بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *}
[يوسف: 12/2] - صدق الله العظيم
بسم الله الرحمن الرحيم
لكل بنيان دعائم يقوم عليها ويبقى البنيان متيناً ثابتاً مادامت هذه الدعائم قوية راسخة، فإن وَهَتْ وَهى، وإن تصدَّعت انهار. والأمة كالبنيان تقوم على دعائم لابد من العناية بها وصيانتها للحفاظ عليها سليمة قوية. - أبدأ في هذا الكتاب بالبحث في أولى هذه الدعائم وأكبرها شأناً وهي اللغة ، وهو حلقة من سلسلة تبحث في بقية الدعائم، أرجو أن أوفق لاستكمالها في كتب قادمة إن شاء الله.
شكر
أشكر كل من اطلع على مسودة هذا الكتاب وزودني بملاحظاته ، وأخص بالذكر الأخ الكريم المرحوم الدكتور عدنان تكريتي، وحرمه المحترمة السيدة نبيلة هاشم اللذين أخذت بكثير من ملاحظاتهما ونصائحهما.
وفق الله الجميع ومتعهم بالصحة والسعادة.
مقدمة
أخي القارئ الكريم
قد تقول حين يقع هذا الكتاب بين يديك وتعرف مؤلفه: ما لهذا الدخيل يتكلم فيما لا شأن له به؟ وما للطبيب واللغة والكلام عن اللغة؟ وقد تكون محقاً في قولك لو أن اللغة اختصاص ككل الاختصاصات من طب وهندسة واقتصاد وزراعة وصناعة..، ولكن اللغة ليست كذلك، بل هي كالهواء، من اختصاص الكيميائي البحث في تركيبه، ومن اختصاص الفيزيائي البحث في حركته وتياراته، ومن اختصاص البيئي البحث في نقائه وفساده، ولكن من اختصاص الناس جميعهم الاهتمام بكل هذا؛ لأنهم جميعاً يستنشقونه وعلى صلاحه يتوقف صلاح صحتهم وبقاء حياتهم، ومن واجب كل الناس كذلك حفظه نقياً صافياً. وهكذا اللغة، منطوقة كانت أم مكتوبة، يستعملها الناس كافة، ولا يستطيعون الاستمرار في حياتهم وأعمالهم من دونها. فبواسطتها يُعرِّف التاجر ببضاعته، ويشرح المعلم درسه، ويشكو المريض ألمه، ويفصح الشاري عن رغباته، ويعرض السياسي أفكاره، وينشد الشاعر شعره، ويطرب المغني سُمّاعه، ويبث المحب عواطفه، ويدعو المؤمن ربه. بواسطة اللغة تكتب العقود بين الناس، والمعاهدات بين الدول، وتنقل الأفكار بين البلدان، وتنشر الأخبار بين الأمم، بها يعرف تاريخ الشعوب الغابرة، وتدون حوادثها الجارية وتطلعاتها القادمة.. وعدا هذا كله وفوق هذا كله، إن اللغة وعاء يحفظ تراث الأمة الناطقة بها، وانتشارُها دليل قوة هذه الأمة، واحترامُها بل تقديسُها والحفاظ عليها والدفاع عنها دليل تقدم الأمة وواجب كل فرد من الأفراد الناطقين بها.
واللغة العربية لغتنا التي نفخر بها، تفضل كثيراً من اللغات المستعملة في العالم، وعدد الناطقين بها كبير وهم العرب، وعدد الذين يستعملون جزءاً منها، ولكنهم لا يتكلمونها، كبير جداً، وهم المسلمون. وهي من بين مئات اللغات العالمية إحدى اللغات الست المعترف باستعمالها في المحافل الدولية، وهي للعرب وللمسلمين منهم خاصة لغة الدنيا والدين معاً؛ لأنها لغة كتابهم المقدس وأحاديث نبيهم الكريم.
ومع كل هذا يلاحظ المتتبع في أيامنا هذه استهتاراً شديداً بلغتنا، بالعزوف عن استعمالها، والبعد عن إتقانها، والتقصير في تعلمها وتعليمها، وهدم بعض أركانها، والدعوة إلى تعديلها أو تبديلها. ويظهر لذلك ضعف اللغة أينما تستعمل؛ في التخاطب والتدريس، وفي الندوات والمحاضرات وفي الإعلام، وكيفما تستعمل؛ نطقاً أو كتابة نثراً أو شعراً.. يشارك في صنع هذا كله بعض العرب جهلاً أو تآمراً، وأعداء العرب والإسلام حقداً أو تعصباً.
وإذا كانت اللغة من أول مقومات الأمم ودعاماتها، وإذا كنا حريصين على الإبقاء على أمتنا عزيزة بين الأمم، فمن واجبنا بذل كل جهد للحفاظ على لغتنا سليمة معافاة، ولا يكون ذلك إلا بالقناعة الراسخة لدى كل من يعنيه الأمر، بوجوب تغيير هذا الواقع، وبالإرادة القوية والعزم الأكيد على تحقيق هذا التغيير، بالتعاون مع البقية الباقية ممن يتقنون اللغة ومازالوا ملتزمين باستعمالها، وهم بحمد الله كثر، ومنتشرون في كل المرافق المعنية بهذا الشأن الحيوي المهم.
بعد ما قدَّمت، أظنك الآن، أيها القارئ الكريم، تجد لي عذراً في إقدامي على البحث في موضوع قد يبدو بعيداً عن اختصاصي. وأنا لن أعتدي على علماء اللغة، ولن أعلل الأسباب وأحلل النظريات، ولن أدخل في تفاصيل فلسفية، ولن أتكلم على اللسانيات وفقه اللغة، فليس كل هذا من شأني ولا من اهتمامي، ولا من شأن كل الناس ولا من اهتمامهم، فلهذا أربابه الذين لم يقصروا في تأليف الكتب الطويلة والقيام بأبحاث دقيقة وجميلة يستطيع من أراد الاطلاع عليها تتبعها في مظانها. وكل ما يهمني وأنا العربي، ويهم الناس وهم العرب - ونحن جميعاً نستمع إلى وسائل الإعلام المختلفة والمحاضرات والندوات، ونقرأ بعض ما يصدر من كتب أو جرائد ومجلات - أن نسمع كلاماً صحيحاً لا يخدش الأذن، وأن نقرأ كلاماً فصيحاً ليس فيه قذى يخرش العين ويوتر الأعصاب.
وأنا أرى في كل إساءة إلى اللغة إساءة إلى كل الناطقين بها ومنكراً يجب تقويمه، وأرجو أن يكون فيما سأقدم إسهام في تقويم هذا المنكر، وفيه ما ينفع الناس ويرضي الله.
المظاهر المرضية في استعمال اللغة العربية
يلاحظ قارئ الجرائد والمجلات، ومستمع الإذاعات والفضائيات، ومشاهد ما في الشوارع من إعلانات ولافتات، وهاوي ما ينشر من شعر، وما يترجم من كتب أدبية وعلمية، أقول: يلاحظ في كثير من هذا، أموراً عديدة لافتة للنظر يمكن حصرها فيما يلي:
1- التنكر للغة العربية الفصحى، وانتشار استعمال اللهجات العامية في وسائل الإعلام المختلفة، والأكثر إدهاشاً من هذا دعوة بعض (المفكرين)! إلى سلوك هذا الاتجاه وتشجيعه لأسباب يوردونها ويدافعون عنها.
2- شيوع الأخطاء والتعابير الركيكة في المراسلات المختلفة؛ الرسمية وغير الرسمية، وفي كثير من البلاغات والتعليمات في المؤسسات على اختلاف أنواعها.
3- ضعف اللغة في بعض الكتب المترجمة عن الأجنبية ضعفاً يبلغ أحياناً درجة يعسر معها فهم كثير من الفقرات المترجمة.
4- وصف بعض ما ينشر على أنه شعر، وما هو من الشعر في شيء.
5- ضعف لغة تلامذة المدارس وطلاب الجامعات ضعفاً فاضحاً.
6- دخول كثير من الكلمات والتعابير والاصطلاحات الأجنبية في كلام الناس اليومي، على نحو أصبح ظاهرة لافتة.
7- استعمال اللغات الأجنبية في الإعلانات ولافتات المحلات التجارية والدعاية لبعض المنتجات حتى الشعبية منها.
8- تبادل بعض الشباب رسائل ينقلها الحاسوب أو الهواتف المحمولة، تكتب كلماتها العربية بأحرف أجنبية.
9- انتشار الأمية انتشاراً مخزياً.
ومما يثلج الصدر اهتمام كثير من الباحثين والمسؤولين وغيرهم في جميع البلدان العربية بهذه الأمور والتنبيه إلى خطرها، واقتراح الحلول لإصلاحها، جزاهم الله خيراً وكلل مساعيهم بالنجاح والتوفيق.
أولاً - الفصحى والعامية ووسائل الإعلام
أصبح الإعلام على اختلاف أنواعه سمة هذا العصر المميزة، فقد غزت وسائلهُ كلَّ بيت وسطت أدواته على كلِّ مؤسسة، وشغلت برامجه وحواراته وأخباره وإعلاناته ومقالاته معظم أوقات قسم كبير من الناس في ليلهم ونهارهم، في دورهم وأماكن عملهم وهم مستقرون، وفي وسائل سفرهم وتنقلاتهم وهم يرتحلون.
ومثل الإعلام مثل كل شيء في هذه الدنيا له وجهان؛ وجه مليح ووجه قبيح، فيه المفيد وفيه الضار، يختلف الأمر في هذا باختلاف المستعمِل وطريقته في الاستعمال وغايته من الاستعمال. وليس هنا موضع البحث في هذا وسأعود إليه إن شاء الله، وإنما أعرض هنا مشكلة ما يُسمع في وسائل الإعلام العربية المسموعة والمرئية وما يقرأ في وسائله المكتوبة. هناك قلة من المحطات الرصينة الملتزمة التزاماً كاملاً بالفصحى، يشعر الإنسان بكرامته حين يسمعها، ويُسَرُّ لقدرة مذيعيها ومذيعاتها الجيدة على استعمال الفصحى حتى استعمالها ارتجالاً. ولكن معظم برامج الرائي والمذياع الصادرة عن معظم المحطات الأرضية والفضائية في كلِّ البلاد العربية يسمع منها كلام هجين؛ بعضه فصيح ومعظمه باللهجات العامية المحلية لكل بلد، يستوي في ذلك المحاضرات العلمية والبرامج الدينية ونشرات الأخبار والندوات والحوارات، فضلاً عما يُسمع ويُرى فيما يسمى البرامج الترفيهية. ومع أن كثيراً مما يذاع مكتوب سلفاً، فإن قراءته كثيرة الأخطاء على اختلاف مستوى المحاضرين أو المذيعين إلا من رحم ربك. أما المواد غير المكتوبة والحوارات، فكثيراً ما يبدأ الكلام فيها بالفصحى ثم تتخلله العامية أو ينقلب بكامله إلى العامية. وإذا كان بعضهم يجوِّز استعمال العامية في بعض البرامج الترفيهية الموجهة إلى الناس بلهجاتهم، فإنه غير مقبول قطعاً في البرامج الجادة والبرامج العلمية على اختلاف أنواعها وفي نشرات الأخبار بالخاصة، ولاسيما في المحطات الرسمية.
أما في وسائل الإعلام المكتوبة - ومع أن معظمها يكتب بالفصحى - فإن هذه الفصحى ضعيفة أحياناً ضعفاً صريحاً. وفي بعض الكتابات، حتى الأدبية منها، ما يعسر فهمه، لقلة حيلة الكتّاب في التعبير عن أفكارهم بوضوح، عدا ما بدأ يفشو في بعض الجرائد من تخصيص حقول أو مقالات تكتب بالعامية، وهي ظاهرة شديدة الخطورة؛ لأنها تفتح باباً يلجه كل من لا يحسن الكتابة بالفصحى، ويساعد على انتشار الكتابة بالعامية على نحو سريع؛ الأمر الذي نربأ بإعلامنا أن يكون سبباً في انتشاره أو وسيطاً لتشجيعه.
وظيفة الإعلام
بعد عرض ما تقدم أسأل: ما وظيفة الإعلام بكل وسائله؟ أهو لإضاعة الوقت بالمسلسلات والمسابقات ما حسن منها وما قبح؟ أم هو للإعلان عن مختلف أنواع البضائع ما صلح منها وما فسد؟ أم هو لنقل الأخبار ما صدق منها وما كذب؟ أم هو للدعاية لمالك المحطة أو المجلة أو الجريدة سواء أكان حزباً أم مؤسسة أم شخصاً، مخلصاً صادقاً أم كاذباً مخرباً عميلاً؟ الإعلام بكل وسائله أهو لكل هذا وغيره، أم هو، أولاً وفوق كل شيء، سبب من أسباب تثقيف الشعب وتقديم ما ينفعه ويرفع قدراته ومقوماته العلمية والثقافية والاجتماعية والفنية، ولاسيما الإعلام الموجه من الحكومات أو من المؤسسات الرسمية؟
إن الإعلام في كل بلاد العالم كما هو معلوم موجه، ولا عيب في هذا، والمهم أن يكون التوجيه صحيحاً ومخلصاً ولمصلحة الأمة، والمهم أن يكون القائمون عليه على درجة من الوعي والإدراك لمصالح الشعب الأساسية، عارفين باحتياجاته التي ترفع من شأنه، فينتقون من البرامج ومن المقالات والأحاديث والندوات ما يحقق له هذه الغايات. ومن المؤسف أن كثيراً من وسائل الإعلام في بلادنا العربية متهم بالتقصير في هذا، وبما هو أكثر من التقصير أحياناً. فما يسمع وما يرى وما يقرأ وما ينشر باسم حرية الرأي، أو باسم الانفتاح على الآخر، أو باسم التقدمية، فيه كثير من السم المدسوس في الدسم، وفيه الكثير الذي يبدو بوضوح أنه موجه من أعداء الأمة، والناطقون أو الكاتبون يحسبهم المشاهد أو القارئ أمريكيين أو إسرائيليين مع أن أسماءهم عربية! وأنا لن أتكلم على البرامج نفسها، بل على ما يتعلق باستخدام اللغة فيها، واللغة من أول مقومات الأمم، والحفاظ عليها من أول واجبات الإعلام الذي يجب أن يكون القدوة في ذلك. إن كل الأمم حتى الصغيرة منها تهتم بلغتها وتحترمها وتسعى للحفاظ عليها. يقول المفكر الألماني هردر: "إن اللغة قلب الأمة وروحها، وعلى كل أمة أن تتمسك بلغتها تمسكها بحياتها، وليس هذا واجباً فحسب بل هو حق، وعلى راعي شعب ما ألاّ يحرمه هذا الحق. وإن من يحاول انتزاع لغة شعب من الشعوب أو يقصر في احترامها، يحرمه من ثروته الوحيدة التي لا تبلى بانتقالها من الآباء إلى الأبناء على مر الأجيال"(1) .
ولا تقف الأمم عند الحفاظ على لغتها بين أبنائها، بل تسعى إلى نشرها بين الأمم الأخرى، وكلنا يعلم عدد ما يسمى المراكز الثقافية في بلادنا العربية، ووظيفتها كلها الإعلام عن ثقافة الدول المالكة لها بنشر لغتها، ولاسيما الإنكليزية والفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية. وكانت فرنسا عرضت على المملكة المغربية إعفاءها من كل ديونها إذا أقرت اللغة الفرنسية لغة رسمية في بلادها! وهي تسعى إلى لم شمل كل الناطقين بالفرنسية في مؤتمرات وندوات دورية تعقدها لتؤلف منها ثقافة فرنسية واسعة بما يدعى (الفرانكوفونية)، وفيها كثير من الدول الإفريقية والآسيوية التي كانت سابقاً تحت الاستعمار أو الانتداب الفرنسي. وهي بالمقابل تحاول بكل الوسائل الحد من استعمال اللغة الإنكليزية في بلادها، وتسعى كذلك إلى تعزيز لغتها وحفظها. وقد أنشأت منذ مدة طويلة مجلساً أعلى للإعلام الفرنسي، تحدد المادة الأولى من جملة أهدافه "..وتعزيز اللغة والثقافة الفرنسيتين". ويصدر هذا المجلس مجلة دورية فيها باب ثابت عنوانه (اللغة الفرنسية) تعرض فيه كل ما يسيء إلى اللغة، وتصلحه في كل المجالات حتى في مجال الإعلان. فقد جاء في إحدى الجرائد إعلان عن أنواع من المشروبات والحث على استعمالها بتعبير خاطئ، فطلب المجلس إلى الجريدة إيقاف نشر الإعلان حتى تصحيحه..
كما شرّعت فرنسا القوانين الهادفة إلى حماية اللغة الفرنسية من سيطرة الإنكليزية، ومنعت استعمال الإنكليزية في معظم مجالات الحياة الفرنسية، كالإعلانات والاجتماعات العامة والندوات.
هكذا تعمل كل الأمم الحية للحفاظ على لغتها وتستخدم الإعلام وتعنى به لهذه الغاية. ولغتنا العربية الآن أحوج ما تكون إلى توظيف الإعلام لرفع شأن اللغة، وقد تكالب عليها المتآمرون من الخارج والداخل لتهديمها وإبعاد أهلها عنها بشتى الوسائل الدنيئة، وبث الأفكار الخاطئة الهدامة. ولابد إذن من تدخل المسؤولين عن الإعلام والمشرفين عليه لوضع خطة لتعزيز استعمال الفصحى في كل برامجه، وانتقاء المؤمنين بالفكرة والمخلصين القادرين للعمل فيه.
ولكن هل يمكن الرجوع إلى الفصحى بعد كل ما نرى من ضعفها الذي كاد يصل بها إلى الهزال؟ هذا ما سأعود إلى الكلام عليه إن شاء الله بعد الفراغ من عرض بقية مظاهر ضعف اللغة التي أشرت إليها في المقدمة.
ثانياً- ضعف لغة الكتابات الرسمية
نادراً ما كان العرب يلحنون في كلامهم، ولاسيما عرب البادية. وحين بدأ اختلاط العرب بغيرهم من الأمم بدأ ظهور اللحن في عامة الناس دون خواصهم، ومع ذلك كان قليلاً ينتبه إليه ويصحح، يروى أن أعرابياً لحن بحضرة النبي الكريم ، فقال لجلاّسه: "أرشدوا صاحبكم فقد ضل". ويروى أن الخليفة عمر بن الخطاب استدعى شخصاً ليوليه أحد الأعمال، واتفق أن لحن هذا في كلمة قالها، فصرفه عمر قائلاً: لا يلي لنا عملاً من يقول كذا... ثم بدأ الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بوضع بعض القواعد، كما طلب إلى أبي الأسود الدؤلي وضع القواعد حين بلغه لحن أحدهم في آية من آيات القرآن الكريم، ورصد بعض المهتمين باللغة بعد ذلك الأخطاء الشائعة ليصححها ويضعها في كتاب، كالكسائي الذي ألف عام 189هـ كتابه المسمى (ما تلحن به العوام)، ويدل تأليف هذا الكتاب على أن اللحن كان قليلاً يمكن جمعه، ولو حاول أحد الآن القيام بعمل مثل هذا لوجد من الأسهل عليه تأليف كتاب يسميه (ما تفصح به الخواص)!!.
وبقيت لغة الخاصة من الناس سليمة مدة أطول من الزمن، وكذلك الدواوين والكتابات الرسمية. وكان الخلفاء يعنون بأمر اللغة في أنفسهم وفي أولادهم، يدل على ذلك ما انتقل إلينا من أخبار المجالس التي كانوا يقيمونها مع العلماء والمناظرات والمناقشات التي كانت تجري في حضرتهم ويشاركون فيها، وفي مقدمة أبحاثهم أمور اللغة وأمور الدين.. ولكن الأمر تغير حين زاد اختلاط العرب، على اختلاف طبقاتهم، بالشعوب غير العربية التي دخلت في الإسلام، وعمل بعض أبناء هذه الشعوب الذين تعلموا العربية في دواوين الدولة، وفشا اللحن في الخاصة والعامة على حد سواء، وكثر التنبيه إلى ذلك في كتب عديدة، منها مثلاً كتاب (درة الغواص في أوهام الخواص) للحريري (516هـ). وألف كثير من المهتمين بالنحو والصرف كتباً عديدة أمثال سيبويه وعيسى بن عمر والفراء وابن جني، وانحطت اللغة انحطاطاً مختلف الدرجات في الولايات العربية التابعة للخلافة الإسلامية زمن العباسيين. ثم لما استولى الترك على الحكم بطل استعمال اللغة العربية تقريباً وقلت المؤلفات وقل الشعر. وبقي الحال على ذلك إلى أواخر القرن التاسع عشر حين بدأت النهضة العربية من جديد، وتأسست في بيروت (الجمعية السورية) عام 1875م، وكان من مطالبها: "الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية للبلاد العربية"، وكذلك تأسس في مصر حزب (اللامركزية) وكان له فروع في بيروت والبصرة باسم (جمعية الإصلاح) التي كان من مطالبها كذلك: "جعل اللغة العربية اللغة الرسمية في الولايات العربية". وعاد الاهتمام باللغة العربية بين طبقات الشعب، وظهر شعراء وكتاب مُجيدون في كل قطر من الأقطار العربية، ولاسيما في سورية ولبنان ومصر والعراق، وبدأ التأليف بالعربية يظهر من جديد في مختلف الفروع، وظهرت بعض المعاجم العربية أولها (محيط المحيط) الذي وضعه بطرس البستاني في لبنان.
وبعد الحرب العالمية الأولى وظهور الدول العربية المتعددة، عادت للغة العربية مكانتها وأصبحت اللغة الرسمية في معظم هذه البلاد. وأخذت الفصحى منزلتها في المكاتبات الرسمية وفي التدريس وفي المحاضرات والجرائد والمجلات. ولم تكن بالتأكيد كلغة العرب الأوائل، ولكن استعمالات اللغة اليومية وفي الدواوين الرسمية لا تتطلب أن تكون على درجة عالية من الفصاحة، وإنما جل ما يطلب منها أن تكون خالية من الأخطاء النحوية والإملائية ومن التعابير الركيكة. ومن المؤسف أن ضعف مستوى تعليم اللغة بعد ذلك انتقل أثره إلى الموظفين، فبدأت لغة الدواوين والمكاتبات الرسمية بالضعف بدرجات متفاوتة، تبدو بأخطاء نحوية وأخطاء إملائية وباستعمال كلمات عامية أو كلمات أجنبية أو بوجود تعابير ركيكة، وقلما نقرأ نصاً رسمياً يخلو من أحد هذه الأمور التي أشرت إليها أو أكثر من أمر. مثلاً على ذلك، أمامي الآن:
1- نص بلاغ رسمي صادر عن إحدى الوزارات، وموقع من السيد الوزير نفسه، مؤلف من أربعة أسطر فقط، فيه غلطة نحوية وغلطة إملائية وتركيب ركيك لجملة تتألف من خمس كلمات.
2- رخصة بناء تتألف من صفحة كاملة فيها ثلاث كلمات استعمالها خاطئ لغوياً.
3- قرار محكمة فيه كثير من الأخطاء اللغوية .(2)
هذا في المستويات العليا أو المتوسطة من الدوائر الرسمية، أما إذا نزلنا إلى مستوى تقارير مخافر الشرطة وإفادات المحاكم وضبوط المخالفات وما شابهها فسنرى ما لا يخطر على بال.
وهناك بعض اللافتات الرسمية والتنبيهات التي تملأ الشوارع منذ عشرات السنين ولا يلتفت أحد إلى خطئها، مثل ممنوع الوقوف وممنوع المرور وممنوع التدخين بدلاً من الوقوف ممنوع والمرور ممنوع...
وبدأنا نرى كذلك بعض المؤسسات الرسمية تضع في الشوارع بعض الإعلانات بلغة عامية.
وأخيراً هناك ما هو أدهى من كل ذلك وأمر، وهو العزوف عن استعمال اللغة العربية في المحافل الدولية، وإلقاء بعض مندوبي الدول العربية خطاباتهم ومداخلاتهم في هذه المحافل بإحدى اللغات الأجنبية، وفي هذا من الاستهتار ما لا يحتمل. يضاف إلى ذلك اتخاذ إحدى اللغات الأجنبية لغة رسمية لبعض المؤتمرات التي تعقد في البلاد العربية، وهو أمر لا ترضى به دولة تحترم نفسها ولا شعب يحترم لغته، وفي كثير من الدول الأجنبية يمنع هذا بقرارات رسمية عليا ولا يسمح به أبداً، وقديماً قيل: (ومن لا يكرم نفسه لا يكرم).
ثالثاً- ضعف الترجمة
نشأت الحضارة التي ينعم بها العالم اليوم من تراكم حضارات مختلفة، بدأت صغيرة وكبرت تدريجياً بانضمام بعضها إلى بعض، وباستناد كل جيل إلى حضارة الأجيال التي سبقته في القوم نفسه، ونقل حضارات الأجيال المختلفة من الأقوام المجاورة وحتى من الأقوام البعيدة. وكان للترجمة شأن كبير في ذلك منذ أمد طويل؛ أي منذ عرفت الكتابة وعرف التدوين.
وقد ترجمت بعض الأمم القديمة كتب الأقوام الأخرى ووثائقها، وكان للعرب حين أسسوا دولتهم الباع الطويل في ذلك؛ فقد بدأت الترجمة بأمر من الخلفاء الأمويين منذ أول عهدهم بالحكم، وبلغت ذروتها في أواسط العصر العباسي، حين كان يعطى المترجم وزن بعض الكتب التي ترجمها ذهباً، كما نقلت إلينا الأخبار. وترجم حينها إلى العربية كثير من كتب اليونان وفارس والهند، وكان ذلك منطلقاً لتوسعة كل ما نقل من العلوم في الفلك والطب والرياضيات والفلسفة وغيرها، وأساساً لأبحاث العلماء العرب الذين وسعوها وأضافوا إليها ما أضافوا فأنشؤوا حضارة ملأت الدنيا في عصرها، وبقيت النبع الذي استقت منه أوربا مئات السنين لبناء حضارتها.
وحديثاً لم يقصر السوريون في تأليف كثير من الكتب في مطلع القرن العشرين، ولاسيما الكتب العلمية وأخص منها الكتب الطبية حين افتتحت كلية الطب وتقرر أن يكون التدريس فيها باللغة العربية. فإضافة إلى التأليف ترجمت كثير من الكتب الأجنبية، ومازالت الترجمة قائمة حتى الآن على فترات في جميع الاختصاصات العلمية تقريباً، كما ترجمت وتترجم كتب وأعمال أدبية وفلسفية واجتماعية متنوعة، مما يغني الثقافة العربية بثقافات الأمم الأخرى وهو عمل مشكور.
وإذا تطلبت ترجمة الكتب الأدبية وما شابهها مستوى عالياً من معرفة اللغتين المترجم عنها والمترجم إليها، فالأمر ليس كذلك في الكتب العلمية والعلوم التطبيقية، التي لا تتطلب سوى التأكد من صحة المعلومات المنقولة ودقة التعبير بلغة قويمة ليس فيها شيء من التكلف والتعقيد، وهو ما لا نجده في كثير من الكتب المترجمة، بل يسيطر عليها الأسلوب الأجنبي كقولهم مثلاً: (المعلم أتى) أو (الشرطي أوقف السير) أو قولهم: (لقد كنت أعلم ما تريد أن تفعل. قال حسن).. ومثل هذا كثير، وقد انتقل هذا الأسلوب إلى بعض الكتابات غير المترجمة، وكأنه نوع من التجديد أو التقليد.
وثمة جمل أيضاً لا يمكن فهمها أبداً لما فيها من تقديم وتأخير وتعقيد.. وأنا أحسن الظن دائماً كعادتي، وأعتقد أن السبب في هذا هو الرغبة في سرعة الإنجاز، وعدم مراجعة النصوص المترجمة بعد ترجمتها. ولو أن المترجم أعاد قراءة ما ترجم بنفسه لكشف مواضع الخطأ وصححها ووضع ما ترجم في الموقع اللائق به، ولوفر على القارئ الكثير من الوقت والجهد، ولخرجت مترجماته آنق وأدق. والأفضل من هذا أن يقرأ النصوص المترجمة شخص آخر؛ لأن المترجم - والكاتب إجمالاً - حين يعيد قراءة ما كتب يقرأ ما في ذهنه غالباً، ولا يقرأ ما هو مكتوب، وكثيراً ما يمر على أخطاء واضحة بسيطة نحوية أو إملائية أو غير ذلك من الأخطاء فلا يراها، في حين يكشفها الشخص الغريب بسهولة، ولا أرى في هذا ما ينقص من قدر الكاتب أو المترجم. وعلى العكس؛ فإن الترجمة الضعيفة تنقص من قدر الكتاب نفسه وقدر كاتبه الأصلي ومترجمه.
رابعاً- الشعر والنثر
ليس هذا البحث لصيق الصلة بموضوع ضعف اللغة، ولكنه مظهر من مظاهر الانحراف أحببت أن أشير إليه.
تعرِّف كل كلمة في اللغة شيئاً من الأشياء وتدل عليه، فحين تقول: (دار) مثلاً تعني البناء المؤلف من عدة غرف وتوابعها مخصصة لسكن الناس، وحين تقول: (طاولة) تعني الأداة المؤلفة من سطح مستو يحمله عدد من القوائم تستعمل للأكل أو للكتابة... هكذا اصطلح على أن يكون لكل شيء تعريف محدد، وعلى هذا الأساس عرّف القاموس المحيط الشعر بأنه: "منظوم الكلام لشرفه بالوزن والقافية"، وعرفه المعجم الوسيط بأنه: "كلام موزون مقفى قصداً". وكما لا يمكن أن نقول عن الأداة المخصصة لحفظ الثياب مثلاً طاولة، كذلك لا يمكن أن نسمي الكلام شعراً ما لم ينطبق عليه التعريف الذي ذكرناه.
ومن المعروف أن كلام العرب يكون شعراً أو نثراً أو سجعاً، هذا طبعاً عدا كلام القرآن الكريم المميز، الذي لا تنطبق عليه صفة من صفات الأنواع الثلاثة الأولى؛ لأنه ليس كلام البشر، بل هو كلام الله سبحانه وتعالى.
نعود إلى الكلام على الشعر فنقول: كما أن للطاولة أشكالاً مختلفة منها المستطيل ومنها المربع أو الدائري أو البيضوي، وألواناً مختلفة منها الأبيض والأخضر والأزرق، ومواد أولية مختلفة تصنع منها، كالحديد والخشب واللدائن، ولكن تُجملها كلها صفات مشتركة واستعمال مشترك، كذلك الشعر له أوزان مختلفة وقواف مختلفة، ولكنه يبقى ضمن التعريف الأساسي "الكلام الموزون المقفى"، فإن شذ عن ذلك فلا يصح أن يسمى شعراً، ولنفتش عن أي اسم آخر نطلقه عليه.
صحيح أن الإنسان حر في أن يعبر عن أفكاره بالطريقة التي يراها وبالأسلوب الذي يراه، ولكنه ليس حراً في تسمية الأشياء بغير أسمائها، وإلاّ جاز أن نسمي الكرسي نافذة والباب حذاء والكتاب سيارة، ويصبح لكل إنسان لغته الخاصة به (وتضيع الطاس)، ولن يستطيع أحد بعدئذ إيجادها.
والسؤال: لماذا يصر بعضهم على تسمية ما ينشر أحياناً في الصحف أو يذاع في الإذاعات من كلام ليس نثراً ولا سجعاً، ومن المؤكد في الوقت نفسه أنه ليس شعراً، لماذا يصرون على تسميته شعراً (ولكنه منثور)؟ والجواب كما أعتقد ناجم عن حب من يكتب هذه الكتابات أن يوصف بأنه شاعر؛ لأن الشاعر -كما يعتقدون- أعلى مقاماً من الكاتب، ناسين أن المهم في الكتابة احتواؤها فكرة ما، شعراً كانت أم نثراً، فالنتيجة واحدة. صحيح أن الشعر قد يكون تأثيره في النفس أكبر أحياناً، وهو يحتاج إلى موهبة خاصة لا توجد عند كل الناس، ولكن ذلك لا يقلل من قيمة الكاتب إذا كانت الأفكار التي يقدمها جيدة، ونثر ابن المقفع أو عبد الحميد الكاتب مثلاً لا يقل قيمة عن شعر المتنبي أو البحتري، وكتابات طه حسين والعقاد والمازني والرافعي لا تقل قيمة أدبية وفكرية عن شعر أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومحمد البزم وعمر أبي ريشة... وفيما يقدم من الشعر (اللاعمودي) أو (الشعر المنثور) في كثير من الأحيان أفكار جميلة وصور رائعة لا يقلل من قيمتها أن لا تسمى شعراً، وكل إنسان يستطيع الإبداع في اختصاصه؛ سواء أكان هذا الإبداع قصيدة أم مقالاً أم لوحة أم تمثالاً أم مقطوعة موسيقية. وحتى الشعر نفسه على ما فيه من موسيقا وجرس جميل، قد لا يترك في النفس أثراً ما إن كان مجرد صف كلام موزون ومقفى، ولم يكن فيه ما يدغدغ المشاعر أو يداعب الإحساس أو يقدح زناد الفكر، وسمي هذا النوع من الشعر (نظماً) تمييزاً له من الشعر ولذلك قيل:
والشعر ما لم يكن ذكرى وعاطفة
وحكمة فهو تقطيع وأوزان
فكيف به إذا لم يحمل جُلُّه أياً من مقومات الشعر أو غاياته أو صفاته؟
ومن الجدير بالذكر بعد هذا كله - أو كان يجب أن يقال قبل هذا كله - أن تسمية (الشعر المنثور) لها دلالة معروفة لا تنطبق على ما يريدون، بل هو تحويل بيت من الشعر أو مقطوعة من الشعر إلى نثر بقصد شرحها وتفسيرها ودراستها، واختراع الشعر العمودي والشعر المنثور لا مسوّغ له، لأن الشعر العمودي يتطلب وجود شعر أفقي لتمييزه منه، وكذلك وجود شعر مائل ميلاً مختلف الدرجات! فهل ننتظر أن يخترع لنا قريباً مثل هذه الأنواع؟ وما سيكون شكلها يا ترى؟
أيها المهتمون بالأدب والشعر والنثر! سموا هذا الكلام الذي نعنيه أي شيء، ولكن لا تسموه شعراً، وإذا كان المعنيون بالأمر يصرون على حشر كلمتي الشعر والنثر معاً، فلماذا لا يسمونه مثلاً (النثر المشعور)؟.