

- لأّنه لا يطرق الأبواب ويثرثر من ثقوبها.

- كيف عرفت ذلك وأنت لم تره؟

- وكيف أراه وهو لا يطلّ إلا من الثقوب؟

عندئذ أخرج له لساني:

- دَعْنِي، يا بوسطل، دعني أثرثر مع أخي حتى ينتهي الجبس من العالم.