eKtab
EN ع
صحراء في المترو
Read free sample

صحراء في المترو

by أشرف الزغل

Page 1
1
 
على الطريقِ الصَحراويِّ
 
خيمةٌ تَسعَى
 
وجِرارٌ من اللبنِ والعسلِ على الوَتدْ
 
ستائرُ سوداءُ
 
تَخْضَع بالقولْ
 
الجَنَّةُ خلفهَا
 
وسبعونَ حوريةً فوقَ النخلْ
 
على الطريقِ الصحراويِّ
 
ليلى تجُرُّ رأسَ قيس على الأسفلتْ
 
رأسُ قيس يَقدَحُ شرَراً على الأسفلتْ
 
أَرْكُضُ خلف قيسْ
 
أَمْسَحُ الغبارَ عن رأسهِ
 
وأُحْصي دَمَه على الرَّملْ
 
خلفي القبيلةُ تحملُ قلبَ قيسْ
 
ورأسي
 
عَمَّتي النخلةُ
 
تَحمل وعاءَ ليلى
 
وماءَ قيس
 
في عَرَق البَلَحْ
 
وتحمل أهلي
 
فَوقَ النخل
 
فَوقْ
Page 2
2
 
سيتحرَّكُ الباتو موش Bateau Mouche بعدَ قليل
 
وعليه أََلَمٌ عمره خمسُ سنواتٍ
 
سيشُدُّ الألمُ أذرعَ المسافرينَ
 
سيحاولُ أن يكلِّمَهم بلغاتِه الكثيرةِ
 
سينهَره المسافرونَ
 
لا أحدَ يريدُ أن يكلِّم الألَم على الباتو موش
 
سَيْبحلقُ الألَمُ في الشوارعِ الباريسيةِ
 
سيبحثُ عن أطفالٍ من عمرهِ
 
لكنه لا يجدْ
 
الألمُ طفلٌ كبيرٌ، طفلٌ بدأ حياتَه كبيراً
 
تماماً كما في ذلك الفيلمِ الحالة المحيِّرة لبنجامين بوتن
 
الألمُ هو بنجامين بوتن
 
سيبحثُ الألَمُ عن أصدقائِه الشعراءِ
 
لكن شوارعَ باريسَ ستركُلُه بعيداً
 
عُد إلى قاربِك، مالارميه ماتَ وشبعَ موتاً
 
لم يتركْ للمهاجرينَ غيرَ طاولة نردٍ صدئة
 
سيبحثُ الألمُ عن أيِّ شيءٍ يذكِّره برغبةٍ قديمةٍ
 
سيبحثُ عن امرأةٍ، عن أمِّ، عن أبٍ، عن عاهرةٍ طيِّبة،
 
عن وجهٍ بائسٍ كان مرحاً البارحةَ، أو كان بإمكانه أن يكونَ مَرِحاً
 
سيبحث في كلِّ مكانٍ عن نبيذٍ رخيصٍ
 
وذبابةٍ عالقةْ
Page 3
هويات
 
ذات
 
الأرصفةُ في مدينتنا
 
ضيقةٌ
 
قلتُ لها
 
حين انكَمَشَت
 
كي يَتَّسِعَ عليها الرصيفُ
 
و خطرةٌ أيضا
 
مليئةٌ بالحُفَرْ
 
بالهاربينَ
 
الذين ينظرون إلى الخلفِ
 
كلَّما اصطادتْهم حفرةٌ من الحُفَرِ
 
وبالحالمين
 
الذين تَحسَبينَهم ينظرونَ إليكِ
 
وهم يبحثون عن ظِلِّهم
 
في الضوءِ الهاربِ منكِ
 
الأرصفةُ هنا
 
خنادقُ حَربٍ
 
حين يَنقلبُ عليكِ الشارع
 
أو تزحفُ إليكِ السماءُ
 
لا بُدَّ لكِ من رصيفٍ
 
ضيّقٍ وعَميقْ
 
العصافير في مدينتنا
 
كلابٌ ضالَّةٌ
 
ننهَرُها في النهار كأنها آثامُنا
 
وتتبعنا في الليل كأنها جُثثُنا الباردةُ
 
ربما نَغارُ منها
 
نريدُ أن نسكنَ بيوتَها
 
وأن نُحَلِّقَ في شوارعِها
Page 4
أو ربما نغارُ عليها
 
نريدها أن تُعشِّشَ فينا
 
أن تُعلِّمنا النشيد الصباحيَّ
 
وربما هي فقط كلابٌ ضالةٌ
 
تَسخَر مِنّا كلما أسميناها عصافيرْ
 
الشجرُ في مدينتنا
 
أزرقٌ سماويٌّ
 
هو والسماء قطعةٌ واحدةٌ
 
نحن فقط نَشُمُّه
 
نحن فقط نلمسُه
 
هل تريدين الجلوسَ في الظِّلِّ ؟
 
هنا كلُّ الأماكنِ ظِلٌّ
 
الرصيفُ
 
الشوارعُ
 
البيوتْ
 
أحياناً نَشتاقُ للشمسِ
 
لكننا لا نتكلمُ عنها
Page 5
1
 
الشبابيكُ تَعوي على صاحب البيتِ
 
خُذْني إلى البحرِ
 
حتى أرى أقربائي
 
الذين تَرَكتُ على الرملِ حين اشتهيتُ المسافةَ
 
صاحبُ البيت يهربُ
 
تَقذفهُ الأرضُ
 
خُذْني إلى وَطَنٍ أَعرِفُه
 
صاحبُ البيتِ يهربُ
 
يوقِفُهُ البابُ
 
خذني إليها
 
حبيبتُك الراحلةْ
 
يَدُها لا تزالُ تدغدغُ قلبي العجوزْ
 
صاحبُ البيتِ يَبكي ويَضحكْ
Page 6
2
 
كُلَّما غسَلَت الستائرَ
 
من الريحِ القادمة من بيتهِا القديم
 
كلما فَرَكَت أسطوانةَ الموسيقى
 
كأنها تطردُ ذبابةً عن طبق الباستا
 
كلما أشعَلَت الشبابيكَ
 
بِعينٍ عاتبةٍ على قسوةِ ديسمبرَ
 
كلما تقَيَّأَتْ على أرضِ البيتِ
 
كلما أرادَتْ أن تضع رزنامةً جديدةً على الجدارِ
 
سمعَتْ طَرَقاتٍ على البابِ
 
الطريفُ في الأمر
 
أنها لمْ تفتح البابَ حتى اللحظةْ
 
ذات أخرى
 
فَمٌ يابسٌ
 
عينانِ عاريتانْ
 
ومُعلَّقتانِ في السَّقفِ
 
يدان رطبتانْ
 
زجاجةُ نبيذٍ فارغة
 
وكرسيٌّ مثقوبْ
 
لسببٍ ما
 
كان شارداً في الصباحِ
 
كغيمةٍ في بئرٍ
Page 7
ولسببٍ ما
 
كان شارداً في المساءِ
 
كقمرٍ في بئرٍ
 
ولسببٍ ما
 
أفرَغَ ما في جوفِهِ
 
في السقف
 
في زجاجة النبيذِ
 
في الكرسيِّ
 
في البئر
 
في الغيمة
 
قال لي بعدَ آخر محاولةٍ للسَّفَرْ
 
عندما وضعتُ أذني على سكة الحديدِ
 
لم أُعرْ انتباهاً للقطارِ القادمِ
 
أدهشني ما في القضيب المعدنيِّ من موسيقى
 
موسيقى معدنيةٍ مجانيةٍ
 
لِمَن يحبون الانتظارَ
 
حتى لو خسروا رؤوسهَم في حادثٍ مروريٍّ سريعْ
Page 8
1
 
راقصةُ التعرِّي سابقاً تجلسُ مع ابنتِها في الحانةِ
 
في مطبخ الحانةِ
 
يرقصُ طَبّاخٌ على وقْعِ أغنية
 
Bad Romance
 
يجلس قُبالَة الراقصةِ بروفيسورُ الرياضياتِ الذي يشتهي حذاءَها الشتويَّ
 
يلعبُ البروفيسورُ بحذاءِ الراقصةِ
 
تلعبُ ابنتُها برقبةِ البروفيسور
 
على صدرِ الراقصةِ وَشمٌ صغيرٌ
 
أُحبُّ الرياضيات
 
على رأس البروفيسور تنهمرُ المعادلاتُ
 
طفلتُها تلتقطُ المعادلاتِ
 
وتقذفُها في وجهي
Page 9
2
 
العجوزُ في المترو
 
تلتقطُ أرباع الدولارات من المارة
 
وتضعُها في وعاءٍ معدنيْ
 
العجوزُ في المترو
 
لا تتِقنُ الغناءَ ولا العزفَ
 
ولا الضحكْ
 
العجوزُ في المترو
 
لا تحملُ ضغينةً لأحدٍ
 
غير أنها - حديثاً -
 
بدأت تَمَلُّ من رؤية الملكةِ
 
صباحَ كلِّ يومْ
Page 10
3
 
تَرَكوا مناديلَ الموائدِ مُغْلقةً
 
كي لا يجلبوا النحسَ للحكايات المرحةِ
 
تَرَكوا فناجينَهم ملأى
 
كي لا يرى أحدٌ وقْع أقدامِهم في بقايا القهوةِ
 
لكنَّ أحدَهم سرقَ مِنديلَ مائدتِه
 
وشربَ كاملَ قهوتِه
 
وتركَ حذاءَه للساقي