Page 1
توطئة
كان من أول ما كتبتُ في بدايات حياتي الأدبية مقالٌ عنوانه فدوى طوقان ومشكلة الموت نشرتْه لي مجلة الأفق الجديد في عدد أيلول
سنة 1 6 9 1، وكانت مجلةً أدبية طامحة تصدر في القدس. وكان كتابي الرومنطيقية ومعالمها في الشعر العربي الحديث قد صدر في
بيروت عن دار الثقافة سنة 0 6 9 1، وفي آخره ذكر عابر للشاعرة نال رضاها. ثم أعجبها مقالي عن مشكلة الموت في شعرها
وعبّرتْ لي عن ذلك في لقاء معها في القدس شجْعتْني فيه على المضيّ قدُماً في الكتابة وأنا الأديب المبتدئ. وبعد ذلك نشرتْ لي مجلة
أفكار الصادرة في عمّان مقالاً بعنوان الحنين في الشعر العربي الحديث في عدد كانون الأول سنة 6 6 9 1 ومقالاً آخر بعنوان أضواء
على حياة السيّاب العاطفية في عدد شباط سنة 7 6 9 1. لكنّ أحداث النكسة في حزيران 7 6 9 1 وما تبعها من احتلال فلسطين قَلَبَ
الأمور رأساً على عقب، ورأيتُني على أثرها أبتعد عن العالم العربي مع قرينتي وأطفالي، وأستقرّ في الولايات المتحدة ثم في كندا
أستاذاً للأدب العربي، بعد نيل الدكتوراه من جامعة لندن سنة 9 6 9 1. وصارت كتاباتي الأدبية تُنشر باللغة الإنكليزية على الأكثر،
وذلك في سعيٍ من ناحيتي لتعريف الغرب بالأدب العربي وثقافته. لكنني واصلتُ علاقاتي ببعض المجلات العربية، وصدر لي فيها
عدد من المقالات. وقد اخترتُ لهذا الكتاب بعضها مما لم أفقده في تنقُّلي ومما لا يزال فيه نفع للقارئ العربي. فعسى أن يكون هذا
الكتاب حافظاً لهذه المقالات من الضياع ومفيداً للمهتمين بالأدب العربي.
منتريال، في 51 كانون الثاني 5 0 0 2 د. عيسى بُلاّطه
Page 2
الأزمة سياسية
ليست أزمة الشعر العربي الحديث أزمة وهمية أو مفتعلة، بل أزمة حقيقية هي جزء من الأزمة العامة التي تجتاح الفكر العربي في هذا
الزمن. وليس صحيحاً أن أجناساً أدبية أخرى كالقصة والرواية والمسرحية لا تواجه أزمة مماثلة، فهي أيضاً تعاني من الأزمة العامة
نفسها، إلا أن أزمتها قد تكون أقلّ حدّة من أزمة الشعر لأن هذه الأجناس العربية الأخرى أجناس جديدة نسبياً في الأدب العربي، لا
يعرقل نموّها تاريخٌ طويل وتراثٌ راسخ كتاريخ الشعر العربي وتراثه.
ومن غير المعقول أن يكون الفكر العربي في أزمة ويكون الأدب العربي بجميع أجناسه بخير وعافية، وإلا كان أدباً هامشياً لا يعبّر عن
المجتمع ولا عن أفراده من مبدعين وقرّاء. ولما كنّا قد أردناه أدباً عربياً ملتحماً بالحياة العربية، فقد عرّضناه - لا مناصة - للأزمة
نفسها التي تمرّ بها الحياة العربية ذاتها. وهذه الأزمة في جوهرها أزمة سياسية في رأيي، ولم تجدْ لها بعدُ حلاً يؤدي إلى إزالة التوتر
السائد في العالم العربي بين القديم والجديد، بين التالد والطريف، بين تراث الماضي وحاجات المستقبل. وإذ أقول أزمة سياسية أعني
بذلك السياسة في أعرض معانيها، أي سياسة المجتمع وتوجيهه نحو هدف معيّن ووفق مبادئ معروفة متفق عليها وأساليب مقبولة.
فالواقع أن القائمين على أمور المجتمع العربي يتخبّطون في هذه السياسة وهذا التوجيه، لأن الهدف غير واضح أمامهم ولا المبادئ التي
ينادون بها معروفة متفق عليها، ولا أساليبهم في تطبيقها مقبولة. وإذا كان القائمون على أمور المجتمع العربي يزعمون أن لهم مؤيدين
فيما يقومون به، فإن لهم أيضاً معارضين هم في معظم الأحوال أكثرية القوم، وهم فوق ذلك إما ممنوعون من التعبير عن معارضتهم أو
مضطرون لكبتها طلباً للنجاة من البطش المحتوم. لذلك يعيشون حياة قهر هي أشد الأشياء منافاةً لما يتطلّبه الإبداع الفكري، ومن ثَمَّ
Page 3
الإبداع الأدبي، بل هي أشد الأشياء منافاة لما يحتاجه العالم العربي من حرية التحرك لحل الأزمة، لكي يكون للعرب بعد ذلك حياة
سوية لا تهدر إمكاناتها صراعاتٌ جانبية.
ومع هذا فإن المرء ليعجب بما حققه الشعر العربي الحديث من إبداع ولا سيما في الخمسينات والستينات من هذا القرن. ولعلّ الشعر
العربي الحديث أكثرُ وجوه الحياة العربية الحديثة إشراقاً، إذ استطاع أن يرتفع إلى مستوى حاجات العصر من توليفٍ بين القديم
والجديد واستشرافٍ لآفاق المستقبل، تحقيقاً للحداثة في الشعر ودعوةً لحداثة في سائر وجوه الحياة العربية. لكن الحياة العربية لم تسرْ
في ركاب هذه الانطلاقة التي قادها الشعراء الجدد، وتألبت عليها قوى رجعية في داخل المجتمع العربي وأخرى خارجه، غايتها الإبقاء
على العرب في قيد التبعية لنظام عالمي تهيمن هي عليه في الاقتصاد والسياسة. فاحتدمت صراعات داخل العالم العربي أدت إلى هذه
الأزمة العامة التي يعانيها اليوم، وليست أزمة الشعر إلا ناحية منها.
ذلك أن الشعراء الجدد منذ منتصف هذا القرن استنفدوا جهودهم وما زال بعضهم يكرّر نفسه، وبعد أن أسكت الموت بعضهم أو أسكتتهم
قوى البطش والقمع، وبعد أن ابتعد بعضهم إلى المهاجر في الخارج أو أبعدتهم السلطات في وظائف حكومية أو في منافي القهر.
وسارت الحياة العربية في تخبّط تتلقّى الهزائم العسكرية والسياسية واحدة تلو الأخرى، فتحاول الأمة أن تتماسك لتدفع عنها المزيد من
الانهيار، لكنها تُمنى بالفشل لأن القوى إياها واقفة لها بالمرصاد، ضربة تلو أخرى.
ولما كنّا قد تعوّدنا أن يكون شعراؤنا هم الناطقين باسمنا الجماعي فيما هم يعبّرون عن ذواتهم الفردية، تطلّعنا إليهم (وما زلنا)، وإذا هم
في كل وادٍ يهيمون، قد أخذت الأزمة بتلابيب قلوبهم وأفكارهم وسدّت عليهم السبل، ولم يكن بينهم من يجترح لنا معجزات الإبداع التي
عهدناها في الخمسينات والستينات، فتعالت أصواتنا بأن الشعر العربي الحديث في أزمة. والحق أن العرب كلهم في أزمة، والحق أيضاً
أننا يجب ألا ننتظر من شعرائنا أكثر مما تنتظر الأمم الأخرى من شعرائها. فلْتوضعِ الأمور في مقاييسها النسبية الصحيحة، ولنعرفْ
أنه لا ينبغ في الأمة شاعر كل يوم، وأنه إذا نبغ ففعله محدود وأثره مرهون بأحوال الأمة جمعاء.
أما السبيل إلى الخلاص من الأزمة العامة التي تعاني منها الأمة العربية فهو بيت القصيد، وهو سبيل طويل يجب على الشعراء وغير
الشعراء من العرب أن يجاهدوا فيه إلى أن يقهروا القوى الداخلية والخارجية التي تمنعهم من الانطلاق لتحقيق ذواتهم وأماني أمتهم.
Page 4
قراء الشعر دائما قلة
الواضح مما تقدم من قول أن أزمة الشعر العربي الحديث ليست أزمة أشكال فنية جديدة وحسب، وإنما هي أزمة أعمق من ذلك بكثير
تمسُ جوهر الحياة العربية ذاته. أما انصراف كثير من القراء عن الشعر الحديث فهو (إن صحّ) انصراف عما لا يجدي فيه ولا يعبّر
عما يحسّ به هؤلاء القراء من أحاسيس يودّون لو يستطيع الشعراء أن يخرجوها إلى النور، ويطلقوا لها العنان لتكون أحد العوامل لحلّ
الأزمة العامة. ويتحقق هذا بالأشكال الفنية الجديدة إذا استطاعت أن تحتوي المضمون الجديد، أو بالأحرى يتحقق بالأشكال الفنية
المتجددة دوماً، المحتوية على المضامين المتجددة باستمرار - لأن الحياة متجددة أبداً. لا ينفع الثمانينات والتسعينات من هذا القرن شعر
الخمسينات والستينات. التكرار قتْل للشعر، والتقليد موْت للفن، والحياة تجدُّد دائم. النقص إذن في عطاء الشعراء أنفسهم أو في عطاء
بعضهم. ولكن كما اتضح من قولنا أعلاه: لا ينبغ في الأمة شاعر كل يوم، فلْنقرّ بحدود الواقع وبمحدودية الشعراء، بل بمحدودية الشعر
في تغيير أحوال الأمة. ولننظر إلى ما وراء الشعر من أسباب قهر هذه الأمة، قرائها وشعرائها. وإذا كانت هناك ثقافة تهيمن على
بعض القراء وتجعلهم لا يستسيغون أشكالاً فنية جديدة متجددة فهي ثقافة التحجُّر الفكري، التي تريد لها قوى الرجعية في الداخل
والخارج أن تدوم في العالم العربي ليتسنى لها هي أن تسود وتدوم لها الهيمنة.
وإذا كان الكثير من القراء قد انصرفوا عن قراءة الشعر، فلأنّ أجناساً أدبية أخرى، ولا سيما القصة والرواية، قد نجحت في اجتذابهم
لأنها استطاعت أن تعبّر عن همومهم فازدادوا عليها إقبالاً. وهذا طبيعي في تطور الأمم وفي تطور تاريخها الأدبي. ذلك أن الذين
يتذوّقون الشعر في العصر الحديث ممن يتذوقون الأدب عامةً هم قلّة من الناس في كل أقطار العالم. أما نحن العرب فما زلنا نتذكر
ماضي الشعر العربي حين كان أكثره يُلقى ويُنشد، فيطرب له المستمعون بجماهيرهم الواسعة. أما اليوم فهو الكلمة المطبوعة بكل
اكتنازها وصمتها، وهي محتاجة إلى نوع خاص من التذوق ليس جمهورياً في ماهيته أو في كميّته.
أضف إلى هذا أن هناك قراءً من العرب ممن لا يتذوقون الأدب أصلاً، ويميلون إلى مطالعة كتب التاريخ أو الدين أو علم الاجتماع
والسياسة أو علم النفس أو علوم الطبيبعة أو غيرها مما تقذف به المطابع العربية. وفوق هذا وذاك، يجب ألا ننسى أن نسبة القرّاء عامة
في الوطن العربي نسبة ضئيلة من مجموع السكان لاتساع نسبة الأمية بين العرب. فليس عجيباً أن يكون نصيب الشعر العربي الحديث
من هذه النسبة الضئيلة من القراء نصيباً صغيراً قد يتضاءل يومياً للأسباب المذكورة أعلاه.