الجــــــــــــزء الأول
«حمــــــــــــــــــرا الموت»
«كان أحمد ذا قدرة جبارة. ويُعدُّ عملاقاً ـ إذ يبلغ طوله ستة أقدام، وسيماً وشجاعاً ونادر المثال وكنا نسمع عنه الأحاديث التي تصفه بالاتزان بين البدو وتقول : «آه» عليك أن تري أحمد الموالي.. مظهره وحده يجعل ثلاثين شخصاً يفرُّون من أمامه، كان عمود رمحه بطول ستة عشر قدماً وفي جسمه آثار لجروح قديمة متعددة»..
* الليدي ـ آن بلنت/ في كتابها «قبائل بدو الفرات»
«تزامنت فترة ازدهار مملكة الموالي مع الحقبة التي أغلق البرتغاليون فيها البحر الأحمر، فصار على تجارة الهند أن تبحث لنفسها عن طريق بري يقود إلى الغرب، وما لبث أن وجدته في عانة، النقطة المركزية في شبكة طرق قوافل واسعة الانتشار، التي التقت فيها طرق البصرة وبغداد والموصل، وانطلقت منها إلى حلب وطرابلس ودمشق. وكانت عانة مركز سلطان أبي ريشة الجمركية، المنفصلة عن الجمارك التركية في الطيبة ـ بالنسبة لحلب ـ والسخنة ـ بالنسبة لدمشق وحمص وطرابلس ـ أما رسوم السفن التي كانت تمخر الفرات نزولاً، فكان الأبوريشة يجبونها في مكان يقع بين بيرهجك وقلعة جعبر، اعترف الأتراك بدولة الموالي، وعينوا حاكم الأبوريشة بيكاً على سنجقي دير الرحبة وسلمية وعانة والحديثة، ورصدوا له مبلغاً مالياً سنوياً وقدموا الهدايا الشرفية المألوفة عند تعيينه»..
* أوبنهايم «البدو ـ ج1»
الزمان لن يُخفق في تذكرها حين يهطل التاريخ، لأنه يستطيع الآن أن يسمع ما رآه يوماً. لا لِص يقدر على اختلاسها من خزائن الأمس ولا سكير يمكنه أن يعبث بسرابها الضخم. أي أزل ذاك الذي اكتسحته «حمرا» وأدهشتنا نحن الفانون؟!
بعضهم قُلْن إنها كانت ساحرة، حرقت حافر حمار وحش وسحقته واكتحلت به. هكذا قالوا عن سر نظرتها الذبّاحة. جسدها كان خالياً من الشعر مثل مرآة. بنات عمها قُلْن أنها صنعت خلطة من مخ أرنبة ومرارتها، تحول دون إنبات الشعر المنتوف. وحمت بشرتها البيضاء القرنفلية من النمش الذي تسببه شمس الصحراء بمرهم، قيل إنها كانت تصنعه من مرارة ذئب مخلوطة بالورس. ومن دم أفعى وزيت نبتة صحراوية صنعت ما يجعل شعرها طويلاً كثيفاً لا يمكن لأنثى أخرى أن تنافسها بطول جدائلها. وانتقمت لأمها التي ماتت مقهورة بسبب زوجة أبيها الثانية، بأن جعلتها تبول على بول ذئب فعقمت. وحين هزل صقر اسمه «المختلس»، كان لأبيها، عالجته وجعلته يسمن بعد أن ألقمته على يدها لحم هدهد حي غير مذبوح ولحم قنفذ منقوع بالخل، فسمُنَ وعاد يرافق أباها في صيده. لم تكن تحب الغزلان ولا الحبارى ولا القطا. كانت تحب الطيور الحرة وتعرف كيف تعاملها. لهذا ـ كما قيل ـ كان لها سطوة على الرجال.
أنثى، تعرف كيف ترفع البرقع عن وجه الجارح، تبعد وجهها عن رأسه، لأنّ أوّلَ شيء يفعله هذا الطائر، حين يفتح عينيه، هو النظر في العيون. ينظر إلى عينيك مباشرة، فضولي ونبيل، يتصفح الوجوه ككائن حر بالمطلق. يهوى العيون التي تحمل بريقاً مجلوباً من تاريخ سحيق.
كانت تعرف أن الرجال الحقيقيين مثل الصقور، لايحبون الدخان والغبار والحائط والباب والأجمة والمرأة الحائض. وحين كانت تقلع عن زيارة طير أبيها في «الرَبْعة» كان الجميع يحزر بأنها حائض.
«حمرا»، كانت رشيقة كغزالة، متنبهة كثعلبة، شريرة كعفريتة، فخورة كملكة، إلى أن تأتي اللحظة المناسبة وتعلن عن حقيقتها بغتة واقفة مثل كوبرا.
للجمال عند أهل الصحراء منطق، وأكثر من شرط، وأسرار كثيرة. لا يكفي أن يكون فاتناً، لابد أن يكون جارحاً أو ضارياً..
عذوبة الملامح يجب أن تسرّب مرارة غير مفهومة. كذلك لابد للجمال أن يكون هادئا لا ينبس ببنت شفة وأن يكون حرّاقاً بشكل ما. أيضاً يريدونه مسيطراً، ويخلِّف الحسرة أينما حلّ.
وتحدث الحياة في صحراء مبسوطة مثل قماشة حرير ذهبي يفردها تاجر أمام امرأة ثرية.
الصحراء: المكان الذي يعطيك حرية إلى حدّ العصيان.
في ذلك الزمن لم تكن الظباء خرافة كما الآن، ولم تكن الصحارى مشقوقة بإسفلت الطرقات أو مشوهة بأعمدة كهرباء.
قبل سنين طويلة، حين كانت الذاكرة ترتسم بخطى ذئب، كان هنالك البدو، أبناء الصحراء الخام. البدو لم يلعبوا الشطرنج ولا الكوتشينة ولا البلياردو، هنالك لعبة واحدة فقط: القدر.
فيما السراب السيد ذو الشوارب في الصحراء يلحس كل قشدة الأرض ويحولها إلى أكاذيب رائعة الغواية.
«فارس على حصان أبيض، فارس الأحلام».
ربما البدويات هنَّ اللواتي سربن هذا الحلم إلى باقي إناث الأرض، كذلك جميعنا نعرف أن الأذن تعشق قبل العين أحياناً.
هكذا عشقت «حمرا»، ابنة شيخ عشيرة «طي»، أحمد بيك الأبوريشة أمير قبيلة «الموالي»، وواحداً من أشهر محاربي الصحراء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
أحمد، كان قد لُقِّب بالبيك تودداً من باشا حلب لخاطر ضمان سير القوافل بين الشام والعراق وتأمينها من تعدِّي القبائل. كان يتقاضى مبلغاً سنوياً من والي حلب لقاء حمايته قراها من طغيان العشائر الأخرى، ولقاء ذلك أخذ أيضاً بضعة قرى إقطاعاً له.
كانت «حمرا» جميلة و ذكية، أي خطراً صافياً يمشي على قدمين. ومثلما فعلت «سعدا» ابنة الزيناتي خليفة يوم عشقت عدو أبيها، «مرعي» ابن الأمير «حسن» أمير بني هلال، وقعت «حمرا» بغرام البيك وأنجزت رسم فارسها على الرمل، فيما الشعراء الجوالون يتناقلون سيرته ومآثره، والسراب يمر محملاً بالأحلام ببراءة عابر سبيل.
مع أحد أولئك الشعراء، أرسلت «حمرا» في طلبه دون أن يرفَّ لها جفن. ضد القدر، ضد المنطق، لا فرق، لا يهم، كانت تريده بكل ما أوتيت من شغف ومكر وثبات أعصاب.
وعلى الدروب المتيقظة، التي أثثها الامتداد، مشت «حمرا»، وفي عينيها نظرة عميقة واسعة، كصياد أرسل صقره يجلب له الطريدة بعد أن يفقأ عينيها.
صبرت «حمرا». ججفف انتظارها تحت شمس غرامها الساطعة. هناك.. لا شيء متاح سوى الصبر، ولا بد من إتقانه إلى حد أن يكون «صبراً جميلاً».
كان على حامل رسالة «حمرا» الشفهية إلى «أحمد بيك»، أن يعبر تلك المسافة المترعة بالقبائل المتحاربة، نزولاً من الشمال، حيث قبيلتا «طي» و«شمر»، إلى الجنوب حيث يخترق خط التلغراف أعالي الفرات واصلاً بغداد، بعد أن نصبته الحكومة التركية خصيصاً لمراقبة قبيلة «العنزة»، وعليه أن يجتاز المراكز العسكرية التي بناها الأتراك على بقايا الثكنات الرومانية، التي أنشأها الروم في بلاد مابين النهرين لمراقبة البدو وكبح جماحهم...
ووصلت أشهر رسالة حب في تاريخ البدو. قصفته «حمرا» برسالة حبها وبادلها الفتنة عن بعد، وجهز «أحمد» بيك الأبو ريشة أربعين فارساً يعدون وراءه في أشهر رحلة عرفتها البادية لجلب عروس.
يقال إنّه وضع شرطاً لمن يريد مرافقته من الرجال أن يكون لذقنه شعر يقف فيه المشط، وكان يقصد بذلك أن يضمنهم من المقاتلين الناضجين. لكن فتىً يافعاً من القبيلة كان يرغب في أن يكون ضمن رجال تلك الغزوة، ولم تكن لحيته قد نبتت بعد، فكان أن غرز أسنان المشط بلحم إحدى وجنتيه، ووقف بين يدي «أحمد» بيك بوجنة دامية، يريد الذهاب، وكان له ما أراد.
لم يكن سهلاً بالمطلق انتزاع ابنة باشا عشيرة «طي» التي كانت تعيش مرتحلة من الخابور إلى ماوراء دجلة وصولاً إلى جبل حمرين، وكانت في وقت سابق مكلفة بحماية الطريق من ماردين إلى الموصل وفرضت رسوم مرور على المسافرين بأراضيها، وشغل مشايخها منصب «بيك سنجار». تقدم قبيلة «شمر» شق قبيلة «طي» إلى مجموعتين: جزءٌ اقتصر وجوده على منطقة القبيلة الأصلية حول جبل سنجار، وجزءٌ أصبح في ضواحي أربيل في الجانب الآخر من دجلة. و«حمرا» كانت من الجزء الأول الذي يمضي الصيف بين خط سكة الحديد وأرض الجغجغ وصولاً إلى جدول دمير قابو، والشتاء عند أقدام جبل سنجار، تتوزع مراعيهم شرق نصيبين وجنوب شرقها. وهنالك كانت «حمرا» تنتظر.
في عزِّ الظهيرة غزا قومها، وبلغ منزل أبيها المرفوع على أحد عشر عموداً. كل عبيد أبيها قتلهم البيك وجندل واحداً من أشقائها وعقيد حرب قومها، وأخذ «حمرا» معه مكرساً بذلك حقيقة أن الحب كلمة مكتوبة على أسلحة المحاربين وتيجان الملوك وروائع سرديات الزمن، كل أشكال الحياة المتألقة. للحبِّ أثرٌ من دم.
كانت يومها ترتدي الجوخ الأحمر، وكان الوقت ربيعاً، من ذلك النوع الذي يسميه البدو ربيع «الطفحة»، حين لا يتوافر مرعى خصب في المنخفضات وحدها بل يملأ الشعاب و المنحدرات، وتفعلها الأرض وترتجف من الوريد إلى الوريد، وتبزغ شقائق النعمان لتقهر شحوب البوادي وعزلة لونها الغباري المضلل وتقول لكل عابر: اقرأني قبل أن أتلاشى ويهيم جنوني الأحمر على أجنحة الريح، احفظني مطرزة، مخيطة بهدب عينيك مثل ومضات نار أصيلة.
كما أرادت «حمرا» جاء البيك على فرسه البيضاء الشهيرة ليختطفها وسط الدماء والدموع ونحيب الأمهات اللواتي ثكلتهن «حمرا» بسبب خفقة قلب.
تحت أنظار القدر والعشيرة غادرت «حمرا» مع فارسها. ومنذ ذلك اليوم أصبح اسمها ««حمرا الموت».
في تلك الليلة ذاتها ألقى أحمد بيك سلاحه ليتفرغ للحب، وحين جذبته تلك الرائحة التي انبعثت من بين فخذيها تأكد من تلك الخرافات التي سمع الناس يحكونها عنها، إنها ساحرة بشكل ما، وإلا كيف لأنفه أن يشم رائحة مدوخة من عضو ناعم كما لو أنه لطفلة. وأخيراً رأى ذلك الزنار المجدول من الصوف بعقد غريبة. يقال إنها تمائم فتاكة مضفورة بالزنار، وأنه مشغول من شعر ذنب ضبعة، ضربته «حمرا» بالصوف وموَّهته عن العين المجردة، وصنعت زنارها الذي لا يقدر على فكه إلا رجل اصطفاه القدر لها. بيسر فكه البيك بأسنانه ورماه جانباً وهي تومض رقيقة مذعنة إلى أن هبت ريح نشوة حادة استقبلها جسدها الحار، والبيك يضاجع «حمرا» حتى طلوع الفجر.
«فوجئنا في اليوم الثاني من وصولنا إلى نصيبين بقدوم مجموعة تضم زهاء عشرين بدوياً إلى مخيمنا، فقد كان رجال الباشا الذين رافقونا من دير الزور إلى هنا قد أرسلوا إلى سيدهم يخبرونه بعزمي على زيارته، فأرسل الشيخ هذه المجموعة من الفرسان لترافقني في طريقي إليه
وكان على رأس هذه الكوكبة من الفرسان صبي رائع الجمال في الثانية عشرة من عمره، هو الابن الثاني للشيخ، كان الفتى يحمل مثل رفاقه رمحاً طوله خمسة أمتار مما يجعله يضاهي أربع مرات قامة البطل الصغير نفسه، وثبّت الفرسان رماحهم في الأرض في صمت أمام خيمتي وحيوني بالطريقة الاحتفالية المعروفة»..
* أوبنهايم 1889
«حمرا» كانت تعرف عن الصقور أشياء كثيرة.
كانت تكثر حمل صقر زوجها في الشتاء ليلاً، وتطعمه قبل يوم صيده بيوم واحد فرخ حمام شرب خلاً صرفاً، وتدهن منسره بزنجبيل مدقوق مع سرة حصان، وتوصي عبد زوجها: «قبيل إطلاقه على الفريسة، ألقمه قطعة لحم منقوعة بالخمر ذلك يدفعه على الإقدام أكثر».
وتعرف أنه يمكن للطير أن يغادر صاحبه بلحظة حنين عاصفة للبرية. الصقر ليس جارحاً غادراً، لكنه يمتلك ذاكرة. في الربيع يراقبونه جيداً يدللونه لأن رائحة الربيع مغرية. قد يحلق وراء طريدة وفجأة يشتهي عباب الوطن وشبقاً إلى السفاد، قد يرحل نهائياً. لهذا جعلت «حمرا» الكافور في مائه لتبتر شهوة الحب لديه فينسى الأنثى.
كان «أحمد» بيك يفضل الصقر الذي يحوم على سمت رأس صاحبه، يرى في ذلك علامة الأمان والتعلق، فعلى الصقور أن تحبّك لتظل رفيقة أيامك.. وليست كل الصقور سواء، إنها مثل الخيول، لها علامات الجمال والنبل التي تميزها: «أن يكون العظمان اللذان عند الفخذين مستويين معتدلين غير مختلفين، والعرقان اللذان في أصل الجناحين نافرين، والجارح الفطين لا يُضيع فريسته ويحرك ذنبه قبل الصبح».
حتى ذرق الصقر كانت «حمرا» تعرف دلالته، ذرق الطير السليم يجب أن يكون متصلا غير منقطع.. وإذا لمحت فيه الدود تنقع اللحم بماء مع حب رمان حامض ثم تطعمه. وإذا كان لا يهدأ على دكته ينزل ويصعد فإنه يعاني من البواسير، تحقنه بزيت الكتان أو تولج في دبره زيت البطم، إن رأته يرفع رجلاً ويضع أخرى نافشاً ريشه تعلم أن به برداً، وإن رأته فاغر الفم، يلهث، لسانه بارز، وجاحظ العين، منضم الريش والجناحين، تعلم أنه مصاب بالحمى، فتقطر في منخره ماءً فيه كافور أو ماء الورد أو البنفسج، وتدهن بها رأسه ثم تطعمه لحوم فراخ بعد إلقاء أجوافها وتحسير ريشها، أيضا يمكن للصقور أن تصاب بعدوى القمل، «حمرا» كانت تدهنها بمغلي الحنظل البارد تنفخها أسفل رقبته وتحت جناحه. تلاعب طيورها، تحب فيها الغموض المستفز في عيونٍ سوادها حارّ عميق، تلمح حزن الصقور في أسرها. الفرح لا يجتمع مع الجمال، والجمال مع الحزن، مشهد يتاح للعين، يربكنا في الغالب ويتركنا متحسرين نادمين على أشياء لم نعرفها قط.
* * *
للبياض درجات.. ولجمال النساء هندسات.
في رأي أهل الصحراء على الأسماء أن تشبههم، أن تكون مثلهم. وللأسماء لديهم شروط، وظاهرة قلب الأسماء أو تعديلها أو تغييرها ليست موجودة إلا عندهم. فيحدث أن يسموا طفلة «نسمة» وإذا ما كبرت قليلاً وأثبتت أنها صعبة الطباع ولا تشبه النسيم بشيء فإنهم يبدِّلون اسمها ويصبح «عنوداً».
مباشرون وصريحون عندما يختارون أسماء الإناث: فهدة، زبدة، نجمة، فضة، زينة، ثريا..
البيك سمى ابنته الصقيلة البشرة والبيضاء الشفافة مثل مرآة، التي أنجبتها «حمرا الموت»: «مراية».
بعد سنوات قليلة ماتت «حمرا» بداء غامض، وبلهفة سرى خبر موتها بين العشائر، لم يبكوها، لكن فجعوا وصمتوا.
عاد «أحمد» بيك إلى أحضان زوجته الأولى التي كانت قد أنجبت له ستة من الذكور. لكنها لم تحظَ به ليلة واحدة عقب اليوم الذي دخلت فيه «حمرا» حياتها كزوجة ثانية وكضرّة مُرّة.
ماتت «حمرا» دون أن يعرف أحد السر الذي جعل البيك لا يرى في الدنيا غيرها.
الحسناوات دائمات الحضور بين العرب، وعقب وجود «حمرا» في بيت البيك برزت منافسة لها. كانت واحدة من بنات عم زوجها، بدأت الفتاة التي لم تكد تتجاوز السابعة عشرة من عمرها بمناورة «حمرا» عن بعد. في حفلات الزفاف والأعراس تغني الفتاة عن خصال أمير عشيرتها، وعقيد حربها، وتذكر مناقبه في القتال ومآثره في الحروب وسوق الغنائم لأهله. ظن الجميع أن تلك الفتاة الجميلة والتي تصغر «حمرا» بعشر سنوات قادرة على سلب قلب البيك.
يبدو أن «حمرا» لم تنتظر حدوث ذلك، ففي ليلة كان فيها القمر بدراً كاملاً، نهضت الفتاة وهي تصرخ متألمة، حار أهلها بأمرها، كانت تضع يدها على بطنها وتصيح: «سكين.. سكين في بطني».. لم يطلع الصبح إلا والفتاة كانت جثة هامدة.
النساء كن على يقين أن «حمرا» فعلت شيئاً ما، لكنهن لذن بالصمت خوفاً من أذاها. و عقب موت الفتاة لم تجرؤ امرأة على النظر صوب البيك، إلى أن توفيت «حمرا الموت»، وبدا السراب مثل كذبة عزلاء.. ويختل مزاج الصحراء لأدنى صوت يخرج من حنجرة قُبّرة.. وهات صبرك يا «ذيب».. الغزالة جعلت عليك النوم حراماً.
في الفسحة بين الصحراء وظلالها، حرب صغيرة تضع أوزارها..
الفــــــــــــرس «رفعه»
الشمس والهواء والسماء هناك تتحالف في وجه منطقك وتتوصل أناملها إلى تشكيل كل شيء.. السراب، ووسط سيوف الزمن اللامعة تعثر على إثارة الحياة، إنها «تَنْوجد» وعليك أنتَ أن تجد لها كل المبررات التي تسوِّغ لهاثك خلفها..
«الرثوعي» كان حصاناً أدهم مثل عتمة ليل شتوية، يملكه رجل اسمه فيصل، شيخ لواحدة من عشائر العنزة، وفي بقعة ليست ببعيدة هنالك فرس اسمها «رفعة» وسيمة، حسناء، ضامرة الخصر مثل امرأة، دقيقة الخطم رفيعة الشفتين إلى حد أن صاحبها «طراد الزبن» شيخ بني صخر كان يشرّبها الماء من القدح الصغير الذي يشرب فيه، مرّّ على بلوغها عامان ويرفض مالكها «طراد» تشبيتها.
كان «فيصل» يقول: من يحضر لي الفرس «رفعة» أزوجه الفتاة التي يريدها.
«طراد» الناحل الذي له وجه صقر، مثل أي بدوي حين يغار على أنثاه، لم يرض لفرسه رفعة أن يقفز عليها إلا أكثر أحصنة الصحراء نقاءً و أصالة. وأخيراً اختار لها «الرثوعي». لكن هنالك مشكلة، ثمة عداوة قديمة بين قبيلة العنزة وبني صخر، «طراد» الذي كان مقاتلاً شهيراً بين العرب، كان عنيداً مثل صخرة، أرسل إلى «فيصل» صاحب «الرثوعي» يعرض عليه عروضاً مغرية لتشبيتها طمعاً بالحصول على مهرتها.
وفي الربيع الثالث على بلوغ «رفعة»، قرر «طراد» قراراً فيه غاية المخاطرة والجرأة، سرى ليلاً صوب الشمال إلى البادية الشامية وصباحاً قبيل الفجر وصل بيت «فيصل» صاحب «الرثوعي»، كان أهل البيت نياماً. بهدوء وصمت ربط فرسه بالواسط، والواسط هو العمود الذي يتوسط الربعة أي مضافة الرجال وعادة حين يربط بدوي فرسه في ذلك العمود بالذات، يكون بذلك إشارة واضحة لاستجارة وطلب كبير، لفّ «طراد» نفسه بعباءته ونام في أحد أركان الربعة.
استيقظ «فيصل» صاحب البيت ورأى الفرس على تلك الحال والضيفَ غارقاً بالنوم. سأل خادمه الذي كان يحضر القهوة فأخبره أنه استفاق ووجد الفرس وصاحبها على تلك الحال.
كان البدو حين يصفون «رفعة» يقولون: «مالها ناجز» أي لا شبيهة لها، فتنة تلك الفرس الخرافية لم تفت «فيصل» وراودته الشكوك بأن ضيفه هو بذاته «طراد الزبن».
حين استفاق صاحب «رفعة» وجلس بمظهر المطمئن سأله «فيصل»:
ـ هذه رفعة وأنت «طراد»؟!..
ـ كله؟..
ـ ألله لا يرحم أبوك..
قال ذلك «فيصل» وقد سحب رمحاً قصيراً يسميه البدو «شلفة» وقال مهدداً:
ـ براس الشلفة أذبحك وآخذها..
ـ إذن أنا داخل عليك، قال «طراد» ذلك وهو يشير إلى الفرس المربوطة بعمود الواسط.
ـ ما الذي أتى بك وتعرف أني «أتوعدك»؟!..
ـ لن أحل رسنها من الواسط إلا إذا لقحت من «الرثوعي»..
ـ إذن تعاهدني بالله أن لا تلد إلا بالمكان الذي تشبَّت فيه.
ـ أعاهدك والله.
أحضر «فيصل» وجهاء عشيرته وذبح خروفاً وعقب الغداء شهّد الحضور على العهد الذي قطعه «طراد».
في صباح اليوم التالي قصدوا واحدة من الفياض الخصبة القريبة من مضارب العشيرة وخيموا هناك بانتظار أن تلقح «رفعة»، في المرة الثانية حين أقبل «الرثوعي» صوب «رفعة» أعرضت عنه، وتأكد «طراد» أن فرسه لقحت. غادر كلٌّ إلى أهله بانتظار الموعد ذاته بعد سنة في الفيضة ذاتها.
بعد عودته ذبح «طراد» جزوراً ودعا أبناء عشيرته للعشاء في اليوم نفسه وأعلن أن رفعة لقحت من «الرثوعي».
الشمس المتخثرة تعبر سطح الأرض، ومثل نبوءات حلم يخرج السراب وعن بعد يمنحك عربوناً لتلتزم بملاحقة آثار خطوه.
البادية لا تتقن دبلوماسية انتقال الفصول، في الشتاء تنام نوم المومياءات الأزلية، بعد عشرين كانون الثاني ثمة سبع ليال يسمونها «سبع سم»، ثم تليها سبع دموية يسمونها «سبع دم»، ومن عمق الشتاء تستيقظ وتبدأ بالتحرك، تبدأ بالبريق وتطير بذرة ربيعها وتنبض شرايينها النائمة وتنفخ الدفء في أمعائها، وتلفح الأفاعي والعقارب بلطفها، و تستفيق الزواحف وتخرج من سباتها وجحورها، ويسمون تلك الأيام «طلوع الخبايا» يرشق دفؤها بطنَ الأرض وتعطي أمانها للزواحف بأسرها، وبسرعة تتقد الشمس ويهجم الصيف بحره وقسوته وتتحول البادية إلى سهول واسعة مستوية متشابهة المشاهد.. أفق رهيب وصمت لا تخوم له، الشمس مثل الصحراء أنثى.
يحبون الطلَّ، يطفئ ظمأ الغزلان وبقر الوحش، ويقولون بأن القمر يرسله، يعدوّن الضباب من عمل الجن ويظنون أنه يسمع مثل البشر ويخاف الثعالب.. حتى الخيول تكره الضباب وتعشق الربيع.
في الربيع التالي عاد «طراد» مع «رفعة» لتلد في الفيضة ذاتها كما وعد «فيصل» صاحب «الرثوعي».
وضعت فرسه مهرة دهماء بنجمة بيضاء على جبهتها، وغرّتها تصل أنفها، خلال ذلك لاحت له عن بعد «شلفة» فيصل على ظهر «الرثوعي» قادماً يلوّح بسلاحه، يومها قال له: «براس الشلفة» يعني أنه سيبارزه ويأخذ «رفعة» ومهرتها بعد أن يرديه.
«فيصل» كان مع سربة خيل من قومه، و«طراد» وحيداً مع فرسه التي وضعت لتوها، لكز «رفعة» و راحت عضلاتها تحيل المسافات إلى هباء وكأنها موشومة بريح، حين بلغ تخوم ديرته كانت المهرة الدهماء تلحق بأمها على مسافة لا تزيد عن الخمسة أمتار، طوال مدة المطاردة لم تقصر عن أمها. يومها كان «طراد» قد قال لنفسه: إذا لم تلحق مهرة «رفعة» بأمها فليهنأ بها «فيصل»، لكن المهرة استطاعت اللحاق بأمها وأصبحت من نصيب «طراد».
يومها ذبح «طراد» جزوراً ودعا رجال القبيلة ليحكي لهم ما حدث وكيف المهرة لحقت بأمها وخلفت وراءها «الرثوعي» بذاته وعلى ظهره «فيصل» دون أن يقوى على اللحاق بها.
خوفاً على مهرته «الدهماء» من العين الحاسدة، سماها «خَرْما» كلمة رديفة للقبح والتشوه عند العرب.
يحتفي «طراد» بفرسه الجديدة وتدور القهوة على الضيوف ويندلق البنّ من ثغر الدلة المزموم.. غامضاً وجديداً وسلساً مثل طراوة النسيان.
وفي الخارج تلك الأرض البطحاء الفسيحة تدلق عسلها السرابي وتهمس من وراء الصدى: جاءت الغزالة.
«قطنة»
«كانت لا تشبه أيَّ امرأة أخرى رأيتها في حياتي، كانت أنثى مثل أنثى أي حيوان، ثمة شيء فيها حاد وموجع مثل حدّ السيف»..
* الأمير أمين أرسلان/ الذي رأى «قطنة» مرتين في عمان
«كان هذا من جيل مضى، ولكن الذين عرفوا «قطنة»، وتحدثوا معها من بني صخر والسردية كثيرون، وكثيرون هم الذين مات آباؤهم وإخوتهم «منشان عيون «قطنة»» عندما التهبت فتوتها البهية، وروت الصحراء بالدماء من تدمر حتى حدائق بغداد»..
* الكاتب والرحالة الأمريكي/ ويليام ب. سيبروك
يقيناً عندما يشذِّب العرب أنوفهم فإنهم لن يروا النجوم مجدداً، كانوا ينظرون بأنوفهم. يتلألأون طاغون جريئون معسولون، في أنوفهم دهشة الأصول والسراب حولهم يلفّق بطباشير كذبه شتى الحكايا، تطفو مثل زبد فوق ذؤابة الأفق.
يُحكى أن «ابن الكنج» شيخ قبيلة السردية في بادية الأردن غزا الجزيرة الفراتية في سنة محل، رافقه أكثر من خمسمئة فارس ونهب الأعلاف من مخزن للأتراك، خلال ذلك بلغ ضفاف الفرات. وكان بياض القطن قد سيطر على محيط النهر.
بدوي على ظهر فرسه يقف على مشارف الفرات، ما الذي فتنه أكثر شيء؟!.. إنه القطن، جمالٌ في مكانه الصائب.
عند الفرات اصطبغ كل شيء بلون الهوى، الماء يسابق رغباته، وأشجار الطرفاء تنصب الأعشاش مثلما تخبئ الكمائن لشتى أنواع الطيور. لكن القطن وحده أثار دهشة «ابن الكنج»، ورأى أن القطن شطحة من شطحات الطبيعة، كان لأول مرة في حياته يبصر تلك الزهرة النقية.
عاد إلى ديرته مفتونا بذلك البياض، حدَّث زوجته التي كانت حاملاً عن جمال القطن وبعد عدة شهور ولدت طفلة بيضاء كالقطن، فسماها ابن الكنج: «قطنة».
يومها في الخارج كان الربيع بدأ، وشقائق النعمان تتشمم طريقها إلى السماء.. للريح هناك رهافة غبار الطلع، وعنوة ينفخ ريحه «الحظ» في ظهر الكلمات فتبدل أماكنها ويحدث ما يحدث...
والسراب يمزج الخدعة بخدعة، وعن بعد يتحكم بانطباعاتك حوله، يخلط الورق والتواريخ والأيام وأخيراً يبلغك يقينٌ، يقول لك: أن لا شيء نعرفه يشبه السراب غير الحب.
* * *
«ومن الأحداث المشهورة بشكل خاص الحرب التي اندلعت، بسبب وقوع «طراد بن الزبن» في غرام الفتاة الجميلة «قطنة»، أخت متعب شيخ السردية. وقد وصف بالتفصيل هذه الحرب كل من شوماخر وموزيل»
* أوبنهايم ـ «البدو ـ ج 2»
عصفة ريح تكفي لتؤرجح السراب ولك أن تتوقع احتمالات كذبته القادمة في عمق الحقيقة التي تتسع لكل القتلى الذين تسببت بموتهم «قطنة» من بني صخر والسردية والرولة من العنزة.
حين بلغت «قطنة» الخامسة عشرة كان والدها ابن الكنج قد مات وتركها في عهدة شقيقها الأكبر «متعب»، وبدأ صيت حسنها يجتاح الصحراء، وحين بلغت العشرين كانت أينما مشت سحلت وراءها العيون.. وكأن الزمن ذاته يقول لك: إِصغ قبل أن تنظر، فالجمال قد يخضلك بالعمى ويغافلك وحش القدر الخرافي وتتلوى وتتشابك المصائر تحت دواليب السراب..
في ذلك الوقت كانت الصحراء تضج بتحركات القبائل وكثرة النزاعات بينها، كان بنو صخر والسردية والسرحان والعيسى والفحيلية يجمعهم حلف يسمى حلف «أهل الشمال» وهذا الحلف كان في حال قتال دائمة مع عشائر «عنزة» التي قدمت مهاجرة من نجد واصطدمت بقبائل البادية الشامية مثل قبيلة الموالي في ديرة الشمبل، وقبيلة شمر في الجزيرة الفراتية، فاضطرت «العنزة» إلى بسط نفوذها على جنوب الشام وأصبحت الحرب سجالاً دامياً بين «العنزة» وحلف أهل الشمال..
ذات مرة و بغياب «متعب» مع خيرة الفرسان عن المضارب، غزتهم عشيرة «الرولة» من «عنزة» ونهبتهم وخلَّفت واحداً من أشقاء «قطنة» قتيلاً، وعشرة مدافعين آخرين.
بعد انتهاء الغزو علا صوت عويل النساء وبزغت «قطنة» على ظهر ناقة بيضاء مغطاة بحرير أحمر و قد ضفَّرت ليرات الذهب مع شعرها ووراءها خادمتها على ناقة حمّلتها كل ذهبها وحريرها، ساقت الناقة تشق طريقها بين الرجال الذين ظلوا في المخيم، وتخاذلوا وقصروا عن اللحاق بالغزو الذي راح ضحيته خيرة من شبان القبيلة، والعربية حين تفعل ذلك كأنها تسلم نفسها للعدو لإلحاق المزيد من العار بقومها إذا ما رأت فيهم جبناً أو خوفاً.
وخرجت من فمها كلمات قصيدة شهيرة لا زالت تحفظها الصحراء، تُذلّ فيها أبناء قومها الذين تأخروا عن اللحاق بالغزو وأخذ الثأر للقتلى. وتسربلهم بالعار الذي يلحق براكبي عتاق الخيل، وحاملي حدب السيوف القابعين بالمضارب، يبكون ويندبون مثل النساء.
على أثر تلك الحادثة ذاع صيتها أكثر وراح يتقدم لها الخاطبون من أنحاء مختلفة من البوادي والصحارى.. خرافتها كانت بحجم خرافة، أن تولد «هيلينا الطروادية» في الصحراء.
الصحراء ذلك المكان الذي اختلسه الأدباء ليحركوا عليه أبطال قصصهم الرومانسية، زارها الجواسيس ليعرف التاريخ شيئاً اسمه الاستشراق، وللأنبياء سيرة أخرى مع الصحارى: إنه الوحي.
أما «قطنة»..
فيما السراب ذئباً ينام بإحدى مقلتيه.. ما زالت البوادي ترتجل حكايتها، وثمة معادلة هناك تقول: الحسناوات يشعلن الحروب ويكُنَّ سبباً بالسلام. وبعض أشكال الحب تشبه الخمر وقد صُنع من عنب الثعلب.
«قطنة» عَشقت..
حدث وأن اختار قلبُها الرجلَ الناحل ذاته الذي خاطر بحياته لتقفيز «الرثوعي» على فرسه «رفعة»، «طراد بن زبن» شيخ بني صخر، أحد الذين رأوه وَصَفهُ بقولهِ: «له جسم نمر نصف جائع».
يحكى أنها رأته وحدها مرتين فقط، أول مرة جلس صامتاً أمامها وراح يرسم بإصبعه على الرمل خطوطا متشابكة عابثة. ونهض لا فرحاً ولا حزيناً ولا قاسياً ولا رقيقاً، لكن صامتاً مثل ليلٍ شتائي غير منتهٍ. رغم أنها لم تسمع صوته في تلك الليلة، عرفت «قطنة» أن «كل صوت سواه صدى يتلاشى»، في المرة الثانية كانت ترتجف، وضحك هو، ثم قام ومضى.
في اليوم التالي قصد شقيقها «متعب الكنج»، الذي لا يكن المودة مطلقا لـ«طراد» بسبب الفرس «رفعة» التي كان يريدها له. رفض «متعب» تزويج «قطنة» لـ«طراد» وعمد إلى تقليدٍ بدوي صارم يؤكد الرفض المطلق «اذهب، ولا ترجع» ذلك لما ابتعد «طراد» حوالي خمسين خطوة عن البيت رفع «متعب» مسدسه وأطلق ثلاث طلقات نحو السماء، رسالة على الطريقة البدوية تقول : «إذا عدت ستقتل» خلالها لم يلتفت «طراد»، أكمل دربه قاصداً شيخ مشايخ قبائل الأردن وهو رجل لا يرد «متعب» له طلباً، لكن متعباً كان أسرع منه حين أعطى كلمته لشيخ عشيرة «الرولة» أكبر عشائر عدوتهم اللدودة «عنزة»، وعرفت الصحراء أشهر مهر دفع لعروس.
كان مهر «قطنة» يتضمن، خمسمئة ناقة بيضاء وثلاثين بندقية وستين حمل جمل من الحبوب وسروجاً وبسطاً، أي ما يعادل تقريباً نصف ثروة قبيلة.
الجميع ظنوا أن «قطنة» ستكون سبباً للسلام بين عشيرتين متحاربتين منذ عهود طويلة. منذ ذلك الزمن الذي جاءت فيه قبيلة العنزة من نجد وزاحمت السردية التي كانت على قدر كبير من الصولة والجولة في حوران والمناطق المحاذية لها جنوباً، فالسردية كانت قد امتلكت حق مرافقة قوافل الحج، وحاز شيوخها امتيازاتٍ كثيرة، منها لقب شيخ حوران، لكن «عنزة» سلبتها مكانتها في نهاية القرن الثامن عشر. وبين وقت وآخر كانت تعلو صيحة حرب السردية «شمّا بنجه» مقابل نخوات «عنزة» الكثيرة. وانتقل حق مرافقة قافلة الحجيج إلى «العنزة». رغم أن زعماء السردية حافظوا أول الأمر على لقب شيخ حوران وتلقي عباء شرفية وأسلحة خلال الاحتفالات السنوية بتجديد منحهم اللقب، وقدموا بالمقابل فرساً إلى والي دمشق تعهداً بتقديم القوات والإمدادات وقت الحرب، بالمقابل واصلوا أخذ الخوة من قرى النقرى والجولان وعجلون ومعان والسلط وبعض قبائل جبال حوران، لكن حقوقهم تلك أضاعتها سنون القرن التاسع عشر، إلى أن وصل بهم الحال ليصبحوا ممحوقين بين قبيلة «الرولة» من «عنزة» و «بني صخر» الذين تحالفوا معهم في وجه الرولة.
فراراً أيها السراب المتنكر بثياب غزالة.. بلا لجام ومهاميز، غادر صورك العطشى حيث لا ممرّ، لا طريق، وغازل «البخت» لعله يفتح لك درباً تمرق منه حافياً..
زُفت «قطنة»، كان صوف خروف أبيض مبقع بدم بكارتها معلقاً على عمود خيمة عرسها، و «طراد» في قلبها.
في ليلة دُخلتها عوت الذئاب وجاوبتها الكلاب، وعرفت «قطنة» أن الحرب قادمة. وعقب زفافها بأيام عثر العبد الذي يعد القهوة على حيّة ميتة ممددة في وسط البيت، وحزرت «قطنة» بأن خسارة كبيرة ستنال مال زوجها.
في تلك الليلة بالذات، أغار «طراد الزبن» على ظهر فرسه الشهيرة «رفعة» مع خيالته من «بني صخر» على عشيرة الشيخ «سطام» زوج «قطنة» وخلف القتلى وراءه، وساق الكثير من إبلهم وهو يصيح: «منشان عيون قطنة» ونشبت الحرب بين القبيلتين.
في تلك الليلة فجراً صاحت الثعالب مثل بنات آوى، وعرفت «قطنة» أن المناحات قادمة لا محال.
أرض متورطة سلفاً بلعب التاريخ. والسراب هناك هو الحاكم الذي داس أبداً على رفات الماضي، فيما الفراغ مثل ضباب لا مرئي يمشي، يتشابك مع الدروب، ليصنع حيرتك، وأنت تقف على مفترق لأكثر من درب ترابي عتيق شقّه يوماً حدس وحسب، وكل الدروب مشغولة وفق منطقهم اللامبالي بالاتجاهات والمسارات، لا قانون لوجهاتهم.
بعض الدروب تسلكها رغم أنه ثمة ما يلوح يؤكد أنها دروب مخادعة، لكنك تستمر في خطئك، جمال فريد ذلك الخطأ الذي يظل يذكرك بكل ما هو عابر.
خلال أقل من سنة مات الكثيرون «منشان عيون قطنة» وأنجبت «قطنة» طفلة كارثية الجمال سموها: «عنقا».
ليس هنالك ما هو أصعب من كره النساء للنساء، إنه البغض بعينه. انصبَّ الكره الأعمى على «قطنة». كرهتها النساء وتربصن بها كلما خرجت من خدرها ورافقن خطوها وهن يهمسن بخفوتٍ أقسى اللعنات. و دعونها: حُرْمة دِما، وحُرْمة «حمرا». تسمع كل ذلك وتلوذ بكبريائها بصمت، تتجاهل همسهن الغاضب وتكمل طريقها.
صباح يوم انتفش ذيل حصان زوجها وعرفت أنه ذاهب إلى حرب قد لا يعود منها، وعقب مذبحة أخرى فعلها «طراد» بحق عشيرة الزوج خرجت «قطنة» إلى النساء اللواتي تجمَّعن أمام خيمتها وقد ارتدت الحرير الأحمر القاني وهي تصيح بهن بثقة: «انظرن ، أنا هي الحرمة الـ«حمرا» حرمة الدِما، انظرن كم هي فاتنة»، خلال ذلك عاد زوجها من الحرب، كان جريحا في كتفه ومضمداً، رأى جرأة «قطنة» وحزن نساء عشيرته، كان لا فرار من العقاب، سحبها إلى المحرم ومزق الحرير وانهال بالخيزران على ظهرها العاري. اغتسلت بدمها ولم تصدر منها أنة وجع، خرج وقد اختلط دم جرحه بدماء ظهرها.
بعد أيام حدثت حرب أخرى هزمهم فيها «طراد» هزيمة مذلة، وهجمت النساء إلى منزل «قطنة»، وتلك المرة لم تسكت، واجهتهن بالشتائم، وخلال ذلك قالت ما لا يغتفر: «تنجبن غنماً ليذبحهم «طراد»، اذهبن إلى «طراد»، واستلقين على ظهوركن لتنجبن الرجال»، قالت ذلك وجثت أمام «سطام» وعرضت حنجرتها لسيفه.
بعض البشر كانوا ـ في أغلب الظن ـ مصنوعين من الأنوف، أنوفهم تصلصل، ترن، تعصف، لا تأفل. موعظة حقيقية تعلمك معنى أن ترفع أنفك وتنفث نرجسيتك مثل ماء سيل عجول ناعمة مهددّة، مزودة بطبائع الجارفين، إضافة إلى أنها نحت بارز في الصخر.
لم يطاوعه قلبه، لم يستطع أن يقرب حدَّ سيفه من عنق طالما قبله متلذذاً، لكنه طلقها. ويممت وجهها صوب العراء.
في ذات الليلة أخَذَت الماء والخبز وعلى ظهر «ذَلول»(*) اتجهت إلى ديار بني صخر حيث «طراد». كان الوقت ربيعاً من النوع الذي يسميه البدو ربيع «الصفارى» حيث لا تنمو إلا الأزهار الصفراء، وبعد منتصف الليلة الثانية أناخت «ذلولها» عند أول خيمة بلغتها عند أطراف المخيم. كانت عطشى وجائعة. الخيمة كانت لراعي غنم فقير بلع دهشته من امرأة فاتنة على «ذلول» تأتي في منتصف الليل.
كانت تشرب الماء، حين تيقن الراعي أنها «قطنة» بذاتها، جمالها لم يكن يخفى على أحد، ذبح لها جديا صغيرا ووضعه بالقدر وسألها: «هل أذهب وأخبر طراد»؟!.. أحنت له برأسها وغادرها وهو يقول لها بأن «طراد» وراء التل التالي و إذا ما تأخر عليها فلتتولى أمر اللحم وتأكل ما طاب لها من الأكل.
هرع إلى «طراد»، وعندما وصل إليه طلب أن تكون البشرى ناقتين وفرساً وعشرة مواعز وعشرين شاة..
قال «طراد» قولاً شهيراً تحفظه الصحراء كلها: «إن كانت «قطنة» قد تركت سطام من تلقاء نفسها أعطيك ثلاثة أضعاف ما طلبت، أما إذا تركته رغما عنها عماني الله إذا نظرت إلى وجهها».
لما رجع الراعي كانت «قطنة» تقرب أول قطعة من لحم الجدي إلى فمها، هتف الراعي بلهفة السؤال: «قولي يا«قطنة» بأنك تخليت عن سطّام من تلقاء نفسك»، لم يفت «قطنة» الحديث الذي دار بين الراعي و«طراد»، قبّلت قطعة لحم كانت تهم بأكلها امتناناً للراعي وألقتها على الرمل، كان الراعي آخر من رآها.
في ذلك الفجر بالذات بَرَحَ عن شماله قطيع غزلان إلى يمينه والعرب يتشاءمون من قطيع الغزلان البارح... وتمضي آلهة الصحراء عارية، أشباح اللات والعزى ومناة من طين وكبرياء.
مطلقٌ هو الحب، والكلمات هناك ليست حُليّاً، إنما كائنات من روح ودم تلبس حرير مصبوغ بالعاطفة.
خرجت «قطنة» إلى «ذلولها» وغادرت على ظهره دون ماء أو زاد واتجهت صوب عتمة الصحراء.. الصمت التائه في وهاد الزمن.. حيث لا طرقات أو لافتات، فقط دروب افتراضية.. دروب يمكن أن تنمحي بعد أن تعبرها، أو درب حرون يقودك عبر انحناءات لطيفة إلى الصرامة بعينها.. ويمكن للدروب هناك أيضاً أن تتقاطع مع بعضها بشكل متحمس فتقف هناك لتمزقك الحيرة باحتقار فخور، ودروب تحدثك عن كل ما هو عابر. السراب مبتلّ بلعاب الشمس والأفق المرشوش بالأوهام يعلن عن بزوغ زهرة فريدة..
أيضاً.. هنالك أشياء لا يقولها الذئب لأحد، تحديداً للغزالة، لا يخبرها كم أن الصبر يقضمه ليلاً وهو جائع وتتبدى له الغزالة كحلم، أيضاً يستمع لقرقرات معدته الفارغة يصمت جوعه إلى أن تلوح الغزالة، ولأن ذاكرته يحفظها بين أسنانه، يقتل الغزالة.
* * *
«ومن المعروف أن أصل الخيول الإنكليزية الكريمة كافة يرجع إلى ثلاثة جياد عربية نقلت إلى إنجلترا في القرن الثامن عشر وهي بايرلي تورك ودارلي أرابين وجودولفين بارب.. وقد كان هذا الحصان من سلالة «معنقي» وقد أرسله توماس دارلي ـ وهو مندوب للمؤسسة التجارية الإنجليزية في حلب ـ سنة 1705 م إلى أخيه السيد بروستر دارلي الذي لقب «فارس ألدبي بارك» وقد نشأت في هذا القرن في عدة بلدان أوروبية إسطبلات حكومية وخاصة للخيول العربية، إلا أنها كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى التهجين مع خيول عربية أصيلة»..
* أوبنهايم
«خَرْما» الفرس الدهماء مهرة الفرس «رفعة» والحصان «الرثوعي» انتزعها «فيصل» من ««طراد بن زبن» في حرب تواجهت فيها القبيلتان.
طعن «فيصل» غريمه وأوقعه أرضاً، صاح به «طراد»: «ياخيّال، امنع»، من عادة العرب في الغزو والحرب أنه يمكن للمطعون أن يطلب روحه دون أن يكون في ذلك انتقاصاً من رجولته و يعود القرار للطاعن، يومها اكتفى «فيصل» بانتزاع الفرس «خرما» وترك لـ«طراد روحه، وجرياً على عادة العرب، عندما يستولي البدو خلال معركة على خيول لقبيلة أخرى فإنهم يبعثون رسولاً منهم يتمتع بحصانة أكيدة في تلك الحال إلى القبيلة الأخرى ليستفسر عن نسب الخيول المسلوبة.
«فيصل» أرسل رسوله إلى «طراد» وتقصى تماماً عن نسب «خرما»، ولاحقاً أنجبت «خرما» مهرة تشبه الفرس «رفعة» وتوفرت فيها ميزة يعشق البدو توفرها بأفراسهم، فقد كان لون شفتها العليا فاتحاً مع لون داكن لبقية رأسها، أرسلها «فيصل» ـ كما يقتضي العرف البدوي ـ إلى «طراد» الذي أعطى الرسول الذي قادها إليه ناقة وعشرة شياه.
بعد اختفاء «قطنة» بثلاثة أعوام، قُتل «طراد».
قاد «طراد» تمرداً غريباً من نوعه. كان يعرقل صفقات مبيع الخيول العربية التي أصبح الأجانب مولعين باستيرادها لأسباب كثيرة ولعبة البولو التي يعشقها الانكليز كانت سبباً أساسياً لتصدير معظم الأفراس الرشيقة إلى بومباي في الهند. رفض «طراد» خروج الخيول ذات الأصول النجدية الصرفة إلى بومباي لأنهم كانوا هناك يضرّبونها بخيولهم. ورفض معاملة الخيول كما تعامل الماشية حيث اكتشف أن الأجانب كانوا يقومون بتوسيم الخيول على أكتافها. قُتل «طراد» بيد ضابط انكليزي كانت مهمته جمع الخيول الأصائل وإرسالها إلى انكلترة. حدث ذلك خلال رحلة إلى عمّان واختفت الفرس «رفعة» إلى الأبد، فيما السراب يتنكر بهيئة جواد شديد الغرور تحته الكثبان تسفيها الريح ومع كل شكل جديد تأخذه، تنقل رسالة.
مــــــــــــــراية
«خاضت عنزة خلال تقدمها في الصحراء السورية معارك كثيرة. وهناك حكاية تصف الحرب الدموية التي اضطرت إلى خوضها ضد الموالي، سادة الشمال آنذاك. بالمقابل، يبدو أن احتلال سهل حوران لم يترك أي أثر يذكر في تقاليد القبيلة»..
أوبنهايم «البدو ـ ج1»
وتموج الصحراء بالحروب بين القبائل وثمة أموات مشهورون تعشقهم ذاكرتها مثلما تولع أيضاً بالحسناوات اللواتي يشعلن الفتن والحكايا فيما كل سراباتها متحفزة لكل تلك الحكايا لتصنع منها خرافة.. ويحلق اسم «مراية» ابنة «حمرا الموت» كحسناء جديدة تتأهب لدخول بدَن القصص والحواديت القادمة.
«مراية» مدللة أبيها وأشقائها زُفّت لعقيد حرب قبيلتها وواحد من أبناء عمومتها هو «رديني أبو الدندل». وثمة همس خافت دار على الألسنة يقول بأن «مراية» قد عشقت «جدعان» شيخ عشيرة من عشائر «العنزة» التي تستوطن الديرة الشامية وتتاخم ديرة الشمبل.
«جدعان» كانت تجمعه صداقة قوية وعهد أخوة مع «رديني».
ظل «رديني» يحمل في قلبه حقداً خفياً على «جدعان»، وبين وقت وآخر يرمق «مراية» بنظرات مشككة طالما أرَّقتها. وتبدلت مشاعره تجاه «جدعان» وأصبح يتقاعس عن نجدته في حروبه.
وبعد فترة قليلة تواجها في معركة كعدوين ودارت الدائرة عليه وخلال المعركة أرسل «جدعان» فرسه إلى «رديني» لينجو بحياته بعد أن لاحظ خلال غبار المعركة أن فرس «رديني» تعبت وقد تخذله.
عقب ذلك بوقت قليل نشبت مشادة حادة بين «رديني» و «مراية» ويقال بأنه خوّنها وصارحها بما تتناقله ألسنة الناس سراً عن غرامها القديم بجدعان، لم تقبل «مراية» الإهانة وعادت إلي ذويها وطلبت من شقيقها الأمير «الذبلان »، الذي كان قد خلف أباه أحمد بيك الموالي، أن يطلقها في الحال من رديني الذي يشك باخلاصها له ولتعاقبه أكثر أرسلت وراء «جدعان» ليتقدم لها وكان لها ما أرادت.
زُفَّت إلى «جدعان» وبفضلها عاد الأمان بين القبيلتين وظل «رديني» يكظم غيظه وحزنه وندمه على ما كان منه.
بين العتبة والمخدع يصطاد السراب سمكة بحراب الصبر في أغوار الكذب، أيها المتورم بالخيلاء، الريح تهب وبالأسئلة نصبح أذكى.
الغزو تقليد عتيق، حملوه من ذاكرتهم الوثنية وتحدّوا به الزمن، إنه عملية الانتزاع المموهة بالسطو التي تتم وفقاً لقوانين غير مكتوبة، شيء يشبه السرقة، لكنه ليس كذلك، ويشبه الغارة، لكنه غزو، ويتحول إلى حرب أو سلسلة معارك عندما تسيل الدماء. والدماء هي الشِراك التي تنتشر على خارطة التقاليد البدوية وتجر أفراسهم نحو هوتها.
الدم يتفاداه البدو بشدة خلال الغزو، لكن عندما يحدث ويخضل الدم غزوة ما، فإن نقطة الدم تلك لن تشربها الأرض كشيء يشبه رشفة أو لقمة، إنما كعقربة تتشبث بنصيبها من السمّ، ويبدأ تقليد الثأر عند البدو حيث يبدأ نزاع دموي وسنين عمياء وحشية طويلة.
وحولهم السراب مثل ذهول من فضة يمشي على امتداد أفق القدر.
قبل أن يقوموا بالغزو يرسلون «السوابير» وهي المفردة المقابلة للجواسيس، كشافة يستطلعون يقظة القبيلة المعادية ومقدار احتياطاتها وأمنها، على مشارف المضارب ينبطحون ويتقدمون ببطء صوب تخوم الهدف، وبعد ذلك يعودون محملين بخارطة ذهنية لما رأوه وعلى أساسها يقرر عقيد الحرب الغزو الذي عادةً ينقسم إلى قسمين: الأول يسمونه «الغوّار» وتكون مهمته السطو على الماشية بعد تجفيلها عمداً بإطلاق بضع عيارات نارية، ثم يسوقها بأسرع وقت ممكن، والابتعاد بها عن خطر عملية دفاع تنوي استردادها. والقسم الثاني يسمونه «الكمين» وفيه يشارك أبرع الرماة وأكثرهم جسارة في قتال فرقة «المدافعين» الذين يهبّون عادة لاستعادة ماشيتهم المسلوبة.
«الكمين» يشاغلهم حتى يضمن أن الماشية ابتعدت عن تخوم القبيلة المستهدفة، وتكون قد وصلت إلى فريق الهجانة الذي مهمته إيصالها بسلام ودون توقف إلى أهلهم، وينضم «الغوار» إلى «الكمين» في حماية ظهر الهجانة.
يقسِّمون كلاً من «الغوار» و «الكمين» إلى ميمنة وميسرة وقلب، والغزاة يتحاشون الاقتراب من النساء والعذارى والأطفال، وفي أغلب الأحيان يجري القتال خارج المضارب.
خلال الغزو يتصايح المتعاركون بنخواتهم وتعلو صيحات الانتخاء ويحدث أن ينازل أشخاصاً بعينهم، فينادي الطالب المطلوب بقوله «ياخيال» ويعرف بنفسه، وينادي شخصاً بعينه لينازله حتى لا يكون في ذلك غدر. لكن شخصاً بعينه فعلها اسمه «دويشر»، وغدراً دون منازلة وجهاً لوجه أردى الأمير «الذبلان» قتيلاً. ودية الأمير في العرف القبلي تعادل دية «ميّة وخيال» أي تدفع دية مئة رجل ورجل.
العرب جميعها عرفت بذلك ودرءاً لحرب دامية تحيل المنطقة إلى خراب، تدخل باشا حلب والمفتي وأشهر قضاة البدو وشيوخهم، وتقرر محاكمة القاتل في منزل شيخ عشيرة كبيرة تربطه قرابة المصاهرة مع الأمير «الذبلان». وكما هو معروف، القضاء البدوي سريع في مرافعاته عاجل في أحكامه، ينتهي خلال جلسة أو جلستين.
جرت المحاكمة في «ربعة» جدعان، ولأن صاحب الدم «جسّار» فإن «مراية» شقيقة «الذبلان» وابنة «حمرا الموت» أنهت المحاكمة بسرعة، حملت مسدساً لزوجها وبخطى سريعة حاسمة دخلت الربعة وسط ذهول الحاضرين، وأطلقت الرصاص على قاتل أخيها وأردته قتيلاً وهي تقول: «ياريت قتالك قتيل ودمه على دمك يسيل»، يجب أن يكون الثأر سريعاً قبل أن يجف دم القتيل. غضب الباشا والمفتي وغادرا، الباشا شتم البدو بكلمات غاضبة تؤكد أنهم متهورون وطائشون ومتوحشون..
بسبب تمردها ذاك تشاحنت مع زوجها وسمعت منه كلاماً لم تقبله، عادت إلى ذويها وطلبت الطلاق مجدداً وتزوجت مرة أخرى من «رديني أبو الدَنْدل» عقيد حرب قومه في ديرة «الشمبل».
بلحظة سرابية أنجبت «مراية» من «رديني» صبياً في ليلة اكتمل فيها البدر ولاح المريخ غير بعيد عن «مراية» وهي تسمي وليدها «دَنْدل» تطفو أفكارٌ كثيرة حول رجل سيحب الطرقات الطويلة، يعشق الزائل، ويهجر الدائم، يسافر وراء الوقت البدوي، سوف يتعاطى «العبور» يقفز من متن معلوم إلى هامش مجهول، يصل إلى الهند ويترك في القلب طنيناً.
عنقا ـ ليز ـ شمس
(إن البدوي يستحق ـ ولا شك ـ تعاطفنا ومساندتنا، إلا أنه علينا ألا ننسى أنه يشكل عراقيل في سبيل الانتفاع بالموارد الطبيعية الوفيرة في سوريا وبلاد ما بين النهرين، وإذا لزم الأمر فلا بد من التضحية به في سبيل تطوير هذه البلدان التي لا تزال الاستفادة الاقتصادية منها في طور البداية)..
* أوبنهايم «رحلة إلى ديار شمَّر»
في حياة كل ذئب هناك راع.
وفي حياة كل راع هناك ذئاب.
وفي ذمة كل الذئاب هناك حملان.
هاكم هذا الطراز الفريد من المعادلات، أينشتاين كان سيرغب كثيرا في معاينة نظريات البدو الرياضية عن كثب.
إذا ارتفع لهيب النار فوق النقرة إلى يمينك، فإن ذلك يشير إلى أن الريح ستعصف وتهب الزوابع و الأغبرة، وإذا مال لهيب النار إلى يسارك فإنه ينبئ عن هطول المطر والثلج في وقت قريب، وإذا دوّم حولك أو أمامك عندها ينبئ عن تفريج لكرب وعن فرح عرس، وإذا دوّم أمام الدفيئة دل على عودة مسافر، وإذا ما أطلقت النار كثيراً من الشرر أنبأت عن مطر غزير قادم يروي الأرض.
مثل تلك الأشياء يتعلمها أهل الصحراء مبكراً، لكن «عنقا» كانت بارعة باستخراج الفأل على الطريقة العربية البالغة القدم، من تحويم الطيور تعرف القادم، تقرأ طريقة ارتفاعها ورفيف أجنحتها، تراقب شكل جثوم الحجل وصوت الحبارى وركضها، وتنقلات طائر المريعي القصيرة بين العشب، تعرف أن الحمام والصعو خاص بالشيوخ والسادة، من تحليق الأوز تقرأ حال المسافرين وتشم رائحة الموت القريب، ومن علو الباز تتكهن بالزيجات القادمة.
نبتت «عنقا» خطوة خطوة وأخيراً وقفت مثل ضوء، ومن جديد تنشّق قوم الشيخ «سطام» رائحة الموت، ذكّرتهم بأمها «قطنة»، رأوا الموت ماثلاً أمامهم بهيئة ظبي مرعب الكمال، حين أتمت السادسة عشرة زوجوها لعقيد حربهم «رميح».
كانت الزوجة الثانية له، و«منشان عيون» أمها «قطنة» كان قد فقد اثنين من أشقائه، ومثل خط فاصل بين النور والعتمة، كان حبه لها، تُعجبه ويكرهَها، في الفراش يضربها ويقبلها.
مرت ثماني سنوات حتى حملت لأول مرة، ولمرتين أجهضت الطفل بسبب نوبات الضرب التي كان قد أدمن عليها «رميح». وفي فجر ليلة شتوية باردة رأت قطيع غزلان يسنح عن يمينها ذاهباً جهة الشمال والبدو يتفاءلون بقطيع الغزلان السانح، في ذلك الفجر بالذات هربت من «رميح» وقصدت منزل شقيقها، عبرت كل المخيم ووصلت الجهة الأخرى منه حيث بيت أخيها وهي بالكاد تمشي. وقال البرد كلمته، طرحها بفراش المرض ومع نوبات السعال الحادة خمَّن الجميع أنها قريبة من الموت. من حولها كانوا يتمنون ذلك فتركوها لمصيرها، زوجة أخيها وضعتها في الخدر متذرعة بأن ذلك يمنع عنها البرد واستغلت غياب الزوج في رحلة صيد مع عجوز لبناني مولع بالقنص يقصد مضارب العشيرة كل ربيع، منعت عنها اللحم، بالكاد سمحت لها بالخبز، رفضت حتى تقديم مغلي الأعشاب لعلَّ «عنقا» تموت، أطفال شقيقها الصغار كانوا يشفقون عليها ويختلسون لها بعض التمر أحياناً. ذات مرة قدَّم لها أحد الصبيان الصغار يربوعاً مشوياً أكلته بنهم، ومرة هرّب لها لحم جدي طازج، قست عليه أمه حين اكتشفت أمره وضربته.
بعدها امتنعت «عنقا» عن قبول ما يقدمونه لها خلسة حتى لا تعاقبهم الأم. حين عاد شقيقها من رحلته أقنعته زوجته بأن «عنقا» ستموت قريباً وأنها دخلت مرحلة الهذيان.
كانت نصف ميتة حين خرجت من الخدر وأبرمت اتفاقاً سريّاً مع العجوز «جرجس»، الصديق العتيق لأبيها، الذي كان قد أصبح طاعنا في السن، استغلت مرور جماعة من الغجر أو النَوَرْ كما يسميهم البدو وتنكرت بثياب واحدة من نسائهم كانت تغطي وجهها الذي شوهه الجدري، للمصادفة حدث أن تلك المرأة كانت قد توفيت حديثاً.