eKtab
EN ع
سميولوجية الشخصيات الروائية
Read free sample

سميولوجية الشخصيات الروائية

by سعيد بنكراد

Page 1
تقـديــــم
 
رغم مرور سنوات كثيرة على نشرها، فإن دراسة فيليب هامون المتعلقة بالوضع السميولوجي للشخصية الروائية لم تفقد أهميتها وما زالت، لمن يقرأها اليوم، تتسم بالنضج والعمق والرونق والحيوية. إن التقسيمات التي تشتمل عليها تخاطب العقل والخيال في آن واحد. ذلك أن هامون يسعى إلى حصر كل الإمكانيات المرتبطة بصفة أو بأخرى بالشخصية، الإمكانيات التي تم توظيفها في النصوص السردية والإمكانيات التي لم توظف بعد لا يستساغ توظيفها.
 
ونظراً لتشعب مقولة الشخصية، فإن هامون يتطرق إلى المستويات المتعددة التي تنطلق منها أصناف الخطاب النقدي. ذلك أن الشخصية لا تهم فقط الدارس البنيوي، وإنما أيضا الباحث الذي يُعنى بالمستوى النفسي وبالمستوى السوسيولوجي للشخصية.
 
يستقي هامون أمثلته من الأدب الفرنسي ومن الأدب الأوروبي بصفة عامة. ولكن بوسع القارئ أن يجد أمثلة مشابهة في الأدب العربي. بل قد تكون قراءة هامون حافزا على دراسة جوانب مهمة وغامضة في الأدب العربي، كالتراجم والأمثال والأحاجي بل والشعر، مع العلم أن صفات الشخصية تختلف حسب النوع الأدبي وحسب الفترة التاريخية. إن دراسة هامون تفتح آفاقاً جديدة للباحث، وفي نظري لا يجوز للمهتم بالأدب، مهما كانت انشغالاته، أن يهمل كتابات هامون. وحبذا لو تلت هذه الترجمة، ترجمة دراسات المؤلف حول الوصف وحول الخطاب الواقعي وحول النص والإيديولوجيا.
 
عبد الفتاح كيليطو
Page 2
قدمــة المـترجـم
 
نقدم لقراء العربية طبعة جديدة، مزيدة ومنقحة، لكتاب فيليب هامون "سميولوجية الشخصيات الروائية"، وهي الدراسة التي تناول فيها مجموعة من القضايا الخاصة ببناء الشخصية في النص السردي. ودواعي ذلك كثيرة، فالطبعة الأولى من هذا الكتاب نفدت منذ فترة طويلة، والدار التي قامت بنشره اختفت من الوجود، والطلب عليه مازال قويا على امتداد الوطن العربي. ولسنا في حاجة إلى التذكير بقيمة هذا الكتاب التاريخية والراهنة على حد سواء.
 
لقد استطاع المؤلف، بقدرة فائقة على التركيب، أن يقدم خلاصة عامة لكل التصورات التي عرفها النقد الروائي في سنوات الستينيات والسبعينات. وهو ما يتضح من الإحالات المتكررة على أعلام ينتمون إلى مدارس بمرجعيات مختلفة. كما يتضح ذلك أيضا من انفتاحه على مجموعة من عناصر تعود إلى تكوين النص الروائي التي ظلت غائبة في المشروع البنيوي، خاصة ما يتعلق منها بإمكانية البحث في قضايا الشخصية وسيرورة انبنائها استناداً إلى ما يسميه في الفصل الثاني من هذا الكتاب "الملفات التحضيرية".
 
ومع ذلك، لم نكتف بإعادة نشره كما جاء في طبعته الأولى، فهذه الدراسة تحتاج، رغم أهميتها في صيغتها السابقة، إلى بعض النماذج التطبيقية التي تُصَدِّق على مقترحاتها بل قد تغنيها وتكملها، والمؤلف نفسه أضاف، إلى ما بسط القول فيه في الدراسة الأولى، مجموعة من التصورات التي اتخذت من مشروع المدرسة الطبيعية ومنجزاتها منطلقا لها. وقد تحقق ذلك خاصة في الكتاب الذي أصدره سنة 1983 وخصصه لدراسة الشخصية عند أحد أكبر ممثلي هذه المدرسة في السرد الروائي الفرنسي، ويتعلق الأمر بإميل زولا. ويحمل الكتاب العنوان التالي: موظفو الرواية: نسق الشخصيات في روغون ماكار لإميل زولا (دار دروز، جونيف).
 
ومن هذا الكتاب أخذنا فصلا كاملا أضفناه إلى الدراسة الأولى لخلق نوع من التكامل بين التحليلات التي انصبت على الخطاطات والبناء النظري ممثلا في التيار البنيوي، وفي جزء كبير من مقترحات "السميائيات السردية". وسيقدم في هذه الدراسة، كما سنرى ذلك، مجموعة من الخلاصات اعتمادا على نصوص روائية مخصوصة، لعل أهمها الربط بين عملية الوصف وبين بناء الشخصية استنادا إلى ثلاث ثيمات رئيسية: ما يتعلق بالنظرة والكلام والعمل، ودور هذه الأنشطة الحسية في الانتقال من السرد إلى الوصف، ومن إلى الوصف إلى السرد، أو المزاوجة بينهما ضمن لعبة سردية تراوح بين الانتصار لمعطيات الملفوظ وبين الاحتفاء بالآثار التي تسربها عملية التلفظ إلى السرد. والفصل الذي نقلناه إلى العربية يحمل العنوان التالي: الشخصيات والوظائف النمطية، موظفو التلفظ الواقعي.
 
وللتذكير، فإن النص الأول نُشر لأول مرة في مجلة Littérature العدد السادس سنة 1972، ثم أعيد نشره (مع نصوص أخرى) سنة 1977 بدار سوي في شكل كتيب يحمل العنوان التالي: "شعرية المحكي" (poétique du récit). ويعد من المؤلفات المؤسسة التي دشنت مرحلة جديدة في تاريخ الشعرية الغربية، الفرنسية منها على وجه التحديد. فقد بدأ التيار البنيوي في تلك الفترة يعرف انحصارا وتراجعا لصالح المد السميائي الناهض الذي حاول، في بعض نماذجه على الأقل، أن يعيد إلى النص بعضا من حيويته وغناه من خلال استحضار "الذاكرة الموسوعية" التي تعد الأساس الذي تقوم عليه عمليات التوليد والتأويل على حد سواء.
 
بل يمكن القول إن الفترة التي ظهر فيها النصان معا، الممتدة من سنة 1964 إلى منتصف الثمانينيات، كانت من أخصب الفترات في حياة السميائيات بصفة عامة، وسميائيات السرد بصفة خاصة. ففي سنة 1964 نشر بارث نصه المشهور "مبادئ السميولوجيا"، بعد ذلك بسنتين سينشر كريماص كتابه المؤسس "علم الدلالة البنيوي"، وهو كتاب اعتُبِر في مرحلة من المراحل نبراسا اهتدي به مجموعة من الباحثين الجدد الذين سيؤسسون مع نهاية السبعينيات "مدرسة باريس"، وكانت هي الصوت الفرنسي في مجال الدراسات السردية. وفي الفترة نفسها ظهرت أولى المقاربات التطبيقية في السميائيات السردية في مجلة "إبلاغات" العدد 8. هذا بالإضافة إلى مجموعة أخرى من النصوص التي كانت تصنف عامة ضمن هذه الموجة الجديدة، بما فيها كتابات إيكو التي ستشكل لاحقا توجها مستقلا.
 
استناداً إلى كل ذلك، يعد هذا النص نصا تأسيسيا بالمعنى المعرفي للكلمة، أي أنه يشكل في عمقه قطيعة مع مجموعة من التصورات السابقة التي تعاملت مع الشخصية كما تتعامل مع أشخاص يعيشون بين ظهرانينا. ومن هذه الزاوية، فإنه يبشر بمقاربة جديدة تضع عوالم التخييل منطلقا أساسا لقول شيء ما عن كائنات تستمد وجودها من إفرازات الثقافة الإنسانة (العوالم الممكنة)، ولكنها لا يمكن أن تعيش إلا ضمن استيهامات المتخيل. ففي هذا النص، واستنادا إلى المنجزات التي تحققت في تلك الفترة وقبلها، طُرحت، بشمولية كبيرة، أولى محاولات التحليل السميولوجي لمقولة الشخصية (الشخصيات هي كائنات من ورق، ولذلك تقتضي، من أجل فهمها، استحضار عوالم من طبيعة غير واقعية).
Page 3
وكما هي العادة، فقد كانت اللسانيات هي المنبع الذي اشتُقت منه جل المفاهيم المستعملة في مقاربة وتحديد نمط اشتغال الشخصية: سواء فيما يتعلق بتحديد مكونات النص السردي، أو فيما يتعلق بتحديد مستويات التحليل. وهكذا، عوض أن تكون مقولة الشخصية مقولة سيكولوجية تحيل على كائن حي يمكن التأكد من وجوده في الواقع، وعوض أن تكون مؤنسنة (قَصْر الشخصيات على الكائنات الحية ـ الإنسان خصوصا)، وعوض أن تكون مقولة خاصة بالأدب وحده، فقد نُظِر إليها في سياقنا هذا، على العكس من ذلك، باعتبارها علامة، يَصْدق عليها ما يصدق على كل العلامات. بعبارة أخرى، إن وظيفتها وظيفة خلافية، فهي كيان فارغ، أي "بياض دلالي" لا قيمة لها إلا من خلال انتظامها داخل نسق هو مصدر الدلالات فيها، وهو منطلق تلقيها أيضا.
 
ويعد هذا التصور الجديد للشخصية، وللعلامة في الوقت ذاته، انزياحا كليا عن كل المقاربات التقليدية التي لم تتعامل مع هذه المقولات إلا من زاوية نظر سيكولوجية أو اجتماعية، أو تعاملت معها في الكثير من الأحيان استنادا إلى رؤية ساذجة لا تميز عادة بين كائنات محكوم عليها أن تعيش في الورق وحده، وبين كائنات فانية من لحم ودم. واستنادا إلى هذا التأثير الذي مارسته اللسانيات على الإنسانيات عامة، وعلى التحليل الأدبي على وجه الخصوص، فإن النص الأول من هذا الكتاب يتبنى إجراءات اللسان ذاته، بما فيها مقولة مستويات الوصف وطريقة تحديد المكونات. وهكذا حدد المؤلف ثلاثة محاور تقوم عليها دراسة الشخصية في النص السردي:
 
1 ـ المحور الأول: مدلول الشخصية.
 
2 ـ المحور الثاني: دال الشخصية.
 
3 ـ المحور الثالث: مستويات التحليل.
 
ونشير في مستهل الحديث عن هذه المحاور، إلى أن المؤلف يقدم إلينا، استنادا إلى وجود ثلاثة أنواع من العلامات (العلامات التي تحيل على مرجع، والعلامات التي تحيل على محفل خاص بالتلفظ، والعلامات التي تحيل على علامة منفصلة، أي العلامات الخاصة بالوصل والفصل)، ثلاثة أنواع من الشخصيات، ليست، هي ذاتها، سوى وجه مفصل لما يمكن أن تختزنه هذه العلامات وتكثفه:
 
ـ شخصيات مرجعية؛
 
ـ شخصيات إشارية؛
 
ـ شخصيات استذكارية.
 
يحيل النوع الأول من الشخصيات على عوالم مألوفة، عوالم محددة ضمن نصوص الثقافة ومنتجات التاريخ (الشخصي أو الجماعي). إنها تعيش في الذاكرة باعتبارها جزءا من زمنية قابلة للتحديد والفصل والعزل، كما هي كل شخصيات التاريخ أو شخصيات الوقائع الاجتماعية، أو شخصيات الأساطير. ولهذا السبب، سيكون مطلوبا من القارئ في حالات التلقي الاستعانة بكل المعارف الخاصة بهذه الكائنات التي تعيش في الذاكرة في شكل أحكام أو مآسي أو مواقف. تعد هذه المعارف مدخلا أساسا من أجل الإمساك بالمضافات التي يأتي بها النص، أو هي نقطة مرجعية استنادا إليها يمكن إسقاط كل الانزياحات الممكنة عما تم تثبيته من مضامين.
 
أما النوع الثاني فيحدد تلك الآثار المنفلتة من المؤلف، تلك المحافل التي تدل على وجود ذات مسربة إلى النص في غفلة من التجلي المباشر للملفوظ الروائي. أو هي، بعبارة أخرى، "شخصيات ناطقة باسمه، جوقة التراجيديا القديمة، المحدثون السقراطيون، شخصيات عابرة، رواة ومن شابههم، واتسون بجانب شارلوك هولمز، شخصيات رسام، كاتب، ساردون مهذارون، فنانون الخ".
Page 4
أما النوع الثالث من الشخصيات فيكمن دورها في ربط أجزاء العمل السردي بعضها ببعض. ويحتاج الإمساك بهذا النوع من الشخصيات إلى إلمام بمرجعية السنن الخاص بالعمل الأدبي. "فهذه الشخصيات تقوم، داخل الملفوظ، بنسج شبكة من التداعيات والتذكير بأجزاء ملفوظية من أحجام متفاوتة (جزء من الجملة، كلمة، فقرة)، ووظيفتها من طبيعة تنظيمية وترابطية بالأساس. إنها علامات تنشط ذاكرة القارئ. أو هي الأداة التي من خلالها يمتلك الخطاب ذاكرة، تتحول إلى مرجعية داخلية لا يمكن فهم الأحداث دون استحضار هذه الذاكرة.
 
استنادا إلى هذا التأطير العام، يلتقط المؤلف ثلاثة مستويات في وجود الشخصية: المستوى الخاص بمدلولها، وذاك الذي يعود إلى دالها، ليختم السلسلة بالحديث عن مستويات الوصف. فاستنادا إلى مفهوم العلامة اللسانية يمكن التعامل مع الشخصية باعتبارها مورفيما فارغا، أي بياضا دلاليا، وهي بذلك لا تحيل إلا على نفسها. وهو ما يعني أنها ليست معطى قبليا وكليا وجاهزا، إنها تحتاج إلى بناء، بناء يقوم بإنجازه النص لحظة "التوليد"، وتقوم به الذات المستهلكة للنص لحظة "التأويل".
 
ويتجلى هذا المورفيم الفارغ من خلال دال لا متواصل يحيل على مدلول لا متواصل كذلك. فكما أن المعنى ليس معطى في بداية النص ولا في نهايته، وإنما يتم الإمساك به من خلال النص كله، كما يقول بارث، فإن ملامح الشخصية لا تكتمل (لا تتلقى دلالاتها النهائية) إلا مع عمليات التلقي (القراءة)، ونهاية "مختلف التحولات التي كانت سندا لها وفاعلا فيها". ومع ذلك، فإن مدلول الشخصية لا يتشكل من خلال التكرار فقط، بل يتحدد من خلال كل أشكال التقابل أيضا، أي استنادا إلى مجموع العلاقات التي تنسجها الشخصيات في ما بينها. بعبارة أخرى، إن النسق سابق على الشخصية وهو المحدد لها.
 
وهذا هو مصدر أهمية تحديد وإحصاء المحاور الدلالية التي تساهم في تشكيل الشخصية في تقابلها أو تشابهها أو تطابقها مع شخصيات أخرى، لا باعتبارها فردا معزولا. إن هذه النقطة أساسية في فهم المضمون الحقيقي للشخصيات التخييلية، ذلك أن أي عمل سردي لا يمكن أن يتشكل إلا من خلال الشبكة التواصلية الداخلية للنص، فهي التي تحدد تطور كل شخصية وهي التي توجهها نحو نقطة نهائية معينة (ولو مؤقتة).
 
وإذا كانت الشخصية مدلولا، أي عنصرا في علاقة (كما هو الشأن مع العلامة اللسانية)، فإنها لا تظهر إلا من خلال دال متقطع، أي من خلال" مجموعة من الإشارات نطلق عليها "السمة"، أو مجموع الخصائص التي تكتسبها الشخصية من خلال فعل السرد ذاته. وفي هذا الإطار، عادة ما يتحدد اختيار اسم شخصية معينة، انطلاقا من الوقع الذي يحدثه المظهر الصوتي للدال، أي من خلال إيحاءاته السلبية أو الإيجابية. وهذه المسألة ليست مجانية، فالمؤلف يشير إلى ما يؤكد هذا بالاستناد إلى الكثير من الوقائع في تاريخ الكتابة.
 
وهناك الكثير من المؤلفين الذين كانوا يعتمدون في اختيار أسماء شخصياتهم الطاقة الصوتية التي يشتمل عليها، سلبا أو إيجابا. فعلى سبيل المثال تتميز الأسماء التي كان يختارها زولا إما بإيحاء شعبي، وإما بإيحاء أرستقراطي، وفي الحالتين معا، سيكون الاستقرار على اسم معين جزءا من الاستراتيجية السردية. ويستحضر فيليب هامون، لكي يثبت أن هذه العملية كانت أحيانا تستغرق زمنا طويلا، ما يسميه "الملفات التحضيرية ("وسخ" تركه زولا يؤكد كيف كان هذا الروائي مترددا في انتقاء أسماء شخصياته)، أي محاولة التعرف على البدايات الأولى عند المؤلفين. فعادة ما يقف الكاتب عند اختيار اسم معين ويجرب عدة أسماء قبل أن يستقر على اسم بعينه.
 
يسهم هذا المظهر الصوتي (أو طريقة تركيبه) بشكل كبير في تحديد السمة الدلالية للشخصية (انظر مثلا كيف تختلف الأسماء في روايات نجيب محفوظ من حي إلى حي، ومن طبقة اجتماعية إلى أخرى). بل إن الأمر قد يصل إلى إمكانية استشراف الفعل المستقبلي من خلال دال الشخصية ذاته، ومعنى هذا أن مجموعة من البرامج السردية قد تكون متوقعة انطلاقا من هذا المظهر الصوتي.
 
أما فيما يعود إلى مستويات الوصف، فإن مردودية هذه المقولة معروفة جدا في اللسانيات، واعتمادها في تحليل الشخصية هو الاعتراف بوجود مستويات متعددة في النص، والاعتراف أيضا بوجود شبكة من العلاقات تحدد في نهاية المطاف مكونات النص السردي. وكما هو الشأن مع العلامة اللسانية، فإن الشخصية لا تتحدد من خلال موقعها داخل العمل السردي (فعلها) فقط، ولكن من خلال العلاقات التي تنسجها مع الشخصيات الأخرى أيضا. إنها تدخل في عمليات تبادل اجتماعي، ضمن مرجعية النص، مع وحدات من مستوى أعلى (العوامل) أو مع وحدات أدنى (الصفات المميزة التي تحدد فردا قابلا لأن يصبح جزءا من خانة تنتظم في محور دلالي أو تركيبي). بناء على هذا، يمكن تحديد بنيتين مختلفتين تشيران في الواقع إلى مستويين متباينين من التحليل:
 
ـ بنية الممثلين.
 
ـ بنية العوامل.
Page 5
فعلى مستوى البنية الأولى، يقف التحليل عند حدود ما هو معطى من خلال التجلي النصي، أي ما يطلق عليه المستوى السطحي، حيث تتم دراسة الصفات المميزة، والأدوار الثيمية، ودراسة مجمل الإحالات الدلالية الأولية التي تستثيرها هذه الثيمات، فهذه العناصر هي التي تقود التحليل إلى استخراج المحاور الدلالية، كمدخل ضروري نحو تحديد بنية دلالية قد تستوعب كل الدلالات الممكنة.
 
أما في مستوى بنية العوامل، فيحدد لنا بنية عليا، تقع في مستوى توسطي بين بنية السطح (بنيات التجلي) وبين البنية المنطقية / الدلالية، أي ما يصنف ضمن تقابلات دلالية موجودة خارج أي سياق (ما يطلق عليه المحور الدلالي)، وبين ما يشير إلى فعل متحقق من خلال سلوك محسوس (المستوى الخطابي). وفي هذا المستوى من التحليل تتحدد بنية عامة يمكن أن نطلق عليها "النموذج العاملي"، حيث يتم تجميع شرائح من الممثلين في خانات محددة من خلال الموقع الدلالي الذي يُصنف ضمنه ممثل أو مجموعة من الممثلين. ويسوق المؤلف في هذا المجال ثلاثة نماذج، نكتفي بالإحالة على اثنين منها، نموذج بروب وهو نموذج قائم على سبع خانات:
 
ـ دائرة فعل البطل.
 
ـ دائرة فعل البطل المزيف.
 
ـ دائرة فعل الأميرة.
 
ـ دائرة فعل المساعد.
 
ـ دائرة فعل الواهب.
 
ـ دائرة فعل الموكل.
 
ـ دائرة فعل المعتدي.
 
ونموذج كريماص الذي يتوقف عنده طويلا، فهذا النموذج يستند هو الآخر إلى توزيع للأدوار يمكن اختصاره في ستة أدوار، أو ست خانات خاضعة لمزاوجة، فكل زوج يحكمه محور دلالي معين:
 
الذات ـ الموضوعمحور الرغبة؛
 
المساعد ـ المعيقمحور الصراع؛
 
المرسل ـ المرسل إليهمحور الإبلاغ.
 
وفي ضوء هذه المحاور سيتحدد وضع السردية ويتحدد نمط اشتغالها وأشكال تجلياتها. فإذا سلمنا بوجود أشكال كونية منظمة للخطاب السردي وسابقة في الوجود على التجلي النصي، علينا أن نسلم أيضا بإمكانية بلورة نموذج عام قابل للتعديل من خلال التحقق العيني لأي نص؛ فالسردية قائمة، في تصور كريماص، على نموذج منطقي سابق في الوجود على ما يقوله النص من خلالا أحداثه، من قبيل محاور دلالية تتحدد من خلال تقابلاته لا من خلال مضامينها الإيجابية. لهذا لا يشكل هذا النموذج سوى بنية دلالية صغيرة ستتحول (تتسرد) على إثر تدخل ذات الخطاب من خلال عناصر مشخصة (مؤنسنة) إلى كائنات تتحرك ضمن فضاء ثقافي قابل للإدراك (كل القصص التي يمكن أن تشتق من مفهوم مجرد كالحرية أو الخير أو الصدق).
 
وبما أن المستوى السردي لا يشكل في السميائيات السردية سوى المستوى التوسطي للدلالة، فإن الممثلين لا يشكلون بدورهم سوى تمثيل مؤنسن لهذه البنية العميقة المتجلية في الوظائف والمواصفات. ذلك أن الوظائف والمواصفات هي الخالقة للعوامل، وليس العكس، كما توهم بذلك أشكال التجلي، وهذا يعني أن دراسة بنية الشخصيات في عمل سردي ما، ستكون قاصرة ما لم تطرح، في أفق تحليلها، مهمة الإمساك بالمكون الدلالي الذي يقف وراء مجموع البنيات الأخرى، وهذا ما حاول النص الذي بين أيدينا القيام به.
 
ومع ذلك لا تشكل هذه الخطاطات سوى البنية العامة، أي الإطار الكلي الذي يمكننا من تحديد نمط وجود الشخصيات. هناك، بالإضافة إلى هذا المستوى، الكثير من المستويات الفرعية التي ترتبط بالوجود "الفعلي" للشخصيات وشكل مثولها ضمن تعددية النصوص وتنوعها. وفي هذا السياق يقدم لنا المؤلف مجموعة مما يسميه الوظائف؛ وهي وظائف مرتبطة بمجموعة من التحديدات هي مدخل المحلل نحو الإمساك بخصوصية النص.
Page 6
وهذا ما سيتضح جليا في الفصل الثاني من هذا الكتاب، فهو يتخذ من الوصف منطلقا مركزيا لتحديد كينونة الشخصيات ونمط وجودها السردي. فالوصف في تصوره هو "مضخم" (إنه يشرح ويفسر)، أو هو امتداد يمتلك استقلالية نسبية، ويتمتع بموقع مركزي ضمن عوالم التخييل التي يبنيها السرد من خلال التصرف في زمنية تتطور على هامش الزمن الواقعي. ذلك أن السرد مضطر، من أجل تسريب أشكال خاصة بالفعل، إلى الاستعانة بجزئيات وصفية تتراوح مردوديتها الحدثية استنادا إلى موقعها التوسطي بين زمنية متحركة، وبين عين تتوقف لتلقط ما يقدمه المحيط الطبيعي أو الإنساني.
 
وبالرغم من استقلاليتها النسبية، فإن وظيفة الوصف ليست تزيينية أو عرضية، ذلك أن عملية الوصف لا تشكل موسيقى "تصويرية"، وليست مجرد وسيلة من أجل الخروج من زمنية السرد، إلى الالتحام بكينونة الأشياء والكائنات، إنها أكثر من ذلك، إنها في الأصل ما يُمَكِن السرد من تقطيع زمنيته وتوزيعها، ويُمَكنه من تحديد شكل حضور الشخصيات عبر واجهات متعددة. استنادا إلى ذلك يقترح فيليب هامون واجهات ثلاث: ما يأتي من النظرة، وما يقدمه الكلام، وما ينتج عن العمل.
 
يتحدث في المستوى الأول عما يسميه الناظر / الرائي، ويتحدث في المستوى الثاني عن الثرثار / المهذار، ويتحدث في المستوى الثالث عن التقني العامل (المنشغل). يتعلق الأمر بثلاثة مصادر هي منطلق الوصف أولا، وهي المدخل نحو قول شيء ما عن الشخصية وعن وجودها وعن علاقتها مع الشخصيات الأخرى ثانيا.
 
تعد "النظرة" في تصوره ثيمة مركزية، إنها تقديمية، فمن خلالها تتم بلورة موضوعات مدرجة في النص ستوضع أمام شخصية أو أمام قارئ محتمل من خلال أجزائها ومظاهرها وحجمها وامتدادها وعلاقتها مع موضوعات أخرى؛ وهي مبرر للوصف، فأن يقف شخص ما عند النافذة، فهذا معناه أنه سيقول شيئا ما عما تلتقطه عيناه. ولذلك تعد مكونا رئيسا في المشروع الوصفي، كما بلوره زولا. وفي جميع الحالات، فإن المدرسة الطبيعية عُرفت بتفضيلها للنظرة على الشم أو الذوق أو اللمس والسمع. وعن هذه الثيمة تولدت الشخصية الرسامة والشخصية التي تتنزه والشخصية المتسكعة والشخصية المتلصصة.
 
ويشير المؤلف في المستوى الثاني إلى شخصية نمطية أخرى تقوم بما تقوم به الشخصية الناظرة، ولكن تفعل ذلك استنادا إلى نافذة أخرى غير النافذة المباشرة التي تجسدها العين الرائية. فوصف العالم يتم في هذا المستوى انطلاقا من كلام الشخصية. "فإذا أخذنا قاطرة موضوعة للوصف مثالا على ذلك، أي مثالا على ورقة تقنية خاصة بالمفردات التي يجب تسريبها إلى النص، فسيكون بإمكان شخصية ما أن "تتكلم" هذه الورقة وهي تقدم القاطرة في كل "جزئياتها" إلى شخصية أخرى لا تعرفها، أو ليست على دراية بما يتعلق بالقاطرات".
 
بعبارة أخرى، لن تتخذ الورقة التقنية شكل "لوحة" أو"فرجة"، أو "مشهد"، بل ستكون حوارا، ولكنه حوار يتخذ هو نفسه في غالب الأحيان شكل مدونة تكون موضوعا لتعليق. إن الشخصية التي تتكلم هي غير الشخصية التي تنظر. الثانية مشدودة إلى موضوع يمكن تصور حدوده (ما يصنف ضمن الإدراك الحسي)، أما الأولى فتصنع وضعية تتحقق في الكلام ذاته (ما يصنف ضمن التمثل).
 
وهناك شخصية ثالثة تعد هي الأخرى سندا للسرد وسندا للوصف، "وتعد تنويعا عن الشخصيات الناظرة / الرائية والشخصيات الثرثارة"، وتحتل هي الأخرى موقعا مركزيا في الكون الروائي عند زولا". وفي هذا المستوى يتحدث المؤلف عن الشخصية العاملة (التقني المنشغل). فمن خلال هذه الشخصية يمكن إدراج "الوثيقة" الوصفية وتبريرها من خلال إسنادها إلى شخصية يقوم فعلُها (وليس نظرتها أو كلامها) بتحديد التفاصيل متحققة في أجزاء داخلية تشكل الموضوع المطروح للوصف؛ وهنا تصبح الشخصية حاملة لأداة لا لنظرة أو ناطقاً رسمياً. لا يتعلق الأمر في هذه الحالة بمعرفة (النظرة)، أو بمعرفة فعل بيداغوجي (الكلام)، بل يتعلق بمعرفة للفعل.
 
تشكل الشخصيات الثلاث البنية المركزية التي قام عليها المشروع الطبيعي عامة، وعند زولا خاصة. وضمن هذا المشروع ينتقل الوصف من مجرد "ديكور" عرضي، إلى أداة سردية لا يمكن فهم عمل الشخصية، كما لا يمكن فهم طبيعة العلاقة بين مجموع الشخصيات دون استحضار الفعالية السردية: تتقول بعض الخادمات عن سكان القرية، ويكون هذا التقول مناسبة لكي يقدم الروائي بورتريه عن هؤلاء السكان. وتنظر الشخصية وتصف محيطها، ولكنها تحدد كينونة الشخصية من خلال وسطها (اللباس للذي يلبس). وتعمل الشخصية، فتتحدد من خلال هذا العمل لغة خاصة هي التي تمكن الروائي من تصنيف الشخصيات في طبقات.
 
وفي جميع الحالات، و"مهما كانت طبيعة الشخصية، ناظرة ـ رائية أو تقنية مشغولة، أو ثرثارة شارحة، أو صاحبة نظرة، أو صاحبة مشروع عمل أو صاحبة كلام، فإنا نكون في جميع هذه الحالات أمام نسق صغير منسجم من الأدوار السردية، نسق يمكن اعتباره حاصلا مباشرا "لدفتر تحملات" عام، وحاصل افتراضات مركزية عند زولا، إنه نسق، وتبعا لذلك، يكون منبثقا من دلائلية تلفظية لا من دلائلية ملفوظية. وباعتبارها فعلا في المقروئية، تكون الشخصية هي الخالقة لهذه المقروئية أيضا". وهذا معناه، أن بناء الشخصية ليس حدثا نصيا فحسب، بل هو أيضا جزء من سيرورة إعادة بناء ذاكرة تتم داخل الموسوعة. إننا نرى بعيون الشخصيات، ونتكلم بلسانها، ونعمل بأيديها، ولكننا في جميع هذه الحالات لا نقوم سوى بتشخيص "لمعرفة" هي جزء من موسوعة إليها ننتمي، ومنها نستمد المعاني، وانطلاقا منها نؤول في الوقت ذاته.
 
سعيد بنگراد
Page 7
بول فاليري
 
تشكل مسألة الصيغ الخاصة بتحليل الشخصية، وكذا بتحديد وضعها، سواء كانت هذه الشخصية من طبيعة روائية أو ملحمية أو مسرحية أو شعرية، إحدى الركائز التقليدية في نظريات الأدب وفي النقد (قديمه وحديثه). ولقد بلورت البلاغة حول هذا المفهوم "صوراً" أو "أنواعاً" عديدة كالبورتريه وشعار النسب والمجاز والجناس التصحيفي والتشخيص، دون أن تصل مع ذلك إلى ضبط دقيق لهذا المفهوم. ولم تُؤَسس النمذجات الأدبية الأكثر تطوراً (أرسطو، لوكاتش وفراي الخ) إلا استنادا إلى نظرية خاصة بالشخصية تتميز ببعض الوضوح (البطل الإشكالي أو غير الإشكالي، التماهي، التطهير، نموذجي، فردي... الخ).
 
إن النموذج الذي ظل سائدا لحد الآن هو النموذج السيكولوجي(1) (انظر المصطلح الانجليزي(character والنموذج الدرامي (الأنماط والاستعمالات)، كما أن البحث الحدوثي عن "المفاتيح" (من هي إيرين؟ ومن هي فودر عند لابرويير) أو عن الجذور (من كان نموذجا لنانا عند زولا؟) ما زال يتمتع بكل قوته.
 
وقد أسهم نقد سيكولوجي قريب من التجريبية ومرتبط بتصور مبالغ فيه لموضوع ظل، مع ذلك، تقليديا، في جعل قضايا(2) الشخصية قضايا غامضة، ويتم تناولها بشكل سيئ في الوقت ذاته (وقد ساهم الروائيون أنفسهم في هذا الخلط بتصريحاتهم الأبوية التمجيدية تارة، أو المؤلمة تارة أخرى، وهي في جميع لحالات تصريحات نرجسية)، بحيث يتم الخلط باستمرار بين مقولتي الشخص والشخصية.
 
ومن البديهي أن أي تصور للشخصية لا يمكن فصله عن التصور العام للشخص أو الذات أو الفرد(3). والمثير في الأمر أن نرى عددا هائلا من التحليلات التي حاولت تقديم طريقة أو منهج يتسم بالدقة، تقحم نفسها في القضايا الخاصة بالشخصية، لتتخلى سريعا عن دقة التحليل، وترتمي في أحضان سيكولوجية مبتذلة (هل كان جوليان سوريل منافقا؟ وما نصيب تلك الحقبة في هذا النفاق، وما نصيبه هو وكذا الدروس الدينية فيه؟ كيف نفسر إطلاق النار على مدام دو رينال؟ إنه إبحار وسط مرافعات قانونية، كما لو أن الأمر يتعلق بأناس أحياء فعلا يتحتم علينا إيجاد مبرر مقنع لسلوكهم)(4).
 
وقد أكدت بعض الدراسات الحديثة أن "مقولة الشخصية ظلت، بشكل مفارق، إحدى المقولات الأشد غموضا في الشعرية، ومن جملة أسباب هذا الغموض هناك، بدون شك، قلة اهتمام الكتاب والنقاد بهذه المقولة كرد فعل على الحضور المطلق "للشخصية" في النص، وهي القاعدة التي كانت سائدة في نهاية القرن التاسع عشر (أرنولد بنيت: "إن أساس النثر الجيد هو تصوير الطبائع ولا غير ذلك")(5). ويقول جوناتان كالار من جانبه: "تعد الشخصية مظهراً أساسياً في الرواية، إلا أن البنيوية لم تعرها كبير اهتمام، وكان نجاحها في هذا الميدان ضئيلاً(6).
 
تكمن أولى مهام نظرية أدبية تتسم بالدقة ("وظيفية" و"محايثة" حسب تعبير الشكلانيين الروس) أولا في القيام بعملية وصف تصاغ داخل الإشكالية السميولوجية (أو السميائية كما تشاؤون) وتكون سابقة على أي تعليق أو تأويل ـ دون أن يعني ذلك أنها يجب أن تحل محل المقاربات التقليدية لهذا الموضوع ـ (الأسبقية لا تعني الأولوية).
 
إلا أن اعتبار الشخصية، وبشكل قبلي، علامة، أي اختيار "وجهة نظر" تقوم ببناء هذا الموضوع من خلال دمجه في الإرسالية منظوراً إليها هي الأخرى كإبلاغ، أي مكونة من علامات لسانية (عوض أن نقبلها كمعطى صاغه تقليد نقدي، وثقافة متمركزة حول مقولة الشخص الأناني)، يقتضي بأن يظل التحليل منسجما مع مشروعه، وأن يقبل بكل النتائج المنهجية المترتبة عن ذلك. ومن المحتمل أيضاً أن تعانق سميولوجيا الشخصية مشاكل وحدود السميولوجيا عامة. إن السميولوجيا ما زالت في طور التأسيس، وما زالت في بداية مد الجسور نحو تأسيس قواعد نظرية للتنظيم الخطابي للمعنى داخل الملفوظات: نظرية المحكي أو دلائلية الخطاب(7).
 
وفي هذا الإطار وحده، يمكن اقتراح نظرية للشخصية. إن ما سنقوم به هنا له كل الحظوظ في أن يجد له موقعا في التاريخ (إنه لا يقل أهمية عما كتبه الآخرون).
Page 8
ـ 1 ـ
 
استناداً إلى هذا، لابد من تقديم بعض الإيضاحات، وذلك من أجل جمع شتات مجموعة من التحاليل المتنوعة التي تمت بلورتها على أسس سميولوجية، ولكنها مازالت تشكو من الغموض (منهجياً وثيمياً). ويجب ألا ننسى أن مقولة الشخصية ليست:
 
1 ـ حكرا على الميدان الأدبي. إن أدبية هذه المقولة سابقة في الأهمية على الأدبية ذاتها (إن اشتغال "وحدة" خاصة تسمى الشخصية داخل ملفوظ ما، هو مشكل يعود إلى النحو النصي، إذا جاز التعبير)، إن الأمر يتعلق بمعايير ثقافية وجمالية.
 
2 ـ ليست مقولة من طبيعة إنسانية دائما. فبالإمكان اعتبار الروح في مؤلفات هيجل شخصية، وكذلك الرئيس المدير العام، الشركة المجهولة الاسم والمشرع والسلطة والسهم، فهذه الكيانات جميعها تشكل شخصيات مشخصة نوعاً ما، وتصويرية، وضعها نص القانون على خشبةالمجتمع(8). وكذلك الأمر مع البيضة والدقيق والزبدة والغاز، فهذه المواد تشكل شخصيات لا تكشف عن نفسها إلا في النص المطبخي. كما أن الفيروس والميكروب والكرويات والعضو هي شخصيات في نص يسرد السيرورة التطورية لمرض ما.
 
3 ـ ليست مرتبطة بنسق سميائي خالص (خاصة اللساني منه) فالحركات الميمية والمسرح والفيلم والطقوس والحياة اليومية أو الرسمية بشخصياتها المؤستتة(9)، والرسوم المتحركة كلها تضع على الخشبة شخصيات ( persona: قناع المسرح، personnage شخصية - person في الانجليزية).
 
4 ـ يعيد القارئ بناءها، كما يقوم النص بدوره ببنائها (وقد لا يشكل الأثر / الشخصية سوى أحد مظاهر نشاط القراءة).
 
ويستحب التذكير بمبدأين عامين أو ثلاثة من أجل تحديد بعض القضايا الهامة دون أن يؤدي ذلك إلى إهمال أخرى. إن شروط انتماء ظاهرة معينة إلى السميولوجيا تتحدد في:
 
1 ـ أن تتحكم هذه الظاهرة في عدد ضئيل (وتام) من الوحدات التمييزية للعلامات (معجم).
 
2 ـ أن تندرج هذه الظاهرة في مسلسل قصدي للإبلاغ قابل للمراجعة.
Page 9
3 ـ أن تكون صيغ التجميع والتأليف محددة بعدد قليل (ونهائي) من القواعد (تركيب).
 
4 ـ أن يكون وجود الظاهرة مستقلا عن لامحدودية الإرساليات المنتجة، أو القابلة للإنتاج، كما يكون مستقلا عن طابعها التركيبي(10).
 
كل الألسنة (طبيعية كان أم اصطناعية) تستجيب لهذه الشروط الأربعة، إلا أن اللسانيات، كما هو معروف (لسانيات العلامات بالمعنى الضيق للكلمة) تحدد وتتحكم في مجموعة من الوحدات ذات الأحجام الصغيرة (الصفات المميزة، الفونيم، المورفيم، الجزء،...)، في حين يقع على عاتق نظرية الشخصيات (المنضوية تحت لسانيات الخطاب)، بالإضافة إلى ما سبق، بلورة أنواع أخرى من الوحدات (المقطع، الجزء السردي، النص، العامل)(11).
 
ومن جهة أخرى، لا يبدو أن المشروع الإبلاغي يشكل، خاصة في مجموعة كبيرة من النصوص الحديثة، الشرط الضروري والكافي لتحديد مجال للدراسة السميولوجية. فقد يكون الدال في هذه النصوص أكثر أهمية من الإبلاغ، ويكون الاصطلاحي أكثر أهمية من العنصر الإخباري، وتكون المشاركة اللعبية أكثر أهمية من تبليغ مدلول ما (وهذا هو مصدر السؤال: هل تعود كل ظاهرة ثقافية ـ رسم، موضة ـ إلى السميولوجيا؟).
 
وأخيراً، هل يكمن الاختلاف الموجود بين حقل كالأدب (الذي يضع شخصيات للتداول) وبين الحقل السميولوجي، كما يشير إلى ذلك ك. توجيبي، في أن السنن والإرسالية يتطابقان في حالة العمل الأدبي (إضافة إلى ذلك أن الممارسات الخاصة، كالإبدال مثلا، لا يتم تطبيقها)، فكل عمل أدبي يملك سننه الأصلي، كما يملك "نحوه" الذي يتحكم في التأليف بين الوحدات ذات الأحجام والقيم البالغة الخصوصية(12).
 
لن ننكر أن كل هذه الاعتبارات تعقد إلى أقصى الحدود عملية تحديد حقل خاص (سميولوجي) لدراسة الشخصية، وبناء لغة واصفة ملائمة ومنسجمة مع موضوعها. ومن بين المشاكل التي تطرحها هذه القضية هناك التمييز الممكن بين حقل "أسلوبي" (أو بلاغي أو كلام) عن حقل آخر يجب إقصاؤه من التحليل. فكيف يمكن التمييز بين ما يعود إلي الأدب، وبين ما يعود إلى أدبية الشخصية؛ وكيف يمكن تمييز الاشتغال بالعمل الأدبي والاشتغال بالنص عن المعطى الملموس والمبني نظريا؟
 
هل من الضروري أن نميز بين شخصية / علامة (نابليون كما هو مثبت في المعجم) وبين شخصية داخل ملفوظ لاأدبي (نابليون وبدائله في حوار يومي، في كتاب مدرسي للتاريخ، أو في مقالة صحفية)، وبين شخصية تظهر من خلال ملفوظ أدبي (نابليون في رواية "السلم والحرب" لتولستوي)؟
 
يمكن تصور إمكانية التمييز بين هذه الحقول المختلفة، والتمييز بين مستويات متعددة لتحليل ما يمكن تسميته "الأثر / الشخصية للنص" (بدل "الشخصية")، وذلك من أجل تجنب الرغبة في منح هذه الشخصية ماهية "موحدة" مفترضة.
Page 10
ـ 2 ـ
 
لنذكر من جديد ببعض المبادئ العامة. إذا كان السميولوجيون يعترفون عادة بوجود تقسيمات فرعية داخل دائرة تخصصهم (علم الدلالة، التركيب، التداولية)، فإننا نستطيع، وبشكل مختصر جداً، التمييز بين ثلاثة أنواع من العلامات:
 
1 ـ العلامات التي تحيل على معطى في العالم الخارجي (طاولة، زرافة، بيكاسو، نهر) أو على مفهوم (بنية، قيامة، حرية). ويمكن أن نطلق على هذه العلامات: العلامات المرجعية، فهي تحيل على معرفة مؤستتة، أو تحيل على شيء ملموس ومدرك (دلالة قارة وثابتة). ويمكن التعرف على هذه العلامات في المعجم.
 
2 ـ العلامات التي تحيل على بؤرة تلفظية (énonciation). إنها ذات مضمون "عائم" ولا يتحدد معناها إلا من خلال مقام خطابي ملموس (هنا والآن) من خلال فعل تاريخي لكلام لا يتحدد إلا بتزامن مكوناته (أنا، أنت، هنا، الآن). إنها "الظرفية الذاتية" لروسل، و"إشاريات"ياكبسون(13)، وهي علامات غير محددة في المعجم.
 
3 ـ العلامات التي تحيل على علامة منفصلة عن الملفوظ نفسه، قريبا كان أو بعيدا. قد يكون هذا الملفوظ سابقا داخل السلسة الشفهية أو المكتوبة، أو لاحقا لها. إن وظيفة هذه العلامات وظيفة ربطية أو اقتصادية، إنها تقلص من حجم الإرسالية وطولها، ويمكن أن نطلق عليها بصفةعامة، العلامات الاستذكارية (اسم العلم والتعريف في بعض استعمالاته، أغلبية الضمائر، أدوات الاستبدال المختلفة، الفعل "فعل")(14).
 
إن مضمون هذه العلامات "عائم" هو الآخر ومتغير ولا يتحدد إلا في علاقته بالسياق الذي يحيل عليه. وتشكل هذه العلامات مقولة لسانية هامة لدى أولئك الذين يرومون دراسة الانتقال والتماثلات الممكنة بين لسانيات العلامة ولسانيات الخطاب، أو دراسة الانتقال من السميائيات إلى علم الدلالة، إذا استعرنا مصطلحات بنفنيست، إننا ننتقل من البنية القريبة (سلم، جزء) إلى البنية البعيدة (مستوى النص).
 
ويمكن لسميولوجيا الشخصية، في مرحلة أولى على الأقل، أن تستعيد هذا التمييز الثلاثي، وذلك من أجل إعداد الحقل الذي تشتغل به، وذلك من أجل تحديد(15):
 
1. فئة الشخصيات المرجعية: شخصيات تاريخية (نابليون الثالث في ريش ليو عند ألكسندر دوما)، شخصيات أسطورية (فينوس، زوس)، شخصيات مجازية (الحب، الكراهية)، شخصيات اجتماعية (العامل، الفارس، المحتال). تحيل هذه الشخصيات على معنى ممتلئ وثابت حددته ثقافة ما، كما تحيل على أدوار وبرامج واستعمالات ثابتة. إن قراءتها مرتبطة بدرجة استيعاب القارئ لهذه الثقافة (يجب أن نتعلمها ونتعرف عليها). وباندماج هذه الشخصيات داخل ملفوظ معين، فإنها ستشتغل أساساً بصفتها إرساءً مرجعيا يحيل على النص الكبير للإيديولوجيا والكليشيهات أو الثقافة. إنها ضمانة لما يسميه بارث "الأثر الواقعي"(16)، وعادة ما تشارك هذه الشخصيات في التعيين المباشر للبطل (فمهما فعل البطل، فإنه سيظل فارسا عند كريستيان دو ترو).