eKtab
EN ع
شرق الأردن  سجل رحلات وملاحظات في بلاد مؤاب وجلعاد وباشان
Read free sample

شرق الأردن سجل رحلات وملاحظات في بلاد مؤاب وجلعاد وباشان

by سيلاه ميريل

Page 1
مقدمة
 
ظهر اسم فلسطين أول مرة في كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوت. وهي كمرادفتها العبرية «بليشيت» أو «أرض الرحّل» وقد عَنَتْ فِلِستيا فقط. ولاحقاً، في العصرين اليونانيّ والرومانيّ، انطبق هذا، على كامل البلاد التي احتلها الإسرائيليون القدماء على ضفتي نهر الأردن. لكن، وحسب اللغة الكنعانية، عنت أقدم الأسماء قاطبةً فقط: «الأرض المنخفضة» أو البلاد الواقعة غربيّ نهر الأردن. لذلك فإن أغلب الناس الآن حين يفكرون بفلسطين، فإنهم يطلقون ذلك على نفس الحدود الضيقة الواقعة هناك. ونادراً ما يأتي بالحسبان ذكر شرقيّ فلسطين.
ومع ذلك، فإن التداعيات التاريخية التي تخصّ البلاد الواقعة شرقيّ نهر الأردن تعدّ غنية ومتنوّعة. وقد اختارت قبيلتان ونصف قبيلة من أصل اثنتي عشرة قبيلة جاءت من مصر بقيادة النبي موسى، اختارت ذلك الجزء من ضفة النهر ليكون وطناً لها. وقد مرّتْ كل من الجيوش السورية، والآشورية، والكلدانية ومن هناك داخلةً فيها وخارجةً منها. كما أن بعض المحاربين المخضرمين المشتتين، ممن رافقوا الإسكندر المقدوني، استوطنوا هناك. ومن «وراء نهر الأردن» بدأ يوحنا المعمدان دعوته وأنهاها. وقضى المسيح عيسى بن مريم حوالي ستة أشهر في الدعوة إلى الدين المسيحي على ذلك الجزء من ضفة النهر. كما أن الكنيسة المسيحية ذاتها التجأت إلى هناك عندما بدأت الفيالق الرومانية تُطبق على القدس. وفي زمن الأباطرة الرومان «الأنطونيين»، كانت تلك البلاد مليئة بالمدن: بمعابدها، ومدرّجاتها، وحماماتها. وفي القرن الخامس الميلادي ازدهرت الكنائس المسيحية وتعددت ونُظمّت بشكل جيد.
يقيناً، لم تكن المواقع الإنجيلية المسيحية عديدة هناك، مقارنةً مع الأماكن والمواقع العديدة الوافرة الواقعة على الضفة الغربية من نهر الأردن. إلا أنها كانت ذات أهمية مميزة وفريدة. كانت المدن الخمس الواقعة على ذلك السهل تشكِّل شرقيّ الأردن: «بنيول»، و«مهانيم»، و«سكوت» وهي أسماء مثيرة للذكريات. و«نيبو» و«بسكاح»، وهما كلمات مألوفة. و«بثابرا»، حيثما ورد اسمها فقد كانت تقع ما وراء نهر الأردن، وشهدت نزول الروح القدس على المسيح عيسى بن مريم. وفي مكان ما، وراء تلك البرية، حدث ما دعاه الشاعر ميلتون بـ «النزال العظيم، بدون سلاح».
إن هذا الجزء برمته من البلاد، مع أنه يُعد اسمياً حزءاً من الإمبراطورية التركية، هو الآن وظلّ عدة قرون، واقعاً في أيدي البدو. فالسفر إلى هناك صعب دائماً وخطر فعلياً. وإلى الآن، فإنه لا يُعرف سوى القليل جداً عن تلك البلاد، وعن آثارها، أو سكانها. مع ذلك، بدأتْ الآن، أعمال الاستكشاف تقريباً. ويقدّم مؤلف الكتاب هنا للجمهور خدمة ممتازة ورائعة في هذ المجال. وقد كان رحّالة غير عادي. وبصفته عالِم آثار في الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين، فقد كانت فرصُه جيدة بشكل استثنائي، وكانت هذه الفرص تتحسّن بشكل جيد جداً. لقد أظهر براعة فائقة، وتمتع بحظ نادر جيد في التعامل مع البدو، الذين دَرَس عاداتهم وفهمها بعناية، وعاش بينهم بأمان، كما لو أنه كان في «أندوفر». وللمؤلف الفضل في تقديم عدة تعريفات مهمة؛ فملاحظاته الطبوغرافية على طبيعة أراضي فلسطين الشرقية التي يقدّمها بدقة وبأسلوب علمي؛ وستظهر نتائج الاستكشافات التي سبق وقام بها حينذاك، والتي استُثنيت من النشر حتى الوقت الحاضر، لأسباب لا تحتاج لأن تُفصّل، ستظهر في حينها وفي الوقت المناسب.
لقد اتخذ مجلد الكتاب الحالي شكلاً شعبياً. والأحداث الشخصية فيه مفعمة بالنشاط والحيوية وبالأسلوب الروائيّ البهيج. والتوضيحات المرافقة له جديدة وأصلية، والعديد منها من رسومات المؤلف نفسه. ويحتوي الكتاب على مقدار كبير من الأحداث والوقائع الجديدة الكاملة. وقد كان المؤلف دقيقاً وصبوراً في أبحاثه. وهو الآن يروي قصة حياته فيما وراء نهر الأردن بأسلوب مسلٍّ ومليء بالمعلومات على حدٍّ سواء.
روزويل د. هيتشكوك
المعهد اللاهوتي، نيويورك
15 آب 1881
Page 2
تمهيد
 
في العشرين من تشرين الأول، عام 1874، عُيِّنتُ عالِماً للآثار في الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين. وأبحرتُ من نيويورك في الـ 19 من حزيران، عام 1875، ووصلتُ إلى بيروت، وهي المقرّ الرئيس لنا في سورية، وفي يوم الاثنين، التاسع من آب. خلال الأعوام الثلاثة 1875-1877 قمتُ بأربع حملات استكشافية مختلفة، سجلت منها بالتفصيل حملتَيْن يمر ذكرهما على الصفحات اللاحقة من الكتاب. في يوم الثلاثاء 23 كانون الأول، 1875، عُيِّنت مسؤولاً لعمل استكشاف قمت بتنفيذه حتى صيف عام 1877، حينما عدتُ إلى أمريكا، إذ أوكلتْ إليّ الجمعية كتابة تقارير، ومساعدة السيد ماير في إعداد خرائطنا. خلال السنتَيْن اللتين كنت خلالهما في الميدان، عملتُ تحت توجيه ومشورة اللجنة الاستشارية المباشرة في بيروت المؤلَّفة من رجال كانوا على معرفة ودراية بالعديد من أجزاء سورية وفلسطين، وهم بأي حال، يستأهلون أجلّ الاحترام وأسمى التقدير، وكانت علاقاتي بهم طيبة دائماً إلى أبعد الحدود.
يجب أن أخص بالذكر هنا الأستاذ روزويل دز هيتشكوك، من كلية الاتحاد اللاهوتية بنيويورك، الذي برئاسته لجمعية الاستكشاف عَمَلَ دون كلل من أجل مصالحها وأهدافها، وأيضاً السيد رودلف ماير، مهندس الجمعية المخلص، الذي أنجز الخريطة بمهارته اليدوية. كما أرغب بتقديم الشكر والعرفان إلى جي. هنري ثاير، البروفيسور في معهد اللاهوت: أندوفر، بولاية ماساشوسيتس، وإلى تيموثي أويس بين، الأستاذ في معهد اللاهوت، في أندوفر، بولاية ماساشوسيتس، وإلى تيموثي أويس بين، الأستاذ في كلية اللاهوت التابعة للكنيسة الجديدة في بوسطن، بولاية ماساشوسيتس. وكذلك إلى كل من تشارلز ل. ميريام وجورج د. ستيرنز لخدماتهما التي قدماها حينما قمتُ بتنفيذ هذا العمل في المطبعة. ولن يكون خارجاً عن النطاق بالنسبة إليّ أن أضيف أن المقدار الكبير من المواد الآثارية وغيرها من المواد الأخرى التي في حوزتي والمتعلقة بفلسطين، قد وجد بعضها سبيله إلى العرض والنشر في هذا المجلد.
سيلا ميريل
أندوفر، ماساشوسيتس، 2 آيار 1881
Page 3
تحضيرات
 
الوصول إلى بيروت. مدينة ابتُليَتْ بالكوليرا. الصعوبة في إيجاد أحياء سكنية. أماكن أُعيدت زيارتها. نمو سريع. توجيه اهتمام بالمدارس والتعليم. تأثير واسع لمطبعة البعثة التبشيرية. إمكانيات تجارية. تجارة نفط أمريكية. واردات وصادرات. صيد الإسفنج. ملاحظات تاريخية على بيروت. معقل مسيحي في سورية. اللجنة الاستشارية للجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين. إقامة معسكر في عبية. لطف المقيمين الأمريكيين. إقامة حفل. طريق محدد.
بيروت، سورية، الاثنين، 23 آب 1875
وصلت مجموعتنا المؤلفة من أربعة أمريكيين إلى الساحل السوري في وقت سيئ، بحيث لم يكن يمكنها القيام بأي عمل مهم. فالبلاد ابتُليت حينذاك بوباء الكوليرا المميت، الذي كان يسبب هلعاً في الفكر الشرقي أشد من الطاعون، أو المجاعة أو الحرب. لقد فرّ من هذه المدينة وحدها أربعون ألفاً من السكان، وقد تجولتُ في هذه الشوارع لمسافة ميلين ولم أرَ رجلاً أو امرأة أو طفلاً؛ باباً مفتوحاً، أو أية علامة من علامات الحياة ما عدا بضعة كلاب تتضوّر جوعاً - ولا بد أن تُصنّف هذه بالأحرى بين علامات البؤس والموت. لكن الوباء لم يبدُ مهلكاً تماماً؛ فأعلى عدد الوفيات في اليوم، وصلتْ، إنْ كانت معلومات الأطباء هنا صحيحة، ثلاث عشرة وفاة فقط. مع ذلك، فإنه لا بد أن يُذكر أنه من بين بضعة أشخاص أجبروا على المكوث في البيت، لذلك لا أحد كان بوسعه أن يُخبر بوضع الأمور وحالة ما تبقى لجميع السكان.
لقد شُدّدتُ الرقابة والحراسة آنذاك على الموانئ المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط وفُرض حَجْر صحي صارم، وقد احتُجزنا في الإسكندرية لمدة اثنتي عشر يوماً قبل أن نتمكن من الحصول على زورق بخاري للوصول إلى بيروت.
غادرنا لي?ربول في يوم الاثنين، 12 تموز، 1875، على متن الزروق البخاري ماغدالا، الذي قاده القبطان غرايج، ومكثنا جزءاً من يوم في جبل طارق ويوماً كاملاً وليلتين في مالطا، ووصلنا إلى الإسكندرية يوم الاثنين، 26 تموز. ومن ثم بعد ذلك أبحرنا في يوم السبت، الـ 7 من آب، ووصلنا بيروت يوم الاثنين، في الـ 9 من آب.
وجدنا هناك الفنادق مغلقة، وكذلك الشقق المفروشة للإيجار أيضاً ومعظم المحلات والدكاكين. أقام الأمريكيون والأجانب في الجبال، وقد توقف الدليل السياحي عن العمل مما سبّب إزعاجاً وضيقاً للقادمين الجُدد، وبدا الأمر لبرهة كما لو أننا لن نكون قادرين على الحصول على إقامة خيمة لنا أو إيجاد مأوى يمكننا اللجوء إليه. ولحسن حظنا، كان القنصل الأمريكي هون. ج. ز. إدجار على رأس عمله، فعمل من خلال نفوذه على فتح أحد الفنادق، حيث أمضينا ما تبقى من ذلك اليوم والليلة التالية. في غضون ذلك وصل الأب جورج ي. بوست، وهو واحد من اللجنة الاستشارية التابعة للجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين، من الجبل، ووفر لنا سكناً في الكلية البروتستانتية السورية التي كان بناؤها يبعد فقط ميلاً واحداً أو أكثر في غرب المدينة ويشرف على مشهد جميل على البحر المتوسط من جهة وعلى المدينة والجبال اللبنانية من جهة أخرى. وتمتعنا هناك بنسيم البحر الجميل، ومن المحتمل أننا كنا بمنأى عن خطر الكوليرا كما لو كنا نقيم في إحدى قرى الجبل.
Page 4
في وقت مبكر من عام 1869، وبعد رحلة موسعة في مصر والأراضي المقدّسة، أمضيتُ ستة أو ثمانية أيام في بيروت، واهتممت بشكل كبير بتاريخها وأماكنها المهمة. فبعض هذه المواقع كنت قد زرتها خلال الأسبوعين الماضيين، ومع أن المدينة كانت مهجورة الآن إلى حد كبير كما بدت، إلا أنني رأيت في كل خطوة علامات النمو ودرجة متزايدة من الازدهار. وبدت الأحياء مطوّرة بشكل أفضل مما كانت في السابق، وبُنيت في بعض أجزاء المدينة العديد من المنازل الجميلة. وأصبح للإرساليات والبعثات الأجنبية تحت عناية المواطنين البروتستانت موقفاً أكثر اهتماماً بالناس هناك، إلا أنهم كانوا عدوانيين من جانب التعليم العام إلى درجة تثير الدهشة حتى في ظل ظروف ملائمة إلى حد أكبر. وما كان الصرح الأساسي الذي أقمنا فيه مؤقتاً سوى واحد من الدلائل على أن سكان سورية كانت لديهم رغبة قوية بالتحسّن، في حين أن كلية الطب المجاورة تشهد على تحوّل عظيم في عقول السكان فيما يتعلق بعلم نبيل صُنِّف اليوم فيما بينهم على أنه من الفنون السحرية فحسب.
وكانت من أكثر العناصر المشجعة المرتبطة بالعمل بالتعليم في سوريا هو التقدّم الذي أُحرز بين النساء المحليّات. فمن الحقيقة الملاحَظَة، إنما المثيرة للاهتمام، أن العديد من الآباء والأمهات المسلمين تغلبوا إلى حدٍّ بعيد على مصاعبهم ومشاكلهم في إرسال بناتهم إلى المدارس المسيحية. في الوضع الحالي للأمور، فإن من المحتم أن المستوى التعليمي بين النساء يجب أن يكون في معظمه جزءاً من التعليم الأساسي. إلا أنه إضافة إلى المدارس الممتازة في هذا المستوى من التعليم، كانت هناك مستويات أخرى، مثل المدرسة الثانوية الأمريكية للبنات، (لذكر مدرسة واحدة فقط) حيث تتوفر هناك فوائد التعليم الأعلى مستوى، والأعداد المتزايدة من الفتيات المدربات، اللواتي يتخرجن كل عام من هذه المدارس المتقدمة لهو دليل من أن العديد منهن قد حصلن على المبادئ الأولية للتعلم وهن يتلهفن ليصبحن معلمات، أو لتأهيل أنفسهن لتلك المواقع والوظائف المفيدة التي تحتلها فقط الفتيات المتعلمات والذكيات بنجاح.
علاوة على ذلك، فإن البعثة المطبعية هنا تعتبر ذات مدى واسع لا يحصى حالياً، ويُزاد ذلك سنة بعد سنة. مع أن المباني نفسها كانت صغيرة؛ إلا أنه لم يكن يوجد في الحضارة الشرقية نصير حليف أقوى من هذه المنشأة المتواضعة الواقعة على شاطئ البحر عند مدخل لبنان البري. وقد طُبعت فيها ثمانية أو عشرة ملايين صفحة باللغة العربية وأُرسلت منها سنوياً إلى الشعوب الناطقة بالعربية في غرب آسيا ومصر لتزودهم بالترجمات المختلفة للأدب عامة والأدب المسيحي وزودتهم عن طريق ترجمات من اللغات الأوروبية، بأفضل الأعمال التعليمية والعلمية لمتطلبات المعرفة في تقدمهم. كان هذا المكان قبل عشرة قرون من ميلاد المسيح مكاناً للعبادة الوثنية الفاسدة. وبعد خمسة قرون من ميلاد المسيح أحتوى على أرقى مدرسة للقانون في الإمبراطورية الرومانية؛ وبعد تسعة عشرة قرناً من ميلاد المسيح أصبح مركزاً قوياً للمسيحية والتعليم - وقُدِّر لهذه القوى، على ما أعتقد، أن تُنجز إصلاحاً أخلاقياً وسياسياً وبالتالي مادياً لهذه الأرض المضطهدة منذ عهد طويل، إنما المجيدة.
Page 5
لا يمكن أن تقارَن هذه المدينة (بيروت) مع الإسكندرية فيما يتعلق بالظروف المواتية للنمو المادي. وفي الوقت نفسه تتمتع بيروت بمزايا غير عادية في مناخها، وموقعها الجميل ومنظرها الرائع، وفي خصوبة تربتها، ومصادر مياهها الوافرة. وعلى العكس من أية مدينة مصرية، لهذه المدينة سلسلة جبال قريبة توفر ملجأً للسكان ومنتجعاً خلال فصل الصيف السوري الطويل. فعندما يُنهك الناس هنا من حرارة الطقس الاستوائية، كان يمكنهم خلال ثلاثة أو أربعة ساعات على ظهور الجياد أن يصلوا إلى الأجزاء العليا من لبنان، حيث الماء البارد والهواء العليل المنعش. ويحتفظ جبل صنّين، الذي يمكن رؤيته من هذه الكلية، وقمته وهي من أعلى قمم جبال لبنان، تحتفظ في وهادها وشقوقها بالثلوج طيلة أيام السنة، ومن هذا المصدر يزود سكان بيروت بهذه الرفاهية بسعر معقول جداً.
مع أن بيروت لا تتساوى مع الإسكندرية، إلا أنها تعتبر ميناءً تجارياً مهماً على الساحل السوري، ومن بين الحقائق الخاصة التي علمتُ عنها هي أن معظم السفن التي ترفع علم الولايات المتحدة، وتصل إلى هنا بحمولات من البتروليوم. والأجانب يختصرون هذا بكلمة «بترول»، بينما السكان المحليون يطلقون عليها بمادة «الكاز». وقد بُدئ باستيراده مباشرة حوالي عام 1867، ووصل خلال ذلك العام إلى بيروت 50 ألف غالون. بيد أن هذه التجارة ازدادت حتى وصلت في العام الماضي إلى حوالي مليون غالون محمولة على متن سفن أمريكية فقط. ولم يُستهلك هذا النفط جميعه في بيروت، إنما وُزِّع على جميع أنحاء سوريا. فبعضه نُقل بواسطة قوارب محلية إلى موانئ سورية أخرى، ونُقل بالبر إلى دمشق ومدن أخرى حتى أنه وصل إلى مدن وقرى تقع على طول نهر الفرات.
من بين المواد المستوردة الأخرى هنا، يمكنني أن أخص بالذكر ومن دون المضي بتفصيلات طويلة: الخردوات والأدوات المعدنية، الآنيات الفخارية، والمواد الزجاجية، والأثاث، وماكينات الخياطة، والأحذية والجزمات، الجلود، الخمور والأنبذة الروحية، والأدوية والعقاقير، والأرز، والقهوة، السكر والطحين، والقرطاسية، والطُرَف والألبسة الصوفية والقطنية، ومواد الطباعة، وعلب الكبريت، السيجار، الرخام، والأخشاب بما فيها ألواح الخشب وأشعة البناء الثقيلة، وغيرها. فرغبة وحاجة السكان تعود إلى ازدهار هذه البلاد، وما يُستورد يكون مكلّفاً جداً بالطبع. فالزخرفيات تُستورد من النمسا وألمانيا بشكل رئيسي، والمواد المعدنية، والأبواط والأحذية تُستورد من كل من إنكلترا وفرنسا. وأرسلت روسيا خلال السنوات القليلة الماضية كميات كبيرة من الطحين إلى سورية. وتولت مانشستر توريد البضائع والمواد القطنية والمنسوجات المزخرفة ذات الألوان الفاقعة اللامعة التي تسر وتلائم الذوق الشرقي، إلا أن تجارة هذه المواد المربحة سرعان ما بهتت الآن بسبب الركود الاقتصادي الحاصل. ووردت كميات كبيرة من الأرز إلى هذه البلاد، إذ أن السكان المحليون مغرمون جداً بتناوله. ويستورد السكر بشكل رئيس من كل من مصر وفرنسا، إلا أنه لا يستورد سوى كميات ضئيلة من السيجار، لأن السكان لا يستخدمونه، إما لأنه باهظ الثمن جداً، أو لأنه قوي جداً ويحتوي على تبغ كثير لا يستسيغه السوريون أو العرب عموماً ويفضلون تدخين لفائف التبغ أو السجائر عليه. علاوة على ذلك، سرعان ما أقلع الأجانب أيضاً عن تدخين السيجار وتحوّلوا بدلاً من ذلك إلى تدخين السجائر، التي شكلت مع النارجيلة (الأركيلة)، التي تدخن في أوقات الفراغ بديلاً عن تدخين الغليون والسيجار من العالم الغربي.
Page 6
وتُشحَن منتوجات محلية كثيرة لأنواع مختلفة من المواد إلى الخارج أيضاً سنوياً من هذا الميناء (ميناء بيروت)، ومن بين المواد المشمش المجفف، والزبيب، والمكسرات، النبيذ وزيت الزيتون، القمح، الشعير، السمسم، الفول والفاصولياء واللوبياء، ومواد الأصباغ الخام التي تُستخدم في صباغة المواد والسجاد والجلود، والصوف، والقار والإسفنج، القطن الخام، الحرير، والتبغ. وكانت تُشحَن سابقاً أعداد كبيرة من الخيول والأغنام والماعز من سورية إلى مصر وبلدان أخرى، حيث كانت تشكّل من هذه الموارد دخلاً مهماً للبلاد. غير أنه ولسبب إصدار أوامر صارمة من الأستانة تحظر تصدير الأغنام والجياد، توقفتْ هذه التجارة تقريباً. ويأتي البيتومين أو القار من مناجم موجودة في حاصبيّا، الواقعة بالغرب من المنطقة الشمالية لمنبع نهر الأردن. ويوجد هذا بحالة خام صافٍ جداً ويساوي الطن منه مائة وثلاثين دولاراً، ويستخدم بشكل رئيس من قِبَل مصانع الطلاء العالمية. وتُشحن كميات كبيرة من الحرير إلى فرنسا؛ وبلغت قيمة ما صُدِّر منه في عام 1872 نصف مليون جنيه إسترليني. إلا أنه منذ افتتاح قناة السويس فقد دُمِّرت تجارة الحرير السورية بشكل كبير. ويمكن إنتاج المواد الخام بتكاليف أرخص بكثير في الشرق الأقصى، حيث إن المحصول يكون مؤكداً، كما أن وسائل النقل السريعة مكّن المنتجين والشاحنين هناك من تزويد السوق الأوروبية بسرعة من هذه المواد، بحيث إن المنتجين هنا وجدوا من المستحيل منافسة ذلك والتصدي له، مما دفع بالنتيجة إلى إفقار وعُسْر حقيقي لهم.
من إحدى الصناعات المهمة جداً لسوريا هي مصائد الإسفنج حيث تراوح معدل الإنتاج السنوي من الإسفنج ما بين 100-125 ألف دولار. في عام 1872 شُحن ما قيمته حوالي 60 ألف دولار من بيروت لوحدها. ولا تُنتج حالياً كميات كبيرة من القطن، كما أن الحكومة جعلت التبغ من المواد المحظورة، لذلك فقد أوقف إنتاج هذه المادة الرئيسية تقريباً. في الأوقات العبرية القديمة، ازدهر القطن وصُنِّع في سوريا، وفي العصور الوسطى انتشرت مصانع القطن بشكل واسع في البلاد، بيد أن إنتاجه هبط إلى لا شيء تقريباً في السنوات الأخيرة ويعود ذلك بشكل رئيس إلى حقيقة أن الحكومة لا تساعد ولا تشجّع أية صناعة أو تجارة يمكنها أن تكون مصدر ثراء للسكان المعوزين والبؤساء.
من بين الملاحظات التاريخية لهذه المدينة، المرتبطة بشكل رئيس بشخصيتها التاريخية، فإننا نجد يليني(1)يمتدح حلاوة عنب بيروت، ويعلن بأن الخمر الأصلي لكل من طرابلس، وصور وجبيل هو الأفضل فيسورية.ويصف أميانوس مارسييلينوس(2)كل من بيروت، وصور وصيدا (في القرن الرابع الميلادي) على أنها أهم مدن فينيقية. ويتحدث المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس (المتوفى عام 565 للميلاد) عن تجارة وصناعة الحرير فيها حيث كانت تزود كامل الإمبراطورية الرومانية بصناعات الحرير الأنيقة والمكلّفة. وفي زمن الإمبراطور البيزنطي جوستنيان (483-565م) فقد كانت المدينة الوحيدة المنافسة لبيروت في هذا المضمار مدينة صور فقط. ويتحدث (المؤرخ الروماني) أغاثيوس عن بيروت في الفترة التي سبقت الزلزال الكبير عام 529 ميلادية على أنها واحدة من أجمل المدن في الساحل الفنيقي، مزيّنة بقصور جميلة ومقدّمة مظهر مدينة رومانية ذات ثراء وفخامة وعظمة. بين الترف والرفاهية وتأثير الوثنية القوية التي سادتْ حينذاك، وكان للمسيحية أيضاً موطئ قدم هناك، فتواجدتْ كنائسها ومعلموها جنباً إلى جنب مع المدارس والمعابد الوثنية الرومانية. وكان هنا في هذه المدينة (بيروت) أن أصدر الإمبراطور الروماني كونستانتين عام 325 للميلاد قانوناً يمنع نزال المُجالدين (نزال أو قتال العبيد أو الأسرى حتى الموت لإمتاع الناس في روما القديمة).
Page 7
وقد أجرينا عدداً من المقابلات مع أعضاء اللجنة الاستشارية للجمعية الأمريكية المؤلّفة، إضافة لكل من الدكتور بوست المذكور سابقاً، الأب طومسون، الأب هنري جيسوب وغيرهم، فيما يتعلق بتعاونهم معنا، حيث كانت استعداداتنا كاملة تقريباً. واقتُرح من قِبَل اللجنة بأن نذهب يوم الأربعاء، في الخامس والعشرين من آب إلى قرية «عبية»، وهي قرية لبنانية تقع في الجبل، وتبعد خمس ساعات عن بيروت جنوباً، ونقيم هناك مخيمنا، ونرى فيما إذا كان كل شيء على ما يرام.
عبية، سوريا، الأربعاء 12 / أيلول / سبتمبر 1875
بما أن كل عضو في فريقنا كان متوعكاً صحياً إلى حدٍّ ما، لذلك تأخر عملنا الميداني إلى ما هو متجاوز لتوقعاتنا. بيد أن كافة قوانا أصبحت متوفرة وجاهزة الآن، وافترضنا أن نبدأ في الصباح.
منذ قدومنا إلى هنا أمضيتُ فترات طويلة ليومين وأنا أخطط مع الدكتور طومسون نتباحث حول رحلتنا. وقررنا أن نخيّم ليلة الغد في «كفر نبراخ»؛ ثم نذهب من هناك إلى «جب جنين» ونقوم بالتصوير في طريقنا لما اكتشف من بساتين شجر الأرز في أعلى منطقة باروك؛ ونمضي يوم السبت لنقوم بالتقاط صور المعبد في «ثيلثاثا» ونقضي يوم الأحد في راشيا لنزور آثار ومعابد «روخلة» عند سفح جبل الشيخ؛ ونزور أيضاً قمة جبل الشيخ؛ ونذهب من هناك بالطريق لمجدل شمس إلى بانياس. ومن ثم نزور ونصوّر القلعة هناك وبستان حازوري وبحيرة فيالا، ونتابع السفر عن طريق سعسع إلى أقصى شمال «ليجة». وهي بلد تقع إلى شرق نهر الأردن ويفترض أن مساحتها ستة آلاف ميل مربع، أي حوالي ما افتُرض، بحسب المساحة الإنكليزية، بحجم حوالي مساحة غرب فلسطين حسب المسح الإنكليزي لها. والمنطقة التي عُيِّنت لنا كانت منبسطة واسعة ومرتفعة حوالي 2500 قدم فوق سطح البحر الأبيض المتوسط، حيث لا توجد هناك سوى مجموعة واحدة من التلال تدعى بجبال حوران. وقيل لنا بأنها كانت مليئة بالآثار التي لها أهمية تاريخية عظيمة.
إضافة إلى الأعضاء الأربعة لفريق بعثتنا الاستكشافية، فقد رافقنا أيضاً في رحلتنا البروفيسور لويس من كلية البروتستانت السورية في بيروت، والسيد هنري فان ديوك، وكان معنا أيضاً السيد دوماس من بيروت، كمصوّر لنا. كان لدينا أمتعة ولوازم محمّلة على ثلاثة وعشرين دابة وتسعة جياد، وثمانية بغال، وستة خدم - بما فيهم طباخان وصبي لتقديم الطعام، ومساعدان من السكان ومترجمين من الكلية المذكورة.
استقبلنا الأمريكيون الذين قابلناهم منذ مجيئنا إلى هنا بود وحفاوة بالغين وقدموا لنا كافة أنواع المساعدة التي أمكنهم تقديمها. وأنا مدين شخصياً لاهتمامهم اللطيف. وقد عبروا عن اهتمام عميق للمهمة التي تولتها الجمعية الأمريكية، بيد أنه مما يدعو للأسف أنه كان يجب أن نُرسَل خارجاً إلى الميدان وحرارة الشمس خانقة.
Page 8
بين مدن باشان
 
(حوران)
 
الطريق الذي سلكناه. سعسع. التخييم في مكان جميل. فوهة بركان هامد. الليجة، عرقوب القديمة. مساحة واسعة من الحمم البركانية. كهوف ضخمة، أمكنة لجوء اللصوص شهادة سترابو وجوزيفوس. جبال حوران، التي كان منطقة مليئة بالبراكين النشطة. ظور الليجا الغريب. القنوات والتزود بالمياه. المعبد الرائع. نقوشات. قصر الحاكم. فندق عمومي. معسكر الفيلق السادس عشر. مكان مخيمنا. بُراق. مدينة أسقفية. أساسات قديمة. قناة وإمداد الماء.
اتبعنا خطة جميلة تقريباً في مسيرنا، وهي التي ذكرتها سابقاً بالتنسيق مع الدكتور ثومسون، ووصلنا إلى بلد سعسع يوم الأربعاء، 15 أيلول، 1875. وبدت سعسع كأنها تحتل مساحة فوهة بركان خامد، وكان خان البلدة كبير الحجم. وخيّمنا على ضفة جدول جيناني، أو ما بين فرعين من ذلك الجدول المائي، حيث كانت توجد هناك بقعة خضراء، وهو مشهد غير عادي في هذه الأرض الجافة. وشاركنا هذه الجزيرة الصغيرة سرب أو مجموعة من الإوز، إلا أنها لم تفسد علينا هجوعنا.
لكي أحدّد معلوماتي ضمن نطاق مجلد واحد، كان يجب عليّ أن أحذف جزءاً كبيراً من يوميات عمل رحلاتنا لشهرين من آخر تاريخ ذُكر، واختيار الأمور والمسائل التي بدت لي ذات أهمية كبيرة والتي يمكن أن أثق بأنها كانت على جانب عام من الأهمية فقط.
توجد هناك نقاط عديدة بخصوص منطقة ليجة والتي يمكن للواحد أن يشرف عليها ليرى سطحها برمته. فالمناظر من على سطح المعبد في مسميّة، ومن على الأبنية في خُباب التي تبعد مسافة ما إلى الجنوب كانت خلاّبة بشكل خاص. وسيكون من الصعب ذكر بقعة تقع في أراضٍ قديمة يمكن أن تُقارَن بهذه المنطقة القديمة فيما يتعلق بمظهرها الشرس والمتوحش. وحينما يقرأ المرء عن «عرقوب» أو منطقة العرقوب في أي كتاب قديم، فإن اسم هذه العبارة يكون على مستوى ضئيل من الأهمية؛ بيد أنه عندما يكون فعلياً هناك، وينظر من هناك من خلال جدران وأعمدة المعبد في مُسميّة إلى جنوب شرق، أو ينظر من نقطة ما في جبل حوران إلى الشمال ليرى بحراً عظيماً من حجارة الحمم البركانية، فإنه يتحقق من أن الكلمات العبرانية تكون معبّرة لدرجة أن الواحد لم يكن ليتصور ذلك من قبل.
فأرضية الحمم البركانية تحتل حوالي ثلاثمائة وخمسين ميلاً مربعاً، وربما يبلغ معدل ارتفاعها فوق السهل المحيط عشرين قدماً. وهذه الأرضية غير منتظمة في حافتها وغير منظّمة، بل إنها تصل إلى نقاط عديدة من النتوءات الصخرية السود داخل السهل المحيط. ويوجد من خلال هذا الشاطئ المخدَّد بضع فتحات إلى الداخل، بيد أن معظمها غير نافذة، وحفرت طرق من أجل الوصول إلى البلدات والقرى الواقعة ضمنها. ويعتبر العرقوب أو منطقة ليجة نفسها سهلاً كبيرا ًوواحداً من أغرب المناطق على الأرض. فسطحها أسود وله مظهر البحر، عندما يكون في حركة تحت الظلام، والسماء الغائمة، وعندما تكون الأمواج بحجمها المناسب لكن من دون أية قمم بيضاء من الرغوة. بيد أن هذا البحر من الحمم البركانية غير متحرك، وأمواجه العظيمة متحجرة. فخلال عملية البرودة التي حصلت قديماً، تشققت الحمم البركانية، وبدت في بعض الحالات أن طبقات حجارة البازلت البركانية السوداء الكبيرة كما لو أنها أُعدّت ووضعت حيث أنها رُتبت بوسائل اصطناعية. وفي حالات أخرى، يكون لهذه الروابي أو التلال الصغيرة صدوع أو تشققات بالطول، أو أحياناً تقسم إلى عدة أجزاء، وبذلك تكون هذه التشققات مفتوحة، مشكِّلة صدوع وتشققات كبيرة لا يمكن اجتيازها.
Page 9
الفرشة من الحمم البركانية في ليجة
وفي بعض المقاطع لا تكون أرضية الحمم البركانية مكسرة إلى تلال صغيرة كهذه، بل لها مظهر أكثر لما ندعوه بنجد أو مرج أجرد. ويوجد هناك ما بين هذه الكتل أو التلال المدوّرة الصغيرة وبين الأجزاء المدوّرة أيضاً مساحات فاصلة من الأرض الترابية ذات خصوبة مفاجئة.
يصف الرحالة بوركاردت ذلك بقوله: «في الأجزاء الداخلية لليجة (حوران) فإن الصخور تكون متشققة ومتباعدة في أماكن عديدة، ذلك أن التل برمته يبدو كأنه مرتعش وفي حالة السقوط أو الانهيار إلى الأسفل. والطبقات مصفوفة بشكل أفقي بشكل عام، وتكون بسماكة من ستة إلى ثمانية أقدام أو أكثر، وتغطي أحياناً التلال، وتمتد لتصل إلى منعطفاتها، كما تبدو من الشقوق والصدوع والتي غالباً ما تقطع أو تجتاز الصخور من القمة إلى القاع».
كانت توجد هناك أماكن حيث تكون الحمم البركانية متخثرة بينما لا يزال التيار قوياً، بينما الدوامات ظاهرة بشكل مميز كمثل ممر يمكن للواحد أن يظنه كما لو أنه غطي بحبال مجدولة. ويوجد إلى جانب الشقوق والصدوع أيضاً كهوف عديدة، شُغلت واحتلت كأماكن سكن. فعصابات اللصوص تلتجئ إليها في الوقت الحاضر. والخارجون على القانون من النواحي المستقرة للبلاد يفرون إليها ويكونون آمنين فيها نسبياً. ويوجد هنالك دليل صحيح للاعتقاد بأن هذه الكهوف كانت مسكونة في العصور القديمة جداً، وكانت في الحقيقة يشغلها ساكنو الكهوف. ويتحدث سترابو(3)عن ذلك بقوله: «ما يتعلق بالأجزاء المشغولة بالعرب والآشوريين هي الجبال الصعب الوصول إليها، في الكهوف الممتدة إلى عُمق سحيق. كان الواحد منها قادر على استيعاب أربعة آلاف لص وقاطع طريق». ويورد وليم الصيداوي بأنه كان يوجد هناك كهف يبعد ستة عشرة ميلاً عن بحيرة طبريا يحتوي على ثلاثة طوابق. طابق سفلي، طابق وسط، وطابق علوي، يستخدم كغرفة طعام. وكان محصناً وله حامية من الجند لحراسته. وتحدّث كتاب يهود قدماء عن كهف زيديكيا، الذي كان ممتداً عدة أميال، مع أننا لسنا متأكدين من أنه كان يوجد في شرق الأردن. بيد أن الأماكن السكنية تحت الأرض في منطقة عراق الأمير معروفة جيداً ومشهورة، والكهوف الواسعة في منطقة درعا سيُشار إليها في مكان آخر.
ووصف المؤرخ (اليوناني) جوسيفوس هذه الكهوف على أنها أوكار للصوص. ومن الجدير بالاقتباس قوله: «لم يكن لدى هؤلاء اللصوص بيوت أو قرى خاصة بهم، وإنما فقط أماكن على أرض يلجأون إليها، وهناك يعيشون هم وقطعانهم معاً. ومع ذلك فقد صنعوا لأنفسهم وسائل للحصول على برك ماء، وخزنوا الحنطة في مخازن، وكانوا قادرين على القيام بمقاومة كبيرة فيما لو هوجموا بشكل مفاجئ، حيث كانت مداخل كهوفهم ضيّقة، لا تتسع إلا لدخول شخص واحد فقط في وقت واحد، وكانت من الداخل واسعة جداً، ولم تكن الأرض فوق مساكنهم مرتفعة جداً، وإنما بدلاً من ذلك واقعة على سهل، بينما كانت الصخور متراصة بحيث كان من الصعب جداً أن يدخل أي إنسان من أعلاها، ما لم يصل إلى طريق السهل بواسطة دليل أو مرشد آخر، إذ أن هذه الطرق ليست مستوية، وإنما لها عدة التفافات». وكان زينودراس، الذي عُيِّن حاكماً على هذه المنطقة في العصور القديمة متحالفاً مع هؤلاء الخارجين على القانون، وأُسندت إلى هيرود الكبير مهمة إخضاعهم القضاء عليهم.
Page 10
وما يُدعى بجبل الدروز أو جبال حوران فإنها تحتوي على فوهات بركانية هامدة. ولم يُقدَّر عددها بالضبط بيد أن طوفانات الحمم البركانية تمتد إلى الشمال شرق إضافة إلى شمال غرب، بحيث أن منطقة الحمم البركانية لا بد وأنها تضم معاً عدة آلاف من الأميال المربعة. كما يوجد هناك جنوبي جبل الشيخ مجموعة مماثلة من الفوهات البركانية الخامدة تبدأ من بركة الرام أو بحيرة فيالا وتل الأخمر وتمتد لمسافة ما إلى أسفل مرتفعات الجولان. وقد أعطى الرحّالة وتزشتاين مخططاً لافتاً لواحدة من الفوهات البركانية المتواجدة في حوران؛ إلا أنني اخترت من مصدر آخر توضيحاً أعتقد بأنه سينقل تعبيراً حيوياً أكثر لهذه الآثار الباقية لوضع وحالة الأرض الطبيعية في هذه المنطقة في فترة سحيقة في القِدَم.
إن منطقة حوران ليست جافة بدون ماء، بل على العكس، توجد هنالك نقاط عديدة تحتوي على ينابيع وافرة حيث لا يكون الماء وفيراً فحسب، وإنما أيضاً بارداً وعذباً.
عندما يجول النظر حول هذا البحر من صخور سود، لا يكون هناك مظهر أقل روعة من عدد الآثار التي يمكن أن تُعَد. ومن بين هذه الآثار عشرات من الأبراج المستديرة التي تُرى من منطقة خُباب لوحدها. كان بعضها، بلا شك، يحرس الطريق الرومانية الممتدة شمالاً وجنوباً عبر حوران ، في حين أن أبراج أخرى كانت
 
تل شيحان في الليجة
ضرورية بالقرب من الحقول المزروعة ونبعات الماء. ويقع واحد منها على مسافة ليست بعيدة عن خُباب. ووصف الأب رايت إحداها عندما زارها بقوله: «يبلغ محيط البرج على بُعد ياردة من قاعدته 68 قدماً. ويحتوي على 37 طبقة من الحجارة؛ كل طبقة يبلغ ارتفاعها حوالي قدم. وتبلغ سماكة جدران البرج أربعة أقدام؛ وارتفاع بابه خمسة أقدام وخمسة بوصات وعرضه ثلاثة أقدام وثلاثة بوصات. ويدعم العمود المركزي للحجارة الأسطوانية حجر العليّة في الجزء الأعلى من البرج بارتفاع أربعة عشرة قدماً ودرج لولبي أو حلزوني، حيث تكون الحجارة ناتئة من الجدران وبالية كثيراً من الاستعمال ويصعد إلى العليّة». ويختتم بقوله: «إن استخدامها الطبيعي كان كأبراج مراقبة». وسنقدّم تحت قنوات تصويراً لواحد من هذه الأبراج الرومانية.
وبما أن عدد الفوهات البركانية الخامدة في هذه المنطقة لم يُحدَّد مطلقاً، فإنه أيضاً لم يُقدّر عدد المدن المندثرة هنا، لكن العرب يقدورنها بنحو ألف تقريباً. وهذا يعود إلى منطقة حوران فقط.
وسأقدم وصفاً مختصراً مع توضيحات لبضعة من أهم مدن حوران هذه، حاذفاً، حسب الضرورة كما قلتُ سابقاً، أية أوصاف مفصّلة لأعمالي وتجاربي في بلاد باشان الغريبة إنما المهمة.