eKtab
EN ع
سحر الواقع
Read free sample

سحر الواقع

by ريتشارد دوكينز

Page 1

الفصل الأول

ما الواقع؟ ما السحر؟

الواقع هو كل ما له وجود، ويتحقق على الدوام، أليس كذلك؟ لكن الأمر ليس كذلك، هناك مشاكل عديدة. ماذا عن الديناصورات التي كانت موجودة ذات يوم ولم يعد لها وجود الآن؟ ماذا عن النجوم سحيقة البعد والتي بمرور الوقت، يصل إلينا ضوؤها بينما لا نستطيع رؤيتها، وربما تكون قد تلاشت؟
سوف نصل إلى الديناصورات والنجوم بعد فترة. لكن على أية حال كيف نعرف أن الأشياء موجودة، حتى في الوقت الراهن؟ حسنٌ، تلعب حواسّنا الخمس: البصر، الشم، اللمس، السمع، والتذوق، وظيفة جيدة بارعة في إقناعنا بواقعية أشياءَ عديدةٍ؛ الصخور والجِمال، حشائش العلف الجديدة والبن المحمَّص المطحون، ورق السنفرة والقماش الناعم، الشلالات وأجراس الأبواب، والسكّر والملح. لكن هل نحن فقط من يُطلق على شيء ما تعبير «واقع» طالما نستطيع اختباره بإحدى حواسّنا؟
ماذا عن مَجَرَّة بعيدة، بالغة البعد إلى حد تتعذر معه رؤيتها بالعين المجردة؟ ماذا عن نوع من البكتيريا، صغيرة الحجم إلى درجة لا يمكن رؤيتها بلا ميكروسكوب قوي؟ هل يتعين أن نقول إن هذه أشياء لا وجود لها لأننا نعجز عن رؤيتها؟ كلّا. من الواضح أننا نستطيع تدعيم حواسّنا من خلال استخدام أدوات معينة: التليسكوبات للمَجَرَّة، أو الميكروسكوبات للبكتيريا. ولأننا نفهم التليسكوبات والميكروسكوبات وطريقة عملهما، يمكننا استخدامهما لتوسيع مجال حواسّنا. في هذه الحالة، فإن حاسة النظرـ وما تتيحه لنا من رؤية ـ تقنعنا بوجود المَجَّرات والبكتيريا.
ماذا عن موجات الراديو؟ هل هي موجودة؟ لا تستطيع عيوننا اكتشافها، ولا آذاننا، لكن مرة أخرى، فإن أجهزة معينة، كالتليفزيون ـ مثلا ـ تحوِّلها إلى إشارات نستطيع بها رؤيتها وسماعها. لذلك، رغم أننا لا نستطيع مشاهدة أو سماع موجات الراديو، فإننا نعلم أنها جزء من الواقع. وكما في حالة التليسكوبات والميكروسكوبات، نفهم كيفية عمل أجهزة الراديو والتليفزيون. لذلك فإنها تساعد حواسّنا في بناء صورة عما له وجود: العالم الحقيقي ـ الواقع. فالتليسكوبات التي تعمل بموجات الراديو والتليسكوبات التي تعمل بالأشعة السينية، والنجوم والمجرات من خلال ما يبدو أنه عيون مختلفة. تمنحنا وسيلة أخرى لتوسيع رؤيتنا للواقع.
بالعودة إلى الديناصورات، كيف لنا أن نعلم إن كانت في وقت ما تطوف في أرجاء الأرض؟ فلم يحدث لنا أبدًا أن رأيناها أو سمعناها أو ركضنا بعيدا هربا منها. للأسف، ليست لدينا آلة للزمن لتعرضها لنا مباشرة. لكن لدينا هنا نوع مختلف لمساعدة حواسنا؛ لدينا حفريات، نستطيع رؤيتها بالعين المجردة. والحفريات لا تجري أو تقفز، لكن بمقدورها أن تدلّنا على أشياء حدثت منذ ملايين السنين، لأننا نفهم كيف تكوّنت الحفريات، ونفهم كيف أن الماء، بالمعادن التي ذابت فيه، كان يتسرب إلى جثثها، المدفونة في طبقات من الطمي والصخر، ونفهم كيف تتبلر المعادن خلال الماء لتحل بدلا من معادن الجثة؛ ذرة ذرة، تاركة بعض المسارات من شكل الحيوان الأصلي المطبوع على الأحجار. لذلك، ورغم أننا لا نستطيع رؤية الديناصورات مباشرة بحواسنا، فإننا نستطيع أن نستنتج أنه لابد أنّ لها وجودًا، باستخدام أدلة غير مباشرة لاتزال تصل إلينا في النهاية عبر حواسنا. فنحن نشاهد ونلمس المسارات الصخرية للحياة القديمة.
وبمعنى آخر، يمكن للتليسكوب أن يعمل كأنه آلة للزمن. فما نراه عندما ننظر لشيء ما، هو بالتأكيد ضوء، ويحتاج الضوء إلى وقت أثناء انتقاله. وحتى عندما تنظر إلى وجه صديق لك فأنت تراه في زمن مضى. لأن الضوء المنتقل إليك من وجهه يأخذ جزءا ضئيلا من الثانية ليصل إلى عينيك. بينما الصوت ينتقل بسرعة أقل كثيرا، وهذا سبب أنك ترى فرقعة نارية تحدث في الفضاء بوضوح قبل أن تسمع دويّها. وعندما تراقب رجلا يقطع شجرة بفأس على مبعدة منك، تلاحظ تأخرا في صوت ضربات الفأس التي تنهال على الشجرة.
ينتقل الضوء بسرعة هائلة حتى إننا عادة نفترض أن كلّ ما يحدث نراه في لحظة حدوثه نفسها. أما النجوم فمسألة أخرى، فحتى الشمس لا يصل ضوؤها إلينا إلا بعد ثماني دقائق. وإذا ما انفجرت الشمس فلن يصبح هذا الحدث الكارثي جزءا من واقعنا إلا بعد ثماني دقائق. وستكون هذه نهايتنا!
أما عن أقرب نجم لنا، بروكسيما سنتوري Proxima Centauri، فما تراه منه في عام 2012، هو ما كان يحدث في عام 2008. فالمجرات مجموعات هائلة من النجوم. ونحن نقع في مجرة تسمى درب التبانة Milky Way، وعندما تنظر للجارة المباشرة لدرب التبانة، مَجَرّة أندروميدا Andromeda، فإن تليسكوبك آلة زمن تعود بك إلى الوراء بمقدار مليونين ونصف المليون سنة. وثمة عنقود من خمس مجرات يُسمى خماسية ستيفان Stephan Quintet، التي نراها من خلال تليسكوب هابل Hubble تتصادم أطيافها الواحد مع الآخر منذ 280 سنة مضت. وإذا كان هناك غرباء في واحدة من تلك المجرات المتصادمة، وباستخدام تليسكوب قوي يتيح لنا رؤيتها، فما سنراه ونحن على كوكب الأرض، في تلك اللحظة، هنا والآن، هو الأسلاف الأوائل للديناصورات.
هل يوجد حقا غرباء في الفضاء الخارجي، لم نشاهدهم أو نسمع عنهم قط؟ هل هم جزء من الواقع؟ لا أحد يعرف؛ لكننا نعلم نوعية الأشياء التي بمقدورها ذات يوم أن تخبرنا عنهم. وإذا ما حدث واقتربنا من أحد الغرباء، فإن حواسّنا ستدلنا عليه. ولربما أمكن لشخص ما ذات يوم اختراع تليسكوب قوي يتيح من موقعنا اكتشاف الحياة على كواكب أخرى. أو ربما تتمكن تليسكوباتنا التي تعمل بموجات الراديو من التقاط رسائل من الممكن فقط أن تصل من غريب قادر على الإدراك. ولأن الواقع لا يشتمل فقط على الأشياء التي نعرفها عنه حاليا، فإنه يتكوّن أيضا من أشياء لها وجود، لكننا لا نزال لا ندركها حتى الآن ولن نعرف شيئا عنها حتى في زمن قادم، ربما حتى ننشئ أدوات أفضل تعزّز حواسنا الخمس.
الذرات كانت موجودة على الدوام، لكن ـ وفقط ـ في زمن حديث أصبحنا ندرك وجودها، ومن المحتمل لمن سيخلفوننا أن يعرفوا أشياء أخرى كثيرة لا علم لنا بها في الوقت الراهن. تلك هي بهجة وروعة العلم: إنه يستمر ويستمر كاشفا عن أشياء جديدة. ولا يعني هذا أنه يتعين أن نؤمن بأي شيء قد يحلم به شخص ما: هناك مليون شيء يمكن لنا أن نتخيله لكنه بعيد الاحتمال عن الواقع: الجنيّات والعفاريت، الجان والحيوانات الخرافية. وينبغي علينا دائما أن نكون منفتحين عقليا، لكن السبب الوحيد المناسب للاعتقاد في وجود شيء ما؛ هو الأدلة الحقيقية عليه.

Page 2

النماذج: اختبار ما نتخيله

ثمة وسيلة أقل شيوعًا تتيح لأي عالِم استنتاجَ ما هو واقع إذا لم تستطع حواسنا الخمس اكتشافه مباشرة. ويتم هذا من خلال استخدام «نموذج» لما ينبغي أن يحدث، وهو ما يتيح بالتالي اختباره. نحن نتخيل ـ يجب أن تقول نحن نظن ـ ما يتعين أن يكون هناك. وذلك هو ما يُسمى بـ النموذج. وحينئذ نستنتج ـ غالبا بإجراء حسابات رياضية ـ ما ينبغي أن نراه، أو نسمعه... إلخ، (بمساعدة أدوات قياس) إذا ما كان النموذج حقيقيًا. حينئذ نفحص إن كان ذلك هو ما رأيناه فعليا. وقد يكون النموذج بالفعل صورة طبق الأصل مصنوعة من الخشب أو البلاستيك، أو ربما صياغات رياضية على الورق، أو مجرد محاكاة في جهاز كمبيوتر. وننظر بدقة إلى النموذج ونتنبأ بما ينبغي أن نرى أو نسمع...، إذا كان النموذج صحيحا. ثم ننظر لنرى إذا ما كان التنبؤ صائبًا أم خاطئًا. فإذا كان صوابًا، زادت ثقتنا في أن النموذج يمثِّل الواقع حقًّا؛ حينئذ نستمر لتصميم المزيد من التجارب، لعلّ دقة النموذج تزداد، من أجل تحقيق نتائج موثوق بها والبناء عليها. وإذا جاءت التنبؤات خاطئة، نرفض النموذج، أو نُعدّله ونكرر المحاولة.
كمثال على هذه النقطة، في هذه الأيام، نعلم أن الجينات ـ وحدات الوراثة ـ تُسمى الـ دي إن إيه ـ DNA. ونحن لدينا قدر هائل من المعرفة عن هذه الوحدات وطريقة عملها. لكنك لا تستطيع أن ترى تفاصيل مظاهرها، حتى من خلال ميكروسكوب قوي. فكل ما نعرفه تقريبا عنها يأتينا على نحو غير مباشر من نماذج مخترعة نُخضِعها للاختبار.
في واقع الأمر، منذ فترة طويلة قبل أن يسمع أي شخص شيئا عن الـ DNA، كان العلماء يعرفون الكثير عن الجينات باختبار تنبؤات من النماذج. وفي القرن التاسع عشر، أجرى راهب نمساوي يدعى جريجور مندل Gregor Mendel عدة تجارب في حديقة الدير حيث يقيم، لاستنبات حبوب البازلاء بكميات كبيرة. وأحصى عدد النباتات ذات الزهور متعددة الألوان، أو النباتات التي تحتوي على حبات بازلاء مجعدة وتلك المحتوية على حبّات ناعمة الملمس، حسب أجيالها. ولم يكن مندل قد رأى جينا أو لمسه من قبل. كان كلُّ ما رآه هو حبات البازلاء والأزهار، وأمكنه استخدام عينيه ليعُدَّ الأنواع المختلفة منها. واخترع نموذجا، يشتمل على ما نسميه الآن جينات رغم أن مندل لم يُطلق عليها هذا الاسم ـ واستنتج أنه، في حال صحة هذا النموذج، في تجربة استنبات معينة، يتعين وجود حبيبات ناعمة يبلغ عددها ثلاثة أمثال الحبوب المجعدة. وكان ذلك هو ما وجده حين أحصى الحبيبات. وإذا ما نحّينا التفاصيل جانبًا، فالأمر الأساسي أن «جينات» مندل كانت اختراعًا من خياله، لم يكن بمقدوره رؤيتها بعينيه، ولا حتى باستخدام ميكروسكوب. لكنه استطاع رؤية حبيبات بازلاء ناعمة وأخرى مجعدة، وفي أثناء إحصائها وجد دلائل غير مباشِرة على أن نموذجه عن الوراثة كان تمثيلا جيدا لشيء ما في دنيا الواقع. واستخدم العلماء في ما بعد تعديلا لطريقة مندل، يصلح مع الكائنات الحية الأخرى مثل ذبابة الفاكهة بدلا من حبوب البازلاء، لبيان أن الجينات تتوزع في ترتيب محدد، على طول خيوط تسمى الكروموسومات _ لدينا نحن بني الإنسان 46 كروموسوما، ولدى ذبابة الفاكهة ثمانية ـ حتى إنه بات من المتاح، عن طريق فحص النماذج، استنتاج الترتيب الدقيق الذي تتوزع به الجينات على طول الكروموسومات. ولقد جرى كل هذا قبل أن نعرف أن الجينات مصنوعة من الـ DNA.
في أيامنا هذه، نعرف هذا، ونعلم تماما كيف تعمل الـ DNA، بفضل جيمس واطسون James Watson وفرنسيس كريك Francis Crick، إضافة إلى عدد كبير من العلماء الآخرين الذين جاءوا بعدهما. ومرة أخرى لم يستطع واطسون وكريك رؤية الـ DNA بالعين المجردة، وصنعا اكتشافاتهما عبر تخيُّل النماذج واختبارها. وفي حالتيهما، قاما حرفيًّا ببناء نماذج من المعدن والكرتون لما يمكن أن يشبه الـ DNA، وأجريا حسابات لما ينبغي أن تكون عليه قياسات معينة إذا كانت تلك النماذج صحيحة. وجاءت تنبؤاتهما لأحد النماذج، المسمى الحلزون المزدوج، مطابقة تمامًا لقياسات قامت بها روزالين فرانكلين Rosalind Franklin وموريس ويلكنز Maurice Wilkins، باستخدام أدوات خاصة تشتمل على الأشعة السينية الموجهة إلى بلّورات الدي إن آي المصفّاة.
وتأكد واطسون وكريك في الحال من أن نموذجهما عن تركيب الـ DNA سوف يسفر تمامًا عن نوع النتائج التي شاهدها جريجور مندل في حديقة الدير.
لقد توصلنا إلى معرفة ما هو واقع، حينئذ، بواحدة من ثلاث طرق. ونستطيع اختبار إحداها مباشرة، باستخدام حواسنا الخمس؛ أو على نحو غير مباشر باستخدام حواسنا المدعومة بأجهزة معينة مثل الميكروسكوبات والتليسكوبات، أو حتى بشكل غير مباشر أكثر من هذا، بخلق نماذج لما ينبغي أن يكون واقعًا، ومن ثم اختبار تلك النماذج لنرى ما إذا كانت تنجح في التنبؤ بالأشياء التي نستطيع أن نراها (أو نسمعها أو... ). بمساعدة الأجهزة أو من دونها. في النهاية، دائما ما يعود الأمر إلى حواسنا، بطريقة أو بأخرى.
هل يعني هذا أن الواقع يحتوي فقط على أشياء قابلة للاختبار، على نحو مباشر أو غير مباشر، بحواسنا أو من خلال طرائق العلم؟ وماذا عن أشياء أخرى من نوع الغيرة والبهجة، السعادة والحب؟ أليست كلُّها أيضا من الواقع؟
أجل، إنها واقع. لكنها تعتمد في وجودها على العقول: العقول البشرية، بالتأكيد، ومن المحتمل عقول الأنواع الأخرى من الحيوانات المتطورة، مثل الشمبانزي، الكلاب والحيتان أيضا. ولا تشعر الصخور بالبهجة أو الغيرة، والجبال لا تحب. فهذه المشاعر واقع مكثف لهؤلاء الذين تتبدى لديهم، لكنها لا توجد قبل وجود العقول. ومن المحتمل أن مشاعر كهذه، وربما مشاعر أخرى، نستطيع الشروع في الحلم بها، على كواكب أخرى، فقط لو كانت تلك الكواكب تحتوي على عقول أو شيء ما مكافئ للعقول؛ (من يعلم؟)! فلربما كانت هناك آلات غير تقليدية للتفكير أو المشاعر، قد تسللت إلى موضع آخر في الكون.

Page 3

العلم والخوارق.. التفسير ونقيضه

إذن ذلك هو الواقع، وتلك هي الكيفية التي نعلم بها إذا كان شيء ما يمثل واقعًا أم لا. وكل فصل من هذا الكتاب سيدور حول وجه معين من وجوه الواقع، على سبيل المثال، الشمس أو الزلازل، أو أقواس قزح، أو الأنواع المختلفة المتعددة من الحيوانات.
والآن أريد أن أنتقل إلى الكلمة الأساسية الأخرى في عنوان هذا الكتاب: السحر. والسحر كلمة مراوغة: يشيع استخدامها بثلاث طرق مختلفة، وأول ما يجب عليّ عمله هو التمييز بينها. وسوف أُطلق على الطريقة الأولى «السحر الخارق»، والثانية «سحر العرض المسرحي»، والثالثة (التي هي المعنى المفضّل لدي، والتي أقصدها في عنوان هذا الكتاب) «السحر الشاعري».
السحر الخارق؛ هو نوع من السحر نجده في روايات الأساطير والجان. (وفي «المعجزات» أيضا، على الرغم من أنني سأنحّيها جانبا الآن ثم أعود إليها في الفصل الأخير). إن سحر مصباح علاء الدين، وتعويذات المشعوذ، والأخوة جريم Brothers Grimm، وهانز كريستيان أندرسن Hans Christian Andersen ، وجي. كي. رولنج J.K. Rowling هو السحر الخيالي لساحرة تتمتم بتعاويذ وتحوِّل أميرًا إلى ضفدع، أو لساحرة طيبة من الجان تحوِّل ثمرة قرع العسل إلى عربة وضاءة تجرها الخيول. هذه هي الحكايات التي نتذكرها جميعا بحنين من طفولتنا، ولا يزال الكثيرون منّا يستمتعون بها عند تقديمها في عرض تمثيلي صامت في أعياد الكريسماس التقليدية، بيد أننا جميعا نعلم أن هذا النوع من السحر مجرد خيال لا صلة له بالواقع.
في المقابل، فإن سحر العرض المسرحي يحدث حقيقة، وبإمكانه أن يشيع الكثير من البهجة. أو على الأقل، هو شيء يحدث في الواقع، رغم أنه ليس الشيء الذي يفكر فيه المشاهدون. رجل يعتلي خشبة مسرح -عادة ما يكون رجلا، لسبب ما- يخدعنا بالتفكير في أن شيئا مثيرا للدهشة تجري أحداثه ـ بل ربما يبدو خارقًا للمعتاد ـ بينما ما حدث في الواقع كان مختلفًا تمامًا. فلا يمكن للمناديل الحريرية أن تتحول إلى أرانب، والضفادع إلى أمراء، فما نراه على خشبة المسرح مجرد نوع من الخداع. إن عيوننا تخدعنا، أو بالأحرى، يبذل الساحر جهدًا كبيرًا ليخدع عيوننا، ربما كانت مهارته في استخدام الكلمات تتيح له إبعادنا عما يفعله في الواقع بيديه.
بعض من يستحضرون الأرواح يتسمون بالأمانة ويخرجون عن مسارهم ليؤكدوا أن مشاهديهم يدركون أن ما يفعلونه ببساطة مجرد خداع. وأنا هنا أفكر في أناس مثل جيمس راندي «العجيب»، أو بن Penn وتِلر Teller، أو ديرين براون Derren Brown وحتى رغم أن هؤلاء السحرة الذين يحوزون الإعجاب عادة ما لا يقولون للمشاهدين بالضبط كيفية أدائهم للخدعة ـ يمكن استبعادهم من دائرة السحر(*) (نادي العاملين بتحضير الأرواح) إذا ما فعلوا ذلك ـ فهم يؤكدون أن المشاهدين يعلمون أنه لا يوجد سحر خارق متَضمَّن. وثمة آخرون لا يعلنون بوضوح بأنها كانت مجرد خدع؟ غير أنهم لا يطلقون ادعاءات مبالغاً فيها حول ما يفعلون أيضا، على الأرجح هم فقط يتركون الجمهور أسيرا لأحاسيس مبهجة بأن شيئا يكتنفه الغموض يحدث، من دون أكاذيب صريحة حوله. لكن لسوء الحظ هناك بعض محضِّري الأرواح المحتالين، يتظاهرون بأنهم يمتلكون قوى «خارقة للعادة» أو «يتعذر تعليلها»؛ ربما يزعمون أن باستطاعتهم فعليّا ثني المعادن أو تعطيل الساعات عن طريق قوة التفكير فقط. وبعض هؤلاء المحتالين الدجالين («المشعوذين» هي الكلمة المناسبة لتوصيفهم) يتحصّلون على أجور عالية من شركات التعدين أو البترول من خلال ادّعاء قدرتهم على استخدام قوى استشرافية في الإبلاغ عن الموضع الملائم لأعمال الحفر. ويستغل مخادعون آخرون من يعانون من الحزن، إذ يدّعون القدرة على الاتصال بموتاهم. وما إن يحدث ذلك سرعان ما يصبح مادة للفكاهة والتسلية، لكن باستغلال سذاجة الناس وآلامهم. ومن باب الإنصاف، ليسوا كلهم مخادعين، ربما يعتقد بعضهم بحق أنهم يتحدثون إلى الموتى.
المعنى الثالث للسحر هو ما أعنيه في عنوان كتابي هذا: السحر الشاعري. إذ تنساب دموعنا مع قطعة موسيقية جميلة ونصِفُ طريقة عزفها بأنها «عزفٌ ساحرٌ». ونحدّق في النجوم في ليلة مظلمة غاب فيها القمر أو أنوار المدينة، نقول إن المشهد «سحرٌ خالصٌ» ونحن مقطوعو الأنفاس من البهجة. ولعلنا نستخدم الكلمة ذاتها لنصِفَ غروب شمس بديع، أو منظرا طبيعيا لجبال شاهقة، أو قوس قزح في مواجهة سماء داكنة. بهذا المعنى، تعني كلمة «ساحر» ببساطة التحرك العميق، الانتعاش: شيء ما يمنحنا قشعريرة، شيء ما يجعلنا نشعر أننا أحياء على نحو أكثر عمقا. يحدوني أمل أن أوضح لك في هذا الكتاب أن الواقع ـ حقائق العالم الفعلية التي يمكن فهمها بالوسائل العلمية ـ ساحر بهذا الحس الثالث، الحس الشاعري، المناسب لكي يصبح الحس الحي.
الآن أريد العودة إلى فكرة العمل الخارق وأوضّح لماذا لا يمكن أبدا أن تقدم لنا معنىً حقيقيا للأشياء التي نراها في الدنيا والكون من حولنا. حقا، إن الزعم بوجود تفسير خارق لشيء ما لا يمكن أن يطرح تعليلا له على الإطلاق، والأسوأ من هذا، استبعاد أي احتمال لإمكانية تفسيره بشكل نهائي. لماذا أقول ذلك؟ لأن أي شيء «خارق» يجب بالتعريف أن يكون بعيدا عن الوصول إليه من خلال تفسير طبيعي، بل يجب أن يكون بمنأى عن العلم. وعما ترسّخ، في المعرفة وجُرِّب، وفُحِص علميا من وسائل أضحت مسؤولة عن التطورات الهائلة التي نتمتع بها على مدى الـ 400 عام الأخيرة تقريبا. والقول؛ إن شيئا ما خارقا يحدث ليس كالقول: «نحن لا نفهمه» لكنه يشبه القول: «نحن لن نفهمه قط، لذلك لا يجب عليك حتى المحاولة».
غير أن العلم يتخذ النهج المضاد على وجه الدقة. ويتقدم العلم بثبات، يدفعه إلى ذلك عجزه ـ حتى الآن ـ عن تفسير كل شيء، ويستخدم ذلك كدافع لنواصل طرح الأسئلة، بخلق نماذج محتملة واختبارها، حتى نتمكن من شق طريقنا، خطوة خطوة، لنكون أقرب إلى الحقيقة. وإذا ما حدث أن شيئًا ما جاء مضادا لفهمنا الحالي للواقع، فسيراه العلماء نوعًا من التحدي لنموذجنا الراهن، يتطلب منا أن نهجره أو على الأقل نغيّره. ومن خلال مثل هذه العمليات التكييفية والاختبارات التالية نقترب أكثر فأكثر مما هو حقيقي.

Page 4

ما رأيك في محقق شرطة استغرب من جريمة قتل، وكان على درجة من الكسل حتى من محاولة العمل على حل المشكلة وبدلا من ذلك قلّل من غموض الواقعة وسجلها باعتبارها «عملا خارقا»؟ يبيّن لنا التاريخ الإجمالي للعلم أنه إذا ما خضعت الأشياء لفكرة أنها نتيجة للخوارق ـ تتسبب فيها الآلهة (سواء السعيدة أو الغاضبة)، الشياطين، الساحرات، الأرواح، اللعنات والتعاويذ ـ بالفعل من غير التفسيرات الطبيعية لم نكن لنستطيع فهمها واختبارها والوثوق فيها. لا يوجد سبب على الإطلاق للاعتقاد بأننا سنكتشف أصلا خارقًا للمألوف في تلك الأشياء التي لم يتوصل العلم حتى الآن لتفسيرات طبيعية لها، وليس هناك ما يعادل البراكين أو الزلازل أو الأمراض إذ يعزْوها إلى الآلهة الغاضبة، كما كان الناس يعتقدون في الماضي.
بطبيعة الحال، لا أحد يعتقد حقا بأنه من المحتمل تحويل ضفدع إلى أمير (أم هل كان أميراً ثم انقلب إلى ضفدع؟ أنا لا أتذكر) أو تحويل ثمرة قرع العسل إلى عربة تجرّها الجياد، هل حدث لك قط أن توقفت عن اعتبار سبب أشياء كهذه أمرا مستحيلا؟ ثمة وسائل عديدة لتعليل ذلك. وفيما يلي التفسير الذي أفضّله.
الضفادع والعربات التي تجرها جياد أشياء معقدة، فيها أجزاء كثيرة تحتاج طرقًا معينة لتركيبها معًا، في نموذج خاص لا يمكن له أن يحدث بالمصادفة (أو عن طريق حركة موحية من عصا ساحر). ذلك هو ما تعنيه كلمة «معقدة». فمن الصعوبة بمكان عمل شيء معقد مثل ضفدع أو عربة تجرها جياد. ولصناعة عربة نحتاج إلى تركيب كل الأجزاء معا بالطريقة الملائمة تماما. نحتاج لمهارة نجّار وغيره من الصُنّاع المَهَرة. ولا تتكون العربات بمحض المصادفة أو بفرقعة أصابعك قائلا: «أبرا كادابرا». فللعربة بناء، تعقيد، أجزاء للتشغيل: عجلات ومحاور، نوافذ وأبواب، ومقاعد ذات وسائد.
سيكون من اليسير نسبيّا تحويل شيء معقَّد مثل عربة إلى شيء آخر بسيط مثل رماد، مثلا: عصا ساحرة طيبة من الجان تحتاج فقط لموقد لحام مركَّب بداخلها. فمن اليسير غالبا تحويل أي شيء إلى رماد. لكن لا يستطيع أي شخص أن يأخذ كومة من الرماد ـ أو ثمرة قرع العسل ـ ويحوِّلها إلى عربة، لأن العربة على درجة عالية من التعقيد، وليست معقدة فقط، بل إنها معقدة في اتجاه الاستخدام المفيد، في هذه الحالة تصبح مفيدة كي يستخدمها الناس في السفر.
دعونا نيسِّر الأمر قليلا على ساحرة طيبة من الجان بافتراض أنه بدلا من النداء على ثمرة قرع العسل ستنادي على جميع الأجزاء اللازمة لتجميع عربة، كلِّها مختلطة معاً في صندوق: كأنها نوع من عدة أيكيا(**) لعربة. تتكون العدة اللازمة لتصنيع عربة من مئات القطع الخشبية، ألواح زجاج، قضبان وسيقان حديدية، حشوات التبطين وقطع من الجلد، بالإضافة إلى مسامير عادية، وبراغي وزجاجات غراء للصق الأجزاء معا.
والآن لنفرض أنه، بدلا من قراءة التعليمات وتوصيل الأجزاء بتتابع منتظم، وضعت كل القطع في حقيبة كبيرة هائلة الحجم وقامت برجّها. ما فرص التصاق الأجزاء ببعضها بعضًا على نحو مناسب لتجميع عربة قادرة على العمل؟ الإجابة هي صفر بالتأكيد. ومن ضمن أسباب ذلك العدد الكبير للوسائل المحتملة التي يمكنك بها تجميع خليط من القطع والأجزاء الذي لن يسفر عن عربة قادرة على العمل، أو أي شيء يعمل.
إذا أنت أخذت بعض الأجزاء وقمت برجّها عشوائيا، قد يتصادف أن تسفر عن شكل مفيد، أو قد تتعرف منها على شيء ما خاص. لكن عدد احتمالات حدوث هذا ضئيل، إنّه حقا ضئيل جدًّا مقابل عدد احتمالات تشكّل نموذج لا نتعرف فيه على أي شيء أكثر من كونه كومةَ مخلفّات. ثمة ملايين من طرق خلط وإعادة الخلط لكومة من القطع والأجزاء: ملايين الطرق لتحويلها إلى كومة أخرى من القطع والأجزاء. وفي كل مرة تخلطها، تحصل على كومة وحيدة من النفايات لم تسبق مشاهدتها قط، لكن فقط أقلية ضئيلة من تلك الملايين من الأكوام المحتملة ستشكل شيئا ما مفيدا (مثل أن تأخذك إلى هدفك) أو ستكون مميزة أو شيء له قيمة بأية حال.
أحيانا نستطيع حرفيا إحصاء عدد الطرق التي تتيح لنا خلط سلسلة من القطع ـ كما في حال مجموعة من أوراق اللعب (الكوتشينة)، مثلا، بحيث تكون «القطع» هي أوراق كلَّ فرد (لاعب).
لنفترض أن الموزع خلط الأوراق ووزّعها على أربعة لاعبين، بحيث يحصل كل لاعب على 13 ورقة. قمت بترتيب ما في يدي وتنفست بصعوبة. مندهشاً. لديّ 13 ورقة بستوني! كلُّ أوراق البستوني.
شدة المفاجأة تعوّقني عن الاستمرار في اللعب، وأعرض ما بيدي على اللاعبين الثلاثة الآخرين، وأنا أُدرك أنهم سيشاطرونني نفس القدر من الدهشة.
لكن حينئذ، مرة بعد أخرى، يضع كل واحد من اللاعبين الآخرين، أوراقه على الطاولة وتتتابع صيحات الدهشة من كلٍّ منهم. لدى كلُّ واحد مجموعة «كاملة» في يده: أحدهم لديه 13 ورقة قلب أحمر، وآخر 13 ورقة ديناري، والأخير 13 ورقة سباتي.
هل هذا يُعدُّ سحرا خارقا للعادة؟ قد نقع في غواية هذا التفكير. يستطيع المتخصصون في الرياضيات حساب فرص مثل هذا التوزيع الاستثنائي الذي قد يحدث بالمصادفة البحتة. ويتضح أنها إمكانية ضئيلة شبه مستحيلة تصل إلى 1 لكل 53,644,737,765,488,792,839,273,440.000 حالة. فإذا جلست لتلعب الورق طوال تريليون سنة (ألف ألف مليون)، لا تكون لديك إلا فرصة واحدة لتصل إلى توزيع تام على هذا النحو. لكن ـ وهنا المسألة ـ هذا التوزيع لن يكون أكثر احتمالا من أي توزيع آخر للأوراق يمكن حدوثه على الإطلاق! حيث لا تكون لدينا سوى فرصة واحدة لأي توزيع آخر لعدد 52 ورقة من بين الرقم المهول السابق، نظرا لأن هذا هو العدد الإجمالي لكل التوزيعات المحتملة. وذلك فقط لأننا لا نلاحظ أي شكل خاص في الأغلبية الساحقة للتوزيعات التي تتم، لذلك فإنها لا تصدمنا مثل أي أمر آخر خارج عن المعتاد. نحن فقط نلاحظ التوزيعات التي تأتي مميزة على نحو ما.
هناك بلايين الأشياء التي يمكنك تحويل أمير إليها، إذا كنت على قدر من الوحشية بما يكفي لإعادة ترتيب أجزائه إلى بلايين التوافقات عشوائيّا. غير أن معظم تلك التوافقات ستبدو كأنها نوع من الفوضى، مثل تلك البلايين عديمة المعنى العشوائية لأوراق اللعب في اليد التي تمّ توزيعها. فقط عدد ضئيل من تلك التوافقات المحتملة من أجزاء أمير مختلطة عشوائيّا قد تغدو مميزة أو مناسبة لأي شيء على الإطلاق، باستثناء أن تكون ضفدعاً.
الأمراء لا يتحوّلون إلى ضفادع، ولا ثمار قرع العسل تتحوّل إلى عربات تجرّها خيول، لأن العربات والضفادع أشياء معقدة يمكن لأجزائها أن تتوافق غالبًا لعدد لا نهائي من أكوام النفايات. وما نعلمه حتى الآن، باعتباره حقيقة، أن كل ما هو حي ـ كل إنسان، كل تمساح، كل شحرور، كل شجرة وحتى كل كرنب بروكسل Brussels Sprout(***) قد يتطور من أشياء أخرى، أساسا من أشكال أبسط. وبالتالي أليس ذلك مجرد نوع من المصادفة، أو نوعًا من السحر؟ كلّا! ليس كذلك على الإطلاق! هذا سوء فهم شائع للغاية، لذلك أريد أن أوضح من الآن فصاعدا أن ما نراه في الحقيقة ليس نتيجة للمصادفة أو الحظ أو أيًّ من أعمال «السحر» التي تتم عن بعْد (فيما عدا، بطبيعة الحال، الحس الشاعري المرهف لشيء ما يملؤنا بالرهبة أو البهجة).

Page 5

السحر البطيء في التطوّر

لتحويل كائن عضوي معقَّد إلى كائن عضوي معقَّد آخر في خطوة واحدة ـ كما في حكاية خرافية ـ سيكون حقًّا عملا خارجًا عن عالم الاحتمال الواقعي. وحتى الآن توجد الكائنات العضوية المعقدة. وبالتالي كيف ظهرت للوجود؟ كيف، في الواقع، جاءت للوجود الأشياء المعقدة مثل الضفادع والأُسود، قرود البابون وأشجار تين البنغال، الأمراء وثمار قرع العسل، أنت وأنا؟
في أغلب فترات التاريخ كان ذلك سؤالا محيّراً، لم يستطع أحد الإجابة عنه بشكل مناسب. لذلك اخترع الناس قصصا لمحاولة تفسيره، لكن تمّت الإجابة عن السؤال ـ وبوضوح ـ في القرن التاسع عشر، على يد واحد من أعظم العلماء الذين عاشوا بيننا، وهو تشارلز داروين ـ Charles Darwin. وسوف أستغل بقية هذا الفصل لشرح إجابته، باختصار، وبكلمات مختلفة عن كلماته.
تقول الإجابة: إن الكائنات العضوية المعقدة ـ مثل الإنسان، والتماسيح وكرنب بروكسل ـ لم تنشأ فجأة، كسقطة مفاجئة سريعة، لكن تدريجيًّا، خطوةً ضئيلةً فخطوة ضئيلة، حتى إنّ ما تكوّن بعد كل خطوة لم يكن سوى شكل يختلف قليلا جدًّا عما كان موجودا قبله بالفعل. لتتخيل أنك كنت تريد خلق ضفادع طويلة الأرجل. تستطيع أن تتيح لنفسك بداية مناسبة بالشروع في شيء ما مشابه قليلا لما أردت أن تحققه: ضفادع قصيرة الأرجل، مثلا. قد تتأمل الضفادع قصيرة الأرجل لديك وتقيس أرجلها. وقد تلتقط عددًا قليلا من الذكور وبعض الإناث التي لها أرجل أطول بعض الشيء مقارنة بأغلبيتها، وقد تتركها تتكاثر معا، في حين تمنع الأنواع قصيرة الأرجل من التكاثر نهائيًّا.
ربما ينجم عن ذكور وإناث الضفادع ذات الأرجل الأطول أفراخ، وهذه سوف تنمّي في النهاية أرجل وتصبح ضفادع. بعد ذلك تقوم بقياس هذا الجيل الجديد من الضفادع، ومرة أخرى تأخذ الذكور والإناث التي أصبح لها أرجل أطول مقارنة بمتوسط الأطوال، وتضعها معا لتتكاثر.
بعد مواصلة هذه العملية لنحو عشرة أجيال، قد تبدأ في ملاحظة شيء ما مثير للاهتمام. سيكون متوسط طول الأرجل لمجموعتك من الضفادع الآن أكثر طولا بوضوح مقارنة بمتوسط الطول لدى مجموعة البداية. وربما تجد أن كلَّ الضفادع من الجيل العاشر لها أرجل أكثر طولا من أي ضفدع من الجيل الأول. أو قد تكون عشرة أجيال غير كافية لتحقيق هذا: لربما تحتاج أن تستمر لعشرين جيلا أو أكثر. ولكن في النهاية تستطيع أن تقول متباهيًا: «لقد صنعت نوعًا جديدًا من الضفادع له أرجل أطول من النوع القديم».
لم تكن ثمة حاجة إلى صولجان ساحر. ولم يكن مطلوبًا أيَّ نوع من السحر. ما لدينا هنا هو عملية تُسمى التكاثر الانتقائي. وهي تستفيد من حقيقة أن الضفادع تختلف في ما بينها، وتلك الاختلافات تنحو نحو التوريث، بمعنى، تمر من الأب إلى الابن عبر الجينات. ببساطة من خلال اختيار الضفادع التي تتكاثر والتي تُمنع من التكاثر، نستطيع عمل نوع جديد من الضفادع. عملية بسيطة، أليس كذلك؟
غير أن مجرد عمل أرجل أطول ليس أمرًا بالغ الإثارة. ومع هذا، لقد بدأنا بالضفادع، كانت مجرد ضفادع بأرجل قصيرة. افترض أنك بدأت، ليس بنوع من الضفادع قصيرة الأرجل، لكن بشيء ما ليس ضفادع على الإطلاق، مثلا شيء آخر مثل سمندل الماء. حيوانات السمندل هذه لها أرجل قصيرة للغاية مقارنة بأرجل الضفادع (مقارنة بالأرجل الخلفية للضفادع، على الأقل)، تستخدمها للسير وليس للقفز. كما أن للسمندل ذيلا طويلا، بينما ليس للضفدع ذيل على الإطلاق، وحيوانات السمندل في مجموعها أكثر طولا وأقلّ عرضًا من معظم الضفادع. لكنك تستطيع أن ترى، بافتراض آلاف الأجيال بما هو كافٍ، أن بمقدورك تحويل مجموعة من حيوانات السمندل إلى مجموعة من الضفادع، ببساطة عن طريق الاختيار الصبور، في كل تلك الملايين من الأجيال، ذكر وأنثى السمندل الأكثر شبهًا بالضفدع وتتركها لتتكاثر معًا، بينما تعوق الأنواع الأقل شبهًا بالضفدع من التكاثر. عند مرحلة غير معلومة أثناء العملية هل سترى أيَّ تغيير درامي؟ كل جيل سوف يبدو شبيهًا لحد كبير بالجيل السابق، لكن مع ذلك، بعد عدد كافٍ من الأجيال، ستبدأ في ملاحظة أن الذيل الطويل بات أقصر قليلا ومتوسط طول الساقين المتماثلين أكبر قليلا. وبعد عدد كبير جدًّا من الأجيال، ستجد أن من السهل على الأفراد ذوي الأرجل الأطول والذيول الأقصر استخدام أرجلهم الطويلة في الوثب بدلا من الزحف، وهكذا.

Page 6

بطبيعة الحال، في هذا السيناريو الذي عرضته للتوّ، نتخيل أنفسنا نمارس دور مربّى السنادل، نلتقط الذكور والإناث التي نريد أن نزوِّجها معا من أجل تحقيق نتيجة نهائية لما اخترناه. ويطبق المزارعون هذه التقنية منذ آلاف السنين، لإنتاج ماشية ومحاصيل تعطي غلة أغزر أو أكثر قدرة على مقاومة الأمراض، وهلم جرّا. وكان داروين أول شخص يفهم أن هذا هو ما يحدث حتى لو لم يكن هناك مرَبٍّ يقوم بعملية الاختيار. ورأى داروين أن الأمر كله يحدث بشكل طبيعي، في واقع الأمر، لسبب بسيط هو أن بعض الأفراد يقضون حياة أطول بما يكفي للتوالد بينما لا يتمكن آخرون من ذلك؛ وأن من يستمرون أحياء يحدث لهم ذلك لأنهم أكثر استعدادًا من آخرين. لذلك يرث أبناء الأحياء الجينات التي ساعدت آباءهم على الحياة. سواء كانوا من سمندل الماء أم الضفادع، من حيوانات القنفذ أو نبات الهندباء، دائما سيكون هناك بعض الأفراد يعيشون على نحو أفضل من الآخرين. وإذا حدث وأصبحت الأرجل الطويلة مفيدة (للضفادع أو الجراد لتقفز بعيدا عن الأخطار، مثلا، أو للفهود الصيّادة للغزلان، أو للغزلان لتساعدها على الهرب من الفهود الصيّادة)، فإن الأفراد ذوي الأرجل الطويلة ستقل لديهم احتمالات تعرّضهم للموت. سيكون الاحتمال الأعلى بالنسبة لهم أن يعيشوا زمنا كافيًا للتكاثر. أيضا، كلما زاد عدد الأفراد المتاح لهم التزاوج معًا أصبحت أرجلهم أكثر طولا. وبناء عليه، في كل جيل ستزداد فرص وجود جينات الأرجل الأطول لكونها تنتقل إلى الجيل التالي. وبمرور الوقت سنجد أفرادًا أكثر فأكثر ضمن هذه المجموعة لديها جينات لأرجل أكثر طولا. ومن ثم سيكون التأثير مماثلا تمامًا كما لو أن مصممًا ذكيًّا مثل إنسان يتولى التربية، يقوم باختيار الأفراد طويلي الأرجل للتكاثر ـ فيما عدا أن مثل هذا المرَبّي لا يكون مطلوبا: فكل شيء يحدث طبيعيًّا، يحدث من داخله مثل التتابع الآلي الذي يحيا الأفراد من خلاله بما يكفي للتناسل، أو لا يحدث. ولهذا السبب، تُسمى العملية: الاختيار الطبيعي.
بافتراض انقضاء أجيال كافية، يمكن للأسلاف التي تشبه سمندل الماء أن تتغير إلى سلالات تشبه الضفادع. وبافتراض وجود أجيال أكثر، يمكن للأسلاف التي تشبه السمك أن تتغير إلى سلالات تشبه القردة. وبافتراض مرور أجيال أخرى بما يكفي فإن الأسلاف التي تشبه البكتيريا يمكن أن تتغير إلى سلالات تشبه الإنسان. وذلك بالضبط هو ما حدث. هذا ما حدث في تاريخ كل حيوان ونبات استمر على قيد الحياة. وعدد الأجيال اللازمة أكبر مما أستطيع أنا أو أنت أن نتخيل احتماله، لكن العالم يعود تاريخه إلى ملايين السنين، ومن خلال بعض الحفريات نزعم أن الحياة بدأت قبل أكثر من ثلاثة بلايين ونصف البليون سنة، لذلك كان هناك زمن هائل يتيح حدوث التطور.
هذه فكرة داروين العظيمة، وتسمى التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي. وهي واحدة من الأفكار الأكثر أهمية التي طرأت على المخ البشري. فهي تشرح كل ما نعرفه عن الحياة على كوكب الأرض. ولأنها بالغة الأهمية، سأعود إليها في فصول تالية. أما الآن، فيكفي أن نفهم أن التطور بطيء وتدريجي على نحو بالغ. وفي واقع الأمر، إن تدرّج عملية التطور هو الذي أتاح له عمل الأشياء المعقدة مثل الضفادع والأمراء. والتغير عن طريق أعمال السحر من ضفدع إلى أمير لن يكون تدريجيًّا بل مفاجئًا، وهذا السحر هو ما يتحكم في أشياء كهذه خارج عالم الواقع. التطور تفسير حقيقي، يحدث حقًّا ويمتلك دلائل صحيحة لتفسير حقيقته؛ فكل شيء يقترح أن أشكال الحياة المعقدة ظهرت في اتجاه واحد (بدلا من التطور التدريجي خطوة خطوة)، هو مجرد قصة كسول ـ ليست أفضل من السحر الخيالي لعصا ساحرة من الجان.
وبالنسبة لثمار قرع العسل التي تتحول إلى عربات تجرها جياد، فإن التعاويذ السحرية هي بالتأكيد أعمال خارقة شأنها شأن الضفادع والأمراء. فالعربات لا تتطور ـ أو على الأقل، ليس تطورا طبيعيًّا، بالطريقة ذاتها التي تحدث للضفادع والأمراء. لكن العربات ـ ومعها الطائرات والفئوس، أجهزة الكمبيوتر ورؤوس السهام الصلبة ـ كلُّها مصنوعة بيد الإنسان الذي طوّرها. وقد تطورت العقول والأيدي البشرية عن طريق الاختيار الطبيعي على نحو مؤكد كما حدث لذيول السمندل وأرجل الضفادع. وأصبحت عقول البشر، بمجرد تطورها، قادرة على تصميم وخلق العربات والسيارات، المقصات والسيمفونيات، ماكينات الغسيل والساعات. ومرة أخرى، لا وجود لسحر. ومرة أخرى، لا وجود لخدعة. ومرة أخرى، يخضع كل شيء ببساطة للتفسير.
فيما يلي من هذا الكتاب، أريد أن أبيّن لك أن العالم الحقيقي، طبقا للفهم العلمي، يمتلك سحرا نابعا من داخله ـ هذا الذي أسميه السحر الشاعري: الجمال الملهم (بكسر الهاء) الذي هو كله سحر متزايد نظرًا لأنه سحر حقيقي ونستطيع أن نفهم كيفية عمله. فبجانب الجمال والسحر الحقيقيين للعالم الواقعي، إن التعاويذ الخارقة والخدع المؤداة في العروض تبدو رخيصة ومبتذلة بالمقارنة.
إن سحر الواقع ليس من الخوارق أو الخدع ـ ببساطة تمامًا ـ إنه مدهش، مدهش وحقيقي. مدهش لأنه حقيقي.

Page 7

الفصل الثاني

من كان الإنسان الأول؟

معظم فصول هذا الكتاب معنونة بسؤال. وهدفي من كلٍّ منها الإجابة عن السؤال، أو على الأقل تقديم أفضل إجابة يمكن اعتبارها إجابة العلم. لكنني عادة ما سأبدأ ببعض الإجابات الأسطورية ذلك لأنها مفعمة بالحيوية ومثيرة للاهتمام، ويؤمن بها كثير من الناس. ولا يزال البعض على إيمانه بها.
جميع الشعوب حول العالم لديها أساطير أصلية (أي أسطورة أولى لنشوء هذا الشعب)، لتفسر من أين جاؤوا. وتتحدث كثير من الأساطير ذات الأصول القبلية فقط عن قبيلة معينة وحيدة ـ على الرغم من أن القبائل الأخرى لا ترى لهذا التفسير اعتبارًا لديها! وبالطريقة نفسها، لدى كثير من القبائل قناعة بأنه لا ينبغي لهم قتل الناس ـ لكن يتبين أن تعبير «الناس» المقصود به قبيلتك أنت فقط، إذ إنّ قتل أفراد من قبائل أخرى عمل رائع!
وهناك أسطورة نمطية، عن أناس بدائيين من تسمانيا(****) حيث لقي إله اسمه مويني Moinee الهزيمة على يد إله منافس اسمه درومردينر Dromerdeener في معركة رهيبة جرت عاليًا في النجوم. هرب مويني من النجوم لينزل إلى تسمانيا ويموت. وقبل موته، أراد أن يمنح بركاته لموضع رقدته الأخيرة، لذلك قرر أن يخلق البشر. لكنه كان متعجلا، بسبب معرفته بأنه يموت حتى أنه نسيَ أن يعطي ركبة لكل إنسان؛ وقدَّم لهم (مما لا شك فيه كان مشتتًا بسبب ورطته) وهو غائب العقل ذيولا هائلة مثل الكنغر، ما يعني أنهم لن يستطيعوا الجلوس على الأرض. ثم فارق الحياة. وكره الناس أن يكون لهم ذيول الكنغر وعدم وجود الركب، وانتحبوا للسماء طلبًا للمساعدة.
بيد أن درومردينر الجبّار، الذي كان لا يزال يزأر حول السماء في موكب انتصاره، سمع بكاءهم وهبط إلى تسمانيا لينظر في أمرهم. وأخذته الشفقة بالناس، ومنحهم ركبا قابلة للثني وقطع ما لديهم من ذيول الكنغر غير المناسبة حتى يتمكنوا جميعا من الجلوس في النهاية؛ وعاشوا في سعادة من بعدها.
دائما ما نلتقي بنسخ مختلفة من الأسطورة نفسها تقريبًا. وذلك ليس مثيرًا للدهشة، لأن الناس دائما ما يبدّلون في التفاصيل وهم يروون الحكايات حول النار أمام الخيام، لذلك تنحرف النسخ المحلية للقصص قليلا. وفي رواية مختلفة لهذه الأسطورة التسمانية، خلق مويني الإنسان الأول، المسمى بارليفار Parlevar، عاليا في السماء. لم يكن بارليفار يستطيع الجلوس بسبب ذيله الذي كان يشبه ذيل الكنغر وركبتيه اللتين لا تنثنيان. وكما في السابق، جاء درومردينر، إله النجم المنافس لنجدته. ومنح بارليفار ركبتين مناسبتين وقطع ذيله، وطبب الجرح بالدهن. حينئذ هبط بارليفار إلى تسمانيا سائرا على طول طريق السماء (درب التبانة).
لدى قبائل اليهود في الشرق الأوسط إله واحد فقط، ويعتبرونه الأعلى بين آلهة القبائل المنافسة. وله أسماء متعددة، ومن غير المسموح لهم نطق اسم منها. وقد صنَعَ الرجل الأول من التراب وسمَّاه آدم (الذي يعني «الرجل» فقط). وجعل آدم على مثاله حرفيًا. في الواقع، اتّخذ أغلب آلهة التاريخ هيئة الرجال (وأحيانا النساء)، وغالبا ما تكون ذات حجم عملاق، وتمتلك قوىً خارقة.
وضع الله آدم في حديقة جميلة تسمى عدن، تملؤها الأشجار التي تشجع فاكهتها آدم على الأكل منها ـ ما عدا استثناء واحدًا. هذه الشجرة المحرمة كانت «شجرة معرفة الله والشيطان»؛ وشدّد الله على آدم أنه لا يجب أبدا أن يأكل من فاكهتها.
وتأكد الله حينئذ أن آدم يعيش منعزلًا تمامًا بمفرده، وأراد أن يصنع شيئا له. عند هذه النقطة ـ كما في قصة درومردينر ومويني ـ هناك نسختان للأسطورة، وُجدت الاثنتان في سِفر التكوين بالكتاب المقدس. وفي النسخة الأكثر حيوية، جعل الله كل الحيوانات مساعدين لآدم، ثم قرر أن ثمة شيئا ما مفقود: امرأة! وبالتالي أعطى آدم مخدرًا عاما، وشقّه، وأخرج ضلعًا وخيّط الشق مرة أخرى. ثم أنشأ امرأة من الضلع، كما لو أنك تنتج زهرة من شق في شجرة. وسماها حواء وقدمها لآدم زوجة له.
لسوء الحظ، كان هناك ثعبان شرير في الحديقة، اقترب من حواء وأغواها لتقدم لآدم الثمرة المحرمة من شجرة معرفة الله والشيطان. أكل آدم وحواء الثمرة وتحصّلا في التوّ على معرفة أنهما كانا عاريين. وتسبب هذا في إرباكهما، فصنعا لأنفسهما أغطية من أوراق شجر التين. وعندما لاحظ الإله هذا انتابه الغضب بسبب أكلهما الثمرة وتحصلهما على المعرفة ـ فاقدين براءتهما، كما أتصور. وطردهما من الحديقة، ووصمهما بالذنوب وكذلك ذريتهما جميعا وأطلقهما لحياة تتسم بالمشقة والآلام. وحتى أيامنا هذه، فإن قصة عصيان آدم وحواء المرعبة تؤخذ بجدية من كثير من الناس تحت اسم «الخطيئة الأصلية». حتى إن بعض الناس يعتقدون أننا ورثنا جميعا «الخطيئة الأولى» من آدم (رغم أن كثيرا منهم يصرحون بأن آدم لم يكن له وجود حقيقي على الإطلاق!)، وأننا نشاركه في معصيته.
لدى الشعوب الإسكندينافية القديمة، المشهورين بأنهم ملاحو الفايكنج، عدد كبير من الآلهة شأنهم شأن اليونانيين والرومان. ويُدعى إلههم الرئيسي باسم أودين Odin، وأحيانا يسمى ووتان Wotan أو وودين Woden، ومنهم حصلنا على «يوم الأربعاء». (جاء «الثلاثاء» من إله آخر للملاحين اسمه ثور Thor، إله الرعد الذي يصنعه بمطرقته الجبّارة).
ذات يوم كان أودين يتمشى على شاطئ البحر مع إخوته، الذين كانوا آلهة أيضا، ووصلوا إلى جذعين من جذوع الأشجار. تحوّل جذع من هذين الجذعين إلى الرجل الأول، الذي سموه آسك Ask وتحول الثاني إلى المرأة الأولى، وسموها إمبلا Embla. وبعد خلقهم لجسَدَيْ الرجل الأول والمرأة الأولى، بثّ فيهما الآلهة الإخوة الحياة، وأتبعوها بالوعي، ثم الوجهين ونعمة الكلام.
أتعجب، لماذا جذوع الأشجار؟ لماذا لم تكن كتلًا من الجليد، أو كثبانًا رملية؟ أليس ذلك مثيرًا للعجب ممن اختلق مثل هذه القصص، ولماذا؟ من المفترض أن المخترعين الأصليين لهذه الأساطير يدركون أنها خيالية في الوقت الذي صنعوها فيه. أو هل تعتقد أن عددًا كبيرًا مختلفًا من الناس اكتشفوا أجزاء مختلفة من القصص في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة، وأن أناسًا آخرين فيما بعد أدمجوها معا، ربما بتغيير بعضها دون التحقق من أن الأجزاء المختلفة كانت بالأساس مجرد أمر مصنوع؟
إنها قصص ممتعة، وجميعنا يحب تكرارها. لكن عندما نستمع إلى قصة مبهجة الألوان، سواء كانت أسطورة قديمة أو «خرافة حديثة» تحوم حول الإنترنت، فإنها أيضا تستحق التوقف لنسأل إن كانت حقيقية أو إن كان أيُّ جزء منها حقيقيا.
لذلك فلنطرح على أنفسنا السؤال: من كان الإنسان الأول؟ ونلقي نظرة على الإجابة الحقيقية، العلمية.

Page 8

من كان الإنسان الأول في الواقع؟

قد يدهشك هذا، لم يكن هناك إنسان أول ـ ذلك لأن كل إنسان يلزمه أبوان، وأولئك الآباء لا بد أن يكونوا من بني الإنسان أيضا! والأمر نفسه مع الأرانب. لم يوجد قط أرنب أول، ولا تمساح أول، ولا يعسوب أول(*****) فكل كائن ـ أيا كان ـ تمّت ولادته كان ينتمي إلى نفس نوع أبويه (ربما مع بعض الاستثناءات النادرة، التي سأهملها هنا). بالتالي فإن ذلك لا بد أن يعني أن كل كائن مولود كان ينتمي إلى نفس نوع أجداده، وأجداده الأقدم، وأجداده الأقدم فالأقدم، وهكذا دواليك.
وهكذا دواليك؟ حسنٌ، الأمر ليس بهذه البساطة. هذا يحتاج إلى قدر من الشرح. وسوف أبدأ بتجربة فكرية. والتجربة الفكرية هي تجربة في خيالك. وما سوف نمضي في تخيله ليس أمرًا ممكنًا بشكل محدد، لأنه يأخذنا إلى طريق، طريق في زمن ماضٍ، طريق طويل قبل أن نُولد، لكنّ تخيلَه يعلمنا شيئا ما مهما.
لذلك، إليك تجربتنا الفكرية. كلُّ ما يتعين عليك عمله أن تتخيل نفسك تتبع هذه التعليمات.
هات صورة لنفسك، ثم خذ صورة لأبيك وضعها في المقدمة. وهات صورة لأبيه، أي جدك. ضع في المقدمة صورة جدك لأبيك، وهكذا لجد أبيك، الجد الأكبر. ربما لم يحدث أن التقيت قط بأي من جدودك السابقين. أنا شخصيا لم ألتقِ بأحد منهم، لكنني أعرف أن أحدهم كان مدير مدرسة في قرية، وآخر كان طبيبًا في الريف، وأحدهم كان يعمل في غابة في الهند البريطانية، وواحد كان محاميًّا، شرهًا للقشدة، ولقي حتفه وهو يتسلق الصخور في كهولته. وبرغم ذلك، لو لم تكن تعرف أي شبه كان عليه والد والد والدك، تستطيع أن تتخيله كشكل باهت نوعا ما، ربما صورة فوتوغرافية بنية اللون غائمة في إطار جلدي. والآن لتفعل الشيء نفسه مع أبيه، جدك الأكبر. ضع ترتيبا للصور مراعيا أقدميتها، عائدا خلالها أكثر فأكثر فأكثر إلى الأكبر فالأكبر فالأكبر من الجدود. يمكنك مواصلة هذا حتى قبل اختراع التصوير الفوتوغرافي.. هذه تجربة فكرية، على كلّ حال.
كم عدد الأسلاف الذين نحتاج إليهم في تجربتنا الفكرية؟ أوووه، فقط 185 مليونًا أو نحو ذلك بالتأكيد!
ـ فقـط؟
ليس من اليسير تخيل كومة من 185 مليون صورة. كم سيكون ارتفاعها؟ حسنٌ، إذا كانت كل صورة منها مطبوعة على بطاقة تصوير عادية، فإن 185 مليون صورة ستكوِّن برجا ارتفاعه 220 ألف قدم؛ وذلك يزيد على ارتفاع 180 ناطحة سحاب في نيويورك لو وضعنا إحداها فوق الأخرى. على درجة من الارتفاع يتعذر تسلقها، حتى إذا لم تسقط (وهذا قد يحدث). لذلك دعونا نقلبها على جانبها بأمان، ونرص الصور على امتداد طولها على رف للكتب.
كم طول رف الكتب؟
ـ نحو أربعين ميلا.
في الطرف القريب من الرف توجد صورتك. وفي طرفه الأقصى الصورة رقم 185 مليونًا لجدك الأكبر. على أي شبه كان هو؟ هل هو رجل مسن بشعر خفيف وشاربين أبيضين؟ أم رجل من سكان الكهوف في جلد فهد؟ لتنسَ أي تفكير من ذلك النوع. نحن لا نعرف بالتحديد أي شبه كان عليه، لكن الحفريات تعطينا فكرة جيدة رائعة. سواء كنت تعتقد في هذا أم لا، فإن جدك الأكبر رقم 185 مليونًا كان ـ سمكة. وكذلك كانت جدتك الكبرى رقم 185 مليونًا، وهو ما يحدث تمامًا وإلا لم يكن بمقدورهما أن يتناسلا معا، ولم تكن أنت قد جئت إلى هنا.
هيا بنا الآن نتمشى بمحاذاة رفّ الكتب البالغ طوله 40 ميلا. ولنلتقط منه الصور واحدة بعد الأخرى لننظر إليها. كل صورة تبين كائنا ينتمي إلى نفس نوع الصورتين إلى جانبيها، قبلها وبعدها. وكل واحدة تبدو شبيهة فقط بجاراتها في الترتيب ـ أو على الأقل يكون الشبه مماثلا لرجل يشبه والده وابنه. ومع ذلك إذا واصلت السير بانتظام من طرف رف الكتب إلى الآخر، فسترى إنسانًا في أحد الطرفين وسمكة عند الطرف الآخر، وأعدادًا هائلة من الجدود الكبار... الكبار المثيرين للاهتمام في ما بينهم، كما سنرى في التوّ، ويشتملون على بعض الحيوانات التي تشبه النسانيس، وأخرى تشبه القردة، وأخرى تشبه الزبّاب(******)، وهكذا. كل واحدة منها شبيهة بجيرانها على الخط، ورغم ذلك إذا التقطْت أي صورتين بعيدتين إحداهما عن الأخرى في هذا الصف ستكونان مختلفتين للغاية، وإذا تابعت صفّ الصور بدءًا من بني الإنسان إلى الوراء بما يكفي، فستصل إلى سمكة. كيف يمكن لهذا أن يحدث؟

Page 9

في واقع الأمر، كل هذا ليس عصيًّا على الفهم. فلقد اعتدنا تمامًا على التغييرات المتدرجة، خطوة صغيرة فخطوة صغيرة، واحدة بعد الأخرى، حتى يحدث تغيير كبير. فأنت كنت في وقت من الأوقات طفلا صغيرًا. والآن لست كذلك. وعندما يتقدم بك العمر بقدر كبير سيتغير شكلك نوعًا ما مرة أخرى، رغم أنك عندما تستيقظ من النوم كل يوم من حياتك، تكون أنت الشخص نفسه الذي ذهب إلى فراشه في الليلة السابقة. فالطفل يتغير إلى صبيّ، ثم إلى فتى مراهق، ثم إلى بالغ متوسط العمر، ثم إلى شخص كبير السن. وهذا التغيير يحدث تدريجاً على نحو بالغ حتى إنه لا يوجد يوم محدد تستطيع عنده أن تقول: «هذا الشخص توقف فجأة عن أن يكون طفلا وأصبح صبيًّا». وفيما بعد لن يأتي يوم تستطيع فيه أن تقول: «بالأمس كان هذا الشخص متوسط العمر، واليوم هو رجل مسن».
يساعدنا ذلك على فهم تجربتنا الفكرية، التي تعود بنا عبر 185 مليون سنة من أجيال الآباء والأجدًّاد وآباء الأجدًّاد الكبار إلى أن نأتي وجهًا لوجه مع سمكة. وإذا تحولنا لنتقدم فترات للأمام مع الزمن، لكان ما حدث عندما كان لدى سمكة من أسلافك طفلة سمكة، أن أصبح لها طفلة سمكة، والتي أصبح لديها طفلة... إلخ، والتي بعد أجيال استمرت 185 مليون سنة (تتخلى فيها تدريجيًّا عن الخصائص السمكية) تحولت إلى شخصك أنت.
وهكذا كان الأمر كله تدريجاً إلى حد كبير ـ تدريجيا بصورة بالغة حتى إنك لا يمكن أن تلحظ تغييرا يذكر كلما تقهقرت إلى الخلف، لمدة ألف عام، أو حتى عشرة آلاف عام، والتي سوف تعيدك إلى جدك الأكبر رقم 400 تقريبا أو حتى قد تلاحظ قدرا ما من التغييرات الطفيفة على طول المسار، لأنه لا يوجد شخص يشبه أباه تماما. لكنك لن تلاحظ أي فروق مميزة بشكل عام.
إن العودة لزمن يبلغ عشرة آلاف سنة عن الإنسان المعاصر ليست فترة كافية لتبيان فرق مميز. فصورة الوجه لسلفك قبل 10,000 سنة لن تختلف في شيء عن شخص معاصر، إذا نحينا جانبا الاختلافات الظاهرية في نمط الملبس والشعر والسوالف. ولن يكون أكثر اختلافا عنّا إلا بقدر اختلاف أناس عصريين عن أناس عصريين آخرين.
ماذا عن مائة ألف سنة، أين لنا أن نجد جدك الأكبر رقم 4,000؟ حسنٌ، والآن ربما يكون ثمة اختلاف يمكن ملاحظته. ولعله مجرد زيادة بسيطة في سمْك الجمجمة، خاصة أسفل الحاجبين. لكنه لا يزال مجرد اختلاف طفيف، والآن هيا ننطلق قليلا إلى الوراء في الزمن. فإذا مررت بالمليون سنة الأولى على طول رف الكتب، ستجد أن صورة جدك الأكبر رقم 50,000 قد اختلفت بما يكفي لتؤول إلى نوع مختلف، ذلك النوع الذي نطلق عليه الإنسان المنتصب Homo erectus. وفي هذه الأيام، كما تعلم، نحن نسمَّى الإنسان العاقل الـ Homo sapiens. وهذان النوعان قد لا يرغبان في التناسل معا، أو، لوصح ذلك، فلربما لا يكون لوليدهما قدرة للحصول على أطفال من صلبه ـ تماما مثل البغل، الذي ينجبه أبٌّ حمار وأمٌّ فرس، لا يكون قادرًا في أغلب الأحيان على إنجاب ذرية. (سنرى السبب في الفصل التالي).
مرة أخرى، رغم هذا، كل شيء يتم بالتدريج. وأنت من الـ Homo sapiens بينما جدك الأكبر رقم 50,000 كان Homo erectus. لكن لم يحدث أبدا في أي وقت أن أنجب الثاني مولودا من النوع الأول بشكل مفاجئ.
لذلك، يصبح السؤال عمن هو الإنسان الأول، ومتى كان يعيش، بلا إجابة دقيقة. إنه نوع من التشوش، مثل الإجابة عن السؤال: متى توقفتَ عن كونك طفلا وليدا لتصبح صبيًّا؟ وعند نقطة معينة، ربما أقل من مليون سنة لكن أكثر من مائة ألف سنة، كان أسلافنا مختلفين عما نحن عليه بما يكفي لئلّا يتمكّن الفرد المعاصر من التناسل مع أحدهم إذا ما التقيا.
وسواء كان ينبغي علينا أن نسمي الـ Homo erectus فردا أم إنسانا فهذا أمر مختلف. وذلك سؤال عن كيفية اختيارك لاستعمال الكلمات ـ والذي يسمى سؤالا عن المعنى. فبعض الناس قد يفضلون تسمية حيوان الزبرا بالحمار (الحصان) المخطط، لكن البعض الآخر قد يرغب في الاحتفاظ بالاسم «حصان» للنوع الذي نستخدمه في الركوب. وذلك سؤال آخر متعلق بالمعنى. وأنت قد تفضِّل الحفاظ على الكلمات «شخص» و«رجل» و«امرأة» للـ Homo sapiens. وهذا أمر متروك لك. فلا أحد، مع ذلك، يريد أن يطلق على جدك الأكبر شبيه السمكة رقم 185 مليونًا لقب رجل. ربما يكون ذلك مجرد نوع من السخف، حتى رغم وجود سلسلة متصلة تربط بينك وبينه، وكل وصلة في هذه السلسلة هي بالضرورة عضو مماثل تماما للنوع المجاور نفسه في السلسلة.

Page 10

التحول إلى الحجر

والآن، كيف لنا أن نعرف الشبه الذي عليه أسلافنا البعيدون، وكيف نعرف متى عاشوا؟ غالبا من الحفريات.
الحفريات مصنوعة من الأحجار. أحجار اتّخذت شكل الحيوانات والنباتات الميتة. ولقد ماتت الأغلبية العظمى من الحيوانات دون أي أمل في أنها ستتحول إلى حفريات. وإذا كنت تريد أن تكون حفرية، فالمسألة هنا، أن يتم دفنك في النوع المناسب من الطين أو الطمي، ذلك النوع الذي يتصلب في النهاية ليشكل «صخرا رسوبيا».
ماذا يعني ذلك؟ تتكون الصخور من ثلاثة أنواع: نارية، رسوبية ومتحولة. وسوف أتجاهل الصخور المتحوّلة، لأنها كانت أصلا واحدة من النوعين الآخرين: النارية أوالرسوبية، وتغيرت بالضغط أو الحرارة. والصخور النارية (مشتقة من الأصل اللاتيني لكلمة النار ignis) كانت ذات مرة مواد منصهرة، مثل الحمم الساخنة التي تنطلق من البراكين الثائرة الآن، وتبدأ في التصلب لتتحول إلى صخور صلبة عندما تبرد. والصخور الصلبة من كل الأنواع تأخذ في التآكل (التعرية) عن طريق الرياح والماء، لتصنع صخورًا أصغر حجما، حصى، رمالًا وغبارًا. وتصبح الرمال والغبار معلقة في الماء ومن ثم يمكنها حينئذ أن تستقر في طبقات رسوبية أو طمييّة في قاع بحر، أو بحيرة أو نهر. وعلى مدى زمن بالغ الطول، يمكن لهذه الرواسب أن تتصلب لتصنع طبقات من الصخور الرسوبية. وعلى الرغم من أن جميع الطبقات تبدأ مستوية وأفقية، فإننا غالبا ما نجدها وقد تعرضت لالتواءات، وانقلابات أو انحدارات في الوقت الذي نراه فيها، بعد ملايين السنين (سنعرف كيف يحدث هذا في الفصل العاشر المتعلق بالزلازل).
الآن، لنفترض أن حيوانًا ميتًا تصادف أن انجرف إلى الطمي ربما في مصب أحد الأنهار. وإذا تصلب الطمي فيما بعد ليصبح صخرًا رسوبيًا، فقد يتحلل جسد الحيوان تاركا في الصخر المتصلب علامة مجوّفة دالة على شكله الذي نجده في النهاية. وذلك من أحد أنواع الحفريات ـ نوع الصورة الـ «سالبة» للحيوان. أو قد تعمل العلامة المجوفة عمل قالب تستقر فيه مواد رسوبية جديدة تتصلب فيما بعد مكوِّنة نسخة مطابقة «موجبة» للشكل الخارجي لجسم الحيوان. وذلك نوع ثانٍ من الحفريات. وثمة نوع ثالث من الحفريات حيث تحل ذرات وجزيئات معدنية من الماء بدلا من ذرات وجزيئات جسم الحيوان، التي تتبلر فيما بعد لتشكل صخرة. وهذا أفضل أنواع الحفريات، من حسن الحظ، بسبب أن التفاصيل الدقيقة لما بداخل الحيوان يُعاد إنتاجها على الدوام، مباشرة من خلال الجزء الأوسط للحفرية.
وبالإمكان أيضا تحديد تواريخ الحفريات. ونستطيع أن نعرف أعمارها، غالبا بقياس النظائر المشعة في الصخور. وسوف نعرف ما هي النظائر والذرات في الفصل الرابع. وباختصار: النظائر المشعة هي نوع من الذرات التي تتحلل إلى ذرات نوع آخر؛ مثلا النوع المسمى اليورانيوم ـ 238 يتحول إلى نوع يسمى الرصاصـ 206. ونظرا لأننا نعرف الزمن الذي تستغرقه هذه العملية، يمكننا أن نعتبر نظير العنصر ساعة مشعة (له نشاط إشعاعي). والساعات المشعة أقرب شبها بالساعات المائية وساعات الشمع التي كانت تستخدم قبل اختراع ساعات البندول. فالساعة المائية كانت خزانا مائيا به ثقب في قاعه يتساقط منه الماء بمعدل قابل للقياس. وإذا تمّ ملء الخزان وقت الفجر، يمكن معرفة الزمن الذي انقضى من اليوم بقياس مستوى المياه الحالي. والأمر نفسه في ساعات الشمع. فالشمع يحترق بمعدل ثابت، لذلك نستطيع معرفة زمن الاحتراق بقياس كمية الشمع المتبقية. وفي حالة ساعة اليورانيوم ـ 238، نعلم أنها تقضي 4,5 بليون سنة ليتحلل نصف اليورانيوم ـ 238 إلى الرصاص ـ 206. وهذا يسمى «فترة نصف العمر» لليورانيوم ـ 238. لذلك بقياس كمية الرصاص ـ 206 الموجود بصخرة مقارنة بكمية اليورانيوم ـ 238، يمكن حساب الزمن المنقضي منذ انعدام اليورانيوم ـ 238 ووجود الرصاص ـ 206 فقط: بكلمات أخرى، ما الزمن المنقضي منذ كانت الساعة في «الوضع الصفري».
ومتى تكون الساعة في الوضع الصفري؟ حسنٌ، لا يحدث ذلك إلا في الصخور النارية، التي تكون ساعاتها جميعا صفرية في اللحظة التي يتجمد فيها الصخر المصهور ليصير مادة صلبة. ولا يحدث هذا للصخور الرسوبية، التي لا تمتلك «لحظة الصفر»، وهو أمر مؤسف لأن الحفريات توجد فقط في الصخور الرسوبية. لذلك يلزمنا أن نفتش عن الصخور النارية بالقرب من الطبقات الرسوبية ونستخدمها باعتبارها ساعات لنا. على سبيل المثال، إذا وُجدت حفرية في طبقة رسوبية بها صخرة نارية عمرها 120 مليون سنة فوقها، وصخرة نارية عمرها 130 مليون سنة أسفلها، سنعرف أن الحفرية يرجع عمرها إلى ما بين 120 إلى 130 مليون سنة تقريبا. وتلك هي الطريقة التي استخدمت في التوصل لجميع التواريخ التي أذكرها في هذا الفصل. وجميعها تواريخ تقريبية، ولا تؤخذ كتواريخ بالغة الدقة.
ليس اليورانيوم ـ 238 هو النظير المشع الوحيد الذي نستخدمه كساعة. فهناك الكثير من العناصر الأخرى، التي تمتلك فترات نصف عمريّة بانتشار مدهش واسع النطاق. على سبيل المثال، للكربون ـ 14 فترة نصف العمر التي تبلغ 5,730 سنة فقط، والتي تجعله مفيدا لعلماء الآثار الباحثين في تاريخ الإنسان. وثمة حقيقة جيدة هي أن الكثير من الساعات الإشعاعية المختلفة لها تدرّجات زمنية متقاطعة، لذلك يمكننا استخدامها في فحص إحداها للأخرى. وهي عادةً ما تتوافق.
تعمل ساعة الكربون ـ 14 على نحو يختلف عن الساعات الأخرى. فهي لا تشتمل على صخور نارية بل تستخدم بقايا الأجسام الحية نفسها، مثل الأخشاب القديمة. كما أنها واحدة من أسرع الساعات الإشعاعية لدينا. لكن ما تزال فترة الـ 5.730 عامًا فترة طويلة مقارنة بعمر الإنسان، لذلك قد تُبادر بالسؤال عن كيفية علمنا بفترة نصف العمر للكربون ـ 14. لو نحينا جانبا كيف توصلنا إلى أن الـ 4,5 بليون سنة هي فترة نصف العمر لليورانيوم ـ 238! الإجابة سهلة. لا يلزمنا أن ننتظر حتى تتحلل نصف الذرات. نستطيع حساب معدل تحلل نسبة ضئيلة فقط من الذرات، ومن ثم تقدير فترة نصف العمر (ربع الفترة، جزء من مائة جزء من الفترة، ...إلخ).