Page 1
مقدّمة
إذا كان للتاريخ سلطان، فمن الطبيعي أن تكون له سلطة. صناعة التاريخ هي سباق الأمم لتحقيق ما تتطلبه مصالحها وأمنها وقوتها واقتصادها، ونظراً لاختلاف المصالح وتعارضها تصطرع الأمم، لذا تندفع لتطالب بحقوقها، ونتيجة هذا التجاذب بين الدول القوية والدول الأضعف تتشكّل حركة التاريخ. وتبدو العلاقات بين الأمم على شكل صراع أو حوار أو تكامل، وقد يكون الصوت العالي شكلاً من أشكال الحوار، بل تصبح حركة التاريخ ذاتها شكلاً من الحوار. وتتفاوت الأمم في امتلاكها مقوّمات القوة وعناصرها، مثلما تتفاوت في قدرتها على استثمار هذه المقومات والعناصر، وهكذا، تتشكّل صورة التاريخ في الأذهان، فقد يبدو عادلاً أو ظالماً، وقد يكون عاقلاً أو مجنوناً، وقد يكون شابّاً أو على هيئة شيخ عجوز، وغير ذلك من صور.
هذه مجموعة من الدراسات حول الرواية العربية كتبتُها على فترات، يجمع بينها أن الشخصيات الروائية فيها في صراع مع التاريخ، وهي تعيش في دوامته وتسعى إلى أن تشارك في صناعته في رحلتها نحو التغيير والبناء، غير أن حركة التاريخ أقوى من قوتها بما لا يجعلها تكسر سلطانه، فسقط كثيرٌ منها في مصيدة التاريخ وصارت ضحايا بعد أن مارسَ سلطانُ التاريخ عليها سلطتَه. وهكذا جاء صوت الضحيّة طاغياً.
شخصيات الروايات التي خضعت لهذه الدراسات مهمّشة، همومها جماعية إنسانية، قضاياها قضايا أمم تسعى نحو تغيير واقعها، وهي تصطدم بالنظام العالمي الجديد/ القديم الذي تمثّل في ثياب القشتال والصهاينة والاستعمار الغربي والأمريكي، مثلما تصطدم مع الأنظمة السياسية وقوى التخلّف والتقاليد البالية المعيقة لحركة التقدم، وهي في هذا السبيل إنما تدافع عن القيمة الإنسانية في مواجهة الجمود والظلم والاستحواذ والتخلّف، وتسعى نحو الحرية والعدالة والسلام. وركّزت الدراسات على لحظات الانكسار على الرغم من لحظات التوق إلى المستقبل والجديد والحلم.
في الدراسات استدعاءٌ للتاريخ وإسقاطه على قضايا الحاضر، وفيها تحديق ببعض الظواهر الاجتماعية الفاسدة وإدانة لبعض الممارسات السياسية.
توقفت الدراسة في الفصل الأول عند رواية "باب الشمس" عند المعاناة الحقيقية التي عاشها أبناء النكبة إلى حدّ يعيد معاناتها من يقرأ الرواية مرة أخرى. تبدّت المعاناة جرّاء الصراع العربي الإسرائيلي والنكبة الفلسطينية في عبارة الرواية الأولى "ماتت أم حسن، ماتت أمّنا"، وفي قول أمّ حسن (فلسطين لن تعود قبل أن نموت جميعاً)، وفي زغردة أمّ أحمد السعدي وهتافها (انتصرنا وصار عندنا مقبرة)، وفي قول شخصية ناقدة (عيبٌ أن لا نكتب تاريخنا نحن). لقد رسمت الرواية واقع الهزيمة إلى جانب صور البطولة والأمل والانتماء والتعلّق بالوطن المحتلّ. وهكذا كانت "باب الشمس" بوّابة الوعي بالسقوط وإيماناً بتجاوز مرحلة الهزيمة من أجل بناء العالم الجديد "باب الشمس" في الأرض المحتلة. كما نتحدث عن "سلطان التاريخ" حسب ما ذكر هرنشو، وعن "حكم التاريخ".
Page 2
وفي الفصل الثاني وقفت الدراسة عند المعاناة التي عاشها المسلم في غرناطة التي تشبه ما يعانيه أبناء فلسطين في مواجهة الصهاينة، ووقفت عند خوفنا من المستقبل الذي بدأ يتحقّق، باحتلال العراق وفرض الهيمنة على عالمنا العربي والإسلامي بصور مختلفة. وانتهت الدراسة إلى أنه، على الرغم من اعتماد الرواية على التاريخ، فإنها، في الوقت نفسه، رواية واقعيّة، تحدّق في الواقع وتُعنى به وتعرّيه وتأمل في تغييره، إذ صوتُ المنادي وصياحُ سعد في الطرقات (دخلوا الحمراء، رأيتهم) (أخذوا الحمراء، سمعتهم) والأصوات تعلن (دخلوا الحمراء سقطت غرناطة)، والتساؤلات الحارقة (أين ذهب العرب والمسلمون؟)، (ما نفعُ المفاتيح؟ ما الذي تبقّى؟)، بعد أن أُزيلت الأبواب وتغيّرت الأقفال، وفي ما تمتمَ به عليّ وهو يواجه الموت هرباً من الرحيل (لا وحشةَ في قبر مريمة).
وفي الفصل الثالث تبيّن أنّ مفهوم الصمت يشكّل ظاهرة لافتة في الرواية العربية، وأن له أبعاداً سياسية واجتماعية وأخلاقية وحضارية وفكرية وفنية. ويُحسَب للرواية العربية أنها ركّزت على الصمت بوصفه عنصراً هاماً في البناء الفني، وأداةً طيّعةً في استكناه ما يدور في داخل الشخصية، ووسيلةَ تعبيرٍ إلى جانب الكلام. تواجه المرأة تقاليد اجتماعية أخرست صوتها مما دفعني إلى الوقوف عند ظواهر الصمت وتجلّياته ومعانيه في الرواية العربية إلى جانب ما تجسّده وقائع التاريخ، لعلّ من أبرزها صمتَ الفتى العراقي "علي" على شاشة التلفاز، غداة الغزو الأمريكي للعراق، حين فَقَدَ العراقَ وأهلَه وعضدَيه دون أن ينبس ببنت شفة، وصمتَ الأمّ الفلسطينية وهي تودّع ابنها قبل استشهاده، احتجاجاً على الصمت العربي والعالمي على الجريمة الأمريكية في العراق والجريمة الصهيونية في فلسطين، وصمتَ الشاب الذي خيّط شفتيه بخيط أسود احتجاجاً على أزمة الحرية في المجتمع العربي. تدين الروايةُ الصمتَ الذي يقود إلى سلب حرية الإنسان، وتدين أيضاً ما ورد على لسان حامد وهو يتحدث باسم الإنسان العربي: (العالم الجديد الصامت على ذبحي) و(لوائح الصمت المعلقة في زوايا شرق المتوسط)، وتدين الصمت العالمي على ما يجري للأمة العربية. ومن هنا تبيّن لنا أنّ نصّ الصمت نصٌ مراوغٌ يتحدّى القارئ، وأنّ الصمت أسلوب حياة وجزء من عملية الاتصال وتقنية فنية، وله أشكال تبدأ بصمت الفرد عبر صمت المجتمع، وصمت الأمة، والصمت العالمي.
وفي الفصل الرابع تنتهي رواية "سلالم الشرق" إلى أنّ فكرة السلام فكرة نظرية سرعان ما تتهاوى أركانها عند أول اختبار تطبيقي لها، فالعملية السلمية بين العرب واليهود معقّدة ومركّبة، ذلك أنّ العقلية الإسرائيلية تحكمها روح الهيمنة. والرواية بوجه عام دعوة إلى الحوار والتواصل وحرب على مظاهر التخلّف والهيمنة وإدانة لظواهر التدمير وما ينخر المجتمع العربي.
في الفصل الخامس يصطرع الإنسان مع قوى سياسية وتيارات لبست ثياب الدين للمتاجرة به لتحقيق أهداف خاصة. لقد بنى الكاتب عالماً متخيّلاً للسلطة قامت سياستها فيه على مقولة (مَن يملك السلطان يملك حقّ التأويل). ومن هنا نفسّر وحشية المثقف كقتل الفنان يوسف بتقطيع جسده، وفي يده قلم رصاص، وعلى جسده لوحة فنيّة. وفي أعقاب قتل كل مثقف كان يعلو تساؤل الجزائري المشروع معبّراً عن الفجيعة: (لماذا؟ لماذا؟ لماذا القتل؟ لماذا قتل الفنان وأحلامه؟ لماذا اغتيال الجمال؟ وعلاهْ قتلوهْ؟ وعلاهْ قتلوهْ؟ وعلاهْ قتلوهْ؟)، ومعبّراً أيضاً عن أهميّة دور الفنان في الحضارة (وهل يُعقل يا ريما أن يتجرّأوا على لمس الفنّان؟) فكيف بقتله؟! قتلُ المثقف هو قتلٌ لضمير الأمة ولسانها، ومحوٌ للذاكرة والوعي والثقافة والكلمة الحرّة. وفي هذا السياق، عرفنا لماذا قُتل كلّ من المفكّر بوخبزة والشاعر جون سيناك والطالب كمال أمزال، وأبو ضياف واليابس، وقاصدي مرباح، وعلّولة وعزيز. صاح الكاتب من بطن المعاناة وقعر الموقد وعمق الحريق، معبّراً عن عمق المأساة، مبيّناً الداء، مصرّاً على التضحية والمواجهة، منكراً الرؤى المتخلّفة التي تطارد الوعي.
Page 3
الفصل الأول
وعيُ التاريخ : رواية "باب الشمس"
للروائي إلياس خوري
وعيُ التاريخ : رواية "باب الشمس"
للروائي إلياس خوري
تتوقف الدراسة عند رواية "باب الشمس" للروائي إلياس خوري، وهي من الروايات التي تُرجمت إلى الفرنسية والعبرية، وتمّ تحويلها إلى فيلم سينمائي. تركّز على البعد التاريخي وقدرة الكاتب على مزج هذا البعد بالجانب التخييليّ الفنيّ، ليصنع عملاً روائياً يحكي قصة النضال الفلسطينيّ ونكبة 1948، ويتخذ من "تعاقب حكايات الشخصيات" و"تعدّد حكاية الواقعة الواحدة" تقنيّةً فنيّة. كما تبرز الدراسة القيمة التاريخية والقيمة الفنيّة للحكايات، وبالتالي قدرة النصّ على جعل القارئ يعيش المأساة ويعاينها كما عاشتها الشخصيات وعاينتها، بعيداً عن الكلام عليها أو الحديث عنها من الخارج.
تتوقف الدراسة عند "مفهوم التاريخ" و"صناعة التاريخ" و"كتابة التاريخ" و"قراءة التاريخ" و"سلطة التاريخ" و"التاريخ بين الذكريات والذاكرة" من خلال قضية فلسطين. وتتوقف عند دور الوقائع في تشكيل صورة التاريخ في ذهن الشخصية، وتعرض ثلاث تجارب: عربية وصينية وإسرائيلية، وصورة التاريخ لديها وموقفها منه. وتتوقف عند الجانب النقدي في الرواية بوصفه أحد تجليّات الوعي التاريخي، وعند نقد اللحظة الراهنة ونقد الحكاية، وعند صورة الواقع القاتمة مقابل الصورة التي قدّمتها الحكاية. وأخيراً تتوقف عند رؤية الأمل في بناء عالم جديد في الوطن المحتل رغم فضاءات الموت التي تجلّل الرواية.
تثور في فضاء الدراسة تساؤلات نستحضرها أمام الآثار الإبداعية المترجمة إلى لغات أخرى كهذه الرواية المترجمة إلى العبرية، ومدى ملاءمتها لأن تكون وسيلة من وسائل العبور الثقافي وتعريف الآخر بقضايا الأمة، وعند دورها في الحوار والإقناع وفي التواصل بين الحضارات، مما يلقي بالمسؤولية على الجهات التي تتولى اختيار النصوص وترجمتها.
اعتمدت الدراسة على حوار النص من الداخل، وعلى مصادر تاريخية وقفت عند علم التاريخ، وعلى دراسات ومقالات وقفت عند الرواية من جوانب مختلفة، أهمها دراسة أحمد الجوّة(1) القيّمة التي أشارت إلى البعد النقدي إشارة سريعة، فجاءت هذه الدراسة لتتوقف طويلاً عنده بوصفه شكلاً من أشكال الوعي بالتاريخ، وبوصفه إشارة على وعي ما كان متعيّناً إدراكه في اللحظة التاريخية التي حدثت فيها الأحداث، حتى عند الشخصيات الشعبية التي لم تكن تتمتع بقسط وافر من المعرفة.
Page 4
-1-
الحكـي والحكايـة :
تحكي رواية "باب الشمس" التاريخ النضاليّ الفلسطينيّ، منذ ثلاثينات القرن الماضي إلى التسعينات منه، وما تعرّض له أهل فلسطين في بعض البلدان العربية من مذابح، كمذبحة صبرا وشاتيلا. ويذكر الكاتب في الصفحة الأخيرة من روايته أنه اعتمد على شهادات الفلسطينيين وحكاياتهم الشفهّية، وعلى ما وقع بين يديه من وثائق وكتب تؤرّخ للثورة الفلسطينية في تاريخها المعاصر.
وعلى الرغم مما في هذه الحكايات من "تخييل" فإننا لا ننكر "تاريخيّتها"، فقد استند "التخييل" إلى "التاريخ" في الوقت الذي أُلبس فيه "التاريخ" ثوب "الحكاية" التخيّليّ الفنيّ، مما حوّلها تقنيةً فنيةً ووسيلةَ تعبير عن قسوة التاريخ وتنكيله بضحاياه. وقد اعتمد المؤرّخ الإسرائيلي جورج سقب على قيمة الرواية التاريخية في نقده لهذه الرواية، ووقف عند بعض أحداثها بوصفها وقائع حقيقية(2).
استطاع الكاتب أن يحوّل "الحكاية" إلى أداة فنيّة تجمّعت من خلالها حكاياتٌ متناثرة تؤكّد المصير المشترك لشعب مضطهد محتلّ، فكانت لسانَ حال الضحيّة في زمن دخول المشروع الفلسطيني في السبات، فأشتات الحكايات تكوّن الحكاية الفلسطينيّة الكبرى. كما استحالت الحكاية إلى "علاج"، فكانت من أدوات "إيقاظ" يونس وإنقاذه من الغيبوبة. والخلاصة، أنّ "الحكاية" كانت بوحاً واستنطاقاً لما في أعماق الشخصيات، وكانت بعثاً لحكايات ربما كانت ستضيع في متاهات الصمت، فضلاً عن أنّ الحكايات يضيء بعضُها الآخر. إنّ الرواية التي نحن بصدد دراستها رواية حكايات(3)، يظهر ذلك من خلال شخصياتها، وقد أشار الراوي غير مرة إلى أنّ جدّته أغرقته بالحكايات (إنّ القصص كالخمر تتعتّق حين تُروى. جرار القصص روايتها؟)(4).
لقد تأثّرت السردية الحكائية في رواية "باب الشمس" بالسرديّة الحكائيّة العربيّة التراثية، كاستخدامها صيغة "كان يا ما كان في قديم الزمان"، وصيغة "من الأول"، وب "تناسل" الحكايات كتناسل حكايات "ألف ليلة وليلة"، مما قاربَ بينها وبين عالم الخيال واللامعقول، وبين ظواهر من الغرائبية والعجائبية والأسطورية والملحميّة، واختلط فيها الواقع بالخيال، والحلم بالحقيقة، والوعي باللاوعي، حيث يتساوى القصّ بالواقع، ويصير الذي كان كأنه ما كان، والذي ما كان كأنه كان، من غير أن تخلو الرواية من الروح النقدية الساخرة حيناً، أو أن تضيع الحقيقة وسط ركام الحكايات حيناً آخر.
لقد تأثّر قصّ إلياس خوري بقصٍ أشبه بحكايات "ألف ليلة وليلة"، على الرغم مما بين القصّين من مفارقات بين: ليالي العشق وليالي الموت، وبين الحرص على حياة الذات الراوية/شهرزاد، والحرص على حياة الآخر أو المتلقي المفترَض/ يونس، الغارق في غيبوبته.
نشير في صدر هذه الدراسة إلى أنّ شخصيات شعبيّة تولّت القصّ الحكائيّ، فتعدّدت بذلك مصادر قصّ الحكاية الواحدة وأساليب قصّها وربما مضامينها أحياناً. لقد أصغى النصّ إلى بوح أبناء هذه الفئة واستمع إلى صمتهم، وتعاطف معهم وهم يعيشون المآسي التي تعرّضوا لها.
وقد تعدّدت التسميات التي استخدمها الدارسون في الإشارة إلى هذه الفئة، من فقراء وفلاحين وعمّال، وإلى دورها الكبير في صناعة التاريخ وتوجيهه، فقد أشار غرامشي Gramsci إلى ظاهرة "الثانويين"Subaltern، وعدّ الاهتمام بها مما يميّز الوعي التاريخي الحديث. كما استخدم إدوارد سعيد تعبيرات "التابعين" و "الفقراء المهمّشين" و"الأصوات المُستثناة"، وبيّن أن الاهتمام بهذه الفئة هو بعث الحياة في صمتهم وذاكرتهم، مثلما هو وعيٌ بأهمية الذاكرة الشفوية وإعادة بناء ما تمّ تدميره أو استثناؤه من خلال الصمت(5).
من هذه الشخصيات "الشعبيّة" أو "الثانوية" أو "المهمّشة" أو "الأصوات المستثناة" نجد الشخصية المريضة والضحيّة والمشوّهة والمشلولة "يونس والراوي خليل المصاب بالعمود الفقري"، كما نجد الشخصية المكسورة "دينا"، ونجد الهائمة والمجنونة، وشخصيات تعاني أزمة "فَقْد" الأبناء والآباء "أم حسن التي فقدت أربعة" و"أم أحمد التي فقدت سبعة" و"يونس الذي قتل اليهود ابنه إبراهيم"، و"الراوي خليل الذي قتل اليهود والده قبل أن يراه"، وأخرى تعاني من الشيخوخة والعمى "والد يونس" وشخصيات تعاني من ضياع أحد الوالدين "اختفاء والدة الراوي"، وشخصيات نجت من بطن الموت مثل "يونس" و"سليم ودينا" اللذين عُثر عليهما حيّين بين جثث قتلى مذبحة شاتيلا.
Page 5
-2-
فضـاء المـوت:
يفضي بنا فضاء النصّ إلى "عالم الموت"، حيث يسرد فيه المظلومون حكاية نكبتهم الفلسطينية بما فيها من موت وتهجير وتقتيل وضياع.
وتبدو في الرواية، ظواهر تدلّ على موت البشر وتغيّر المكان وعلى قتامة الزمن، تبدّت في شخصياتٍ منكوبة وضائعة ومهاجرة ومشوّهة وهائمة وفاقدة عقولها بعد الاحتلال، مثل "مجنونة الكابري" التي كانت تجمع العظام، فأخافت الناس في وقت كان الجليل يرتجف خوفاً، كما تبدّت في أصوات الموتى وأشباحهم وأطيافهم. أمّا ظواهر الموت المكانية فقد تجسّدت في المقابر والنُصُب التذكارية والبيوت المهدّمة والقرى المهجورة والأشجار المقلوعة(6).
ليس من الغريب، إذن، أن تبدأ الرواية بموت أم حسن بعبارة (ماتت أم حسن)(7)، وأن يقول أبناء مخيم شاتيلا عنها "ماتت أمّنا"، وأن يتلو خبرَ موتها مشهدُ مرض يونس الأسدي النزيل في مشفى الجليل، حيث يشرف عليه الراوي الدكتور خليل. حول هذه الأحداث وحول هاتين الشخصيتين يدور السرد، وتُنزَع الروح من جسد أم حسن وجسد يونس وجسد الوطن.
لقد تشكّلت شخصية الفلسطيني ومواقفه في "فضاء الموت" هذا، فهو يعاشره ويواجهه، وهو "فراريّ" لا ينسى وطنه ولا ينام، وهو عبورٌ دائمٌ نحو الوطن، غير أنه لا يقبل أن يكون لاجئاً يأنس بمكانٍ خارج بلاده، مما دفع أمّ حسن إلى القول (فلسطين لن تعود قبل أن نموت جميعاً)(8)، لذا انتظم "يونس" في "الجهاد المقدّس" مع عبد القادر رحمه الله وفي "كتائب الفداء العربي" ثم في "حركة القوميين العرب" ثم في "قيادة إقليم لبنان في حركة فتح".
وفي "فضاء الموت" هذا، بدت الأمّ الفلسطينية وهي تروي حكايتها مع الموت والحرب، وتقرأ ما في ذاكرتها المؤلمة، وما تعانيه من أزمة "الفقد"، يتوزّع زمانها بين ماضٍ مؤلمٍ مرتبطٍ بالمذابح، وحاضرٍ ترفض أن تحوّله إلى ملهاة أو إلى مادّة إعلاميّة تثير الحزن والشفقة، ومستقبلٍ دربه شاقةٌ وطويلة، تقول أمّ أحمد السعديّ عن أولادها (أعرف أنهم لا يريدونني أن أحكي عنهم، ربما،كلما حكيت عنهم تذكروا المذبحة، الأموات يتذكرون، والذكريات مؤلمة كالسكين)(9).
Page 6
وفي "فضاء الموت" هذا، ومن هذا الركام الفجائعيّ رسمت الشخصيّة الفلسطينيّة شكل علاقتها بالتاريخ، فكانت عدائيّة تقوم على الصراع. ومن هذا الركام نفسه، تشكّلت في ذهنها صورة التاريخ، فارتبطت بالوحش والكلب والدمّ، رأته ظالماً، مشوّهاً، يكتبه الأقوياء، فيطمسون الضحايا في حياتهم وفي موتهم، وتُنسى قصصهم بمذابح أكبر، وتُقام في الجهة الأخرى النصبُ التذكارية للقائمين على مؤسسة الموت ظناً منهم أنهم بأفعالهم هذه يدخلون التاريخ (ونحن شعب قرّر أن ينسى من كثرة ما تراكمت عليه النكبات، مذابح تمحو مذابح، ولا يبقى في الذاكرة سوى رائحة الدم) (10). دون أن يدري هؤلاء أن الحرب قبرٌ ولا تحتاج إلى أضرحة وشواهد.
ولنا بعد ذلك أن نتصوّر قسوة التاريخ على شخصية ترى آمالها لا تتحقّق إلاّ في فضاءات الموت، و"الوحدة" لا تتجسّد إلاّ في مذابح جماعية ومقابر جماعية، ويصير الحصول على مقبرة "نصراً" و"فوزاً"، ولا غرابة، بعد ذلك، أن تتحوّل، في نظر هذه الشخصية، رموز الحياة والولادة إلى رموزٍ للموت، لذا لم ترَ أم أحمد السعدي في بطنها نبعَ حياةٍ، بل "مقبرة" تفوح منها رائحة الموت والدم بدل رائحة الولادة، فصارت، بعد أن فقدت أبناءها، ترى أنها تنجب الموت لا الحياة، كانت أمّ أحمد السعدي بحقّ أكثر حزناً من مقبرة (الحمد لله أننا استطعنا جمعهم في موتهم،كما جمعهم الدهر في حياتهم)(11)، تزغرد وتهتف (انتصرنا وصار عندنا مقبرة)(12).
إيقاع الموت حاضرٌ في الرواية، يساوقه إيقاعُ الرحيل. في الرواية موتى وراحلون، وفي الرواية بؤسٌ مقيم تمثل في صورة امرئ يخرج من بيته حافياً، في ليلة ماطرة، قدماه تغرقان في الوحول، يركض باتجاه قبر، يمدّ يده كي يمسك بحبال المطر(13)، في صورة تذكّر بصورة الفتاة العارية التي طالعتنا بها رواية "ثلاثية غرناطة" في صفحتها الأولى.
وعلى الرغم من معاناة الشخصيات من جراء النكبات التي تعرّضت لها، إلاّ أنّها حملت أسماء توحي بالأمل وتُقبِل على الحياة وترفض الموت، وتتمحور حول "السلامة" و"النجاة" و"السعادة"، مما يدفعنا إلى التساؤل: أين "سلامة" يونس المُكنّى ب"أبو سالم" الذي لم يسلم من المرض؟، وأين "نجاة" أم حسن التي كانت تُكنّى أيضاً ب"أم ناجي"، التي لم ينجُ أحدٌ من أبنائها الأربعة؟، وأين "سعادة" أمّ أحمد السعدي، بعد موت أبنائها السبعة"؟ وأخيراً، أين "سلامة" سليم بعد مقتل أهله في المذبحة"؟، أمّا خليل فهو صديق يونس ورفيقه وممرّضه وطبيبه.
ويلفت النظر أيضاً ما يتعلّق ببنية المجتمع الفلسطيني، فالنكبات والمصائب التي حاقت بهذا المجتمع جعلت أبناءه يشعرون أنهم جسدٌ واحد، فقد تفرّغت أم حسن للعمل "قابلة قانونية" في المخيم تستقبل المواليد الجدد، وكانت ترى أبناءها الأربعة الذين فقدتهم في كلّ أبناء المخيم، وبذلك صارت الأمّ الفلسطينية أمّاً لكلّ أبناء المخيم، وصار الأبناءُ أبناء لكلّ الأمهات، وبذلك تتكامل دورة الحياة في المجتمع الفلسطيني بين موت وحياة.
يثير وقوفُ الرواية أمام وقائع التاريخ وضحاياه، وأمام الموت والرحيل، لدينا شهوةَ الحديث عن التاريخ كما ظهر في الرواية، وهو ما يشكّل موضوع حديثنا القادم.
Page 7
-3-
التاريـخ:
وقفت الرواية أمام مسألة التاريخ: مفهومه وحركته وصناعته وصورته التي اختلفت بحسب زوايا النظر إليه، في غير محور:
1- فقد نظرت بعضُ الشخصيات إلى التاريخ من زاوية "المصير المحتوم" الذي تنتهي إليه الحياة البشرية، وتذهب هذه الرؤية إلى أنّ الموت حقيقةٌ أزليةٌ وأنه المنتصر الدائم على الحياة، وأنّ كلّ ما عداه وهمٌ: الخلود والنصر والهزيمة. وبالتالي لا قيمة للاستيلاء على أوطان الآخرين طالما أنّ الموت يهزم الجميعَ والأرضُ تحتضنهم، لذا كان صدور بعض الشخصيات من هذه الرؤية اعترافاً بموتها واندحارها أمام الزمن، وتساءلت: لماذا يتقاتل البشر، إذن، إذا كانت الحياة فانية والأرض وارثة؟ لماذا يحتال الإنسان على الزمن بالتاريخ، فيتوهم الخلود ووراثة مَن سبقه؟
وحقيقة الأمر، فقد لاذت الشخصيات بهذه الرؤية من أجل أن تفسّر عجز الأمة وهزيمتها أمام الآخر في أرض الواقع، فكانت مهرباً من الواقع أو ملاذاً، فلا أقلّ من أن تعزّي نفسها، بأنّ الدنيا فانية والأرض تحتضن الجميع، ولهذا راحت تنعت التاريخ باللؤم وكره المنتصرين، بدل التحديق في المرآة وتحسّس الأخطاء والعيوب. وتقترب هذه الفكرة مما ذكره "فيكو" من أنّ "العناية الإلهية" هي التي توجّه البشر بطريقة غير مباشرة، وبالتالي ثمة تاريخ مرّت به كل الشعوب –كل على حدة – في مرحلة نشأتها ونموها وتطورها ونضوجها ثم تدهورها وسقوطها. وأشير في هذا السياق، إلى ما يوحي بالغموض والتعارض والازدواجية في بناء فيكو المذهبي بين "فكرة العناية الإلهية" وفكرة "الإنسان هو صانع تاريخه"، فكيف يتفق أن يصنع البشر تاريخهم في الوقت الذي توجّه فيه العناية الإلهية حركة التاريخ؟ وكان هذا من أسباب عدم فهمه في عصره وإغفاله فترة من الزمن. وهكذا يبدو أننا أمام صانعين اثنين لحركة التاريخ: الإنسان والعناية الإلهية(14). ويمكن أن يُفهم حديث فيكو على النحو التالي: أنّ الإنسان هو صانع التاريخ، غير أنّ هناك مراحل حتميّة في مسيرة كلّ أمة وكلّ شعب في النشأة والنمو والتطور والنضوج ثم التدهور والسقوط، أي أنّ ثمّة حتمية في التاريخ الذي يصنعه الإنسان، وهي الحتميّة التي نجدها في حياة الإنسان "الولادة، الشباب والقوة، ثم الضعف والموت". وهي الفكرة نفسها التي وقف عندها ابن خلدون في مقدمته عندما تحدث عن دورة الحضارات منذ نشأتها حتى انهيارها.
Page 8
2 - المفهوم الثاني الذي توقفت عنده الرواية هو "بشريّة" التاريخ ودور الإرادة البشريّة والفعل الإنسانيّ في صناعته، وهو ما ذهب إليه "فيكو" أيضاً، من أنّ الإنسان هو صانع تاريخه(15)، وما ذهب إليه أيضاً "العروي" عبد الله، من أنّ التاريخ هو تاريخ البشر بالبشر(16)، وأنه محكومٌ بالتغيّر.
بدا في الرواية أن التاريخ العربي المعاصر هو "تاريخ الضحيّة" و"تاريخ الموت والهزيمة"، وهكذا سلّطت هذه الرؤية الضوء على الهزائم (فنحن حتى الآن لم نساعد إلا أنفسنا على الهزيمة، وفرشنا للإسرائيليين أرضنا بدمنا، كي يمشوا عليها منتصرين.)(17).
نشير هنا إلى أنه إذا كان لفظ التاريخ يطلق على "مجرى الحوادث الفعلي"، فإنّنا نتحدث في السياق نفسه، عن "موجدي التاريخ" أو "صانعي التاريخ"، كما نتحدث عن "سلطان التاريخ" حسب ما ذكر هرنشو(18)، وعن "حكم التاريخ".
استعانت الرواية، عبر مساجلتها التي عقدتها بين ثلاث تجارب حضارية: عربية وصينية وإسرائيلية – استعانت بالتجربة الصينية مثالاً على "صناعة التاريخ"، وعلى دور الفكر في توجيه التاريخ وصناعة الواقع، وكيف ينتفض حيّاً بين أيدي مَن يدافعون عن وطنهم. وهي درسٌ تبيّن كيفيّة تحوّل أفكار القادة والأبطال والثورات "ماوتسي تونغ والثورة الثقافية" إلى أفعال بنّاءة ومنجزات تُكسب الأمةَ قوةً وهيبة، وكيف يكون للحرب معنى وللثورة طعم خاص على غير ما وجدنا في حروبنا الداخلية، ومن هنا آمنَ الصينيون أنّ ماوتسي تونغ يعيش ألف سنة أخرى.
إنّ مَن يصنع التاريخ يشعر أنه داخله، ويكتب صفحاته، ويشعر أنّ للغة حياة وأنّ للكلمات معاني وسحراً. لذا كرّر الراوي عبارة "هذا هو التاريخ" باعتزاز(19). لقد وضعت الرواية، عبر هذه المقارنة، أيدينا على مواقع الخلل في مسيرتنا، وعلى النقاط القاتمة في تاريخنا.
لقد صنعت الإرادة الصينيّة التاريخ الصيني وحوّلت الذاكرة/التاريخ إلى برامج وأفعال، وترجمت أفكار قادتها إلى واقع، فأنجزت بذلك معنى الثورة، وصار للثورة الثقافية دورها في صناعة التاريخ الصينيّ المعاصر وللأمة حضورها وهويّتها. وهكذا اقترنت صناعة التاريخ لدى الصينيّ ب"وجود" الأمة الصينية وفعاليّة ثورتها، تظهر من الالتزام بأشكال السلوك العام، وانتهاءً بالاقتناع بفكرة الصراع القائمة على وضوح الرؤية والهدف (في الصين تعلّمنا كيف يعيش الإنسان في التاريخ)(20).
Page 9
يُصنع التاريخ، إذن، ب "بالنحن" وبالثورة، لا بالمصالح الخاصة وكسر رقبة الوطن لمصلحة الخاص، وهذا من بواعث قلق الراوي وهو يقارن هذه التجربة مع التجربة العربية المعاصرة القاتمة، من خلال قضية فلسطين، وهكذا فعلاقة الصينيّ مع التاريخ ودية غير قائمة على الصراع والافتراس، لم يرَه وحشاً أو كلباً كما يراه العربيّ هذه الأيام (في الصين وجدت نفسي في التاريخ، وشعرت بقدرتي على القيام بأي شيء، ولم أخفْ من نفسي أو عليها)(21).
وتجدر الإشارة إلى أنّه لا بدّ من أن تواكِب صناعةَ التاريخ رؤيةٌ نقديةٌ واضحة، لهذا استخدم الكاتب تقنية "المرآة"، كي يشعر صانع التاريخ أنّ عليه أن يكون قارئاً ومقروءاً في الوقت نفسه، بمعنى أنه شخص ومرآة في آن، وأنّ عليه أن يعي حركة التاريخ، حيث يكون الوقوف أمامها وقوفاً أمام الآخر، وكأنه بهذا يرى صورته في الآخر. فالتاريخ، بحسب "مارتن لوثر"، كالمرآة، إذا ما أُمعن النظر فيه انعكست على صفحته النفس على حقيقتها، ومن هنا تبرز أهمية اتخاذه معياراً للحكم على السلوك(22).
3- أما المفهوم الثالث الذي وقفت عنده الرواية، فيركّز على "الوجه الإنسانيّ" للتاريخ، وبهذه الرؤية يكتسب التاريخ صورته الإنسانية الأخلاقية، وبالتالي يصبح الدفاع عن القيم بوّابة واسعة لصناعة التاريخ والدخول فيه، وبمعنى آخر يصبح موت القيم الإنسانية نهاية التاريخ. لذا فلكلّ ثورةٍ هدفٌ إنسانيّ نبيل تسعى إلى تحقيقه إلى جانب أهدافها الخاصة، بل إنّ التزامها بهذا البعد الإنسانيّ الأخلاقيّ يكسبها شرعية إنسانية، لذا أخذ الراوي على رجالات الثورة الفلسطينيّة أنهم لم يدافعوا عن "الإنسانية" التي كانت تئدها الحروب، حين كانت النازيّة تقتل اليهود، في الوقت الذي كانوا يستجدون العطف والمساعدة مثلما يستجدي العرب والفلسطينيون النصرة من الآخرين دون أن ينجدهم أحد، مما يدلّ على أنهم كانوا خارج التاريخ، فصاروا ضحية من ضحاياه (ألم تروا في وجوه هؤلاء الذين سيقوا إلى الذبح شيئاً يشبه وجوهكم؟ لا تقل لي إنك لا تعلم، ولا تقل ما ذنبي؟ أنت وأنا وكل الناس في الكرة الأرضية، كان يجب أن يعلموا ولا يسكتوا ويمنعوا ذلك الوحش من افتراس ضحاياه بتلك الطريقة البربرية التي لا سابق لها. لا لأن الضحايا كانوا يهوداً، بل أيضاً، لأن ذلك الموت، كان يعني موت الإنسان فينا.... ربما كان يجب أن نفهم، لكننا - لكنكم كنتم خارج التاريخ، فصرتم ضحيته الثانية)(23).
إنّ وقوف الرواية عند الصراع العربي الإسرائيلي، من هذه الزاوية، رسالة إلى الصهاينة مفادها أنّ العدوان لا يصنع تاريخاً مشرقاً ولا يسطّر صفحات مضيئة فيه، فالحرب البعيدة عن المعيار الأخلاقي أخرجت كثيراً من الأمم من حضرة التاريخ في وجهه المشرق.
Page 10
ولا بدّ من أن نشير هنا إلى أنّ مفهوم التاريخ عند مؤرخي الإسلام قد ركّز على العبرة، وعلى الجانب الأخلاقي الذي يمكن أنْ يستنبط من وقائع التاريخ، فمسار التاريخ لا بدّ أن ينطوي على حكمة ما(24). وهي الفكرة نفسها التي أخذ بها "هيجل" في ما سمّاه "التاريخ العملي أو البرجماتي"، الذي يهتم باستخلاص الدروس الماضية التي يمكن أن يستفاد منها في الحاضر.(25)
4- أمّا المفهوم الرابع للتاريخ الذي أفرزته الرواية فهو المفهوم "الزمانيّ"، وقد راوحَ مَن نظر إليه من هذه الزاوية بين أن يكون التاريخ "ذكريات"، أو أن يكون "ذاكرة"، وفرقٌ ما بينهما كبير. ف"الذاكرة" رؤيةٌ تستحضر الماضي إلى الحاضر المعاصر، فينبعث حيّاً في الحاضر، ويتمّ إسقاطه على القضايا المعاصرة. كما تستند "الذاكرة" إلى تاريخ الأمة وثقافتها وحضارتها وفكرها وعقيدتها وشخصياتها التاريخية لتشكّل بذلك هويّتها. أما "الذكريات" فتحوّل التاريخ إلى عاطفة، يعود إليه الإنسان حين تهيج عواطفه ويحنّ إليه. وعلى كل حال تبقى "الذكريات" حبيسة الماضي.
تمثل التاريخ، في الرواية، في صورة "ذكريات" في أحيان كثيرة، وترك آثاره في طريقة التعامل معه، واستحال مناسبةَ حنينٍ إلى زمانِ ماض مفقود، مع الاحتفاظ بكل ما يذكّر بالماضي، من مفاتيح وصور وصناديق ومكنونات المخيّلة، إلى حدّ ظلّ سيلُ الحنين والذكريات يفترس حياةَ الشخصيات أمداً بعيداً. لم يتحوّل التاريخ إلى "ذاكرة" يُبعث حيّاً، ولا إلى معاصرٍ يتمّ إسقاطه على قضايا الحياة المعاصرة، إلاّ في حالات نادرة، مع أنّ الرواية تطمح إلى تحويله إلى "ذاكرة" كي لا يظلّ حبيس "الذكريات".
كاد يونس، وهو من مناضلي الثورة الفلسطينية، أن يسقط في دائرة النسيان وأن يتحول إلى شبح من الماضي وأن تطويه متاهات الصمت، بدليل ما كان ينتظره في مشفى العجزة أو المجانين، مما عبّر عنه خليل، الذي كان بمثابة ذاكرة يونس، بغضبٍ (هل نحن شعب بلا ذاكرة؟... أنت وأنا في هذا العالم الذي يقذف بنا إلى النسيان. أنت محظوظ يا سيد يونس. هل تستطيع تخيُّل نفسك من دوني؟ لو كنت مكاني، فقط لفهمت أن الأصعب لم يأت بعد.... وتأتي الذكريات. هل تريدني أن أصنع حياتي من الذكريات؟ أعرف أنك سوف تنتفض وتقول إنك لا تحب الذكريات، فأنت لا تتذكر لأنك تعيش، رقصت كل حياتك على حبال الموت، لم تقتنع أن النهاية جاءت، كي تجلس على رصيفها وتتذكَّر. "نحن لا نتذكر سوى الموتى"، قلت لي، لكن لا، أنا هنا على خلاف عميق معك، فأنا أتذكر عبرك كي أعيش.)(26). ويقول يونس أيضاً (لم أعد كي أنهي حياتي في الذكريات، عدت كي أبدأ، كي لا أنسى الطريق)(27)، بمعنى أنّ "الذاكرة" تتجه نحو المستقبل بعد أن تستحضر الماضي وتفعّله، في حين أنّ "الذكريات" عبورٌ نحو الماضي مع البقاء فيه.
تمجّد الرواية رموز الذاكرة الحيّة لأنها تتجه نحو المستقبل، وتشفق على من يتعلّق بالذكريات، لأنها تتوقف عند أعتاب الحنين العاطفي، مثلما أشفقت "نهى" على الرجال (لأنكم تعيشون في الذكريات، ولا تجدون غير الماضي متكأً لحياتكم)(28). وهكذا، يبدو أنّ الجدّة كانت تستمد وجودها من ارتباطها بالماضي، لهذا كانت حريصة على أن تشمّ رائحة فلسطين في مخدتها المحشوّة بالأزهار الفلسطينية عندما تتوسّدها، وحرصت أن تودعها لدى الراوي قبل موتها. بدا الفلسطينيون في الرواية وهم "يسقون صورة ماضيهم ماءً" فقد كانت جدة خليل تسقي صورة والده الميت، لعل الماضي ينهض من جديد ويحتل الحاضر (29).