eKtab
EN ع
سقوط عرش الطاووس
Read free sample

سقوط عرش الطاووس

by د. حقي شفيق صالح

Page 1

الإهـــــــــــــــــــــــــــــــداء

إلى من إحتاره الله إلى جواره

إلى والدي رحمه الله الذي أوصلني إلى ما أنا عليه عرفاناً وغفراناً ورحمـةً

إلى والدتي العزيزة التي ساعدتني بدعائها الكريم

إلى زوجتي العزيزة الوفية وأولادي الأحباء الذين تحملوا الكثير خلال مراحل إنجاز هذا البحث

Page 2

المقدمة

يتطرق الكتاب إلى حقبة مهمة وتاريخية وإمتداد لدولة عرش الطاووس هذه التسمية التي وصفت كل المراحل التي مرت بها إيران بهذا الوصف منذ عهد كورش ولحد الآن … وإذا كان الكتاب يهتم بصورة رئيسية إلى عهد الأسرة البهلوية التي تعاقب على إمتلاك السلطة فيها أب وإبن فقط هما الوحيدان من هذه الأسرة التي حكمت خلال الحقبة التي نبحثها . فإنه وبالرغم من قصر فترتها مقارنةً بالأسر التي حكمت إيران ، فإنها كانت مليئة بالأحداث الحاسمة والمؤثرة في منطقة إقليمية تعتبر من أهم مناطق العالم وكل حدث فيها مهما كان صغيراً أو بسيطاً يؤثر في عموم المعمورة . أنها حقبة إستمرت أكثر من نصف قرن مليئة بالأحداث والتناقض والصراعات ليس على مستوى إيران فقط بل كانت مسرحاً لأغلب القوى العظمى المتصارعة في المنطقة سواءاً كانت عالمية أو إقليمية أو محلية …

إن الكتاب في تركيزه على المؤسسة العسكرية فإن ذلك تابع من حجم وقوة تأثير هذه المؤسسة على سير الأحداث في إيران وفي عموم المنطقة وإشتركت كافة القوى العظمى في تأمين متطلبات هذا التأثير سواء كان سلباً أو إيجاباً أو زيادة تأثيرها أو تحجيمها حسب إتجاهات صراع الإيديولوجيات العالمية في مركز الطاقة للعالم . وهذا هو ديدن كل نظام سياسي حاكم تلعب المؤسسة العسكرية فيه دوراً مؤثراً ورئيسياً في القرار السياسي الرسمي الظاهر منه أو المخفي وراء الستار . ومن سوء الحظ أن هناك دولتين هما تركيا وإيران تلعب فيهما المؤسسة العسكرية والمؤسسة الدينية دوراً مؤثراً في القرار السياسي مع إختلاف نظمهما الدستورية وهاتين الدولتين تحيط بالمنطقة الحساسة والمتفجرة والمهيئة لتصارع القوى العالمية فيها ، ومن الطريف أن نذكر أن الأب والإبن في عهد الأسرة البهلوية اللذان حكما إيران راهنا على المؤسسة العسكرية ليس للعب دور إقليمي مؤثر فقط بل لحماية نظامهما السياسي ، فإذا بهذه المؤسسة تلعب دوراً مهماً في سقوطهما في مشهد درامي تراجيدي تكرر بصورة نادرة مع الأب والأبن ولكن بصورتين مختلفتين في الإسلوب والتأثير داخلياً وخارجياً.

المقصود بالمؤسسة العسكرية من وجهة نظر عسكرية بحتة ، مجموعة القوات العسكرية الدائمية منها وشبه الدائمية ، وكذلك شبه العسكرية منها كالشرطة والأمن والمخابرات وقوات الحدود ، كما تضم قيادات ودوائر عليا ووسطية ودنيا ومديريات وآمريات ، ومؤسسات ومراكز ومعاهد وكليات وجامعات عسكرية متنوعة قد تكون عسكرية من كافة الوجوه أو مرتبطة مع جهات ودوائر مدنية متعددة .

والمؤسسة العسكرية تمثل أحد الأركان الرئيسية في الدولة ، فهي ذات إرتباطين ، إرتباط داخلي ذاتي يتضمن مضامين إقتصادية وسياسية وإجتماعية وثقافية وفكرية ، وإرتباط خارج نطاق بنيانها التنظيمي ، وهو الذي يحدد علاقتها بالمجتمع وببقية المؤسسات المتعددة التي تمثل كيان الدولة ، مثل المؤسسة السياسية ، والمؤسسة الإقتصادية ، والمؤسسة الدينية والمؤسسة الفكرية …… وغيرها (1) .[1]

والمؤسسة العسكرية الإيرانية ، حال أية مؤسسة عسكرية في العالم ، هي رمز السيادة الوطنية والسمعة الدولية التي لا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تستغني عنها ، ليس في مجال دورها المعروف في حماية البلد وضمان سيادته وإستقلاله فحسب ، بل إن هذه المؤسسة ، ومن خلال قوتها وعظمتها ، سوف تؤثر في إزدهار العلوم والآداب والتاريخ والتراث والفنون … وغيرها بإعتبارها تؤمن الإستقرار والأمن للبنى التحتية للمجتمع ، وتشترك المؤسسة العسكرية مع العلم ، والنشيد الوطني القومي وغيرها من رموز الدولة . في صفة التميز بين الأمم الأخرى ، كما أن المؤسسة العسكرية تعد مؤسسة إجتماعية سياسية في الدول حديثة الإستقلال (2)[2] .

ومن هذا فإن مفهوم المؤسسة العسكرية ، لا يقتصر على مفهوم القوات المسلحة ، ولا على مفهوم أن وظيفتها هي المحافظة على تماسك المجتمع ودرء الأخطار الخارجية ، لأن النظام السياسي المعاصر إستوجب تعدد أشكال وتنظيمات أجهزة الدولة بصورة تكاد تكون متساوية مع المؤسسة العسكرية .

إن أهمية دراسة المؤسسة العسكرية الإيرانية تنبع من أن سلطة إيران الساسية كانت وما زالت تقترن قوتها بالقوة أو السلطة العسكرية المتيسرة لها ، ومروراً في كل حقب التاريخ ونتيجة التأثير المتبادل بين المؤسستين السياسية والعسكرية ، فقد أثرت هذه الدولة في المحيط الذي يجاورها ، وكانت عنصر قلق وإرباك لعموم المنطقة ، هذه المنطقة التي لم تترك أهمية موقعها وحساسيته البالغة وتميزه منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا ، وستستمر لمدة طويلة في المستقبل .

وتنبع أهمية إيران من كونها دولة جوار جغرافي للعراق ولأقطار الخليج العربي ، ولدول ذات أحداث ساخنة مثل تركيا وأفغانستان وباكستان والهند ، وفي الوقت الحاضر لدول في مرحلة مخاض عسير ، تنتظر لتؤدي دوراً مؤثراً في أحداث المنطقة ، وهي الدول المستقلة عن الإتحاد السوفيتي السابق بعد تفككه وإنهياره .

إن أهمية البحث تكمن في أنه يتعدى دراسة المؤسسة العسكرية لدولة مجاورة مثل إيران ، خاضت كثير من الحروب وأطولها ، وصولاً إلى الحقبة التي نبحثها ، حيث وصلت ذروة قوتها ، وأصبح يطلق عليها خامس قوة عسكرية في العالم ، ثم يسقط قائدها ، وتتعرض للإنهيار وتدخل في حرب دامية ضد جيرانها إمتدت لثمان سنين إنتهت بخسارتها الحرب بالرغم من فارق حجم المساحة ، وحجم القوة عدداً وعدةً وتسليحاً ، وتزداد أهمية البحث في الوقت الحاضر ، حيث تشهد فيها نمو وتطور المؤسسة العسكرية الإيرانية مجدداً في محاولة لإسترجاع قوتها بعد إنهيارها في عام 1988م ، بالإستفادة من تفكك الإتحاد السوفيتي وحاجة إقتصاد تلك الدول إلى العملة الصعبة مما ساعد على مبيعات أسلحة متطورة إلى إيران يجب أن يحسب لها الحساب في التأثير في أحداث المنطقة مستقبلاً .

وختاماً نشكر الله عز وجل شكراً وافراً لتسهيل إنجازنا لهذا الجهد المتواضع هدية لمحبي التاريخ الحديث ، وعسى أن نكون قد وفقنا في مسعانا وقدمنا جهداً متواضعاً يسد فراغاً للباحثين عن إيران وتاريخها بما يؤمن مصدراً للمكتبات التاريخية والعسكرية والاقليمية والدولية ، لدراسة منطقة حساسة ستبقى مرشحة لأحداث كانت ومازالت وستبقى ساخنة ومحل إهتمام القوى الكبرى والدول ذات المصالح مادام عصب الحياة ومركز الطاقة ينبع ويمر من طرقها وصراع الإيديولوجيات المتناقضة وصراع الحضارات وتراكماتها يؤثر تأثيراً متفاعلاً ومهماً فيها .

Page 3

آثار الحرب العالمية الأولى

تأثرت الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية لإيران بأحداث الحرب العالمية الأولى إلى حد كبير ، وعلى الرغم من الحياد الذي أعلنته إيران في الأول من تشرين الثاني 1914م ، فإن هذا الحياد تحول إلى مجرد "حبر على ورق" لأسباب عديدة منها : ضعف إيران العسكري ووقوعها مباشرةً على حدود الدولة العثمانية المنتمية إلى جبهة دول الوسط وروسيا المنتمية إلى جبهة دول الحلفاء . وأهمية موقعها الجغرافي ، وثروتها النفطية التي كانت تعتمد عليها بريطانيا في تموين قوتها البحرية ، لذلك أرسلت قواتها إلى إيران لحماية مصافي وإنبوب نفط عبادان العائد إلى شركة النفط الأنكلو – فارسية قبل أن تتحول إيران إلى ميدان للقتال بين الروس والبريطانيين من جهة والعثمانيين من جهة أخرى ، فضلاً عن واقعها السياسي المتمثل في تحول إيران قبل الحرب إلى شبه مستعمرة تابعة لمجموعة من الدول الكبرى (1).[3]

وعجزت الحكومة الإيرانية في معالجة مشكلات البلاد المستعصية ، وفي مقدمتها المشكلات الإقتصادية ، وكان عجزها أكثر في الجانب السياسي ولاسيما أنها لم تتمكن من وضع حد لتدخلات الأجانب في شؤون البلاد الداخلية . فقد أراد البريطانيون إحكام السيطرة على الأحواز في الجنوب الإيراني والتوسع شمالاً ، وكان هدف الروس نحو الجنوب ، وعمل الأتراك على بعث الحركة الطورانية بإسم الإسلام ، وجهد الألمان على تقويض النفوذين البريطاني والروسي في إيران للوصول إلى الشرق ، في حين حاولت الحكومة الإيرانية تحقيق أهداف ومكتسبات على حساب المناورة بين الدول الإستعمارية قدر المستطاع وبوسائلها المتاحة (2)[4] . ولكنها فشلت ، فقد إمتدت أثار التدخل الأجنبي خلال سنوات الحرب إلى كل مرافق الحياة الداخلية الإيرانية ، ويحول تقريباً .

ومما كان يضعف من موقف الحكومة الإيرانية ويحول دون تطبيق سياستها الحيادية المعلنة ، أن القوة العسكرية بمختلف فصائلها لم تكن تحت سيطرتها ، ففرقة القوزاق الإيرانية (3)[5] ، كانت تأتمر بإمرة الضباط الروس ، وقوة الدرك الإيرانية كانت هي أيضاً تحت إمرة ضباط أجانب هم السويديون الذين كان ولائهم لألمانيا دون غيرها خلال الحرب العاليمة الأولى ، كما أن قوات شرطة الجنوب كانت تحت سيطرة البريطانيين (4) .[6] وكل ما تبقى من جيش إيران كان موجوداً بإسم فقط فهو يتألف من مجاميع من المتطوعين من أبناء الشعب ، منتشرة في كل المقاطعات الإيرانية ، وكان سلاحهم رديئاً ، وينقصهم التدريب ، وعدم وجود روح قتالية لدى الجنود الإيرانيين .

Page 4

وعلى حد قول أحد المؤرخين ، أن الجيش الأيراني " أدنى مستوى من أن يستخف به " ([7]) لقد كان خروج ألمانيا مندحرة في الحرب العالمية ، ونجاح ثورة إكتوبر 1917م في روسيا الأثر الأكبر في جعل بريطانيا المحتل الوحيد لإيران ، لا سيما بعد إنسحاب القوات الروسية من الأراضي الإيرانية ، وإلغاء السوفيت لإتفاقية 1907 ([8]) ، ومن هذا كله نرى أن إيران لم تستفد من قيام الحرب العالمية الأولى ، حيث بقي النفوذ الأجنبي مثلما كان في السابق . كما أنها لم تستفد من الحكم الدستوري في السنوات السابقة لهذه الحرب ، بسبب الأطماع الدولية فيها ، فضلاً عن نفوذ الحكام المتنفذين الذين رأوا في النظام الدستوري ما يحول دون أطماعهم ، فعمدوا إلى مناوأته بكل ما لديهم من قوة وسيطرة على الشعب ([9]) وعندما إنتهت الحرب العالمية الأولى أصبحت إيران ضعيفة ، خائرة القوى ، خاوية الخزينة ، ممزقة الأشلاء ، تحتل الجيوش الأجنبية معظم أراضيها ، ويقاسي أهلها من الجوع ، وبحكم ذلك تحولت الحقبة التي تبعت الحرب العالمية الأولى مباشرةً إلى أكثر الحقب تأزماً في تاريخ إيران . مما كان يعكس بوضوح العلل الإجتماعية والإقتصادية والسياسية المزمنة للمجتمع الإيراني ، ثم إن الخضوع المتزايد للحكومات الإيرانية المتتابعة للبريطانيين في ظل التناسب الجديد للقوى على صعيد المنطقة ، أدى إلى تفاقم أبعاد الأزمة ، فضلاً عن نمو الحركة الوطنية التي تأثرت في نهوضها الجديد بجملة عوامل خارجية أيضاً منها ثورة إكتوبر الروسية ، والحركة الكمالية التركية ، وثورة العشرين العراقية ، وحركة أمان الله خان الأفغانية ، وحركة النمور الهندية ، كل ذلك جعل الإيرانيين يتقبلون كل حركة من شأنها وضع نهاية حاسمة للنظام القاجاري ، الأمر الذي تحول إلى عنصر مؤثر في رسم سياسات الدول المهتمة بإيران ، وفي مقدمتها بريطانيا التي إستغلت الإنسحاب السوفيتي من إيران ، مما جعلها تحت رحمة بريطانيا من دون منافس ، لذلك سعت إلى عقد معاهدة مع حكومة طهران ، وبخاصة بعد أن ألغى السوفيت من جانبهم إتفاقية 1907 ، وهكذا توصل الطرفان إلى ما يعرف بمعاهدة 9 آب 1919 .

تلك المعاهدة التي أثارت ردود فعل قوية داخلية وخارجية ولا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا السوفيتية وفرنسا ([10]) .

إن الأوضاع المتردية في إيران وعجز الحكومات المتتالية في إيجاد حلول لهذا التردي ، وفر الظرف لظهور شخص يحسم الأمر لصالح الإيرانيين ، وكان أكثر أفراد القوات القوزاقية الموجودة في إيران وعياً وذكاء ، رقيباً يدعى "رضا مبرزا" ([11]) .

وقد عين قائداً لفرقة القوزاق ، عن طريق تدخل قائد القوات البريطانية في إيران آنذاك ، الجنرال "أدموند إيرونسايد Admond Eronsid" الرجل الذي أوصل رضا خان إلى قائد قوات القوزاق ، بعد أن أبدى إعجابه به قائلاً "إن رضا خان هو الرجل الوحيد القادر على إنقاذ إيران" ([12]) ، وقد كان الضباط البريطانيون يقدمون له المشورة الفنية ، وكانت هذه من الدلائل التي تؤيد تواطؤ بريطانيا معه ، ومع هذا فقد كان مبدأ رضا خان الأعلى في البداية هو (إيران للإيرانيين) ([13]) لقد أدى رضا خان (الشاه بعدئذ) دوراً متميزاً وخطيراً ومهماً في السياسة الإيرانية سواء في نهاية العهد القاجاري (1795-1926) أو بعد إنهياره وقيام العهد البهلوي ، وحتى سقوطه عن عرش إيران عام 1941 .

وعلى الرغم من أن بعض المؤرخين يضيفون المدة من 1921-1925 إلى عهد الأسرة القاجارية ، إلا أن رضا خان ، ظهر على مسرح الأحداث خلال هذه المدة ، تاركاً بصماته على كثير من القرارات والإجراءات التي إتخذت فيها .

Page 5

إنقلاب 21(حوت) شباط 1921 وتسلم رضا خان السلطة

بعد وصول النظام القاجاري إلى الإنحلال الكلي ، جاء الإنقلاب الذي قاده رضا خان عسكرياً ، والصحفي السياسي ضياء الدين طباطباشي سياسياً ([14])في الحادي والعشرين من شباط كأول أنقلاب عسكري في إيران والشرق الأوسط ، وقد وضع البداية لنهاية الأسرة القارجارية ، وهيأ الفرصة أمام رضا خان للتربع على العرش الإيراني بعد أربع ،سنوات ([15]) والذي يوصف بأنة ضابط قوزاقي (دون ارتباطات أرستقراطية) ([16]).لقد كان رضا خان يعرف (من أين تؤكل الكتف) ، فترك زميله ضياء الدين طباطبائي يتورط في مشاكله لينعزل عن الجميع ، بينما انهمك هو في تعزيز مواقعه داخل الجيش الذي حقق له مكاسب كثيرة ، في الأشهر التي اتبعت الانقلاب ، فكسب عددا كبيرا من الضباط ، وعين بعضهم في مراكز حكومية حساسة . ومن جانب أخر كان يحاول فرض نفسه صاحبا شرعيا وحيدا لانقلاب حوت ([17]). فكان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة ، وبرز نجمه بعد قضائه على الحركات الثورية وإخضاع الإقطاعيين . وأصبح بذلك رجل إيران بلا منازع ، فأصبح رئيسا للوزراء للمدة من التاسع والعشرين من تشرين الأول 1923 لغاية كانون الأول 1925 ، وفي هذه الحقبة قامت ثلاث حركات معارضة مهمة ([18]) ، ولكنه تمكن من ضرب الحركات الثلاث في آن واحد . وعند عودته إلى طهران أستقبله شعبها استقبال الفاتحين ([19]) . لقد إعتمد رضا خان ، خلال مدة رئاسته الحكومة على الجيش والجندرمة ، ولذلك نشط بوصفه قائداً عاماً للقوات المسلحة (سرد ارسية ) ، ووزيراً للحربية في تقوية السلطة المركزية والقضاء على نفوذ الأقاليم ولاسيما خلال السنوات 1923-1925([20]) .

بعد إنتهاء حكم الأسرة القاجارية تم تشكيل مجلس تأسيسي بلغ عدد أعضائه ضعف عدد أعضاء المجلس النيابي الإيراني لينظر في مستقبل إيران ، وبعد مضي ستة أيام من تشكيل الوزارة وافق المجلس التأسيسي في جلسته التي عقدها في الثاني عشر من كانون الأول 1925م على قرار التعديلات التي أجريت على الدستور الإيراني لسنة 1907م ، ولا سيما المواد 36-40 ([21]) أصبح رضا خان وصيا على المملكة ([22]) . ومن ثم شاها على إيران بأسم "رضا شاه بهلوي شاهنشاه إيران"([23]) . على أن يتوارث الحكم من بعده أبناؤه الذكور . وقد صوت إلى جانب القرار 257 نائبا من أصل 260 نائبا وتحفظ ثلاثة من النواب ([24]) .

وعلى كل حال وللدلالة على أن للبريطانيين صلة وثيقة وعلما بالأحداث التي تجري ، فقد كان للقول الذي ثبته "ونستون تشر شل winiston churchill " رئيس الوزراء البريطاني بعد سنوات قليلة عن رضا شاه له دلالاته : "نحن الذين نصبناه على العرش الإيراني "([25]) .

Page 6

سياسة رضا شاه الداخلية

تعد السياسة الداخلية التي إتبعها رضا شاه بعد إنتخابه شاهاً لإيران إمتداداً لسياسته عندما كان رئيساً للوزراء من خلال المواقع القوية التي كان يحتلها ، ولاسيما وزارة الحربية ، ولهذا فإن القضاء على نفوذ الأقاليم وإستمراره في هذه السياسة يعد من أبرز نشاطاته الداخلية والتي ساعدته بعدئذ على تحقيق سياسته الخارجية ولاسيما عندما حاول القضاء على الإمتيازات الأجنبية ونجح نسبياً فيها ، وقارع شركة النفط الإنجلو فارسية ووجد أن مشاكل إيران الداخلية متصلة إتصالاً وثيقاً بسياستها الخارجية ، وقد أدرك أن وجود النفوذين البريطاني والسوفيتي في إيران قد ساعدا على إضعاف الدولة القاجارية ، ولذلك حاول إضعاف هذين النفوذين ، ولكي يعزز رضا شاه عرشه كان عليه "أن يفضي على نفسه نوعاً من الشرعية تحل محل شرعية المولد"([26]) .

لقد رشحه ذلك ليؤدي دور الرجل الأول في إيران ([27]) ، فعاد إلى الوراء في تاريخ إيران ، إلى ما قبل أسرة القاجار الذين خلفهم وإتخذ لقب "بهلوي" للأسرة التي كان يأمل في تأسيسها ، وحول بعد ذلك إسم البلاد من فارس إلى إيران([28]) .

بدأ رضا شاه عهده محاولاً إجراء تحسينات عديدة في كافة النواحي وقد ركز على قسم منها وأعطاها أهمية كبيرة مثل زيادة قوة المؤسسة العسكرية وأعطى القضايا الأخرى نسبة أقل من الإهتمام مثل القضايا الإقتصادية والثقافية والإجتماعية وقد ركز بالدرجة الأساس على تقوية سيطرة الدولة على المجتمع الإيراني في كافة مجالاته . ولم تكن الأمور سهلة فلقد كانت تركة الحكم القاجاري ثقيلة وأغلب جوانبها مرتبكة ، وكان له أعداء كثيرون ، ومن برامج سياسته الداخلية أنه عمل الكثير في كافة المجالات التي أتيحت له سواءً قبل توليه وزارة الحربية أو بعدها أو عندما أصبح رئيساً للوزراء أو شاهاً .

ويبدو أنه كان متأثراً بجاره كمال أتاتورك في تحويل تركيا إلى دولة معاصرة ([29]) ، وقد كان مخطئاً في هذا الإتجاه المتطرف بسبب الفوارق الجغرافية والتاريخية والجيوبوليتيكية والإجتماعية والعسكرية والسياسية والثقافية بين تركيا وإيران والتي لم تكن في صالح الأخيرة ، وقد رأى أن إيران بلاد واسعة ومترامية الأطراف ، ومسالكها تعوقها الجبال والتلال والهضاب الواسعة ، والصحارى القاحلة ، فشيد بعض الطرق الحديثة وحاول تنظيم الموانئ ، وإهتم بالمطارات والمواصلات الجوية ([30]) . وأولى السكك الحديدية بعض الأهمية ، فأنشأ شبكة تمتد من شمال البلاد إلى جنوبها ، وكان ذلك بدوافع عسكرية وإقتصادية ، فربط المقاطعات ولاسيما البعيدة عن العاصمة ليقوي من قبضة السلطة المركزية عليها ، ويسهل تحركات الجيش في تلك المناطق ([31]) . وكان الهدف الأهم للشاه إضعاف الصلات التجارية بين مناطق الشمال الإيراني المحتل دوماً من روسيا بحقب متلاحقة ومتقطعة مما جعله سوقاً دائمية ومفتوحة للتجارة مع الجارة الشمالية ([32]) .

وقد وجد رضا شاه أن أحلامه في إنجاز شيء يختلف عن العهد القاجاري ولابد أن يكون لها إقتصاد يعينه على السلطة فإعتمد على الضرائب بدلاً من القروض الخارجية ، ومن هذا المنطلق إتخذ عدة خطوات لدفع الوضع الإقتصادي للبلاد بإتجاه مختلف ، وفي مجال الزراعة التي ظلت تشكل العمود الفقري للإقتصاد الإيراني طوال عدة قرون ، حاول رضا شاه إرضاء الفلاحين وبالتالي محاولة زيادة الإنتاج الزراعي بإصدار عدة قوانين لهذا الغرض . بيد أن العلاقات شبه الإقطاعية ظلت تسود القرية الإيرانية ، وخدمت تلك القوانين مصالح كبار الملاكين بالدرجة الأولى ([33]) ، وعلى الرغم من أن رضا شاه وجه ضربات إلى بعض العناصر المعارضة له فإنه في الوقت نفسه وزع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية على أنصاره الذين شكلوا قاعدة النظام الجديد ([34]) .

ويبدو أنه في عام 1930 تم تأسيس قسم زراعي في المصرف الوطني تبعها تأسيس المصرف الزراعي عام 1931 ([35]) .

Page 7

وبالرغم من كل هذه المحاولات فلم تكن هناك حصيلة جيدة ومؤثرة في هذا المجال لأنها كانت سياسة عقيمة ذات أغراض خاصة أكثر منها ذات أغراض لمصلحة البلاد وفي مجال الصناعة فأنها لم تكن أفضل من الزراعة ، فعلى الرغم من إصدار سلسلة القوانين ، فلم تكن النتائج جيدة وحاسمة ، ومع هذا فقد ظهرت بعض الشركات في ميداني الصناعة والتجارة كانت بعضها ملكا للدولة والأخرى مزروعة بين الحكومة وعدد من المستثمرين ([36]) . أن هذه المحاولات كانت بحاجة ماسة إلى التمويل ، فأصدر في عام 1930 قانون ضريبة الدخل الذي عدُ محاولة على طريق إستحصال الأموال للخزينة سواء من الموارد المحلية أو من أرباب الشركات . وقام ببعض الإجراءات منها تبديل العملة من (القران الفضي) إلى (الريال البهلولي الذهبي) و (الريالات الورقية) الجديدة ([37]) ولعل من أهم الإجراءات لرفع الاقتصاد للبلاد ، أشعار إيران في عام 1927 للدول ذات العلاقة بأن الحكومة الإيرانية شرعت باتخاذ الإجراءات اللازمة لإلغاء بعض الامتيازات للشركات ([38]). وفعلا أعلنت الحكومة الإيرانية في الحادي عشر من أيار 1928 عن إلغاء بعض الإجراءات السابقة رسمياً([39]) . ولكنها بقيت بدون فائدة تذكر لعدم وجود سياسة جيدة في هذا الاتجاه بل كانت إجراءات اجتهادية أما في مجال الشؤون الثقافية والاجتماعية والصحية والعمرانية فبالرغم من إن ، رضا شاه لم يكن مثقفا أو صاحب نظريات سياسية ، فقد أتخذ بعض الخطوات المتواضعة جداً ، وأسهمت ولو بنسبة ضئيلة في إعادة التركيب الاجتماعي والثقافي على وفق منظور جديد ، فحاول إعطاء حرية أكثر للمرأة وفرض رمي الشادر وإلغاء الحجاب وأحداث تغييرات في قوانين الزواج والطلاق وتوسيع فرص التعليم أمام المرأة ([40]) ، وكان من الطبيعي وكنتيجة حتمية لطبيعة المجتمع الإيراني أن يجابه بصعوبات كبيرة ، لاسيما من لدن المؤسسة الدينية والتي دخل معها في حرب حقيقية ، وقد بدأ رضا شاه إجراءاته لتحجيم سلطة علماء الدين عندما شرع في الإطاحة بالكثير من إمتيازاتهم القضائية ([41]) ، وأنشأ بدلها المحاكم المدنية مما جعل كثيراً من الإصلاحات تنال أجهزة القضاء التي كانت بدائية . ومنذ عام 1928 فرض رضا شاه على علماء الدين إرتداء الملابس العصرية لاسيما القبعة البهلوية ، ومنع لبس العمامة أو الزي الديني إلا بتصريح خاص من الحكومة ، وشدد على الإيرانيين بإرتداء الزي الأوربي ، وحاول إلغاء الأحرف العربية من اللغة الفارسية في خطوة عنصرية فارسية كان يعمل من أجلها ولكن لم تفلح محاولاته بسبب وجود البديل الصعب من الأحرف اللاتينية التي أقرها([42]) ورغم محاولاته المتواضعة في مجال التعليم . فقد ظل يعاني من مشاكل عديدة([43]) .

أما موقفه من القوميات غير الفارسية ، فقد ضم إقليم عربستان إلى إيران بدعوى المحافظة على مركز السلطة([44]) . ولم يضطهد رضا خان القبائل العربية وحدها ، فقد إضطهد القبائل التركية والكردية فضلاً عن البختيارية والكهكيلوية واللور والبلوشية ، حيث كان لهذه القبائل أمراء وشيوخ مستقلون عن الدولة الفارسية وكانت تتمتع بنوع من الحكم الذاتي([45]) . وقد ساهم رضا شاه في نشر الدعوة القومية الفارسية ، لتحقيق أحلامه في تكوين إمبراطورية فارسية كبيرة ، وقد كان طابعها طموحا لعودة تاريخ إيران كما في العصور القديمة بما لايتلائم وظروفه . وبذلك إتخذت سياسته الداخلية إتجاهاً عسكرياً ديكتاتورياً في تعامله مع شعوب إيران .

وقد جمع رضا شاه ثروة خاصة كبيرة ، من سرقة أملاك الناس الضعفاء ، وقسم من الإقطاعيين ، ومن المثقفين التقدميين ، وزاد الهوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون ، ولهذا فإن المجتمع الإيراني لم يجد ما يعجبه في رضا شاه ، كقوقازي مدرب من لدن القيصريين ، وجاء به البريطانيون إلى السلطة ، ليكون مؤسس إمبراطورية جديدة لأغراض شخصية([46]) .

Page 8

سياسة رضا شاه الخارجية

كانت بريطانيا أول دولة تعترف بنظام رضا شاه ، بعد إعتلائه للعرش الإيراني ، فقد أرسل ملك بريطانيا رسالة إلى الشاه مهنئاً بالمناسبة بعد أن أبدى رضا شاه رغبته بأن تكون بريطانيا أول من يعترف به( [47]) .

وكان من الطبيعي أن تكون أن تكون بريطانيا مسرورة بتنصيب رضا خان على عرش إيران ، حيث أنها قبل ذلك في أيار 1924 وأمام مجلس العموم جاءت الإشارة الأولى من وزير الخارجية البريطاني "اللورد كرزن" عندما إعترف :(إن سمعة بلاده قد تدنت كلياً) ولكنه أضاف قائلاً: "علينا أن نهادن روح التمرد القومي التي تفجرت هناك"([48] ) . وقد كانت بريطانيا مهتمة بإيران بصورة خاصة منذ أن بدأت تولي الشرق جانباً كبيراً من إهتمامها . فكانت المهمة الأولى للدبلوماسية البريطانية في إيران العمل الجاد من أجل الحفاظ عل تبعية طهران لبريطانيا واقعياً وقانونياً([49]) . وقد حاول البريطانيون أن يهيئوا الرأي العام الإيراني والحكومة الإيرانية بأنه ليس أمام الإيرانيين ، شأنهم في ذلك شأن بقية أبناء المنطقة ، سوى اللجوء إلى البريطانيين وحدهم([50]) . وقد تدخل البريطانيون في الأمور المالية للدولة الإيرانية فكان لهم دور مهم في المصرف الشاهنشاهي([51]) ، وفي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى قد تظاهرت بالتأييد للحركة الوطنية في إيران ، نجد أنها بعد الحرب ، ولاسيما بعد توقيع إتفاقية عام 1919 مع إيران ، لا تمانع في التعاون مع رضا خان في القيام بإنقلاب عسكري ، كما جاءوا به إلى العرش عام 1925([52]) .

وقد تأرجحت العلاقات البريطانية – الإيرانية بين مد وجزر فكانت تحركها مصالح الطرفين المحلية والإقليمية والمصالح النفطية . وكان لإلغاء رضا شاه لمعاهدة 1919 والتي كانت نصوصها مجحفة بحق الإيرانيين ، أثر في تدني العلاقات بين الطرفين([53]) . وقد وصلت العلاقات أدنى مستوياتها في شهر أيار 1927 ، عندما أخطرت الحكومة الإيرانية الدول الأجنبية التي لها إمتيازات في إيران بأنها قد وضعت شروطاً جديدة للشركات([54]) .

ومع ذلك فإن هذه القرارات لم تواجه بردود فعل كبيرة من الدول الأجنبية ذات العلاقة . إذ إكتفت بريطانيا صاحبة المصلحة الأولى في ذلك النظام بالإحتجاج رسمياً ولاسيما أن ذلك القرار لم يمس مصالحها النفطية وهي الأكثر خطورة ، كما أن رضا شاه كان شديد الإهتمام بعدم إثارة بريطانيا وتجاهل دورها في تمهيد طريقه إلى العرش([55]) . ومن الأمور الأخرى التي أدت إلى تدني مستوى العلاقات بين الطرفين زيادة النفوذ الألماني في إيران ، وكانت بريطانيا تشعر بالقلق إزاء إزدياد تأثير ألمانيا على سياسة (الشاه) الخارجية "وخاصةً أنه بدأ يفقد إحترامه داخل إيران"([56]) .

أما في ما يتعلق بألمانيا فإنها إستعادت مواقعها بسرعة في إيران بعد أن فقدتها عقب خسارتها الحرب العالمية الأولى ، وكان ذلك بوساطة شركاتها التجارية المتعددة التي تغلغلت داخل كل المرافق الحيوية لإيران([57]) ، كما أن العلاقات الثقافية بين البلدين ولاسيما إرسال طلاب إيرانيين إلى ألمانيا ، زاد من نمو هذه العلاقات ومستقبلها ، وإزداد في عهد رضا شاه إستخدام المدربين من الضباط الألمان والخبراء الإختصاصيين في المصانع الحربية الإيرانية([58]) .

وقد تحولت هذه الأمور إلى قاعدة مناسبة للتطور اللاحق الذي طرأ على العلاقات الإيرانية – الألمانية . وقد باشر رضا خان إعطاء سلسلة إمتيازات للألمان ساعدت على إستعادة نفوذهم القديم ، لاسيما في أسواق إيران([59]) . وقد حققت ألمانيا فوائد كبيرة من إستيرادها للمواد الخام الإيرانية لإنخفاض أسعارها وقد زاد عدد المستشارين الألمان في كل مرافق الدولة سواء كانت المالية أو العسكرية أو الثقافية ، وسواء من الأعوام 1921-1929 ، أو أيام الأزمة الإقتصادية من 1929-1933([60]) ، وقد أشيرت تأويلات كثيرة بشأن علاقته بالألمان ، ولابد من الإشارة إلى أن الأوساط الإيرانية الحاكمة وبإنتقال السلطة في ألمانيا إلى هتلر وحزبه النازي ، أيدت ذلك بحرارة ، لقد كان رضا شاه شديد الإعجاب بالعسكرية الألمانية وشخصية زعيمها أدولف هتلر ، ومن إعجابه زاد عدد الخبراء الألمان في جيشه وبلغ الآلاف ، وهذا سبب له مشاكل كثيرة لاحقاً وكان أحد أسباب سقوطه([61]) .

أما علاقته بالإتحاد السوفيتي فقد إعترف السوفيت به ، منذ اللحظة التي أعتلى فيها رضا شاه على عرش إيران ولاسيما أن علاقته جيدة معهم في البداية ، ولكن هذه العلاقة ساءت فيما بعد لإسناد السوفيت الثورات والتمردات في شمال إيران .

وعلى الرغم من أن السوفيت رحبوا بإنقلابه بحماس مؤكدين (أن الدكتاتورية العسكرية مرحلة إنتقالية نحو نظام حكم جمهوري قومي وعدوه بطلاً قومياً حقيقياً ودشن حكمه كبداية عهد جديد من تاريخ إيران الحديث إلا أن الضابط المازندراني الطموح أظهر حقداً كبيراً على السوفيت وتعامل معهم بحذر شديد طيلة مدة حكمه)([62]) .

Page 9

كان السوفيت يتصورون أنه يرأس حركة وطنية ثورية ، لاسيما بعد انقلابه في 21 شباط 1921 ، حيث ألغى اتفاقية 1919 مع بريطانيا ، وأبرم معهم معاهدة 26 شباط 1921 ([63]) وقد بقيت بعض بنود هذه المعاهدة مثار جدل كبير بين الطرفين لسنين طويلة ([64]) وأمنت مؤقتا حدود إيران الشمالية من أطماع جارتها الشمالية وأعطتها فرصة للانصراف لمعالجة القضايا الداخلية وعلاقاتها مع الدول الأخرى.([65]) وكانت العلاقات تجري بين مد وجزر من عام 1931 ولغاية 1938 ، لتصل إلى درجة أغلقت موسكو جميع قنصلياتها عام 1938 في المدن الإيرانية ([66]) .

أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة فقد تم إعترافها برضا شاه شاهاً على إيران في السابع من تشرين الثاني 1925([67]) . ومنذ أحداث الحرب العالمية الأولى ، كانت إيران تبحث عن التوازن في سياستها ، لحماية كيانها بين العملاقين البريطاني والروسي آنذاك ، على وفق نظريتها المعروفة (الطرف الثالث) ، وإذا كان إندفاعها نحو ألمانيا وإذا كان التوازن أحد أسبابه فإن خيار تجربة الورقة الأمريكية كان إحدى وسائل التخفيف عن الضغط الدولي الكبير الذي أثقل كاهل إيران بشكل فريد في بداياته([68]) .

والحقيقة أن موقف الولايات المتحدة كان حذراً ولم تستغل الفرصة كاملةً لأسباب عديدة([69]) ، لا يمكن سبر غورها في هذا البحث ، وبالرغم من أن التغلغل الأمريكي برز بشكل واضح في الحرب العالمية الأولى وبعدها فإنه لم يكن بالحجم المناسب والكبير . ومع هذا فقد بلغ موقع الأمريكيين في إيران قبل نهاية الحرب الأولى شأناً لم يكن بوسع أي من المهتمين بالشؤون الإيرانية تجاهله([70]) .

ومع إزدياد أهمية النفط بدأت الولايات المتحدة تعطي إهتماماً متزايداً في تعزيز مواقعها في إيران لاسيما من خلال الفراغ الذي تركه الإنسحاب الروسي من شمال إيران إثر سقوط النظام القيصري([71]) .

وكان لتأثير البعثات الأمريكية ، نتائج إيجابية في تعزيز هذه المواقع ودخول الولايات المتحدة في مرافق الدولة الإيرانية العسكرية والمالية والسياسية الإقتصادية وحتى الثقافية منها ، وفي مجال الخدمات العامة([72]) . وقد بلغ النفوذ الأمريكي حداً أثار مخاوف بريطانيا وقلقها ، وقد إعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية في بادئ الأمر لتبرير تدخلها في إيران على إسلوب تقديم المشورة بواسطة (فرق المساعدات الفنية) ومن ثم إدخال معدات جديدة تهتم بالأنظمة السوقية لإرتباطها بالشركات الأمريكية الخاصة ، وقد تركز نشاطها على وسط وجنوب إيران مع التأكيد على الخليج العربي والمحيط الهندي من دون التدخل في شمال إيران بما توافق مع المصالح الإيرانية([73]) .

وفيما يتعلق بعلاقات إيران مع الدول الأوربية الأخرى ، فقد كانت لها علاقات دبلوماسية وصلات تجارية مع الدول الأوربية ، كما إستمر في هذه المرحلة التبادل التجاري بين إيران وكل من إيطاليا والسويد وسويسرا والنمسا والدانمارك ، فضلاً عن عدد من دول أمريكا اللاتينية([74]) . كما كان هناك تعاون تجاري في مجال الخدمات مع كل من بلجيكا واليابان ويوغسلافيا([75]) .

أما علاقته بالدول المجاورة فقد إتبع رضا شاه سياسة جديدة ، تراوحت بين الرغبة في التقارب أحياناً ، وبين إظهار مظاهر القوة والعظمة والتهديد في أحيان أخرى ، والحقيقة أن كون البلاد مسلمة لم يكن أساساً في سياسته تجاهها بقدر ما كان يبغي أن تكون هناك موازنة في الإستقلال عن بريطانيا والإتحاد السوفيتي ، ولهذا فقد حلت إيران المشكلات الحدودية مع تركيا وأفغانستان بعد تعقيدات ومناوشات حدودية عديدة . وعقدت عام 1926 معاهدة للصداقة مع تركيا وأفغانستان وزار الشاه تركيا وإلتقى مع كمال أتاتورك وكان أحد أسباب التقارب التركي الإيراني ، الإعجاب الشديد لرضا شاه بالرئيس كمال أتاتورك وإجراءاته في تحديث تركيا([76]) .

أما عن علاقاته بشبه الجزيرة العربية فكانت بين مد وجزر ، وقد حاول منذ البداية أن يظهر ويؤسس إمبراطورية جديدة على حساب جيرانه ، ولاسيما في منطقة الخليج العربي ، (إن علاقة رضا شاه ببريطانيا .. قد إنعكست على علاقته في منطقة شرقي الجزيرة العربية)([77]) لقد أدت طموحات رضا شاه القومية والعنصرية ونزعته التوسعية إلى إدعائه السيادة على البحرين العربية أرضاً وشعباً ، الأمر الذي أدى إلى توتر علاقته بالدول العربية وبريطانيا معاً ([78]) أما فيما يتعلق بالعراق ، فقد حاولت الأوساط الحاكمة في إيران استغلال الظروف التي استجدت أثر سقوط الدولة العثمانية لإثارة أطماعها في العراق من جديد . ولم تعترف طهران بالحكومة العراقية أو بالملك فيصل الأول ملكاً على العراق ، وهذا ناقض كلياً بياناتها الأولية كحكومة تعترف بكل المعاهدات والإتفاقيات المبرمة مع الدولة العثمانية سابقاً ([79]) وبلغ تجاهل الإيرانيين للحكومة العراقية حد أنهم كانوا يجرون جميع إتصالاتهم بالمندوب السامي البريطاني مباشرة .([80]) وهكذا فان مشكلة الحدود بين إيران والعراق ، ومشكلة شط العرب ، والرعايا الإيرانيين في العراق وامتيازاتهم ، ظلت الطابع المميز والمعقد في العلاقات المتوترة بين العراق وإيران سواء كان ذلك في العهد القاجاري أو بعد تسلم رضا شاه العرش الإيراني ([81]) . بل إن مشكلات الحدود في عهد رضا شاه تحولت إلى عوامل لتصعيد الخلافات بين الطرفين . وقد شهدت الفترة من 1928 حتى 1934 سلسلة من المفاوضات مع الحكومة الإيرانية كان أهم موضوع فيها هو العلاقات العراقية-الإيرانية([82]) أما بعدها وحتى عام 1941 فقد ظلت العلاقات بين مد وجزر وتوتر وإستقرار ومماطلة من الجانب الإيراني ولحين دخولها مرحلة جديدة .

Page 10

إندلاع الحرب العالمية الثانية

كان لإندلاع الحرب العالمية الثانية ، الأثر الكبير في وضع البداية لنهاية وضع الشاه بهلوي ، فضلاً على أن سياسته الداخلية ، كان لها الأثر الكبير في نهايته أيضاً ، فقد إنتقد الوطنيون مسيرة رضا شاه وعدوها سياسية عنيفة وإضطهادية لعناصر المعارضة وكانت الدولة تلجأ كثيراً للسيطرة على المعارضة مهما كان نوعها(إلى حد كان عدد من الأوربيين في عام 1941 ينتظرون فيما إذا كان الإضطهاد سيدوم مفعوله أو يقوم الضباط الشباب بقلب النظام أو أن القسر الإجتماعي سيؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى ثورة قومية ، إلا أن هذه الأفكار والتساؤلات إنتهت بالغزو الإنكلوسوفيتي في آب 1941)([83]) .

وقد حذر وزير الخارجية البريطاني في آيار 1941 بقوله : "إن حالة الإستياء العامة في فارس توفر للألمان ساحة جيدة للتدخل ، والشاه أصبح موضع كره عام ولا يستطيع أن يعتمد على مساندة تامة من جييشه ، وأي حركة لإزاحة الشاه أو حتى إمبراطوريته ستكون شعبية ومطلوبة ، وإن معظم الناس في إيران سيرحبون بثورة مهما كان نوعها" ([84]) .

ويضيف الملحق الصحفي البريطاني في تقرير له :"الغالبية العظمى من الناس تكره الشاه وسترحب بأي تغيير فبالنسبة لمثل هؤلاء الناس ، حتى تفشي الحرب في إيران يبدو أفضل من إستمرار هذا النظام فيه . إن المشاعر العامة هي إلى جانب حقيقة كون إيران أضعف من أن تجابه ألمانيا أو الروس ، وليس لديهم سبب لأن يقاتلوا ، إنهم يكرهون الشاه" ([85]) .

ويبدو أن هناك مبالغة بخصوص ما ذكر عن عدم مساندة الجيش للشاه ففضلاً عن الإمتيازات التي كان يتمتع بها الجيش ، فإن أغلب مرافق الجيش وصنوفه كانت موالية للشاه ، وأن السبب في ذلك هو الخشية من قيام ثورة يقوم بها ضباط شباب تطيح بالنظام البهلوي ، ومن المحتمل أن تتحول إيران بعدها إلى جمهورية ، وقد تكون سياسة هذه الجمهورية مضرة بمصالح الدول الكبرى آنذاك ، أما بالنسبة للشعب ونتيجة السياسة الداخلية العنيفة للشاه فكان من الممكن أن يكون كره الشعب للشاه قد وصل إلى مرحلة يتقبل فيها الثورة .

لقد كان لأغلب الدول الكبرى التي إشتركت في الحرب العالمية الثانية إهتمام في منطقة الخليج العربي ، قبل الحرب العالمية الثانية وأثنائها ولأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا ، لاسيما بريطانيا والإتحاد السوفيتي وألمانيا والولايات المتحدة ، وكان لهذا الإهتمام بعد قيام الحرب أسباب تعني أشياء كثيرة ذات مساس مباشر بسير العمليات الحربية بين الأطراف المتحاربة ، حيث أثر موقع إيران الإستراتيجي على تطور الحرب لاسيما عندما وصلت منطقة الشرق الأوسط إلى حافة الحسم المهم من الدول الكبرى .

وعند نشوب الحرب العالمية الثانية وقفت إيران على الحياد ظاهرياً كما أعلن ذلك رضا شاه في الرابع عشر من أيلول 1934 ، حيث حاولت الحكومة الإيرانية إقامة علاقات عادية مع جميع القوى المتصاعدة ، والموازنة بين الدول الكبرى التي لها مصالح في إيران ، إلا أن هذه الموازنة لم تتم فقد كانت لصالح ألمانيا([86]) .

وفي ظل الظروف التي سادت المنطقة والعالم في بداية الحرب مباشرةً إحترمت الدول الكبرى سياسة الحياد الإيرانية ، فلم يعترض عليها الإتحاد السوفيتي وأيدتها ألمانيا وقبلتها بريطانيا على مضض منها ولم تبد أول الأمر معارضةً لوجود عدد كبير من الألمان في إيران([87]) .

وقد حاولت إيران نقل إخبار الحرب في وسائل إعلامها بشكل عادل حول طرفي النزاع وذلك لتعزيز سياسة الحياد التي إتبعتها([88]) .