eKtab
EN ع
صخرة هيلدا
Read free sample

صخرة هيلدا

by هدية حسين

Page 1

صخرة هيلدا

دويٌّ·· دويٌّ·· دويٌّ
دويٌّ في السماء
دوي على الأرض
دوي في رأسي، والناس في هياج يركضون ولا يعرفون أين يولّون الوجوه والخطى، أصحاب السيارات يغيرون المسالك لعلهم يصلون إلى أماكن آمنة، ولا أمان، وأنا أصرخ، كأن سياطاً تضربني على ظهري، أو سيوفاً تتسابق لحز رقبتي·· أرى في الأفق غيمة حمراء، تتشكل من دم يهمي كما المطر، يتكاثف نهر الدم تحت قدمي، يتصاعد إلى ركبتي وأنا عاجزة عن فعل أي شيء لإنقاذ نفسي من نهر الدم الذي سيصير بحراً في غضون أيام·· 
خرائط غرائبية من أشلاء بشرية تعلو وتسّاقط على الأرض والحيطان وأغصان الأشجار وأعمدة الكهرباء وسطوح الأبنية كأن السماء تمطر جثثاً·· هل يمكنني نسيان ذاك المشهد؟ وكيف لي أن أشطبه من رأسي المبتلى بالصخب؟ جسد من دون رأس، ورأس مقطوع مفتوح العينين بنظرة رعب متسائلة، هل كانت تحدق بوجه من يحز رقبتها، أم كانت تبحث عني وترتعب أن يؤول مصيري إلى المصير الذي آلت إليه؟ دائماً أجدني واقفة على ضفاف ذاك النهر الدموي بجانب جثة أمي، على الرغم من أنني شاهدة على مواراتها التراب منذ سنين، أعيد الرأس المقطوع إلى الجسد المحشور في ثوب القسطور الأخضر، فيستقر الشعر الطويل على الكتفين، وأتذكر كيف مرت ستة أيام من دون دفن، فالطرق إلى المقابر غير آمنة ولا أحد يمكنه التنبؤ بما سيحدث، اقترح عمي دفنها في حديقة البيت مؤقتاً لكنني رفضت، بدأت الرائحة النتنة تتسرب من جثة أمي، أكاد لا أصدق هذه النهاية المفجعة لامراة عاشت حياتها بين الروائح العطرة·
يلاحقني الدوي والخطوات المريبة، أركض مع الراكضين، ثمة أبنية ما تزال آثار المعارك تنخرها، مهدمة أو مثقبة بفعل الرصاص والقاذفات، وعربات متروكة، وأخرى تأكلها النيران، والهاربون بسياراتهم يسلكون طرقاً ملتوية، خوفاً من السيطرات الوهمية لرجال ملثمين وغير ملثمين يحملون كل أنواع الأسلحة، مدينتي تدخل الشيخوخة بوجه مشوّه، جلد مصاب بجدري الحروب، وأنا أحمل حقيبة صغيرة وضعت فيها أوراقاً رسمية لا بد منها، وأحمل أيضاً صندوقاً كبيراً وثقيلاً كانت محتوياته تتضخم سنة بعد سنة وتشل إرادتي، ولم ينفع كل ما فعلته للتخلص منه؛ فقد فرض عليّ وجوده وأبى إلا أن يحمّلني عناء ثقله، قلت لا بأس ما إنْ أعبر الحدود حتى تسّاقط أسماله وتموت، لكن الأمر استغرق وقتاً أطول مما ظننت، عبر الحدود معي، دون أن يشاهده أحد أو تكشفه أجهزة الرصد، وثمة صوت لا يفارقني منذ سنوات يزن في رأسي ويتلاعب بي ويأخذني بعيداً ولا يعيدني إلي·
 لم يعد أمامي سوى الرحيل بعد مقتل أمي، وكنت بحاجة لأن أعيدني إلى نفسي، بعيداً عن أنهار الدم، وبعيداً عن كل الذكريات التي تراكمت في صندوق رأسي الثقيل، وأريد الانفلات من ذاك الزمن المتوحّش وسديم البلاد·
Page 2
تقلّبت بي الأيام وقلّبتها بين مدن تشيلني، أنا التي كنت أظن بأنني سأبقى في بغداد وأموت فيها، وأخرى تحطني، على سفينة لا تسير على الماء ولا تثبت على الأرض، سفينة مثلّمة الصارية ومصدّعة الحواف، لتحط أخيراً في مدينة هاملتون خلال رحلة تناهبتها الهواجس من المجهول، وأسكن في شقة صغيرة بصالة مستطيلة مفتوحة على المطبخ، وغرفة نوم واحدة، خشب الأرضية قديم ومحكوك في بعض جوانبه، طاولة مربعة وسط الصالة، كنبة جلدية وتلفزيون مسطّح وكرسي قديم من الكروم أستخدمه غالباً للجلوس في الشرفة العريضة في الأيام الدافئة، أو للجلوس داخل الصالة باتجاه الشرفة ذات الباب الزجاجي، الذي ينزل من قمة السقف حتى الأرضية ويريني حركة الشارع·· لا يرافقني سوى الكائنات غير المرئية التي أحس بها ولا أعيرها اهتماماً، وهذا الصوت المتواصل الذي لا يسمعه أحد سواي، أتكلّس في جلستي، أتقوقع مثل حلزون، وأدور حول حكاياتي المُعتّقة في منطقة الشك ولا أبلغ اليقين، متسائلة وأنا أنبش في الصندوق الذي لم تكشفه أجهزة الرصد: أين هم أولئك الذين كانوا يضيؤون حياتي، وأين من أمعنوا في شقائي؟

من آن لآخر يتناهى إليّ طرق خفيف على الباب، أكون قبل ذلك شاردة إلى زمن بعيد اشتبك فيه الواقع بالوهم، أتوهم، أول الصحو من الشرود، أن معلمتي بريندا تضرب على الطاولة لتعيدني إلى الواقع كما يحدث لي أحياناً في المدرسة، وحينما أصحو تماماً أقلّب الأمر، نادراً ما يُطرق بابي، إما أحد الأطفال الذين يطلبون تبرعاً لنشاط في مدرستهم، أو فرانكا مسؤولة العمارة، لأسباب غاية في الضرورة ليس من بينها إيجار الشقة، فكل شيء هنا مُنظم، يأتي البريد في أوقات معلومة، فواتير الكهرباء والماء والضريبة، ورسالة يذكرونني فيها بأنهم وضعوا في حسابي البنكي مبلغ المعونة الشهرية، أحرر عند ذاك شيكاً وأسلمه إلى فرانكا، وغالباً ما أدفعه لها من فتحة بابها المستطيلة لكي لا أزعجها بطرق الباب، وإذا ما صادفتها في الممر أسلمها الشيك ونتبادل بضع كلمات تؤكد لي في نهايتها بأنها ستترك لي وصلاً بالاستلام في صندوق بريدي، أشكرها وأعود للشقة وقد لا أراها إلا مصادفة، لا وقت لديها لتبادل الحديث معي، هي تعلم أن إنكليزيتي ركيكة، برغم أنني حسّنتها جاهدة في الآونة الأخيرة بكثير من المذاكرة والدوام المنتظم في المدرسة·
صادف مرة أن طرق الباب ففتحته مبقية على السلسلة فإذا به رجل بملامح هندية، اعتذر وقال إنه يبحث عن قطته، وفتح شاشة الموبايل ليريني صورة القطة المفقودة وإذا ما كنت قد رأيتها، وبالتأكيد لا تضيع في كل يوم قطة ليطرق بابي أصحابها·
Page 3
جيراني لا أعرفهم ولم أر أحداً منهم إلا لماماً، أحياناً أسمع وقع خطاهم في الممر عند الرواح والمجيء، أو أسمع أبوابهم عندما تُفتح أو تُغلق·· لو متُّ هنا لا يدري أحد بموتي، رائحتي النتنة هي التي ستخبرهم أنّ ثمة جثة تتحلل بالجوار منهم، فمن يطرق بابي إذن؟
أنا لمّا أزل في جلستي الرتيبة، لا يهمني من يطرق بابي، إنسياً كان أم جنياً، لقد تعوّدت على هذا الطرق وأعرف أنْ لا أحد يقف خلف الباب، إنها لعبة سمجة يتواطأ فيها الصمت والصوت الذي يسكن رأسي، أحياناً يضج ويرتفع ويجرحني، عندها أنتفض رافعة سبابة غضبي، مُحذرةً إياه بتركه في المكان والخروج إلى ضجيج الأسواق، لكنه لا يكترث، بل يرفع من حدة نبراته، كلما جلست في زاوية صامتة يلعب معي اللعبة ذاتها، هذا الصوت لازمني منذ سنوات وعبث بسكوني وغيّر طقس حياتي، أنا التي عشقت الصمت منذ طفولتي، وعايشته وسكنت فيه وصاحبته ورافقني في الطرقات المسائية أو عند الغبش، وأنقذني من صخب ما يدور حولي، وكان يفتح لي مسالك ومنافذ بلون السماء تارة، وبلون قمم النخيل، وبلون الألق الذي تحوّل فيما بعد إلى قلق وأرق، وصار له صوت عنيف يدق على أبواب رأسي فيوقظني من هدأة الليل ويشاغلني في ساعات النهار الممطوطة عندما يحرث بفأس حادة مسننة، فيقتلع بذرات الهدوء والسكينة ويحولها إلى ركام·
أنظر عبر النافذة إلى لا شيء، مع أن كل شيء واضح أمامي، السناجب تتقافز وتتسلق جذوع الأشجار، والطيور تحط وتحلّق، والناس يمرون، والسيارات تتخاطف، بينما تغرق شقتي بصمت ثقيل ضاج، أتأمله، أتأمل الصمت كما لو أنه كائن ناعم الملمس، لكن ما إن أضع أطراف أصابعي عليه حتى يفز مثل قنفذ وتخرج إبرة لتدمي أطراف رأسي، وتغور إلى العمق وتعربد ولا جدوى من محاربته·· ها هو يضج بالزن والصرير والفحيح وأصوات كثيرة مختلطة تتخذ مساراً واحداً، يرفع من عقيرته ويخرّب الساكن ويُخرج محتويات الصندوق، ذاك الذي حملته وعبر معي الحدود ولم تكشفه أجهزة الرصد، تبدو الأشياء فيه مثل جثث لم يبق منها إلا العظام والعيون المفقوءة، أو مثل أحجار ثقيلة متكلّسة· 
أحياناً أشعر أن ثمة صوتاً آخر موازياً له يلتصق به ويسيران جنباً إلى جنب بنغمات متعاكسة، يحدث أن ترتطم النغمات ببعضها فتحدث دوياً يشبه تكسّر قطعة خزفية على صخرة ناعمة الملمس، لكن النغمات ما تلبث أن تعود فتستقيم وتصبح ذات جِرْس متطابق فيختفي الصوت الآخر·· أقول لنفسي أحياناً أخرى هل أتوهم هذا الصوت جراء ما مر بي من مرارات؟ أم أنه صوت حقيقي ونذير شؤم لمرارات قادمة؟
حين تخلخل الصمت وترك لسانه الطويل يزعق بعد أن كان خفيف النبرة، حملتُ نفسي وخرجت من الشقة، أمشي دونما بوصلة، كنت ما أزال حديثة عهد بالمجيء إلى كندا، في كل يوم أكتشف شيئاً جديداً لم أنتبه له في الأيام السابقة·· أين يمكن أن أكون قد أضعت بوصلتي؟ أقضي وقتاً طويلاً في الأسواق، وغالباً ما أذهب إلى (إيست جيت) وهو مول كبير من طابق واحد فيه الكثير من المتاجر ودائرة للبريد وصيدلية وعيادات طبية ومقاه واستراحات، العراقيون هنا يسمونه الباب الشرقي، وليس بينه وبين الباب الشرقي في بغداد أي شبه سوى اشتراك التسميتين بكلمة( الشرق)؛ أو أذهب إلى وسط البلد وأدخل المول المسمى جاكسون سكوير؛ وهو أكبر من إيست جيت بعدة طوابق وأكثر عدداً في متاجره ودوائره، وتقع فيه أكبر مكتبة للكتب، وعادة ما أتصفح بعض الكتب العربية ولا أفكر باستعارتها، وأمشي بين ممراته الطويلة المزدحمة، أقضي ساعتين أو أكثر ثم أعود، ويكون الصوت في رأسي قد خف كثيراً، في ما بعد انشغلت بدوام المدرسة وتقلصت زياراتي إلى جاكسون سكوير؛ فالوصول إليه يتطلب صعود باص ويستغرق أكثر من عشرين دقيقة، تأخذ المدرسة الوقت الأطول من ساعات النهار، من التاسعة صباحاً حتى الثالثة ظهراً، أنشغل بالمحادثة وحل التمارين وقفزات المعلمة بريندا، تتخلل تلك الساعات الطويلة حالة من الشرود لا تتحدد بمكان واحد، إنها أمكنة عديدة بوجوه مختلفة وأزمنة مختلطة، لم أكن أعاني من هذه الحالة قبل مجيئي إلى كندا، حين أنتبه إلى ضربات بريندا على الطاولة أستفيق كأنني أصحو من نوم عميق، تسألني بريندا كما في كل مرة: هيه، بماذا تفكرين؟ أقول لها وذيول من وجوه عتيقة تسحب بقاياها: لا أدري·· ترد باقتضاب: انتبهي· وعندما يتكرر الأمر تستاء وتقول غاضبة: حين تدخلين الصف اتركي مشاكلك في الخارج·
ليست لي مشاكل مع أحد، مشاكلي مع نفسي، ونفسي مسكونة بالماضي، والماضي رابض مثل جبل على صدري، عندما كنت ما أزال في عمّان وتقدمت إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، كنت مرتبكة أثناء المقابلة وزائغة النظرات، جسدي يرتعش وأنا أحكي عن رأس أمي المقطوع، وتتشابك الكلمات على شفتي، كانت موظفة الهجرة تنظر إليّ بتركيز شديد، وفي نهاية المقابلة أعطتني ورقة فيها عنوان أحد الأطباء النفسيين لمراجعته، فأنا كما قالت الموظفة بحاجة إلى رعاية نفسية، وكنت قد جئت إلى عمان قبل ثلاثة أشهر ولم أهتم بالصوت الذي يطرق على رأسي، فقد كنت أظن أنه سيغادرني ذات يوم·· كنت أسكن شقة صغيرة في (البيادر) ولا أنام كثيراً خوفاً من الكوابيس التي تفزعني، رحت إلى الطبيب في (دوّار فراس) وحكيت له عن مقتل أمي وظهور رأسها، وجثث كثيرة في كوابيس لا تنتهي، وعن فشل علاقتي العاطفية وانتحار صديقتي·· وبعد عدة جلسات مكثفة قال الطبيب في آخرها: إنك متشبثة بالماضي أكثر مما يجب، وهاربة من الحاضر أكثر من اللازم، وعليكِ أن تدرّبي نفسك على النسيان، ولا أنصحك بالمهدّئات، وما دمتِ بانتظار اللجوء فستجدين حياة جديدة في بلد جديد بانتظارك، تفائلي وسيصبح الماضي في خبر كان·
 وها أنا في كندا·· أدرّب نفسي على النسيان·
Page 4
في مكان ما، على حافة العالم، أجلس أو أمشي، أشعر بنوع من الاستقرار لم أشعر به في بلدي، أخرج حكاياتي المثلومة التي تسكن رأسي وتترسب امتداداتها في قاع روحي، سوف أتخلص منها تباعاً، لا أرتب الحكايات من الألف إلى الياء، لقد اختلط زمنها وضاعت بعض ملامحها، قد أبدأ من الياء وأمر بحروف الحكايات من دون ترتيب زمني، وقد لا أعود إلى الألف لأنه سيكون قد تشوّه بفعل تراكم المحتويات وثقلها، لقد تلاعب بي الزمن من دون رحمة فلماذا أجهد لكي أرتبه؟ سأترك ذاكرتي المشوشة تشوهه مثلما فعل بي لسنوات طويلة أكلت نصف عمري، وعليّ إذا أردت أن أتخلص من الماضي وأعيش الباقي من عمري أن أتخلى عن تبعاته·
العالم من حولي يهيء نفسه لأعياد الميلاد، وأنا أهيء نفسي لسرد الحكايات، أعرف أن الأمر يحتاج إلى وقت طويل كيما أزيل الأشنات العالقة التي تعكّر صفو الكلام؛ إذ كيف أتخلص ببضعة أيام أو أيام معدودة من ذاك الإرث الثقيل الذي رافقني أكثر مما يحتمله صبر السنين الذي أكل روحي؟
أمشي بخطى غريبة متوقعة حدوث شيء لا أعرفه، ظلي يسير خلفي كلص يحاول أن يجد فرصة لكي ينقض عليّ، متوهماً أنني ظله أنافسه على الحركة، أسير باتجاه البحيرة الهائلة، بحيرة أونتاريو، التي لا تبعد كثيراً عن مكان سكناي، بحيرة أوسع من بحر وأصغر من محيط، وبرغم أنني أمشي على مهل يُخيل إلي بأنني ما زلت أركض والدوي يلاحقني، مثل عدّاء يعرف أن لا أحد ينافسه لكنه يفترض أن هناك من يريد أن يسبقه فيحث قدميه على الإسراع·
أجلس على مصطبة، الأشجار من حولي وورائي، أشجار قيقب وسرو وسنديان، وأمامي كون أزرق من ماء البحيرة، كما لو أن السماء نزلت إليها وعانقتها، الوقت صباحاً، لدي أسبوعان من عطلة مدرسية، أشم الهواء بعمق، هواء مغمور بطعم تنوع النباتات، ينشر عبقاً غريباً يذكرني بروائح معشب أمي·· عبثاً أحاول الفكاك من تلك الروائح، حكايتها تزاحمني لكنني أرجؤها إلى وقت آخر·· الموج يواصل صخبه، هل لي أن أروّض صخب الموج قليلاً كيما أنصت تماماً لأشياء تتحرك في رأسي وأريد التخلص منها بالحكي؟
 لحظة إزاحة الستار العازل بيني وبين الكلام ينطلق صوت المغني الذي لا أعرفه، يأتي صوته كما لو أنه قادم من كنائس وأديرة مهجورة، أنصت إليه بكل حواسي المثقبة بالمرارات، صوت له صدى يضرب موجات الماء فترتعش وغصون الأشجار فتوشوش، أحاول فهمه لكنني لم أستطع، ما تزال إنكليزيتي تعاني من فقر الفهم، إلا بعض الكلمات التي لا تعطي المعنى دلالته، أدرك أن كلمات المغني عن قداسات منسية تحاول إيجاد طريق لها لاستقبال العالم بدورة سنة جديدة وتذكير الناس بتلك القداسات، بكرنفالات متواصلة منذ أيام قبل أن تسقط آخر ورقة من أعمار الكائنات·
الأعياد هنا لا تشبه تلك التي رافقتني أيام طفولتي ووردة صباي، تلك الأعياد امّحت مباهجها ولا وجود لها على خارطة عالمي، ليس لها صدىً في هاملتون والمدن التي تشبهها، وليس لها الآن طعم هناك، في بلدي·
يخفت صوت المغني الذي لا أدري من أي اتجاه يجيء ليترك للموج حرية موسيقاه، أنصت إلى هذه الموسيقى الربانية في صخب الموج الذي يهدر مرة ويهدأ مرة، يتقدّم ويتراجع، أشعر كأنني في مهد يهتز بترنيمة من ترنيمات أمي، تأتي إليّ عابرة البحار والمحيطات؛ لتذكّرني أنني امرأة منفية، فتعود إليّ روائح معشبها وأكاد أشعر بالعطاس والدوخة، وتقول لي أيضاً إن المنفى بلا أذنين ولا عينين، ولا أصابع للّمس، ولا لسان ليقول شيئاً مسموعاً، إنه أبكم كهذه الحجارة الصماء المنتشرة على الضفاف، وبرغم ذلك وكلام أمي الذي لا أدري كيف وصلني فإن صداه يخترق العظام مثلما تخترقها الحمى·· ذلك هو موج المنفى·
حمامة الذكرى لا تحط قربي هنا إلا لتستعد لرحيل آخر بعكس اتجاه رياحي الراجفة، أو أنها تحط لتوخزني بنواحها، مذكرة إياي بنواح جدّاتي الأوائل أثناء عزاءات الموتى، أو حين يخترق أرواحهن الحنين، أو تحط وتمكث طويلاً فتعذبني·
هذا الهواء الرطب البارد يلامس أشياء غائرة في أعماقي بما يكفي لاستدعاءات كثيرة، أستقبله بعمق وألمُّ جسدي تحت ملابس ثقيلة يغطيها شال بُني طويل مشرشب النهايات، أرنو إلى الماء تارة وإلى السماء المغطاة بندف الغيوم البيض تارة أخرى·
Page 5
أين تقع هاملتون على خارطة كندا؟
في الجنوب منها، استغرقت السيارة التي انطلقت من مدرستي خمسين دقيقة في رحلة مدرسية إلى شلالات نياغارا التي تقتسمها أمريكا مع كندا،كانت أول وآخر رحلة إلى تلك الشلالات العظيمة، معلمتنا بريندا تقودنا وتوجه تعليماتها إلينا كما لو أننا أطفال مدرسة ابتدائية، في الوقت الذي يوجد بيننا، نحن اللاجئين والمهاجرين، الطبيب والمهندس والمدرّس والميكانيكي والصحفي والفنان·
 ركن السائق السيارة في الكراج وتبعنا نحن بريندا، وقفنا مبهورين بتلك المياه الربانية الهادرة، كنتُ وحدي وإن كنتُ مع الجميع، وحدي أعانق أطيافاً لا تفصح عن نفسها تخاتلني من بين اندفاعات تيارات المياه، كم اشتهيت أن أبكي في ذلك اليوم، رغبة البكاء اجتاحتني وأنا أرى أناساً يلوّحون من الجانب الأمريكي، ماذا تذكرت لكي تجتاحني رغبة البكاء التي تحاشيتها أمام الجميع؟ وأين شردتُ فيما بعد لأصحو على يد بريندا تحط على ظهري وتضربني ضربات خفيفة؟
كم تبعد هاملتون عن بغداد؟
ياه·· أضع نهاية إبهامي على خارطة العالم الورقية التي أخرجتها من جيب معطفي، أمشي على الأخضر والأزرق والبني والأصفر والترابي والأحمر، وكل الألوان المعروفة وغير المعروفة، تبدو بغداد قريبة على الورق، العالم كله بين يدي، يمكن أن أحضنه، ألفّه مثلما ألف شالي مشرشب النهايات، وأمضي في الطرقات الغريبة الباردة، أحمل البلدان مثلما أحمل جرواً خرج للتو إلى العالم، بجبالها ووديانها ومحيطاتها وبحارها وأنهارها وصحاراها وغاباتها وخطوط سككها وأسواقها ومطاراتها، أحمل العالم برفقة هذا الصوت الذي يضج، والذي يوحدني ويشظيني في آن، أمشي بمحاذاة بحيرة أونتاريو الغارقة بزرقتها الفيروزية، أكلم نفسي أحياناً بصوت مسموع، أشعر بمتعة غريبة حين أفعل ذلك؛ إذ لا أحد هنا يمكن أن يصمني بالهذيان أو بالجنون، الصوت في رأسي يتبعني بنغمة رتيبة لا تتغير، منذ سنوات يفعل ذلك فلا أكترث، تآلفت معه، أو على وجه الدقة اضطررت للتعايش معه لكي لا ينشطر رأسي، أنظر إلى امتداد الأزرق، يخيل إلي أنه بإمكاني الجلوس هنا حتى يأذن الله أو الشيطان بنهايتي أو بنهاية العالم، أجلس على مصطبة حديدية تحت قوس من أشجار القيقب متينة الجذوع وأرمي بصري حتى الأفق، حيث تلتصق زرقة البحيرة بزرقة السماء، وحتى الأفق تمتد وحشتي، لكننا، أنا والوحشة، اتفقنا دون إبرام عقد على أن ننتهي من إرث الماضي وحكاياته، تلك التي طال مكوثها تحت جلدي وداخل رأسي، لعلّي حين أحكيها وأنتهي منها سينتهي معها هذا الصوت الذي يضج بالعياط كلما أحاط بي السكون·
أنظر إلى أبعد ما يصله نظري، وأشعر كم أنا نائية ومعزولة، لا أحد مسؤول عن عزلتي سواي، أنا التي اخترتها، ربما للمرة الأولى أختار شيئاً وأسعى إليه، لا أدري ما الذي يختبىء وراء ما سيأتي من أيام، فقد ينجح الأمر أو لا ينجح، وفي الحالتين لا شيء أخسره، كنت وحيدة ومعزولة أيضاً في بلدي، فماذا يعني أن أكون وحيدة ومعزولة في كندا؟
Page 6
أنتبه إلى الصخور السود، قرب كل جذع ترتكن صخرة منقوش عليها عبارات بخط بارز، تخليداً لميتين يتذكّرهم الأهل والمحبون من مثل (نحبك يا جون) (أنتِ معنا يا ماري) (لا ننساك يا فرانك) ( نحبك إلى الأبد يا إليزابيث)، وتحت كل عبارة تاريخ ميلاد وموت كل واحد منهم، تلك الصخور كانت ميتة، لا أحد يعيرها انتباهاً، صماء بلا حياة قبل أن تُنقش على سطحها الناعم أسماء الموتى، هي الآن حية بذكراهم·
الهدوء عميق هنا، لا صوت يعلو عليه، ولم يُسمع سوى صوت الأمواج المتتابعة بموسيقاها الأزلية، لكن الهدوء يتخلخل فجأة، ليس هذه المرة بفعل الصوت في رأسي بل بفعل مجموعة أطفال نزلوا من سيارة كبيرة صحبة رجل وامرأة، إنهم يغنون ويضرب بعضهم بعضاً مزاحاً، انشغل الرجل بنصب خيمة على العشب وحملت المرأة كلبها الأبيض ذا الفرو الكثيف، وقبل أن تطلقه فوق العشب أمطرته بالقبلات وحكّت فروة رقبته·
صوت الأمواج يغريني بالمضي إلى مكان آخر أكثر هدوءاً، حزمة أشجار مرصوفة على طريق مرتفع بموازاة البحيرة، هناك، قبل أن يلتقي الماء بصخور الشاطىء السود، حيث نزلت، عثرت عليها، تلك الصخرة النادرة في وجودها وشكلها المنحوت، كما لو أنها سفينة نأت بنفسها عن عمق الماء ولاذت بين شجرتين ملتزتين من الأسفل (مورياك يحبك يا هيلدا) وبين الميلاد والموت عمر لم يشبع من الحياة، عشرون عاماً، وعلى مقربة من الصخرة مصطبة خشبية حائلة اللون بفعل الأمطار والثلوج أو حرارة الصيف والرطوبة، وثمة قطعة معدنية مثبتة إلى ظهر المصطبة بالعبارة ذاتها، مثل هذه المصاطب يتبرع بها ذوو الميت تذكيراً به لمن يستريح بعد تعب، وأنا المرأة المتعبة من أشياء كثيرة ولا أشياء، المرأة التي عبرت المحيطات بحثاً عن سلام لروحها القلقة لا تدري إن كانت ستجده أم لا·
سأنفض عن نفسي الحكايات المتعفنة وأفرغ الصندوق من أطنان الأسمال، لقد أرهقني وأنا أحمله أنى مضيت في دروب العالم، أريد ذاكرة بيضاء أخط عليها شوارع نظيفة، ووجوهاً سريعة المرور لا تحبذ المكوث طويلاً، وصدى أغنيات تمرق ولا تخلف الحنين والوجع، لعل هذا الرأس يتخلص من صوته الذي يستمد بقاءه من اضطراري لسماعه طوال الوقت، هنا، قرب صخرة هيلدا سأعلن موت الماضي وأخرج إلى الحياة امرأة بلا متعلقات·
شوارع هاملتون مغسولة بالمطر مع رياح متحركة باردة، حركتها تثير فيّ ذكريات غير واضحة وروائح أعرفها جيداً لا أحاول تجاهلها·· مطر الخريف ناعم يتساقط تحت شمس ذهبية مصقولة، وخريف كندا أجمل فصولها، أطلق عليه الأقدمون (فصل هجرة الأوراق)، أدهشني أول خريف رأيته بعد أول شتاء قاس جئت فيه إلى كندا، قبل أن تتعرى الطبيعة بأشجارها وشجيراتها وأزهارها، تزحف على أوراقها ألوان جذابة، فالأخضر يتبقع بالأصفر والأحمر الإرجواني والوردي الغامق، ويمكن أن ترى شجرة وارفة الظلال بلونين أو ثلاثة، وأخرى يُسرع اخضرارها للرحيل فتصبح الأوراق بنفسجية أو بنية تميل إلى الاحمرار، أوراق شجرة القيقب تتحول في أول الخريف إلى البرتقالي المذهّب أو المحمر، وترى أشجاراً أوراقها صفراء وأخرى حمراء وثالثة مارونية، إنه موسم الألوان البديع، وأنا أسير على أرض غارقة بكل الألوان، وبالوجوه، وباللغات وتنوع الألبسة وتعدد الثقافات، أتعرف عليها بحذر امرأة شرقية لا يغادرها خفرها وتوجسها وخوفها المبرر وغير المبرر، أجلس منعزلة إذا ما دخلت المقهى، أشرب الشاي بنكهة الدارسين، أكلم نفسي أو أكلم أحداً مفترضاً، لعله أنت، في اللحظة ذاتها التي أفكر فيها بشطبك من ذاكرتي، عبثاً أحاول استبعادك لكي لا يطول استعبادك لي بالتذكّر، ذاكرتي مثل صندوق عتيق استقرت فيه أشياء قديمة بالية ومتناقضات عديدة حتى ازدحمت وصعُب عليّ فرزها، أنت تدخل بين طياتها، تخترق نسيجها المتهرىء ولا تتهرّأ، كم تمنيت أن أراك مرة واحدة لأحكي لك عما حدث بعد سنوات فراقنا الطويل، أحكي كما لو أنني أحكي عن امرأة لا تعرفها تدعى نورهان أخذتها رياح المنفى، ورجل ميت وحي في الوقت نفسه يدعى شاهين، لماذا كانت تلك أمنيتي على مدار كم هائل من الأيام والليالي والسنين؟ ماذا يفرق لديك أو لديّ؟ ولماذا كان عليّ أن أنتظر من يعطيني أشياء مفقودة لديه؟ إنك تملأ روحي بالحزن كلما تذكرتك، لذلك عليّ أن أوقف نهر الحزن هذا·
اليوم، حيث أماتت السنين تلك الرغبة، لابد من إخراج متعلقاتك من صندوق رأسي، أنت الآن لست أنت الذي كنت، أنت رجل آخر بملامح شوهتها غواية الرصاص، سأحكي كل شيء وأنتهي منه، وأنا على هذا البعد الشاسع منك، ومن كل الذين كانوا يضيؤون حياتي أو الذين أطفأوا شموعي، سأبدأ بحكايتك، مع كل هذه الحواجز الطبيعية وتلك التي لا تدركها، والتي يكفي أقلّها لكي يجعل من لقائنا مثل رغبة عاجز ويريد أن يبلغ النيازك والنجوم، كل ما أتمناه، حين أفرغ من حكايتك وحكاياتهم أن لا يعلق شيء منها بأردان ذاكرتي·· أكان عليّ أن أنتظر كل هذه السنين وهذا الترحال لأتخلص من هذا الإرث الثقيل؟
Page 7
تحت سماء عريضة، واسعة، غريبة، تجلس الغريبة وتجلس معها حكاياتها، يخيل إلي وأنا أفرد الحكايات بأنها مثل أرامل أخذ الزمان أحبتهن، أخرجها من الصندوق الذي ثقل بها وأحكيها·· لا أحد هنا يعترض إذا ما سمع صوتي، لا أحد يلتفت، يخيّل إلي أيضاً أن هيلدا تُصغي إليّ من مكانها القصي ولا تتفوّه؛ إذ بينها وبين الكلام ما بيني وبينك من مُحال·
أستعيدك من ذاك الزمن الذي عرفناه، نافضة عن عينيك حروب البلد ودخانها وعويلها، برغم أنك تحاول أن تريني وجه ذاك الرجل الذي انقلب على ذاته فيك، وغيّر مسار قلبه فأحرق قصائد الغزل بنار الرغبة لمقاتلة (الشياطين)·
أستعيدك من شجرة الحب التواقة قبل أن تذوي أوراقها وتسقط، وصارت قصتي معك حرباً طويلة صامتة لا سلاح فيها ولا دخان غير هذا الوجع القديم المتعفن، الذي ينكؤني من حين لآخر، هل جازفت وجذفت عكس تيار الحياة عندما أحببتك فأصبحت خارجها؟ أم أنك الآن خارج مسار الحياة، تعيش على أمجاد تعلّمها أنواط الشجاعة الزائفة؟
زرقاء، مائية حروف حكايتنا، تخرج من رأسي وليس من بين أصابعي، وتسقط مثل قطرات من مطر مالح على سطح البحيرة الشاسعة، أو تتدحرج على صخور ضفافها، ومثل رؤوس سكاكين إذا ما كنت جالسة داخل شقتي الصغيرة الغارقة بضجيج الصمت وبالأشباح كأنني في رفقة سوء، لطالما تساءلت: لماذا تقاطعت طرقنا؟ وأنا أعرف الجواب، ولو لم تتقاطع أكان يمكن أن يحدث لي كل ما حدث وأرتحل إلى المدن الغريبة؟ 
في وحدتي وعزلتي هذه، أفكر كثيراً بما قالته سارة، وكررته على مدى أيام حتى اضطررت أن أعترف لها بعد أن بقيت أنكر الأمر لسبب أجهله أو أعرفه وأتجاهله، أنكرتك أمامها وادّعيت بأنك شخصية ابتكرتها لأسلّيها، بينما كنتَ مثل وهج لا ينطفىء في ذاكرتي، لم يعد بإمكاني الإنكار، هي تعرف حدود حكاياتي المبتكرة والحقيقية، وتتذكر كم بكيت أمامها حين خذلتني وفضلت عليّ تلك (الشعثاء المرعبة) التي لا تأتي إلا بالمزيد من الموت، لكنني لأمر أعرفه هذه المرة هو الكبرياء، قلت لسارة بعد اعترافي لها، بأنني كنتُ البادئة بالهجران بسبب الملل الذي أصاب علاقتنا·· أعرف أنني كنت أكذب عليها، وأدرك أنها لم تصدقني·
سنوات وأنا أنحتك في رأسي مثل تمثال، بإزميل الحرمان والتوق المعتّق والمعشّق بالأماني المستحيلة والرغبة المحرمة، سنوات وأنا أحملك في صندوق رأسي وأرتحل من مدينة إلى مدينة، مُبقية على صورتك أيام شعلة الحب الأولى، ونافضة عن قصائدك غبار المعارك التي خضتها، ومُسقِطةً نياشين بطولاتك المضحكة·