Page 1
الفصل الأول
مُقدِّمة: ور نام نهادن
هناك تعبيرٌ رائعٌ بالفارسية: «ور نام نهادن»، ذلك الذي يعني: «أن تقتُلَ شخصًا، وتدفن جثَّته، ثم تنمي زهورًا حول جثَّته لتُخفيَها»(1). في 2011 شهدنا (وشاركنا في) سلسلةٍ من الأحداث الصاخبة، من الربيع العربي إلى حركة احتلّوا وول ستريت، من اضطرابات المملكة المتّحدة لجنون برايفيك(i) الأيدولوجي. لقد كانت سنة الأحلام الخطيرة في اتِّجاهين: أحلام متحرِّرة تُحرِّك المتظاهرين في نيويورك وميدان التحرير، في لندن وأثينا؛ وأحلام هدَّامةٍ غامضةٍ تدفع برايفيك والشعبويّين العنصريِّين تجاه أوروبَّا من هولندا وحتَّى المجر. المَهمَّة الأوَّلية للأيدولوجيا المُهيمِنة كانت تحييد البُعد الحقيقي لهذه الأحداث: ألم يكن ردُّ الفعل المُسيطر على الإعلام بالضبط نوعًا من الـ«ور نام نهادن»؟ الإعلام قتل التحرُّر الجذريَّ الكامن في الأحداث، أو شتَّت تهديدَها نحو الديمقراطية، ثم نمى الزهور حول الجثَّة المدفونة. لهذا يكون من المُهمِّ أن نصحِّح الأمور، ونضعَ أحداثَ 2011 في السياق الشامل للموقف العالمي؛ لنُظهر كيف ترتبط بالعداء المركزي للرأسمالية المعاصرة.
ناقش فريدريك جيمسون(ii) ذلك، ففي لحظة تاريخية مُحدَّدة؛ يمكن أن يتحوَّل حَشْدُ الأساليب الفنيّة والحجج النظرية إلى نزعات تشكِّل معًا نَسَقًا. لتوضيح مثل هذا النَسَق، يعتمد جيمسون عادةً على مربّع جريماس السيميوطيقي(iii)، وهذا لسببٍ معقول: هذا المربّع ليس مجرَّدَ منظومةٍ بنائية شكلية وإن كان دائمًا ما يبدأ بتعارُض (تضاد أو تناقض) أساسيٍّ ما، ثم يبحث عن طرق ليحلَّ محلَّ و/أو يتوسّط النقطتين المتضادّتين. نسق الأوضاع الممكنة هو خطَّة دينامكية تتعلَّق بكلِّ الإجابات أو ردود الفعل الممكنة لتضادّ أو استعصاءٍ(iv) ما. هذا النسقُ لا يحصر ببساطة منظور حرِّيَّة الذات: إنَّه بالأحرى يفتح فضاءً؛ بكلماتٍ أخرى، فهو: «في الوقت نفسِه وذاته الحرِّيَّة والحتمية: إنّه يفتح منظومةً من الإمكانات الخلَّاقة (التي تكون ممكنةً فقط كردودٍ على الموقف الذي تُوضِّحه) كما يقتفي أثرَ الحدود العليا للبراكسيس(v) التي هي أيضًا حدود الفكر وإسقاطات المخيّلة»(2). سأل جيمسون أيضًا السؤال الإبستمولوجي(vi) الرئيسي: هذا النظام الذي يحمل كلَّ الأوضاع الممكنة:
«يريد أن يكون موضوعيًّا، ولكنَّه لا يمكن أن يكون أيَّ شيءٍ سوى أيدولوجي: (على سبيل المثال في العمارة) يصبح من الصعب في الحقيقة أن نفكِّر كيف يمكننا تمييز الوجود الواقعي للفئات المختلفة التي تصنّف تحتها المباني الحديثة عن الاختراع المعروف للنُّظُم المختلفة لهذه الفئات في ذهننا. في الحقيقة هناك شيءٌ من الإشكال الزائف هنا: القلقُ المستمرُّ عن إن كنَّا في الحقيقة نرسم أعيننا، يمكنه أن يُخفَّف إلى مستوًى محدَّدٍ بتذكُّر أنَّ أعينَنا في ذاتها جزءٌ من النظام المُحدَّد للوجود الذي هو موضوعٌ للتحقُّق».(3)
هنا، نصير مُحقِّين تمامًا في اتِّباع هيجل: فلو لم يناسب الواقع مفهومَنا، فهذا أمرٌ سيِّئ جدًّا بالنسبة للواقع. خطّتُنا، إن كانت ملائمةً، تحدِّد المنظومة الرسمية التي يتبعها الواقع (بشكل غير كامل). وكما وضَّح ماركس بالفعل؛ فالمُحدَّدات الموضوعية للواقع الاجتماعي هي في الوقت نفسه مُحدَّداتٌ فكريةٌ ذاتية (للذّات المرتبطة بالواقع)، و في نقطة عدم التحدُّد (التي فيها تكون حدود فكرنا؛ استعصاءاته وتناقضاته، هي نفسها التناحُرات مع الواقع الاجتماعي الموضوعي ذاته) «التشخيص هو أيضًا عَرَضه»(4). تشخيصنا (تفسيرنا «الموضوعي» للنظام المُتعلّق بكلِّ الأوضاع المُمكنة الذي يُحدِّد منظور نشاطنا) هو نفسه «ذاتي»، إنَّه مُخطّط ردود الفعل الذاتية تجاه الاستعصاء الذي نواجهه في تطبيقنا، و بهذا المعنى، هو عَرَضٌ بالنسبة لهذا الاستعصاء غير المحلول ذاته: أمّا ما علينا، مع ذلك، أن نختلف فيه مع جيمسون، فهو تشكيلُه لعدم التحديد هذا بين الذاتية والموضوعية كـ«أيدولوجيا»: هو أيدولوجيا فقط إن عرّفنا «غير الأيدولوجي» بسذاجة بمصطلحات الوصف «الموضوعي» المجرَّد؛ الوصف المُتحرِّر من كلّ التورُّط الذاتي. ولكن ألَا يكونُ من الملائم أكثر أن نصف كـ«أيدولوجيا» أيَّ وجهة نظر تتجاهل ـ ليس بعض الواقع «الموضوعي» غير المشوَّه بتورُّطنا الذاتي ولكنَّ ـ «السبب التامَّ للتشوُّه الذي لا يمكن تجنُّبه»، واقع هذا الاستعصاء الذي نتحرَّك بسببه في ظواهرنا وارتباطاتنا؟
مُقدِّمة: ور نام نهادن
هناك تعبيرٌ رائعٌ بالفارسية: «ور نام نهادن»، ذلك الذي يعني: «أن تقتُلَ شخصًا، وتدفن جثَّته، ثم تنمي زهورًا حول جثَّته لتُخفيَها»(1). في 2011 شهدنا (وشاركنا في) سلسلةٍ من الأحداث الصاخبة، من الربيع العربي إلى حركة احتلّوا وول ستريت، من اضطرابات المملكة المتّحدة لجنون برايفيك(i) الأيدولوجي. لقد كانت سنة الأحلام الخطيرة في اتِّجاهين: أحلام متحرِّرة تُحرِّك المتظاهرين في نيويورك وميدان التحرير، في لندن وأثينا؛ وأحلام هدَّامةٍ غامضةٍ تدفع برايفيك والشعبويّين العنصريِّين تجاه أوروبَّا من هولندا وحتَّى المجر. المَهمَّة الأوَّلية للأيدولوجيا المُهيمِنة كانت تحييد البُعد الحقيقي لهذه الأحداث: ألم يكن ردُّ الفعل المُسيطر على الإعلام بالضبط نوعًا من الـ«ور نام نهادن»؟ الإعلام قتل التحرُّر الجذريَّ الكامن في الأحداث، أو شتَّت تهديدَها نحو الديمقراطية، ثم نمى الزهور حول الجثَّة المدفونة. لهذا يكون من المُهمِّ أن نصحِّح الأمور، ونضعَ أحداثَ 2011 في السياق الشامل للموقف العالمي؛ لنُظهر كيف ترتبط بالعداء المركزي للرأسمالية المعاصرة.
ناقش فريدريك جيمسون(ii) ذلك، ففي لحظة تاريخية مُحدَّدة؛ يمكن أن يتحوَّل حَشْدُ الأساليب الفنيّة والحجج النظرية إلى نزعات تشكِّل معًا نَسَقًا. لتوضيح مثل هذا النَسَق، يعتمد جيمسون عادةً على مربّع جريماس السيميوطيقي(iii)، وهذا لسببٍ معقول: هذا المربّع ليس مجرَّدَ منظومةٍ بنائية شكلية وإن كان دائمًا ما يبدأ بتعارُض (تضاد أو تناقض) أساسيٍّ ما، ثم يبحث عن طرق ليحلَّ محلَّ و/أو يتوسّط النقطتين المتضادّتين. نسق الأوضاع الممكنة هو خطَّة دينامكية تتعلَّق بكلِّ الإجابات أو ردود الفعل الممكنة لتضادّ أو استعصاءٍ(iv) ما. هذا النسقُ لا يحصر ببساطة منظور حرِّيَّة الذات: إنَّه بالأحرى يفتح فضاءً؛ بكلماتٍ أخرى، فهو: «في الوقت نفسِه وذاته الحرِّيَّة والحتمية: إنّه يفتح منظومةً من الإمكانات الخلَّاقة (التي تكون ممكنةً فقط كردودٍ على الموقف الذي تُوضِّحه) كما يقتفي أثرَ الحدود العليا للبراكسيس(v) التي هي أيضًا حدود الفكر وإسقاطات المخيّلة»(2). سأل جيمسون أيضًا السؤال الإبستمولوجي(vi) الرئيسي: هذا النظام الذي يحمل كلَّ الأوضاع الممكنة:
«يريد أن يكون موضوعيًّا، ولكنَّه لا يمكن أن يكون أيَّ شيءٍ سوى أيدولوجي: (على سبيل المثال في العمارة) يصبح من الصعب في الحقيقة أن نفكِّر كيف يمكننا تمييز الوجود الواقعي للفئات المختلفة التي تصنّف تحتها المباني الحديثة عن الاختراع المعروف للنُّظُم المختلفة لهذه الفئات في ذهننا. في الحقيقة هناك شيءٌ من الإشكال الزائف هنا: القلقُ المستمرُّ عن إن كنَّا في الحقيقة نرسم أعيننا، يمكنه أن يُخفَّف إلى مستوًى محدَّدٍ بتذكُّر أنَّ أعينَنا في ذاتها جزءٌ من النظام المُحدَّد للوجود الذي هو موضوعٌ للتحقُّق».(3)
هنا، نصير مُحقِّين تمامًا في اتِّباع هيجل: فلو لم يناسب الواقع مفهومَنا، فهذا أمرٌ سيِّئ جدًّا بالنسبة للواقع. خطّتُنا، إن كانت ملائمةً، تحدِّد المنظومة الرسمية التي يتبعها الواقع (بشكل غير كامل). وكما وضَّح ماركس بالفعل؛ فالمُحدَّدات الموضوعية للواقع الاجتماعي هي في الوقت نفسه مُحدَّداتٌ فكريةٌ ذاتية (للذّات المرتبطة بالواقع)، و في نقطة عدم التحدُّد (التي فيها تكون حدود فكرنا؛ استعصاءاته وتناقضاته، هي نفسها التناحُرات مع الواقع الاجتماعي الموضوعي ذاته) «التشخيص هو أيضًا عَرَضه»(4). تشخيصنا (تفسيرنا «الموضوعي» للنظام المُتعلّق بكلِّ الأوضاع المُمكنة الذي يُحدِّد منظور نشاطنا) هو نفسه «ذاتي»، إنَّه مُخطّط ردود الفعل الذاتية تجاه الاستعصاء الذي نواجهه في تطبيقنا، و بهذا المعنى، هو عَرَضٌ بالنسبة لهذا الاستعصاء غير المحلول ذاته: أمّا ما علينا، مع ذلك، أن نختلف فيه مع جيمسون، فهو تشكيلُه لعدم التحديد هذا بين الذاتية والموضوعية كـ«أيدولوجيا»: هو أيدولوجيا فقط إن عرّفنا «غير الأيدولوجي» بسذاجة بمصطلحات الوصف «الموضوعي» المجرَّد؛ الوصف المُتحرِّر من كلّ التورُّط الذاتي. ولكن ألَا يكونُ من الملائم أكثر أن نصف كـ«أيدولوجيا» أيَّ وجهة نظر تتجاهل ـ ليس بعض الواقع «الموضوعي» غير المشوَّه بتورُّطنا الذاتي ولكنَّ ـ «السبب التامَّ للتشوُّه الذي لا يمكن تجنُّبه»، واقع هذا الاستعصاء الذي نتحرَّك بسببه في ظواهرنا وارتباطاتنا؟
Page 2
الكتاب الحالي يحاول أن يُسهم في هذه «الخريطة الإدراكية»(vii) (جيمسون) لمنظومة أفكارنا. فبعد تقديم وصفٍ مختصرٍ للملامح الرئيسية لرأسمالية اليوم، يقوم بتحديد شكل الأيدولوجيا المُهيمِنة، مُرَكِّزا على الظواهر المقابلة (الثورات الشعبوية تحديدًا) التي ظهرت كردِّ فعلٍ على التناحُرات الاجتماعية. النصف الثاني من الكتاب يُناقش الحركتَين التحرُّرِيّتين العظيمتَين في 2011 ـ الربيعَ العربيَّ، واحتلّوا وول ستريت، قبل أن يواجِه ـ من خلال مناقشة مُسلسَل «الشبكة»(viii) ـ السؤالَ الصعبَ عن كيفيّة محاربة النظام بدون أن نُسهم في وظيفيّته المثبتة.
أداةُ هذا السرد هو ما أَطلَق عليه كانط «الاستخدام العامّ للعقل»(ix). فعلى المرء اليوم، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، أن يضع في ذهنه أنَّ الشيوعية تبدأ من «الاستخدام العامِّ للعقل»، مع التفكير، ومع المساواة العالمية في التفكير. بالنسبة لكانط، الفضاء العامُّ لـ«المجتمع المدني العالمي» يُشكِّل التناقض في الفردية العالمية، الذات الفردية التي تتجاوز، في نوع من المدى القصير، تدخُّلَ الخاصّ، وتشارك مباشرة في العالمي. هذا هو ما يَعنيه كانط، في الفقرة الشهيرة من مقاله: «ما التنوير؟»، بـ«العامّ» كمقابل لـ«الخاصّ»: الأخيرة لا تُحيلُ إلى فردية المرء، كمقابلٍ للروابط الجمعية، ولكن للنظام الجمعي ـ المؤسَّسي نفسه لتعريف الفرد المُحدَّد؛ بينما «العامّ» يُشكِّل عالمية مجاوزة للوطني في أداء عقل المرء.
على أيِّ حال، أليست ثنائيةُ استخدام العقل العامِّ والخاصِّ تعتمد على ما يمكن أن نطلق عليه، بالمصطلحات المعاصرة، تعليقَ الكفاءة الرمزية (أو القوَّة الأدائية) للاستخدام العامِّ للعقل؟ لا يرفض كانط نسقَ الطاعة التقليديَّ: «لا تُفكِّر، أَطِع» لحساب نقيضه الثوري المباشر: «لا تُطِع (وتفعل ما يطلب الآخرون أن تفعله)، فكِّر (بعقلك)» نسِّقْه هو بالأحرى: «فكِّر، وأَطِع»؛ هذا هو الأمر، فكِّر بعمومية (بالاستخدام الحُرِّ للعقل) وأَطِع بخصوصية (كجزءٍ من الآلية الهيراركية للقوَّة). باختصار، فالتفكير بحرِّية لا يأمرني بفعل أيِّ شيء على الإطلاق. أقصى ما يمكنني فعلُه عندما يقودني «الاستخدام العامّ للعقل» إلى رؤية الضعف والظلم في النظام الموجود هو تقديم طلب للحاكم من أجل الإصلاح. يمكن للمرء حتَّى أن يمضيَ خطوة أبعد ويزعم، مثل تشيسترتون(x)، بأنَّ الحرِّية المُجرَّدة للتفكير (والشكّ) تمنع بإيجابية الحرِّية الحقيقية:
«يمكننا القولُ بثقةٍ إنَّ حرِّية الفكر هي أفضلُ دروعِ الحماية ضدَّ الحرِّية؛وعلى الطريقة الحديثة فإن تحرّر عقل العبد هو أفضل طريقة لمنع تحرُّر العبد؛ عَلِّمه أن يهتمَّ بإن كان عليه أن يكون حرًّا ولن يستطيع تحرير نفسه»(5).
ولكن هل يكون طرح subtraction التفكير من الفعل، وتعليق كفاءته، بهذا الوضوح والإطلاق؟ إن إستراتيجية كانط السرية هنا (سواء كانت مقصودة أو لا) تماثل الحيلة المعروفة للمحامي الذي يطلق تصريحًا للمُحلّفين وهو يعرف أنَّ القاضي سيعلن أنه «غير مقبول» ويطلب من المُحلّفين أن «يتجاهلوه» ـ وهو أمر مستحيل بالطبع؛ لأنَّ الأثرَ كان قد حدث بالفعل. أليس هذا الانسحاب من التأثير بالاستخدام العامِّ للعقل هو أيضًا استبعاد يفتح فضاءً لنوع من الممارسة الاجتماعية المختلفة؟ من السهل جدًّا الإشارة للفارق الواضح بين الاستخدام العامِّ للعقل الكانطي وفكرة ماركس عن وعي الطبقة الثائرة: الأولى محايدة ومنفصلة، والثانية جزئية ومنغمسة تمامًا. ولكن «الوضع البروليتاري» يمكنه أن يُعرَّف بدقّة النقطة التي يصبح فيها الاستخدام العامّ للعقل في ذاته عمليًّا ومؤثّرًا بدون التراجع إلى «خصوصية» الاستخدام الخاصّ للعقل، طالما كان الوضع الذي نعمل عليه هو «جزء لا يتجزأ» للهيكل الاجتماعي، مداه الذي يقف مباشرة من أجل الكُلّية. في المقابل، فحصر الستالينية للنظرية الماركسية كخادم لحزب الدولة هو بالتحديد حصر العامّ للاستخدام الخاصّ للعقل.
فقط هذه المقاربة التي تجمع كلية «الاستخدام العامّ للعقل» بالوضع المنغمس الذاتي يمكنها أن تقدِّم «خريطة إدراكية» ملائمة لموقفنا. كما يقول لينين: «علينا أن نصرِّح بالحقائق» aussprechen was ist «الاعتراف بحقيقة أنَّ هناك نزوعًا..» ما النزوع؟ أيّ الحقائق يجب أن يُصرَّح بها مع وضع الرأسمالية العالمية اليوم في الاعتبار؟
أداةُ هذا السرد هو ما أَطلَق عليه كانط «الاستخدام العامّ للعقل»(ix). فعلى المرء اليوم، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، أن يضع في ذهنه أنَّ الشيوعية تبدأ من «الاستخدام العامِّ للعقل»، مع التفكير، ومع المساواة العالمية في التفكير. بالنسبة لكانط، الفضاء العامُّ لـ«المجتمع المدني العالمي» يُشكِّل التناقض في الفردية العالمية، الذات الفردية التي تتجاوز، في نوع من المدى القصير، تدخُّلَ الخاصّ، وتشارك مباشرة في العالمي. هذا هو ما يَعنيه كانط، في الفقرة الشهيرة من مقاله: «ما التنوير؟»، بـ«العامّ» كمقابل لـ«الخاصّ»: الأخيرة لا تُحيلُ إلى فردية المرء، كمقابلٍ للروابط الجمعية، ولكن للنظام الجمعي ـ المؤسَّسي نفسه لتعريف الفرد المُحدَّد؛ بينما «العامّ» يُشكِّل عالمية مجاوزة للوطني في أداء عقل المرء.
على أيِّ حال، أليست ثنائيةُ استخدام العقل العامِّ والخاصِّ تعتمد على ما يمكن أن نطلق عليه، بالمصطلحات المعاصرة، تعليقَ الكفاءة الرمزية (أو القوَّة الأدائية) للاستخدام العامِّ للعقل؟ لا يرفض كانط نسقَ الطاعة التقليديَّ: «لا تُفكِّر، أَطِع» لحساب نقيضه الثوري المباشر: «لا تُطِع (وتفعل ما يطلب الآخرون أن تفعله)، فكِّر (بعقلك)» نسِّقْه هو بالأحرى: «فكِّر، وأَطِع»؛ هذا هو الأمر، فكِّر بعمومية (بالاستخدام الحُرِّ للعقل) وأَطِع بخصوصية (كجزءٍ من الآلية الهيراركية للقوَّة). باختصار، فالتفكير بحرِّية لا يأمرني بفعل أيِّ شيء على الإطلاق. أقصى ما يمكنني فعلُه عندما يقودني «الاستخدام العامّ للعقل» إلى رؤية الضعف والظلم في النظام الموجود هو تقديم طلب للحاكم من أجل الإصلاح. يمكن للمرء حتَّى أن يمضيَ خطوة أبعد ويزعم، مثل تشيسترتون(x)، بأنَّ الحرِّية المُجرَّدة للتفكير (والشكّ) تمنع بإيجابية الحرِّية الحقيقية:
«يمكننا القولُ بثقةٍ إنَّ حرِّية الفكر هي أفضلُ دروعِ الحماية ضدَّ الحرِّية؛وعلى الطريقة الحديثة فإن تحرّر عقل العبد هو أفضل طريقة لمنع تحرُّر العبد؛ عَلِّمه أن يهتمَّ بإن كان عليه أن يكون حرًّا ولن يستطيع تحرير نفسه»(5).
ولكن هل يكون طرح subtraction التفكير من الفعل، وتعليق كفاءته، بهذا الوضوح والإطلاق؟ إن إستراتيجية كانط السرية هنا (سواء كانت مقصودة أو لا) تماثل الحيلة المعروفة للمحامي الذي يطلق تصريحًا للمُحلّفين وهو يعرف أنَّ القاضي سيعلن أنه «غير مقبول» ويطلب من المُحلّفين أن «يتجاهلوه» ـ وهو أمر مستحيل بالطبع؛ لأنَّ الأثرَ كان قد حدث بالفعل. أليس هذا الانسحاب من التأثير بالاستخدام العامِّ للعقل هو أيضًا استبعاد يفتح فضاءً لنوع من الممارسة الاجتماعية المختلفة؟ من السهل جدًّا الإشارة للفارق الواضح بين الاستخدام العامِّ للعقل الكانطي وفكرة ماركس عن وعي الطبقة الثائرة: الأولى محايدة ومنفصلة، والثانية جزئية ومنغمسة تمامًا. ولكن «الوضع البروليتاري» يمكنه أن يُعرَّف بدقّة النقطة التي يصبح فيها الاستخدام العامّ للعقل في ذاته عمليًّا ومؤثّرًا بدون التراجع إلى «خصوصية» الاستخدام الخاصّ للعقل، طالما كان الوضع الذي نعمل عليه هو «جزء لا يتجزأ» للهيكل الاجتماعي، مداه الذي يقف مباشرة من أجل الكُلّية. في المقابل، فحصر الستالينية للنظرية الماركسية كخادم لحزب الدولة هو بالتحديد حصر العامّ للاستخدام الخاصّ للعقل.
فقط هذه المقاربة التي تجمع كلية «الاستخدام العامّ للعقل» بالوضع المنغمس الذاتي يمكنها أن تقدِّم «خريطة إدراكية» ملائمة لموقفنا. كما يقول لينين: «علينا أن نصرِّح بالحقائق» aussprechen was ist «الاعتراف بحقيقة أنَّ هناك نزوعًا..» ما النزوع؟ أيّ الحقائق يجب أن يُصرَّح بها مع وضع الرأسمالية العالمية اليوم في الاعتبار؟
Page 3
الفصل الثاني
من السيطرة إلى الاستغلال والثورة
كماركسيِّين نتشارك فرضية ماركس في «نقد الاقتصاد السياسي» التي تظلّ نقطة الانطلاق في فهم مآزقنا الاجتماعية ـ الاقتصادية. ومن أجل وضع يدنا على حدود هذه الورطة علينا على أيِّ حالٍ أن نتخلَّص من الآثار الأخيرة لتاريخانية ماركس التطورية ـ حتَّى وإن بدا أنَّها الأساس الحقيقي للأرثوذوكسية الماركسية. هنا نرى ماركس في تاريخانيته الأسوأ:
«في الإنتاج الاجتماعي لوجودهم، يدخل الناس جبرًا في العلاقات الحتمية، التي هي مستقلّة عن إرادتهم، أي علاقات الإنتاج الملائمة لمرحلة مُعطاة في تطوير قُوى الإنتاج المادِّية... عند مرحلة مُحدَّدة للتطوُّر، تدخلُ القُوى المادية المُنتجة في المجتمع في صراعٍ مع علاقات الإنتاج القائمة أو ـ وهذا فقط يعبر عن الشيء نفسه بمصطلحات قانونية ـ في صراعٍ مع علاقات الملكية بداخل الإطار الذي يشغلونه من الآنَ فصاعدًا. من أشكال تطوير القُوى المنتجة تعود هذه العلاقات إلى أغلالها. ثم يبدأ عصر الثورة الاجتماعية... لا يوجد نظام اجتماعي دُمّر قطّ قبل أن تتطوّر القُوى المنتِجة التي يكتفي بها، وعلاقات الإنتاج العليا الجديدة لا تحلُّ محلَّ القديمة قبل أن تنضج الظروف المادية لوجودها بداخل إطار المجتمع القديم. بالتالي تضع البشرية هذه المهام لنفسها بحتمية وكأنَّها يمكن أن تُحَل، في حين أنَّ التحقُّق المُقرّب سيظهر لنا دومًا أنَّ المشكلة نفسَها تظهر فقط عندما تكون الظروف المادية لحلِّها حاضرةً بالفعل أو على الأقلِّ في سياق التشكُّل(6)».
هذا المخطَّط خاطئ بشكلٍ مزدوج؛ أولًا، الرأسمالية كنسقٍ اجتماعي تتّصف بعدم التوازن البنيوي: التضادّ بين القوى والعلاقات حاضر تمامًا من البداية، وهذا التضادُّ الكبير هو الذي يدفع الرأسمالية نحو التثوير والتمدُّد الذاتيّين الدائمَين ـ الرأسمالية تزدهر لأنَّها تتجنَّب أغلالها وتهرب إلى المستقبل. هذا أيضًا سببُ أنَّ المرء يُسقِط الفكرة المتفائلة (الحكيمة) بأنَّ البشرية «فقط تضع لنفسها مثل هذه المهام بشكلٍ حتميِّ كأنَّها قابلة للحلّ»: الآن نحن نواجه مشكلات لا توجد لها حلولٌ واضحةٌ مضمونةٌ عن طريق منطق التطوُّر.
ومن أجل تجاوُز هذا النسق، علينا أن نركّز على الخصائص الثلاث التي تصف الرأسمالية المعاصرة: النزوع طويل المدى للانتقال من الربح إلى الأجر (بشكليه الرئيسيين: الأجر المبنيِّ على «المعرفة المتشاركة» المُخصخصة، والأجر المبني على الموارد الطبيعية)؛ الدور البنيوي الأقوى للبطالة (فرصة أن تكون «مُسَتَغلًّا» في وظيفة طويلة الأمد يتمُّ التعامل معها كامتياز)؛ وفي النهاية صعود طبقة جديدة تلك التي يطلق عليها جان ـ كلود ميلنر(i) «البرجوازية المُستأجرة(7)».
إن تبعات تصاعد الإنتاجية التي أحدثها التنامي الأُسّي في المعرفة الجمعية هو الدور المُتغيّر للبطالة. ولكن ألا يقدّم هذا الشكل الجديد من الرأسمالية منظورًا جديدًا للتحرُّر؟ هنا تقبع أطروحة هاردت ونيجري(ii)عن «الحشد»، التي يحاولان بها تجذير ماركسٍ ما تعني الرأسمالية الشركاتية(iii) عالية التنظيم عنده هي بالفعل «اشتراكية بداخل الرأسمالية» (نوع من «أشركة(iv)» الرأسمالية، مع كون الملّاك الغائبين زائدين عن الحاجة بشكل أكبر)، وبالتالي فالمرء يحتاج فقط إلى قطع الرأس الاسمي nominal ليصل إلى الاشتراكية بشكل ملائم(8). بالنسبة لهاردت ونيجري، على كلِّ حال، فحدود ماركس كانت في أنَّه مقيّدٌ تاريخيًّا بالشكل المتمركز والهيراركي للعمل الصناعي، هذا سبب أنَّ رؤيته عن «العقل العامِّ» كانت مُتعلِّقةً بالفعل المُخَطِط المركزي. اليوم فقط، مع صعود «العمل غير المادِّي» إلى وضع مُهيمن، يكون الانعكاس الثوري «ممكنًا موضوعيًّا». هذا العمل غير المادّي يمتدّ بين عمودَي العملِ العقليِّ (الرمزي) (إنتاج الأفكار، الأكواد، النصوص، البرامج، التشكيلات...إلخ)، والعملِ الانفعاليِّ (هؤلاء الذين يتعاملون مع الانفعالات الجسدية: من الأطباء إلى جليسي الأطفال إلى مضيفي الطيران). اليوم، العمل غير المادِّي «مُهيمِن»، بالمعنى الدقيق الذي أعلن به ماركس أنَّ الإنتاج الصناعي الضخم، في رأسمالية القرن التاسع عشر، كان مُهيمِنًا كلونٍ مُحدَّدٍ يعير صوته للكلية ـ ليس بالمصطلحات الكمّية، ولكنّه يلعب الدور المُهم والرمزي والبنيوي. ما يبزغ بالتالي هو مساحة سيطرة واسعة لـ«الشعبي»: المعرفة المتشاركة، أشكال من التعاون والاتصال، ...إلخ. تلك لم يعد من الممكن استيعابها بشكل الملكية الخاصّة، لأنّه في حالة الإنتاج غير المادِيِّ، لم تعد المنتجات هي الأشياء المادّية، ولكنَّ العلاقاتِ الاجتماعية (المتشاركة) ذاتها ـ باختصار، فالإنتاج غير المادِّي هو سياسة حيوية(v) بشكلٍ مباشر، إنَّه إنتاج الحياة الاجتماعية.
المفارقة هنا هي أنَّ هاردت ونيجري يحيلان إلى العملية ذاتها التي يحتفي بها أيدولوجيُّو رأسمالية «ما بعد الحداثة» المعاصرين، كمرحلةٍ من الإنتاج المادِّي إلى الرمزي، من منطق الهيراركية ـ المركزية إلى منطق الخلق الذاتي والتنظيم الذاتي والمشاركة مُتعدّدة المراكز وهكذا. نيجري في الحقيقة مُخلِصٌ لماركس هنا: ما يحاول أن يثبتَه هو أنَّ ماركس كان على حقِّ، فصعود «العقل العامِّ» متعارض على المدى الطويل مع الرأسمالية. أيدولوجيّو رأسمالية ما بعد الحداثة يتبنّون بالضبط الزعم المضادّ: إنَّها النظرية الماركسية (وممارستها) ذاتها هي التي تظلّ بداخل قيود المنطق الهيراركي والمركزي لتحكم الدولة وبالتالي لا تستطيع تجاوز التأثيرات الاجتماعية لثورة المعلومات الحديثة. وهناك حججٌ إمبريقيةٌ جيّدة لهذا الزعم: مرّة أخرى، المفارقة الكبرى في التاريخ هي أنَّ تفَسُّخَ الشيوعية هو أكبر مثال مقنع عن مدى جدوى الديالكتيك الماركسي التقليدي عن قُوى الإنتاج وعلاقاتها، والذي تعتمد عليه الماركسية في محاولتها لتجاوُز الرأسمالية. الذي دمَّر النُّظُم الشيوعية في الحقيقة كان عدم قدرتها على مجاراة المنطق الاجتماعي الجديد المدعوم بـ«ثورة المعلومات»: بل إنهم حاولوا أن يدفعوه إلى مشروع مشروع تخطيط دولة مركزي آخر واسع المدى. المفارقة هنا تكمن في أنَّ ما يحتفي به نيجري كفرصةٍ فريدةٍ للتغلُّب على الرأسمالية، هو ما يحتفي به أيدولوجيُّو «ثورة المعلومات» كبزوغٍ لرأسمالية «غير متصارعة» جديدة.
تحليل هاردت ونيجري يتضمَّن ثلاثَ نقاطٍ ضعيفة تشرح ـ إذا جمعناها معًا ـ لِم تستطيع الرأسمالية تجاوز ما هو مفترض (بالمصطلحات الماركسية الكلاسيكية) أن يكون تنظيمًا جديدًا للإنتاج هذا الذي يجعلها من طراز قديم. إنَّهما قلَّلا من قدر المدى الذي خصخصت فيه الرأسمالية المعاصرة بنجاح (على الأقلِّ على المدى القصير) «المعرفة العامَّة» ذاتها، إلى جانب المدى الذي يصبح فيه العمَّال أنفسهم ـ أكثر من البرجوازيين ـ «زائدين عن الحاجة» (العدد المتزايد منهم يصبح ليس فقط عاطلًا بشكلٍ مؤقّت، ولكنَّه يصبح بنيويًّا غير مؤهّل للعمل). وأكثر من ذلك، حتَّى لو كان صحيحًا من حيث المبدأ أنَّ البرجوازيين يصبحون دومًا غير- وظيفيين، علينا أن نكافئ هذا التصريح مع سؤال: غير وظيفيِّين بالنسبة لمَن؟ بالنسبة للرأسمالية ذاتها. لو أن الرأسمالية التقليدية جعلت سيدة أعمال تستثمر أموالها (أموالها الخاصَّة أو المُقترضَة) بشكلٍ مثاليٍّ في مشروع منظَّمٍ تديره بنفسها، وبالتالي تحصد الربح، فهناك نمطٌ مثاليٌّ جديدٌ يظهر اليوم: لم تعد سيدة الأعمال تملك شركتها الخاصّة، ولكنَّ المدير الخبير (أو مجلس إدارة يرأسه مديرٌ تنفيذيٌّ) وهو يدير شركة مملوكة للبنوك ( التي تدار من قبل مديرون لا يملكونها) أو مستثمرين متفرِّقين، في نمطٍ مثاليٍّ جديدٍ من رأسمالية بدون برجوازية؛ البرجوازية القديمة، تتحوَّل إلى غير ـ وظيفية، وتعاد وظيفيتها كطبقةٍ من المديرين المُستَأجرين ـ البرجوازية الجديدة نفسها تتلقَّى أجرًا وحتَّى لو كان مديروها يملكون نسبة من شركتهم، فهم يكسبون أسهمَهم كجزءٍ من المكافأة على عملهم («مكافأة» Bonus على إدارتهم «الناجحة»).
من السيطرة إلى الاستغلال والثورة
كماركسيِّين نتشارك فرضية ماركس في «نقد الاقتصاد السياسي» التي تظلّ نقطة الانطلاق في فهم مآزقنا الاجتماعية ـ الاقتصادية. ومن أجل وضع يدنا على حدود هذه الورطة علينا على أيِّ حالٍ أن نتخلَّص من الآثار الأخيرة لتاريخانية ماركس التطورية ـ حتَّى وإن بدا أنَّها الأساس الحقيقي للأرثوذوكسية الماركسية. هنا نرى ماركس في تاريخانيته الأسوأ:
«في الإنتاج الاجتماعي لوجودهم، يدخل الناس جبرًا في العلاقات الحتمية، التي هي مستقلّة عن إرادتهم، أي علاقات الإنتاج الملائمة لمرحلة مُعطاة في تطوير قُوى الإنتاج المادِّية... عند مرحلة مُحدَّدة للتطوُّر، تدخلُ القُوى المادية المُنتجة في المجتمع في صراعٍ مع علاقات الإنتاج القائمة أو ـ وهذا فقط يعبر عن الشيء نفسه بمصطلحات قانونية ـ في صراعٍ مع علاقات الملكية بداخل الإطار الذي يشغلونه من الآنَ فصاعدًا. من أشكال تطوير القُوى المنتجة تعود هذه العلاقات إلى أغلالها. ثم يبدأ عصر الثورة الاجتماعية... لا يوجد نظام اجتماعي دُمّر قطّ قبل أن تتطوّر القُوى المنتِجة التي يكتفي بها، وعلاقات الإنتاج العليا الجديدة لا تحلُّ محلَّ القديمة قبل أن تنضج الظروف المادية لوجودها بداخل إطار المجتمع القديم. بالتالي تضع البشرية هذه المهام لنفسها بحتمية وكأنَّها يمكن أن تُحَل، في حين أنَّ التحقُّق المُقرّب سيظهر لنا دومًا أنَّ المشكلة نفسَها تظهر فقط عندما تكون الظروف المادية لحلِّها حاضرةً بالفعل أو على الأقلِّ في سياق التشكُّل(6)».
هذا المخطَّط خاطئ بشكلٍ مزدوج؛ أولًا، الرأسمالية كنسقٍ اجتماعي تتّصف بعدم التوازن البنيوي: التضادّ بين القوى والعلاقات حاضر تمامًا من البداية، وهذا التضادُّ الكبير هو الذي يدفع الرأسمالية نحو التثوير والتمدُّد الذاتيّين الدائمَين ـ الرأسمالية تزدهر لأنَّها تتجنَّب أغلالها وتهرب إلى المستقبل. هذا أيضًا سببُ أنَّ المرء يُسقِط الفكرة المتفائلة (الحكيمة) بأنَّ البشرية «فقط تضع لنفسها مثل هذه المهام بشكلٍ حتميِّ كأنَّها قابلة للحلّ»: الآن نحن نواجه مشكلات لا توجد لها حلولٌ واضحةٌ مضمونةٌ عن طريق منطق التطوُّر.
ومن أجل تجاوُز هذا النسق، علينا أن نركّز على الخصائص الثلاث التي تصف الرأسمالية المعاصرة: النزوع طويل المدى للانتقال من الربح إلى الأجر (بشكليه الرئيسيين: الأجر المبنيِّ على «المعرفة المتشاركة» المُخصخصة، والأجر المبني على الموارد الطبيعية)؛ الدور البنيوي الأقوى للبطالة (فرصة أن تكون «مُسَتَغلًّا» في وظيفة طويلة الأمد يتمُّ التعامل معها كامتياز)؛ وفي النهاية صعود طبقة جديدة تلك التي يطلق عليها جان ـ كلود ميلنر(i) «البرجوازية المُستأجرة(7)».
إن تبعات تصاعد الإنتاجية التي أحدثها التنامي الأُسّي في المعرفة الجمعية هو الدور المُتغيّر للبطالة. ولكن ألا يقدّم هذا الشكل الجديد من الرأسمالية منظورًا جديدًا للتحرُّر؟ هنا تقبع أطروحة هاردت ونيجري(ii)عن «الحشد»، التي يحاولان بها تجذير ماركسٍ ما تعني الرأسمالية الشركاتية(iii) عالية التنظيم عنده هي بالفعل «اشتراكية بداخل الرأسمالية» (نوع من «أشركة(iv)» الرأسمالية، مع كون الملّاك الغائبين زائدين عن الحاجة بشكل أكبر)، وبالتالي فالمرء يحتاج فقط إلى قطع الرأس الاسمي nominal ليصل إلى الاشتراكية بشكل ملائم(8). بالنسبة لهاردت ونيجري، على كلِّ حال، فحدود ماركس كانت في أنَّه مقيّدٌ تاريخيًّا بالشكل المتمركز والهيراركي للعمل الصناعي، هذا سبب أنَّ رؤيته عن «العقل العامِّ» كانت مُتعلِّقةً بالفعل المُخَطِط المركزي. اليوم فقط، مع صعود «العمل غير المادِّي» إلى وضع مُهيمن، يكون الانعكاس الثوري «ممكنًا موضوعيًّا». هذا العمل غير المادّي يمتدّ بين عمودَي العملِ العقليِّ (الرمزي) (إنتاج الأفكار، الأكواد، النصوص، البرامج، التشكيلات...إلخ)، والعملِ الانفعاليِّ (هؤلاء الذين يتعاملون مع الانفعالات الجسدية: من الأطباء إلى جليسي الأطفال إلى مضيفي الطيران). اليوم، العمل غير المادِّي «مُهيمِن»، بالمعنى الدقيق الذي أعلن به ماركس أنَّ الإنتاج الصناعي الضخم، في رأسمالية القرن التاسع عشر، كان مُهيمِنًا كلونٍ مُحدَّدٍ يعير صوته للكلية ـ ليس بالمصطلحات الكمّية، ولكنّه يلعب الدور المُهم والرمزي والبنيوي. ما يبزغ بالتالي هو مساحة سيطرة واسعة لـ«الشعبي»: المعرفة المتشاركة، أشكال من التعاون والاتصال، ...إلخ. تلك لم يعد من الممكن استيعابها بشكل الملكية الخاصّة، لأنّه في حالة الإنتاج غير المادِيِّ، لم تعد المنتجات هي الأشياء المادّية، ولكنَّ العلاقاتِ الاجتماعية (المتشاركة) ذاتها ـ باختصار، فالإنتاج غير المادِّي هو سياسة حيوية(v) بشكلٍ مباشر، إنَّه إنتاج الحياة الاجتماعية.
المفارقة هنا هي أنَّ هاردت ونيجري يحيلان إلى العملية ذاتها التي يحتفي بها أيدولوجيُّو رأسمالية «ما بعد الحداثة» المعاصرين، كمرحلةٍ من الإنتاج المادِّي إلى الرمزي، من منطق الهيراركية ـ المركزية إلى منطق الخلق الذاتي والتنظيم الذاتي والمشاركة مُتعدّدة المراكز وهكذا. نيجري في الحقيقة مُخلِصٌ لماركس هنا: ما يحاول أن يثبتَه هو أنَّ ماركس كان على حقِّ، فصعود «العقل العامِّ» متعارض على المدى الطويل مع الرأسمالية. أيدولوجيّو رأسمالية ما بعد الحداثة يتبنّون بالضبط الزعم المضادّ: إنَّها النظرية الماركسية (وممارستها) ذاتها هي التي تظلّ بداخل قيود المنطق الهيراركي والمركزي لتحكم الدولة وبالتالي لا تستطيع تجاوز التأثيرات الاجتماعية لثورة المعلومات الحديثة. وهناك حججٌ إمبريقيةٌ جيّدة لهذا الزعم: مرّة أخرى، المفارقة الكبرى في التاريخ هي أنَّ تفَسُّخَ الشيوعية هو أكبر مثال مقنع عن مدى جدوى الديالكتيك الماركسي التقليدي عن قُوى الإنتاج وعلاقاتها، والذي تعتمد عليه الماركسية في محاولتها لتجاوُز الرأسمالية. الذي دمَّر النُّظُم الشيوعية في الحقيقة كان عدم قدرتها على مجاراة المنطق الاجتماعي الجديد المدعوم بـ«ثورة المعلومات»: بل إنهم حاولوا أن يدفعوه إلى مشروع مشروع تخطيط دولة مركزي آخر واسع المدى. المفارقة هنا تكمن في أنَّ ما يحتفي به نيجري كفرصةٍ فريدةٍ للتغلُّب على الرأسمالية، هو ما يحتفي به أيدولوجيُّو «ثورة المعلومات» كبزوغٍ لرأسمالية «غير متصارعة» جديدة.
تحليل هاردت ونيجري يتضمَّن ثلاثَ نقاطٍ ضعيفة تشرح ـ إذا جمعناها معًا ـ لِم تستطيع الرأسمالية تجاوز ما هو مفترض (بالمصطلحات الماركسية الكلاسيكية) أن يكون تنظيمًا جديدًا للإنتاج هذا الذي يجعلها من طراز قديم. إنَّهما قلَّلا من قدر المدى الذي خصخصت فيه الرأسمالية المعاصرة بنجاح (على الأقلِّ على المدى القصير) «المعرفة العامَّة» ذاتها، إلى جانب المدى الذي يصبح فيه العمَّال أنفسهم ـ أكثر من البرجوازيين ـ «زائدين عن الحاجة» (العدد المتزايد منهم يصبح ليس فقط عاطلًا بشكلٍ مؤقّت، ولكنَّه يصبح بنيويًّا غير مؤهّل للعمل). وأكثر من ذلك، حتَّى لو كان صحيحًا من حيث المبدأ أنَّ البرجوازيين يصبحون دومًا غير- وظيفيين، علينا أن نكافئ هذا التصريح مع سؤال: غير وظيفيِّين بالنسبة لمَن؟ بالنسبة للرأسمالية ذاتها. لو أن الرأسمالية التقليدية جعلت سيدة أعمال تستثمر أموالها (أموالها الخاصَّة أو المُقترضَة) بشكلٍ مثاليٍّ في مشروع منظَّمٍ تديره بنفسها، وبالتالي تحصد الربح، فهناك نمطٌ مثاليٌّ جديدٌ يظهر اليوم: لم تعد سيدة الأعمال تملك شركتها الخاصّة، ولكنَّ المدير الخبير (أو مجلس إدارة يرأسه مديرٌ تنفيذيٌّ) وهو يدير شركة مملوكة للبنوك ( التي تدار من قبل مديرون لا يملكونها) أو مستثمرين متفرِّقين، في نمطٍ مثاليٍّ جديدٍ من رأسمالية بدون برجوازية؛ البرجوازية القديمة، تتحوَّل إلى غير ـ وظيفية، وتعاد وظيفيتها كطبقةٍ من المديرين المُستَأجرين ـ البرجوازية الجديدة نفسها تتلقَّى أجرًا وحتَّى لو كان مديروها يملكون نسبة من شركتهم، فهم يكسبون أسهمَهم كجزءٍ من المكافأة على عملهم («مكافأة» Bonus على إدارتهم «الناجحة»).
Page 4
البرجوازية الجديدة لا تزال ملائمة لـ«فائض القيمة»، ولكن في شكل (غامض) ممَّا يطلق عليه ملنر «فائض الأجر»: في العموم، فأعضاؤها يتلقّون أجرًا أعلى من «الحدِّ الأدنى للأجر» البروليتاري (النقطة المرجعية المُتخيّلة ـ وغالبًا الأسطورية ـ والتي مَثَلَها الوحيد في الاقتصاد العالمي اليوم هو أجر عامل في مصنع كدح(vi) في الصين أو إندونيسيا)، وهذا هو الاختلاف عن البروليتاريين العاديين، هذا الفارق، الذي يحدّد وضعهم. بالتالي فالبرجوازية بالمعنى الكلاسيكي تميل للتلاشي: يعاود الرأسماليون الظّهور في وضع فرعي للعمَّال المستأجرين ـ المديرين المؤهَّلين لكسب أكثر عن طريق كفاءتهم (لذلك يكون «التقييم» العلميُّ الزائف، الذي يبرِّر مكاسبهم الأعلى، حاسمًا هنا). نمط العمّال الذي يكسبون فائض ـ أجرٍ ليس، بالطبع، قاصرًا على المديرين: إنَّه يمتدُّ إلى كلِّ أنواع الخبراء، والرؤساء والموظّفين والأطباء والصحفيِّين، والمثقَّفين والفنَّانين. الزيادة التي يكسبونها لها شكلان: أموال أكثر (بالنسبة للمديرين وما إلى ذلك) ولكن أيضًا عمل أقلّ، هذا الذي يعني وقت فراغ أكبر (بالنسبة لبعض المثقَّفين، ولكن أيضًا بالنسبة لبعض أعضاء إدارة الدولة، وما إلى ذلك). الإجراء التقييمي هذا الذي يُؤهّل بعض العمّال ليحصلوا على فائض أجر، هو بالطبع ميكانيزم اعتباطي للقوّة والأيدولوجيا، بدون رابطٍ جادٍّ مع الكفاءة الحقيقية ـ أو، كما يشرح ميلنر؛ ضرورة فائض ـ الأجر ليست اقتصادية، ولكنَّها سياسية: لتحافظ على «طبقة متوسّطة» من أجل الاستقرار الاجتماعي. تعسّف الهيراركية الاجتماعية ليس خطأً، ولكنَّه الأمر برمته، لأنَّ تعسّف التقييم يلعب دورًا مماثلًا لتعسّف نجاح السوق. بكلماتٍ أخرى، لا يُهدّد العنف بالانفجار عندما تكون هناك إمكانية مفرطة في المناخ الاجتماعي، ولكن عندما يحاول أحدهم أن يمحو هذه الإمكانية.
هنا تقع واحدة من المآزق التي تواجهها الصين اليوم: إصلاحات دينج(vii) كانت تريد تقديم رأسمالية بدون برجوازية (على أنها الطبقة الحاكمة الجديدة)؛ على أيِّ حال فالقادة الصينيُّون الآن أصبحوا واعين لدرجة مزعجة بأنَّ الرأسمالية دون هيراركية مستقرّة (أتت عن طريق البرجوازية كطبقة جديدة) ستخلق عدم استقرار دائم. إذن فأيّ طريق ستمضي فيه الصين؟ بشكل أكثر عمومية، هذا أيضًا هو سبب ـ ولنفترض ذلك جدلًا ـ أن الماركسيين السابقين يعاودون الظهور كأكفأ المديرين في الرأسمالية: إن عداءهم التاريخي للبرجوازية كطبقة مناسب تمامًا لتقدُّم الرأسمالية المعاصرة نحو نظامٍ إداريٍّ بدون برجوازية ـ في الحالتين، وكما شرح ستالين من مدّة طويلة: «إنَّ الكوادرَ تُقرِّر كلَّ شيءٍ»(9).
فكرة فائض الأجر تسمح لنا أيضًا بأن نُلقيَ ضوءًا جديدًا على المظاهرات الراهنة «المناهضة للرأسمالية»، ففي أوقات الأزمة، المرشَّحون الواضحون لـ«ربط الأحزمة» هم المستويات الدنيا من البرجوازية المستأجرة: طالما كانت فوائض ـ أجورهم لا تلعب دورًا اقتصاديًّا محايثًا، فالشيء الوحيد الذي يقف في طريق مشاركتهم للبروليتاريا هي قدرتهم على التظاهر السياسي. وعلى الرغم من أنَّ هذه المظاهرات تُقاد ظاهريًّا ضدَّ المنطق الوحشي للسوق، فإنَّهم في الواقع يتظاهرون ضدَّ التآكل التدريجي لوضعهم الاقتصادي (السياسي) المُميّز. لنستعِدْ الخيال الأيدولوجي المفضَّل لآين راند (من «أطلس لا مُباليًا»(**) عن أنَّ الرأسماليين («المبدعين») سيُضربون ـ ألا يجد هذا الخيال تعبيرًا منحرفًا في العديد من الإضرابات اليوم، التي يُضرِبُ فيها عادةً العديد من «البرجوازيين المستأجرين» ودافعُهم هو الخوفُ من فقدان امتيازاتهم (الزيادة على الحدِّ الأدنى من الأجر)؟ إنَّها ليست مظاهراتٍ لبروليتاريا، ولكن مظاهراتٍ ضدَّ التهديد من أن يتراجعوا إلى الحالة البروليتارية. بكلماتٍ أخرى؛ من يجرؤ على الإضراب اليوم، في حين أنَّ أمان الوظيفة الثابتة ذاته يصبح امتيازًا؟ إنَّهم ليسوا عمّالًا محدودي ـ الأجر في (ما تبقَّى من) صناعة النسيج وما إلى ذلك، ولكنّهم مجموعة العمَّال أصحاب الامتيازات في وظائف مضمونة (غالبًا في الخدمة المدنية: الشرطة وغيرهم من مطبّقي القانون، المدرِّسون، عمّال النقل العامّ، وهكذا). هذا ينطبق أيضًا على المَوجة الجديدة من مظاهرات الطلبة: الدافع الرئيسي هو ـ جدلًا ـ الخوف من أنَّ التعليمَ العاليَ لم يعُد يضمن لهم فائضَ ـ أجرٍ في حياتهم المقبلة.
بالطبع فالإحياء العظيم للتظاهر ـ من الربيع العربي وحتّى أوروبّا الغربية، من احتلّوا وول ستريت إلى الصين، من أسبانيا وحتَّى اليونان ـ لا يجب أن يُترَك كمجرّد ثورة للبرجوازية المستأجرة، إنَّه يشير إلى شيء فيه إمكانية راديكالية أكبر، إمكانية تحتاج لتحليلٍ صارمٍ يتعلّقُ بكلّ حالة على حدة. مظاهرات الطلبة ضدَّ إصلاحات الجامعة في المملكة المُتَّحدة على سبيل المثال كانت تختلف بوضوح عن اضطرابات المملكة المُتَّحدة في أغسطس 2011 ـ هذا الكرنفال الهدمي الاستهلاكي، والانتفاضة الحيوية لهؤلاء المنبوذين من النظام. وبالنسبة للانتفاضة في مصر، يمكن للمرء أن يفترض أنَّها بالفعل بدأت كثورةٍ للبرجوازية المستأجرة (الشباب والمتعلِّمون يتظاهرون ضدَّ غياب التوجُّهات)، ولكن سريعًا أصبحت جزءًا من تظاهُرٍ أوسعَ ضدَّ النظام القمعي. ولكن إلى أيِّ مدًى حرَّك التظاهر العمّال والفلّاحين الفقراء؟ ألا يشير الانتصار الانتخابي للإسلاميين إلى القاعدة الاجتماعية الضيّقة للتظاهر العلماني الأصلي؟ اليونان حالة خاصّة هنا: ففي العقود القليلة الماضية، خُلِقَت البرجوازية المُستأجَرة (خاصّة في ظلِّ الإدارة شديدة الهيمنة للدولة) بالمساعدة المالية للاتحاد الأوروبّي، ومعظم التظاهُر الممتدّ هو ردُّ فعلٍ على التهديد من فقدان هذه الامتيازات.
هنا تقع واحدة من المآزق التي تواجهها الصين اليوم: إصلاحات دينج(vii) كانت تريد تقديم رأسمالية بدون برجوازية (على أنها الطبقة الحاكمة الجديدة)؛ على أيِّ حال فالقادة الصينيُّون الآن أصبحوا واعين لدرجة مزعجة بأنَّ الرأسمالية دون هيراركية مستقرّة (أتت عن طريق البرجوازية كطبقة جديدة) ستخلق عدم استقرار دائم. إذن فأيّ طريق ستمضي فيه الصين؟ بشكل أكثر عمومية، هذا أيضًا هو سبب ـ ولنفترض ذلك جدلًا ـ أن الماركسيين السابقين يعاودون الظهور كأكفأ المديرين في الرأسمالية: إن عداءهم التاريخي للبرجوازية كطبقة مناسب تمامًا لتقدُّم الرأسمالية المعاصرة نحو نظامٍ إداريٍّ بدون برجوازية ـ في الحالتين، وكما شرح ستالين من مدّة طويلة: «إنَّ الكوادرَ تُقرِّر كلَّ شيءٍ»(9).
فكرة فائض الأجر تسمح لنا أيضًا بأن نُلقيَ ضوءًا جديدًا على المظاهرات الراهنة «المناهضة للرأسمالية»، ففي أوقات الأزمة، المرشَّحون الواضحون لـ«ربط الأحزمة» هم المستويات الدنيا من البرجوازية المستأجرة: طالما كانت فوائض ـ أجورهم لا تلعب دورًا اقتصاديًّا محايثًا، فالشيء الوحيد الذي يقف في طريق مشاركتهم للبروليتاريا هي قدرتهم على التظاهر السياسي. وعلى الرغم من أنَّ هذه المظاهرات تُقاد ظاهريًّا ضدَّ المنطق الوحشي للسوق، فإنَّهم في الواقع يتظاهرون ضدَّ التآكل التدريجي لوضعهم الاقتصادي (السياسي) المُميّز. لنستعِدْ الخيال الأيدولوجي المفضَّل لآين راند (من «أطلس لا مُباليًا»(**) عن أنَّ الرأسماليين («المبدعين») سيُضربون ـ ألا يجد هذا الخيال تعبيرًا منحرفًا في العديد من الإضرابات اليوم، التي يُضرِبُ فيها عادةً العديد من «البرجوازيين المستأجرين» ودافعُهم هو الخوفُ من فقدان امتيازاتهم (الزيادة على الحدِّ الأدنى من الأجر)؟ إنَّها ليست مظاهراتٍ لبروليتاريا، ولكن مظاهراتٍ ضدَّ التهديد من أن يتراجعوا إلى الحالة البروليتارية. بكلماتٍ أخرى؛ من يجرؤ على الإضراب اليوم، في حين أنَّ أمان الوظيفة الثابتة ذاته يصبح امتيازًا؟ إنَّهم ليسوا عمّالًا محدودي ـ الأجر في (ما تبقَّى من) صناعة النسيج وما إلى ذلك، ولكنّهم مجموعة العمَّال أصحاب الامتيازات في وظائف مضمونة (غالبًا في الخدمة المدنية: الشرطة وغيرهم من مطبّقي القانون، المدرِّسون، عمّال النقل العامّ، وهكذا). هذا ينطبق أيضًا على المَوجة الجديدة من مظاهرات الطلبة: الدافع الرئيسي هو ـ جدلًا ـ الخوف من أنَّ التعليمَ العاليَ لم يعُد يضمن لهم فائضَ ـ أجرٍ في حياتهم المقبلة.
بالطبع فالإحياء العظيم للتظاهر ـ من الربيع العربي وحتّى أوروبّا الغربية، من احتلّوا وول ستريت إلى الصين، من أسبانيا وحتَّى اليونان ـ لا يجب أن يُترَك كمجرّد ثورة للبرجوازية المستأجرة، إنَّه يشير إلى شيء فيه إمكانية راديكالية أكبر، إمكانية تحتاج لتحليلٍ صارمٍ يتعلّقُ بكلّ حالة على حدة. مظاهرات الطلبة ضدَّ إصلاحات الجامعة في المملكة المُتَّحدة على سبيل المثال كانت تختلف بوضوح عن اضطرابات المملكة المُتَّحدة في أغسطس 2011 ـ هذا الكرنفال الهدمي الاستهلاكي، والانتفاضة الحيوية لهؤلاء المنبوذين من النظام. وبالنسبة للانتفاضة في مصر، يمكن للمرء أن يفترض أنَّها بالفعل بدأت كثورةٍ للبرجوازية المستأجرة (الشباب والمتعلِّمون يتظاهرون ضدَّ غياب التوجُّهات)، ولكن سريعًا أصبحت جزءًا من تظاهُرٍ أوسعَ ضدَّ النظام القمعي. ولكن إلى أيِّ مدًى حرَّك التظاهر العمّال والفلّاحين الفقراء؟ ألا يشير الانتصار الانتخابي للإسلاميين إلى القاعدة الاجتماعية الضيّقة للتظاهر العلماني الأصلي؟ اليونان حالة خاصّة هنا: ففي العقود القليلة الماضية، خُلِقَت البرجوازية المُستأجَرة (خاصّة في ظلِّ الإدارة شديدة الهيمنة للدولة) بالمساعدة المالية للاتحاد الأوروبّي، ومعظم التظاهُر الممتدّ هو ردُّ فعلٍ على التهديد من فقدان هذه الامتيازات.
Page 5
تحوُّلُ البرجوازية المُستَأجَرة الدنيا إلى بروليتاريا هذا، رافقه إفراطٌ على الجانب الآخر: هذا الأجر المرتفع غير العقلاني لكبار المديرين وموظّفي البنوك، ومستوى المكافأة غير العقلاني اقتصاديًّا في حين أنَّها تميل لأن تكون متناسبةً عكسيًّا مع نجاح الشركة(10) ـ كما أوضحت التحقيقات في الولايات المتّحدة. بدلًا من إخضاع هذه الاتجاهات إلى النقد الأخلاقي، علينا بالأحرى أن نقرأها كمؤشِّرٍ على كيفية كونِ النظام الرأسمالي ذاته لم يعُد قادرًا على إيجاد مستوًى محايثٍ من الاستقرار المُنظَّم ـ ذاتيًّا؛ بمعنى كيف أنَّ دورته تُهدِّد بأن تخرج عن السيطرة.
الفكرة الماركسية ـ الهيجلية القديمة عن الكلية تصبح مناسبةً هنا؛ من الحاسم أن نضع أيديَنا على الأزمة الاقتصادية الراهنة بكلِّيَّتها ولا تُعمينا الجوانب الجزئية. الخطوة الأولى باتِّجاه وضع يدنا على هذه الكُلِّية هو التركيز على اللحظات المنفردة البيِّنة كأعراضٍ للأزمة الاقتصادية الراهنة. على سبيل المثال، كلُّ الناس تعرف أنَّ «حزمة الإنقاذ» المُقدَّمة لليونان لن تنفع، ولكن مع ذلك تُفرض حزمُ إنقاذٍ جديدة على اليونان مرارًا وتكرارًا كمثالٍ غريبٍ على منطق «أنا أعرف جيّدًا، ولكن...» هناك قصّتان مُهيمِنتان عن أزمة اليونان تتردَّدان في الإعلام الجماهيري: القصّة الألمانية ـ الأوروبّية (اليونانيّون غير المسئولين الكسالى، المبذِّرون، المتهرِّبون من الضرائب يجب أن يخضعوا للسيطرة ويتعلَّموا الانضباط المالي)، والقصّة اليونانية (السيادة القومية مُهدّدة من قِبل التكنوقراط الليبراليين الجُدُد في بروكسل)(11). وعندما يصبح من المستحيل تجاهلُ مأساة اليونانيين العاديين تظهر قصّة ثالثة: يتمُّ عرضهم بشكل متنامٍ كضحايا إنسانيِّين بحاجة إلى المساعدة، كأنَّ كارثةً طبيعيةً ما أو حربًا ضربت البلد. في حين أنَّ القصصَ الثلاثَ زائفة، فمن الممكن القول إنَّ الثالثة هي الأكثر إثارة للاشمئزاز: إنَّها تُخفي حقيقةَ أنَّ اليونانيّين ليسوا ضحايا سلبيِّين، هم يواجهون في المقابل، هم في حرب مع الوضع الاقتصادي الأوروبِّي وما يحتاجونه هو التماسُّك في كفاحهم، لأنَّ هذه هي مواجهتنا أيضًا. اليونان ليست استثناء؛ إنَّها أرضية اختبار لفرض نموذج اقتصادي ـ اجتماعي جديد مع مطالبة عالمية: نموذج تكنوقراطي غير مُسيَّس حيث موظّفو البنوك والخبراء الآخرون مسموحٌ لهم بالقضاء على الديمقراطية.
تخيّل مشهدًا من فيلمٍ ديستوبيّ(ix) يمثّل مجتمعنا في المستقبل القريب: أناسًا عاديّين يسيرون في الشوارع ويحملون صَفَّارة خاصّة؛ حينما يرون شخصًا مشكوكًا فيه ـ : قل مهاجرٌ، أو شخصٌ متشرِّدٌ ـ يطلقون الصَّفَّارة، ويأتي حارسٌ خاصٌّ جريًا ليتعامل بوحشية مع المتطفِّلين... ما يبدو أنَّه أشبه بفيلم هوليودي رخيص هو واقعٌ في اليونان اليوم؛ أعضاء حركة «الفجر الذهبي الفاشي» يطلقون الصّافرات في شوارع آثينا ـ عندما يرى أحدهم أجنبيًّا مشكوكًا فيه، يُسمح له بأن يطلق الصافرة، وسيصل الحرّاس الخاصّون الذين يراقبون الشوارع من «الفجر الذهبي» ليتفحّصوا المشتبه فيه. هذه هي الطريقة التي يدافع بها المرء عن أوروبّا في ربيع 2012. أعضاء تنظيم المعادين للمهاجرين هؤلاء ليسوا الخطر الأهمَّ على أيِّ حال؛ إنَّهم مُجرَّد إيذاء موازٍ يصحب التهديد الحقيقي ـ سياسات التقشّف التي وضعت اليونان في هذا المأزِق.
نقَّادُ ديمقراطيتنا المؤسّسية غالبًا ما يَشكون من أنَّ طبائع الأمور تقول إنَّ الانتخابات لا تُقدِّم الخيار الحقيقي؛ في الأغلب يكون لدينا الخيارُ بين حزب يمين الوسط ويسار الوسط واللذين تكون برامجهما فعليًّا غير متمايزة. في وقتِ كتابتي، فالانتخابات اليونانية موعدُها هو 17 يونيو 2012 وهي تقدِّم خيارًا حقيقيًّا: بين النظام الحالي (الديمقراطية الجديدة وحزب البازوك) من جهة وحزب سيريزا من جهة أخرى. وكما هي العادة في هذه الحالة، فلحظات الخيار الحقيقي تلك تدفع النظام القائم إلى الشعور بالذعر، وتقوده لاستدعاء صور الفوضى الاجتماعية والفقر والعنف لو اتَّجه المنتخبون للخيار الخاطئ. مجرّد إمكانية فوز حزب سيريزا دفع أمواجًا من الخوف في الأسواق حول العالم، ومرّة أخرى كما هو معتاد في هذه الحالات؛ وصل التشخيص الأيدولوجي لذروته: بدأت الأسواق تتحدَّث ككائنٍ بشري، وتعبّر عن «قلقها» ممَّا سيحدث لو فشلت الانتخابات في الإتيان بحكومة مكلّفة لتكمل برنامج وزراء مالية الاتحاد الأوروبِّي القائم على التقشُّف المالي والإصلاح البنيوي. ولكنَّ الناس العاديين في اليونان ليس لديهم وقتٌ ليهتمُّوا بمثل هذه التكهُّنات؛ لديهم ما يكفي ليتعاملوا معه في الوقت الحاضر، إذ تصبح حيواتهم بائسةً إلى حدٍّ لم يحدث في أوروبّا في العقود الأخيرة. بالطبع هذه التوقُّعات عادةً ما تصبح تنبُّؤاتٍ تكتمل ذاتيًّا، محدثةً الفزعَ وبالتالي تجلب كلَّ كارثة حذَّرت منها.
في كتابه «ملاحظات نحو تعريف الثقافة»، أشار المحافظ العظيم ت. س. إليوت إلى أنَّ هناك لحظاتٍ يكون الخيار الوحيد فيها هو بين الهرطقة وعدم الإيمان، إذ يكون الطريق الوحيد للحفاظ على بقاء الدِّين أحيانًا هو أن تُوقظ الانشقاق الطائفي من سباته. هذا هو وضعنا حاليًا فيما يتعلّق بأوروبّا. وحدها هرطقة جديدة (ممثّلة في هذه اللحظة في حزب سيريزا) يمكنها أن تنقذ ما يستحقُّ إنقاذه من التركة الأوروبِّية: الديمقراطية، الثقة في الشعب، المساواة، الوحدة... أوروبّا التي ستفوز إن انتصر حزب سيريزا هي «أوروبَّا بقيمٍ أسيوية» (بالطبع تلك لا علاقة لها بأسيا، ولها كلُّ العلاقة مع الخطر الواضح والقائم لميل الرأسمالية المعاصرة لتعليق الديمقراطية).
اليونان هي الكلية الفردية لأوروبَّا: ذروة العقدة التي يشكِّل عندها النزوع التاريخي حاضره، ظاهرة في قمّة نقائها. هذا هو سبب ـ ولنُعِد صياغةَ خاتمةِ أوبرا بارسيفال لفاجنر ـ أنَّه علينا تخليص المُخلّص. ليس علينا فقط تخليص اليونان من مخلِّصيها ـ المجموعة الأوروبِّية التي تجرِّب «معايير التقشّف» ـ بأسلوبٍ كأسلوب دكتور مينجل(x) ـ ولكن أيضًا تخليص أوروبّا من مخلِّصيها: الليبراليين الجُدُد الذين يُروِّجون لدواء التقشُّف المُرّ وللشعبويِّين المعادين للمهاجرين. ولكنَّ هناك على أيِّ حال شيئًا خاطئًا في هذه الفكرة: الحقيقة أنَّها بالضبط إجابة الأبله اليساري ـ الليبرالي ـ يفضِّل أن يكون مثقَّفًا متعلِّمًا مهمومًا اجتماعيًّا ـ عن سؤال أوروبَّا اليوم؛ كمعادٍ صريحٍ للعنصرية من الناحية السياسية، بالطبع سيصرُّ على أنَّه يرفض الشعبوية المعادية للمهاجرين: ولكنَّ الخطر يأتي من الداخل وليس من الإسلام، يقول إنَّ التهديدين الرئيسيين لأوروبَّا هما الشعبوية الصريحة والاقتصاد الليبرالي الجديد، وفي مواجهة هذا التهديد المزدوج علينا أن نسترجع التماسُك الاجتماعي والتسامُح مع تعدُّد الثقافات، والظروف المادّية المُهيّأة للتنمية الثقافية، وهكذا. ولكن كيف سيحدث هذا؟ الفكرة الرئيسية البلهاء هنا تتضمَّن عودة دولة الرَّفاه الأصلية: نحن نحتاج إلى حزب سياسي سيعيد المبادئ القديمة الطيِّبة المهجورة تحت ضغط الليبرالية الجديدة؛ علينا أن نضبط البنوك ونتحكَّم في الزيادات المالية، ونضمن رعايةً صحيةً وتعليمًا مجانيّين عالميّين، وهكذا. ما الخطأُ في هذا؟ كلّ شيء. مثل هذه المقاربة مثالية بالمعنى الضيق، أي أنّها تتضادُّ مع إضافتها الأيدولوجية المثالية للمأزق القائم. لنستعدْ ما كتبه ماركس عن «جمهورية» أفلاطون: المشكلة ليست في كونها «يوتوبية جدًّا»، ولكن على العكس، فهي تظلُّ الصورة المثالية للنظام السياسي الاقتصادي القائم. بعد إجراء التغييرات الضرورية، علينا ألَّا نقرأ عدم الاستقرار الحالي لدولة الرَّفاه كخيانةٍ للفكرة النبيلة، بل كفشل يُمَكِّنُنا بأثرٍ رجعيٍّ أن نُدرك النقص المُميت في فكرة دولة الرَّفاه ذاتِها. الدرس هو أنَّه لو لم نُرِد أن نحافظ على اللبِّ التحرُّري في الفكرة، فسيكون علينا أن نُغيِّر التيار، ونُعيد التفكير في مضامينها الأكثر أساسيةً (مثل التطوير طويل المدى لـ«اقتصاد السوق الاجتماعي»، هذا المُتعلِّق بالرأسمالية المسئولة اجتماعيًّا).
الفكرة الماركسية ـ الهيجلية القديمة عن الكلية تصبح مناسبةً هنا؛ من الحاسم أن نضع أيديَنا على الأزمة الاقتصادية الراهنة بكلِّيَّتها ولا تُعمينا الجوانب الجزئية. الخطوة الأولى باتِّجاه وضع يدنا على هذه الكُلِّية هو التركيز على اللحظات المنفردة البيِّنة كأعراضٍ للأزمة الاقتصادية الراهنة. على سبيل المثال، كلُّ الناس تعرف أنَّ «حزمة الإنقاذ» المُقدَّمة لليونان لن تنفع، ولكن مع ذلك تُفرض حزمُ إنقاذٍ جديدة على اليونان مرارًا وتكرارًا كمثالٍ غريبٍ على منطق «أنا أعرف جيّدًا، ولكن...» هناك قصّتان مُهيمِنتان عن أزمة اليونان تتردَّدان في الإعلام الجماهيري: القصّة الألمانية ـ الأوروبّية (اليونانيّون غير المسئولين الكسالى، المبذِّرون، المتهرِّبون من الضرائب يجب أن يخضعوا للسيطرة ويتعلَّموا الانضباط المالي)، والقصّة اليونانية (السيادة القومية مُهدّدة من قِبل التكنوقراط الليبراليين الجُدُد في بروكسل)(11). وعندما يصبح من المستحيل تجاهلُ مأساة اليونانيين العاديين تظهر قصّة ثالثة: يتمُّ عرضهم بشكل متنامٍ كضحايا إنسانيِّين بحاجة إلى المساعدة، كأنَّ كارثةً طبيعيةً ما أو حربًا ضربت البلد. في حين أنَّ القصصَ الثلاثَ زائفة، فمن الممكن القول إنَّ الثالثة هي الأكثر إثارة للاشمئزاز: إنَّها تُخفي حقيقةَ أنَّ اليونانيّين ليسوا ضحايا سلبيِّين، هم يواجهون في المقابل، هم في حرب مع الوضع الاقتصادي الأوروبِّي وما يحتاجونه هو التماسُّك في كفاحهم، لأنَّ هذه هي مواجهتنا أيضًا. اليونان ليست استثناء؛ إنَّها أرضية اختبار لفرض نموذج اقتصادي ـ اجتماعي جديد مع مطالبة عالمية: نموذج تكنوقراطي غير مُسيَّس حيث موظّفو البنوك والخبراء الآخرون مسموحٌ لهم بالقضاء على الديمقراطية.
تخيّل مشهدًا من فيلمٍ ديستوبيّ(ix) يمثّل مجتمعنا في المستقبل القريب: أناسًا عاديّين يسيرون في الشوارع ويحملون صَفَّارة خاصّة؛ حينما يرون شخصًا مشكوكًا فيه ـ : قل مهاجرٌ، أو شخصٌ متشرِّدٌ ـ يطلقون الصَّفَّارة، ويأتي حارسٌ خاصٌّ جريًا ليتعامل بوحشية مع المتطفِّلين... ما يبدو أنَّه أشبه بفيلم هوليودي رخيص هو واقعٌ في اليونان اليوم؛ أعضاء حركة «الفجر الذهبي الفاشي» يطلقون الصّافرات في شوارع آثينا ـ عندما يرى أحدهم أجنبيًّا مشكوكًا فيه، يُسمح له بأن يطلق الصافرة، وسيصل الحرّاس الخاصّون الذين يراقبون الشوارع من «الفجر الذهبي» ليتفحّصوا المشتبه فيه. هذه هي الطريقة التي يدافع بها المرء عن أوروبّا في ربيع 2012. أعضاء تنظيم المعادين للمهاجرين هؤلاء ليسوا الخطر الأهمَّ على أيِّ حال؛ إنَّهم مُجرَّد إيذاء موازٍ يصحب التهديد الحقيقي ـ سياسات التقشّف التي وضعت اليونان في هذا المأزِق.
نقَّادُ ديمقراطيتنا المؤسّسية غالبًا ما يَشكون من أنَّ طبائع الأمور تقول إنَّ الانتخابات لا تُقدِّم الخيار الحقيقي؛ في الأغلب يكون لدينا الخيارُ بين حزب يمين الوسط ويسار الوسط واللذين تكون برامجهما فعليًّا غير متمايزة. في وقتِ كتابتي، فالانتخابات اليونانية موعدُها هو 17 يونيو 2012 وهي تقدِّم خيارًا حقيقيًّا: بين النظام الحالي (الديمقراطية الجديدة وحزب البازوك) من جهة وحزب سيريزا من جهة أخرى. وكما هي العادة في هذه الحالة، فلحظات الخيار الحقيقي تلك تدفع النظام القائم إلى الشعور بالذعر، وتقوده لاستدعاء صور الفوضى الاجتماعية والفقر والعنف لو اتَّجه المنتخبون للخيار الخاطئ. مجرّد إمكانية فوز حزب سيريزا دفع أمواجًا من الخوف في الأسواق حول العالم، ومرّة أخرى كما هو معتاد في هذه الحالات؛ وصل التشخيص الأيدولوجي لذروته: بدأت الأسواق تتحدَّث ككائنٍ بشري، وتعبّر عن «قلقها» ممَّا سيحدث لو فشلت الانتخابات في الإتيان بحكومة مكلّفة لتكمل برنامج وزراء مالية الاتحاد الأوروبِّي القائم على التقشُّف المالي والإصلاح البنيوي. ولكنَّ الناس العاديين في اليونان ليس لديهم وقتٌ ليهتمُّوا بمثل هذه التكهُّنات؛ لديهم ما يكفي ليتعاملوا معه في الوقت الحاضر، إذ تصبح حيواتهم بائسةً إلى حدٍّ لم يحدث في أوروبّا في العقود الأخيرة. بالطبع هذه التوقُّعات عادةً ما تصبح تنبُّؤاتٍ تكتمل ذاتيًّا، محدثةً الفزعَ وبالتالي تجلب كلَّ كارثة حذَّرت منها.
في كتابه «ملاحظات نحو تعريف الثقافة»، أشار المحافظ العظيم ت. س. إليوت إلى أنَّ هناك لحظاتٍ يكون الخيار الوحيد فيها هو بين الهرطقة وعدم الإيمان، إذ يكون الطريق الوحيد للحفاظ على بقاء الدِّين أحيانًا هو أن تُوقظ الانشقاق الطائفي من سباته. هذا هو وضعنا حاليًا فيما يتعلّق بأوروبّا. وحدها هرطقة جديدة (ممثّلة في هذه اللحظة في حزب سيريزا) يمكنها أن تنقذ ما يستحقُّ إنقاذه من التركة الأوروبِّية: الديمقراطية، الثقة في الشعب، المساواة، الوحدة... أوروبّا التي ستفوز إن انتصر حزب سيريزا هي «أوروبَّا بقيمٍ أسيوية» (بالطبع تلك لا علاقة لها بأسيا، ولها كلُّ العلاقة مع الخطر الواضح والقائم لميل الرأسمالية المعاصرة لتعليق الديمقراطية).
اليونان هي الكلية الفردية لأوروبَّا: ذروة العقدة التي يشكِّل عندها النزوع التاريخي حاضره، ظاهرة في قمّة نقائها. هذا هو سبب ـ ولنُعِد صياغةَ خاتمةِ أوبرا بارسيفال لفاجنر ـ أنَّه علينا تخليص المُخلّص. ليس علينا فقط تخليص اليونان من مخلِّصيها ـ المجموعة الأوروبِّية التي تجرِّب «معايير التقشّف» ـ بأسلوبٍ كأسلوب دكتور مينجل(x) ـ ولكن أيضًا تخليص أوروبّا من مخلِّصيها: الليبراليين الجُدُد الذين يُروِّجون لدواء التقشُّف المُرّ وللشعبويِّين المعادين للمهاجرين. ولكنَّ هناك على أيِّ حال شيئًا خاطئًا في هذه الفكرة: الحقيقة أنَّها بالضبط إجابة الأبله اليساري ـ الليبرالي ـ يفضِّل أن يكون مثقَّفًا متعلِّمًا مهمومًا اجتماعيًّا ـ عن سؤال أوروبَّا اليوم؛ كمعادٍ صريحٍ للعنصرية من الناحية السياسية، بالطبع سيصرُّ على أنَّه يرفض الشعبوية المعادية للمهاجرين: ولكنَّ الخطر يأتي من الداخل وليس من الإسلام، يقول إنَّ التهديدين الرئيسيين لأوروبَّا هما الشعبوية الصريحة والاقتصاد الليبرالي الجديد، وفي مواجهة هذا التهديد المزدوج علينا أن نسترجع التماسُك الاجتماعي والتسامُح مع تعدُّد الثقافات، والظروف المادّية المُهيّأة للتنمية الثقافية، وهكذا. ولكن كيف سيحدث هذا؟ الفكرة الرئيسية البلهاء هنا تتضمَّن عودة دولة الرَّفاه الأصلية: نحن نحتاج إلى حزب سياسي سيعيد المبادئ القديمة الطيِّبة المهجورة تحت ضغط الليبرالية الجديدة؛ علينا أن نضبط البنوك ونتحكَّم في الزيادات المالية، ونضمن رعايةً صحيةً وتعليمًا مجانيّين عالميّين، وهكذا. ما الخطأُ في هذا؟ كلّ شيء. مثل هذه المقاربة مثالية بالمعنى الضيق، أي أنّها تتضادُّ مع إضافتها الأيدولوجية المثالية للمأزق القائم. لنستعدْ ما كتبه ماركس عن «جمهورية» أفلاطون: المشكلة ليست في كونها «يوتوبية جدًّا»، ولكن على العكس، فهي تظلُّ الصورة المثالية للنظام السياسي الاقتصادي القائم. بعد إجراء التغييرات الضرورية، علينا ألَّا نقرأ عدم الاستقرار الحالي لدولة الرَّفاه كخيانةٍ للفكرة النبيلة، بل كفشل يُمَكِّنُنا بأثرٍ رجعيٍّ أن نُدرك النقص المُميت في فكرة دولة الرَّفاه ذاتِها. الدرس هو أنَّه لو لم نُرِد أن نحافظ على اللبِّ التحرُّري في الفكرة، فسيكون علينا أن نُغيِّر التيار، ونُعيد التفكير في مضامينها الأكثر أساسيةً (مثل التطوير طويل المدى لـ«اقتصاد السوق الاجتماعي»، هذا المُتعلِّق بالرأسمالية المسئولة اجتماعيًّا).
Page 6
اليوم، نُهاجَم بحشدٍ من المحاولات لأنسنة الرأسمالية، من الرأسمالية ـ البيئية حتَّى رأسمالية الدخل الأساسي. التفكير الذي يقف وراء هذه المحاولات يمضي كالتالي: الخبرة التاريخية أظهرت أنَّ الرأسمالية حتَّى الآن هي أفضل طريقة لتوليد الثراء؛ وفي الوقت نفسه، يجب الاعترافُ بأنَّها لو تركت لنفسها فعملية إعادة إنتاج الرأسمالية تتطلَّب استنزاف الموارد الطبيعية وهدمها، والمعاناة الجماعية، والظلم، والحروب، ...إلخ. هدفنا يجب أن يكون هكذا؛ أن نحافظ على المنظومة الرأسمالية الأساسية المتعلّقة بإعادة الإنتاج الموجه للربح، ولكن تحريك ذلك وضبطه بحيث تخدم الأهداف الأكبر للعدالة والرَّفاه العالمي. بالتالي فعلينا أن نترك الوحش الرأسمالي إلى وظيفيته المناسبة، ونقبل كون الأسواق لها طلباتُها الخاصَّةُ التي يجب أن تُحترم، فأيُّ اضطرابٍ في ميكانيزمات السوق سيقودُ إلى كارثة ـ كلّ ما يُمكِنُنا فعلُه هو ترويض الوحش... على أيِّ حال، كلّ هذه المحاولات، ذات الغرض الحسن، كالعادة، التي تحاول أن توحّد الواقعية البراجماتية مع الالتزام المبدئي بالعدالة، تواجه ـ آجلًا أو عاجلًا ـ «واقع» العداء بين البعدين: الوحش الرأسمالي يهرب مرارًا وتكرارًا من الضبط المجتمعي الخيري. بالتالي سنكون مُجبرِين في نقطةٍ ما على طرح السؤال القدري: هل اللعب مع الوحش الرأسمالي هو حقًّا اللعبة الوحيدة المتخيّلة في النطاق؟ ببساطة ماذا لو كان الثمن الذي علينا أن ندفعه، وهو متنامٍ كما هي الرأسمالية، من أجل التوظيف المستمرِّ عاليًا جدًّا؟ إنَّ تجنُّبَنا السؤال واستمررنا في أنسنة الرأسمالية، سنُسهم فقط في العملية التي نحاول أن نقلبها. علامات هذه العملية وفيرة في كلّ مكان، تتضمَّن صعود متاجر وال ـ مارت(xi) كتمثيل لشكل جديد من الاستهلاكية يستهدف الطبقات الأدنى:
«بخلاف الشركات الكبيرة الأولى التي أنشأت أقسامًا جديدةً تمامًا بواسطة بعض الاختراعات (مثل إديسون والمصباح الكهربائي، ميكروسوفت ونظام الويندوز، سوني والووكمان، أو آبل ومجموعة آيبود/ آيفون/ آيتونز)، أو الشركات الأخرى التي ركّزت على إنشاء ماركات محدّدة (مثل كوكا كولا أو مالبورو)، وال ـ مارت صنعت شيئًا لم يفكّر فيه أحدٌ من قبل؛ إنَّها جمعت أيدولوجيا رُخَصٍ جديدة لتتحوّل إلى ماركة تقصد جذب الطبقات الوسطى الدنيا والعاملة المضغوطة مادّيًّا في أمريكا. بالاشتراك مع الرقابة الصارمة للنقابات، أصبحت حصنًا يحافظ على الأسعار منخفضة ويمدُّ لمستهلكي الطبقة العاملة، الذين طالما عانوا، إحساس الرضا لأنَّهم يتشاركون استغلال المُنتجين (الأجانب غالبًا) للسلع في سلّة مشترياتهم»(12).
ولكنَّ الملمح الرئيسي في الأزمة الحالية لا يتعلّق فحسب بالإنفاق المتهوّر، والجشع والضبط البنكي غير المؤثّر... إلخ. الدورة الاقتصادية تصل لنهايتها، الدورة التي بدأت في بداية السبعينيات من القرن الماضي، عندما ولد «المينوتور العالمي» كما أطلق عليه فاروفاكيس(xii) ـ المُحرّك الوحشي الذي قاد الاقتصاد العالمي من بداية الثمانينيات من القرن الماضي وحتَّى2008(13). نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي لم يكونا فحسب عصرَ أزمةِ الوقود والركود التضخُّمي(***)؛ قرار نيكسون بالتخلِّي عن معيار الذهب من أجل الدولار الأمريكي(xiv) كان مؤشِّرًا على نقلة راديكالية كبيرة في التوظيف الأساسي للنظام الرأسمالي. مع نهاية الستينيات من القرن الماضي، لم يعد الاقتصاد الأمريكي قادرًا على الاستمرار في إعادة تدوير فوائضه في أوروبّا وآسيا: فوائضه تحوّلت إلى عجوزات. عام 1971 واجهت الحكومة الأمريكية هذا الانهيار بتصرُّف استراتيجي جريء؛ بدلًا من مواجهة عجوزات البلد المتنامية، قرَّرت فعل العكس، أن تُزيد العجوزات. ومن سيدفع من أجلها؟ بقيّة العالم! كيف؟ بواسطة الانتقال المستمرّ لرأس المال الذي اندفع بلا توقُّف تجاه المحيطين العظيمين ليموّل عجوزات أمريكا. التالي هو الذي بدأ في الحدوث:
«كمكنسة كهربائية عملاقة، تشفط سلعَ الناس الفائضة ورأس المال. بينما كان هذا «الترتيب» تجسيدًا لأبشع عدم توازن متخيَّل على مستوى الكوكب.. فمع ذلك أتاح صعود شيء مشابه للتوازن العالمي؛ نظام عالمي يتضمَّن تدفُّقات مالية وتجارية غير متوازنة متسارعة، قادرة على وضع شيء مشابه للاستقرار والنموِّ الثابت... قائم على هذه العجوزات، واقتصادات الفائض القائدة بالعالم (مثال: ألمانيا، اليابان، ثم الصين) تظلّ تنتج بينما تشفطها أمريكا. تقريبًا 07% من الأرباح التي تُجنَى عالميًّا بواسطة هذه الدول تمَّ تحويلُها عائدة إلى الولايات المتّحدة، في صورة تدفُّقات رأسمالية إلى وول ستريت. وماذا فعلت وول ستريت بها؟ حوَّلت هذه التدفُّقات إلى استثمارات مباشرة، وأسهمٍ، وأدواتٍ ماليةٍ جديدة، وأشكالٍ جديدة وقديمة من القروض، ...إلخ(14)».
على الرغم من أنَّ رؤية إيمانويل تود(*) عن النظام العالمي المعاصر متحيّزة بوضوح، فمن الصعب إنكارُ لحظة صدقها: وهي أنَّ الولايّات المتّحدة إمبراطورية في انهيار(15)؛ فتوازنها التجاري السلبي المتنامي يُظهِر أنَّها مفترس غيرُ منتِج. عليها أن تمتصَّ تدفُّقًا يوميًّا مُكوَّنًا من مليار دولارٍ من الدول الأخرى لتدفع من أجل استهلاكها، وهي كذلك مستهلك كينزي(xvi) عالمي يحافظ على حركة اقتصاد العالم. (هذا كافٍ بالنسبة للأيدولوجية الاقتصادية المضادّة للكينزية التي تبدو مهيمنة اليوم!) هذا التدفُّق، الذي يشبه جدًّا العشور المدفوعة لروما في العصور القديمة (أو الهبات المضحَّى بها للمينوتور بواسطة قدماء اليونان)، تعتمد على ميكانيزمات اقتصادية معقّدة: الولايّات المتّحدة «موثوق فيها» كمركزٍ آمنٍ ومستقرٍّ، بالتالي فكلّ الآخرين، من الدول العربية المنتجة للنفط إلى أوروبَّا الغربية واليابان، وحتَّى الصين الآن، تستثمر أرباحها الفائضة في الولايات المُتَّحدة. وطالما كانت الثقة في الأصل أيدولوجية وعسكرية وليست اقتصادية، فالمشكلة بالنسبة للولايات المتّحدة هي كيفية تبرير دورها الإمبريالي ـ إنَّها تحتاج دولة حرب ثابتة، وبالتالي فبـ«الحرب على الإرهاب» تقدّم نفسها كالحامي العالمي لكلِّ الدول العادية (وليست «الشاذّة») الأخرى. العالم كلّه بالتالي يميل لأن يُوَظَّف كإسبرطة عالمية بطبقاتها الثلاث، والتي تظهر الآن في صورة العوالِم الأولى والثانية والثالثة: (1) الولايات المتّحدة كقوّة عسكرية ـ سياسية ـ أيدولوجية؛ (2) أوروبَّا وأجزاء من أسيا وأمريكا اللاتينية كمناطق إنتاج صناعي (من المُهمّين هنا ألمانيا واليابان أكبر المصدّرين في العالم، بالإضافة إلى الصين الصاعدة)؛ (3) بقيّة العالم غير النامي، هيلوتيو اليوم(**). بكلمات أخرى، الرأسمالية العالمية جلبت نزوعًا عامًّا جديدًا تجاه الأوليجارشية، مقنعة كاحتفاء بـ«التنوُّع الثقافي»: المساواة والعالمية تختفي تدريجيًّا كمبادئ سياسية خلَّاقة. حتَّى قبل أن يُؤسّس لنفسه، فنظام العالم الإسبرطي الجديد هذا سينهار على أيّ حال. بالمقارنة بالموقف عام 1945، فالعالم لا يحتاج الولايات المتّحدة، إنّما الولايات المتّحدة هي التي تحتاج العالم.
في مواجهة خلفية الظلِّ العظيم تلك، فكفاح الأوروبِّيين ـ الألمان غاضبون من اليونان ومتردِّدون في إلقاء المليارات في ثقب أسود؛ والقادة اليونان يصرِّون بشكل مثير للشفقة على سيادتهم ويقارنون ضغط بروكسل بالاحتلال الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية ـ لا يمكن أن يظهر سوى كشيء تافهٍ وسخيف.
«بخلاف الشركات الكبيرة الأولى التي أنشأت أقسامًا جديدةً تمامًا بواسطة بعض الاختراعات (مثل إديسون والمصباح الكهربائي، ميكروسوفت ونظام الويندوز، سوني والووكمان، أو آبل ومجموعة آيبود/ آيفون/ آيتونز)، أو الشركات الأخرى التي ركّزت على إنشاء ماركات محدّدة (مثل كوكا كولا أو مالبورو)، وال ـ مارت صنعت شيئًا لم يفكّر فيه أحدٌ من قبل؛ إنَّها جمعت أيدولوجيا رُخَصٍ جديدة لتتحوّل إلى ماركة تقصد جذب الطبقات الوسطى الدنيا والعاملة المضغوطة مادّيًّا في أمريكا. بالاشتراك مع الرقابة الصارمة للنقابات، أصبحت حصنًا يحافظ على الأسعار منخفضة ويمدُّ لمستهلكي الطبقة العاملة، الذين طالما عانوا، إحساس الرضا لأنَّهم يتشاركون استغلال المُنتجين (الأجانب غالبًا) للسلع في سلّة مشترياتهم»(12).
ولكنَّ الملمح الرئيسي في الأزمة الحالية لا يتعلّق فحسب بالإنفاق المتهوّر، والجشع والضبط البنكي غير المؤثّر... إلخ. الدورة الاقتصادية تصل لنهايتها، الدورة التي بدأت في بداية السبعينيات من القرن الماضي، عندما ولد «المينوتور العالمي» كما أطلق عليه فاروفاكيس(xii) ـ المُحرّك الوحشي الذي قاد الاقتصاد العالمي من بداية الثمانينيات من القرن الماضي وحتَّى2008(13). نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي لم يكونا فحسب عصرَ أزمةِ الوقود والركود التضخُّمي(***)؛ قرار نيكسون بالتخلِّي عن معيار الذهب من أجل الدولار الأمريكي(xiv) كان مؤشِّرًا على نقلة راديكالية كبيرة في التوظيف الأساسي للنظام الرأسمالي. مع نهاية الستينيات من القرن الماضي، لم يعد الاقتصاد الأمريكي قادرًا على الاستمرار في إعادة تدوير فوائضه في أوروبّا وآسيا: فوائضه تحوّلت إلى عجوزات. عام 1971 واجهت الحكومة الأمريكية هذا الانهيار بتصرُّف استراتيجي جريء؛ بدلًا من مواجهة عجوزات البلد المتنامية، قرَّرت فعل العكس، أن تُزيد العجوزات. ومن سيدفع من أجلها؟ بقيّة العالم! كيف؟ بواسطة الانتقال المستمرّ لرأس المال الذي اندفع بلا توقُّف تجاه المحيطين العظيمين ليموّل عجوزات أمريكا. التالي هو الذي بدأ في الحدوث:
«كمكنسة كهربائية عملاقة، تشفط سلعَ الناس الفائضة ورأس المال. بينما كان هذا «الترتيب» تجسيدًا لأبشع عدم توازن متخيَّل على مستوى الكوكب.. فمع ذلك أتاح صعود شيء مشابه للتوازن العالمي؛ نظام عالمي يتضمَّن تدفُّقات مالية وتجارية غير متوازنة متسارعة، قادرة على وضع شيء مشابه للاستقرار والنموِّ الثابت... قائم على هذه العجوزات، واقتصادات الفائض القائدة بالعالم (مثال: ألمانيا، اليابان، ثم الصين) تظلّ تنتج بينما تشفطها أمريكا. تقريبًا 07% من الأرباح التي تُجنَى عالميًّا بواسطة هذه الدول تمَّ تحويلُها عائدة إلى الولايات المتّحدة، في صورة تدفُّقات رأسمالية إلى وول ستريت. وماذا فعلت وول ستريت بها؟ حوَّلت هذه التدفُّقات إلى استثمارات مباشرة، وأسهمٍ، وأدواتٍ ماليةٍ جديدة، وأشكالٍ جديدة وقديمة من القروض، ...إلخ(14)».
على الرغم من أنَّ رؤية إيمانويل تود(*) عن النظام العالمي المعاصر متحيّزة بوضوح، فمن الصعب إنكارُ لحظة صدقها: وهي أنَّ الولايّات المتّحدة إمبراطورية في انهيار(15)؛ فتوازنها التجاري السلبي المتنامي يُظهِر أنَّها مفترس غيرُ منتِج. عليها أن تمتصَّ تدفُّقًا يوميًّا مُكوَّنًا من مليار دولارٍ من الدول الأخرى لتدفع من أجل استهلاكها، وهي كذلك مستهلك كينزي(xvi) عالمي يحافظ على حركة اقتصاد العالم. (هذا كافٍ بالنسبة للأيدولوجية الاقتصادية المضادّة للكينزية التي تبدو مهيمنة اليوم!) هذا التدفُّق، الذي يشبه جدًّا العشور المدفوعة لروما في العصور القديمة (أو الهبات المضحَّى بها للمينوتور بواسطة قدماء اليونان)، تعتمد على ميكانيزمات اقتصادية معقّدة: الولايّات المتّحدة «موثوق فيها» كمركزٍ آمنٍ ومستقرٍّ، بالتالي فكلّ الآخرين، من الدول العربية المنتجة للنفط إلى أوروبَّا الغربية واليابان، وحتَّى الصين الآن، تستثمر أرباحها الفائضة في الولايات المُتَّحدة. وطالما كانت الثقة في الأصل أيدولوجية وعسكرية وليست اقتصادية، فالمشكلة بالنسبة للولايات المتّحدة هي كيفية تبرير دورها الإمبريالي ـ إنَّها تحتاج دولة حرب ثابتة، وبالتالي فبـ«الحرب على الإرهاب» تقدّم نفسها كالحامي العالمي لكلِّ الدول العادية (وليست «الشاذّة») الأخرى. العالم كلّه بالتالي يميل لأن يُوَظَّف كإسبرطة عالمية بطبقاتها الثلاث، والتي تظهر الآن في صورة العوالِم الأولى والثانية والثالثة: (1) الولايات المتّحدة كقوّة عسكرية ـ سياسية ـ أيدولوجية؛ (2) أوروبَّا وأجزاء من أسيا وأمريكا اللاتينية كمناطق إنتاج صناعي (من المُهمّين هنا ألمانيا واليابان أكبر المصدّرين في العالم، بالإضافة إلى الصين الصاعدة)؛ (3) بقيّة العالم غير النامي، هيلوتيو اليوم(**). بكلمات أخرى، الرأسمالية العالمية جلبت نزوعًا عامًّا جديدًا تجاه الأوليجارشية، مقنعة كاحتفاء بـ«التنوُّع الثقافي»: المساواة والعالمية تختفي تدريجيًّا كمبادئ سياسية خلَّاقة. حتَّى قبل أن يُؤسّس لنفسه، فنظام العالم الإسبرطي الجديد هذا سينهار على أيّ حال. بالمقارنة بالموقف عام 1945، فالعالم لا يحتاج الولايات المتّحدة، إنّما الولايات المتّحدة هي التي تحتاج العالم.
في مواجهة خلفية الظلِّ العظيم تلك، فكفاح الأوروبِّيين ـ الألمان غاضبون من اليونان ومتردِّدون في إلقاء المليارات في ثقب أسود؛ والقادة اليونان يصرِّون بشكل مثير للشفقة على سيادتهم ويقارنون ضغط بروكسل بالاحتلال الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية ـ لا يمكن أن يظهر سوى كشيء تافهٍ وسخيف.
Page 7
الفصل الثالث
«عمل ـ حُلم» التمثيل السياسي
في تحليله للثورة الفرنسية عام 1848 ونتائجها (في كتابَيه «الثامنَ عشرَ من برومير» و«النضالات الطبقية في فرنسا») «عقد» ماركس ـ بطريقة دياليكتيكية ملائمة ـ منطق التمثيل الاجتماعي (الوكلاء السياسيّون الذين يُمثِّلون القُوى والطبقات الاقتصادية)، وذهب أبعد من المفهوم المعتاد لهذا «التعقيد»، الذي وفقًا إليه لا يعكس التمثيل السياسي أبدًا البنية الاجتماعية بشكل مباشر. (بإمكان وكيل سياسي واحد أن يُمَثِّل مجموعات اجتماعية مختلفة؛ يمكن لطبقة أن تتخلَّى عن تمثيلها المباشر وتترك لطبقة أخرى مَهمّةَ تأمين الأحوال السياسية ـ القضائية لحكمها، مثلما فعلت الطبقة الرأسمالية الإنجليزية بالتخلِّي عن ممارسة السلطة السياسية للأرستقراطية، وهكذا). تحليل ماركس يشير إلى ما يوضحه لاكان ـ بعد أكثر من قرن ـ بـ«منطق الدال». هناك أربع رؤًى مبدئية لـ«تعقيد» ماركس ـ دعنا نبدأ بتحليله لـ«حزب النظام» الذي سيطر على السلطة عندما انطفأت جذوة 1848 الثورية في فرنسا. سرُّ وجودها كان:
«التحالف بين الأورليانزيين والشرعيين(i) في حزب واحد قد تكَّشف. الطبقة البرجوازية انقسمت إلى قسمين كبيرين ـ مُلّاك الأراضي الكبيرة تحت حكم الموناركية المستعادة والأرستقراطية الغنية، والبرجوازية الصناعية تحت حكم مَلَكَية يوليو ـ حافظًا بالتبادل على احتكار الحُكْم. البوربون كان الاسم المَلَكي للتأثير المهيمن على مصالح قسم، والأورليانزيون كان الاسم المَلَكي للتأثير المُهيمِن على مصالح القسم الآخر ـ المملكة غير المسمّاة للجمهورية كانت الشيء الوحيد الذي كان بإمكان الفريقين الحفاظ به على مصالح الطبقة العامّة بسلطة متساوية بدون أن يتخلَّيا عن تنافسهما المشترك»(16).
هنا نجد التعقيد الأوّل: عندما نتعامل مع فريقين اجتماعيين ـ اقتصاديين أو أكثر، فمصالحهما العامّة يمكنها أن تُمثَّل فقط بقناع «نفي فرضهم المشترك» ـ القاسم المشترك العامّ للقسمين الملكيّين ليس المَلَكية بل الجمهورية. وفي الوقت نفسِه اليوم، فالوكيلُ السياسيُّ الذي يمثّل بالتالي المصلحة الجمعية لرأس المال ـ كما هو، في كلّيته، وفيما يتعالى على الأقسام الخاصّة ـ هو ديمقراطية «الطريق الثالث» الاجتماعية (هذا هو سبب أنَّ وول ستريت تدعم أوباما)، وفي الصين المعاصرة هو الحزب الشيوعي. في «الثامنَ عشرَ من برومير»، استمرَّ ماركس في مدِّ هذا المنطق ليغطّي المجتمع كلَّه، كما هو واضح في وصفه اللاذع لـ«مجتمع العاشر من ديسمبر»؛ وجيش نابليون الثالث المكوَّن من المرتزقة:
«إلى جانب الفاجرين الفاسدين الذين يعيشون بوسائلَ مُشتَبهٍ فيها ومن أصولٍ مُشتبهٍ فيها، إلى جانب عائلات البرجوازية المحطَّمة والمغامرة، كان هناك المتشرّدون والجنود المُسَرَّحون، والمسجونون المنتهية عقوبتُهم، وعبيد السفن الهاربون(ii)، والنصّابون، والدجّالون، والأُرزُقية، والنشّالون، والحُواة، والمقامرون، والقوّادون، ومالكو المواخير، والحمَّالون، والنُخَب، وموسيقيّو الشوارع، وبائعو الملابس المستعملة، وسنانو السكاكين، والسمكرية، والشحّاذون، باختصار كلّ الجماهير المُتفسّخة غير المُحدّدة المُلقاة هنا وهناك التي يطلق عليها الفرنسيّون البوهيميين؛ من هذا العنصر المتشابه شكّل بونابرت قلب مجتمع العاشر من ديسمبر... هذا الـ«بونابرت» الذي جعل نفسه رئيس بروليتاريا الغوغاء، الذي أعاد اكتشاف المصالح التي يسعى لها شخصيًّا وحده في شكل الجماهير هنا، الذي أدرك أنَّ قمامة وزبالة ومهملات كلّ الطبقات هذه هي الطبقة الوحيدة التي يمكن أن يعتمد عليها بشكل غير مشروط، هو بونابرت الحقيقي، بونابرت بلا جدال»(17).
منطق حزب النظام هنا عاد إلى نتيجته الراديكالية: القاسم المشترك العامّ الأوحد لكلّ الطبقات هو الفائض المهمل، القمامة/المتبقّي من كلّ الطبقات، بكلماتٍ أخرى؛ طالما أدرك نابليون الثالث نفسه كمتعالٍ على كلِّ مصالح الطبقة، من أجل مُصالحة كلّ الطبقات، فقاعدته الطبقية الفورية يمكنها فقط أن تكون المتبقّي المُهمَل من كلّ الطبقات، اللا ـ طبقة المرفوضة من كلّ طبقة. بالتالي وبقلبٍ ديكالتيكي هيجلي سليم، هذا هو بالضبط الفائض غير ـ المُمَثِّل للمجتمع، العامَّة والغوغاء الذين خرجوا بالتعريف من أيِّ نظام عضوي للتمثيل الاجتماعي، الذي يصبح وسيطًا للتمثيل الكُلّي. وهذا الدعم لـ«البائس اجتماعيًّا» هو الذي أتاح لنابليون بأن يتهرّب، وأن يغيّر وضعه باستمرار، ويُمَثِّل بالتبادل كلّ طبقة في مواجهة الآخرين:
«الناس سيحصلون على وظائف: مبادرة للعمل العامّ. ولكنّ العمل العامّ يُزيد الالتزامات الضريبية على الناس: وبالتالي الانتقاص من الضرائب عن طريق الهجوم على أصحاب الدخول، بالتحويل من 5% للوديعة إلى ½4%. ولكنَّ الطبقة المتوسّطة يجب أن تشعر بالتخفيف: بالتالي مضاعفة ضريبة الخمور للذين يشترون الخمور بالجملة، ويخفض إلى النصف ضريبة الخمر للطبقة المتوسطة، التي تشرب كلّ المبيعات؛ حلّ جمعيات العمّال الحقيقية، ولكن مع وعود بجمعيّات مستقبلية إعجازية. الفلّاحون ستتم مساعدتهم: بنوك الرهن التي تسرع من مديونياتها وتسرع من التركيز على الملكية، ولكنّ هذه البنوك ستُستخدَم لجمع المال من خلال الاستيلاء على ممتلكات آل أورليانز؛ لا يُوجد رأسمالي يريد أن يوافق على هذا الوضع غير الموجود بالإعلان(iii)، وبنك الرهن يظل مجرد إعلان، ...إلخ، ...إلخ.
«عمل ـ حُلم» التمثيل السياسي
في تحليله للثورة الفرنسية عام 1848 ونتائجها (في كتابَيه «الثامنَ عشرَ من برومير» و«النضالات الطبقية في فرنسا») «عقد» ماركس ـ بطريقة دياليكتيكية ملائمة ـ منطق التمثيل الاجتماعي (الوكلاء السياسيّون الذين يُمثِّلون القُوى والطبقات الاقتصادية)، وذهب أبعد من المفهوم المعتاد لهذا «التعقيد»، الذي وفقًا إليه لا يعكس التمثيل السياسي أبدًا البنية الاجتماعية بشكل مباشر. (بإمكان وكيل سياسي واحد أن يُمَثِّل مجموعات اجتماعية مختلفة؛ يمكن لطبقة أن تتخلَّى عن تمثيلها المباشر وتترك لطبقة أخرى مَهمّةَ تأمين الأحوال السياسية ـ القضائية لحكمها، مثلما فعلت الطبقة الرأسمالية الإنجليزية بالتخلِّي عن ممارسة السلطة السياسية للأرستقراطية، وهكذا). تحليل ماركس يشير إلى ما يوضحه لاكان ـ بعد أكثر من قرن ـ بـ«منطق الدال». هناك أربع رؤًى مبدئية لـ«تعقيد» ماركس ـ دعنا نبدأ بتحليله لـ«حزب النظام» الذي سيطر على السلطة عندما انطفأت جذوة 1848 الثورية في فرنسا. سرُّ وجودها كان:
«التحالف بين الأورليانزيين والشرعيين(i) في حزب واحد قد تكَّشف. الطبقة البرجوازية انقسمت إلى قسمين كبيرين ـ مُلّاك الأراضي الكبيرة تحت حكم الموناركية المستعادة والأرستقراطية الغنية، والبرجوازية الصناعية تحت حكم مَلَكَية يوليو ـ حافظًا بالتبادل على احتكار الحُكْم. البوربون كان الاسم المَلَكي للتأثير المهيمن على مصالح قسم، والأورليانزيون كان الاسم المَلَكي للتأثير المُهيمِن على مصالح القسم الآخر ـ المملكة غير المسمّاة للجمهورية كانت الشيء الوحيد الذي كان بإمكان الفريقين الحفاظ به على مصالح الطبقة العامّة بسلطة متساوية بدون أن يتخلَّيا عن تنافسهما المشترك»(16).
هنا نجد التعقيد الأوّل: عندما نتعامل مع فريقين اجتماعيين ـ اقتصاديين أو أكثر، فمصالحهما العامّة يمكنها أن تُمثَّل فقط بقناع «نفي فرضهم المشترك» ـ القاسم المشترك العامّ للقسمين الملكيّين ليس المَلَكية بل الجمهورية. وفي الوقت نفسِه اليوم، فالوكيلُ السياسيُّ الذي يمثّل بالتالي المصلحة الجمعية لرأس المال ـ كما هو، في كلّيته، وفيما يتعالى على الأقسام الخاصّة ـ هو ديمقراطية «الطريق الثالث» الاجتماعية (هذا هو سبب أنَّ وول ستريت تدعم أوباما)، وفي الصين المعاصرة هو الحزب الشيوعي. في «الثامنَ عشرَ من برومير»، استمرَّ ماركس في مدِّ هذا المنطق ليغطّي المجتمع كلَّه، كما هو واضح في وصفه اللاذع لـ«مجتمع العاشر من ديسمبر»؛ وجيش نابليون الثالث المكوَّن من المرتزقة:
«إلى جانب الفاجرين الفاسدين الذين يعيشون بوسائلَ مُشتَبهٍ فيها ومن أصولٍ مُشتبهٍ فيها، إلى جانب عائلات البرجوازية المحطَّمة والمغامرة، كان هناك المتشرّدون والجنود المُسَرَّحون، والمسجونون المنتهية عقوبتُهم، وعبيد السفن الهاربون(ii)، والنصّابون، والدجّالون، والأُرزُقية، والنشّالون، والحُواة، والمقامرون، والقوّادون، ومالكو المواخير، والحمَّالون، والنُخَب، وموسيقيّو الشوارع، وبائعو الملابس المستعملة، وسنانو السكاكين، والسمكرية، والشحّاذون، باختصار كلّ الجماهير المُتفسّخة غير المُحدّدة المُلقاة هنا وهناك التي يطلق عليها الفرنسيّون البوهيميين؛ من هذا العنصر المتشابه شكّل بونابرت قلب مجتمع العاشر من ديسمبر... هذا الـ«بونابرت» الذي جعل نفسه رئيس بروليتاريا الغوغاء، الذي أعاد اكتشاف المصالح التي يسعى لها شخصيًّا وحده في شكل الجماهير هنا، الذي أدرك أنَّ قمامة وزبالة ومهملات كلّ الطبقات هذه هي الطبقة الوحيدة التي يمكن أن يعتمد عليها بشكل غير مشروط، هو بونابرت الحقيقي، بونابرت بلا جدال»(17).
منطق حزب النظام هنا عاد إلى نتيجته الراديكالية: القاسم المشترك العامّ الأوحد لكلّ الطبقات هو الفائض المهمل، القمامة/المتبقّي من كلّ الطبقات، بكلماتٍ أخرى؛ طالما أدرك نابليون الثالث نفسه كمتعالٍ على كلِّ مصالح الطبقة، من أجل مُصالحة كلّ الطبقات، فقاعدته الطبقية الفورية يمكنها فقط أن تكون المتبقّي المُهمَل من كلّ الطبقات، اللا ـ طبقة المرفوضة من كلّ طبقة. بالتالي وبقلبٍ ديكالتيكي هيجلي سليم، هذا هو بالضبط الفائض غير ـ المُمَثِّل للمجتمع، العامَّة والغوغاء الذين خرجوا بالتعريف من أيِّ نظام عضوي للتمثيل الاجتماعي، الذي يصبح وسيطًا للتمثيل الكُلّي. وهذا الدعم لـ«البائس اجتماعيًّا» هو الذي أتاح لنابليون بأن يتهرّب، وأن يغيّر وضعه باستمرار، ويُمَثِّل بالتبادل كلّ طبقة في مواجهة الآخرين:
«الناس سيحصلون على وظائف: مبادرة للعمل العامّ. ولكنّ العمل العامّ يُزيد الالتزامات الضريبية على الناس: وبالتالي الانتقاص من الضرائب عن طريق الهجوم على أصحاب الدخول، بالتحويل من 5% للوديعة إلى ½4%. ولكنَّ الطبقة المتوسّطة يجب أن تشعر بالتخفيف: بالتالي مضاعفة ضريبة الخمور للذين يشترون الخمور بالجملة، ويخفض إلى النصف ضريبة الخمر للطبقة المتوسطة، التي تشرب كلّ المبيعات؛ حلّ جمعيات العمّال الحقيقية، ولكن مع وعود بجمعيّات مستقبلية إعجازية. الفلّاحون ستتم مساعدتهم: بنوك الرهن التي تسرع من مديونياتها وتسرع من التركيز على الملكية، ولكنّ هذه البنوك ستُستخدَم لجمع المال من خلال الاستيلاء على ممتلكات آل أورليانز؛ لا يُوجد رأسمالي يريد أن يوافق على هذا الوضع غير الموجود بالإعلان(iii)، وبنك الرهن يظل مجرد إعلان، ...إلخ، ...إلخ.
Page 8
أراد بونابرت أن يظهر كمُمَوِل بطريركي لكلّ الطبقات، ولكنّه لا يستطيع أن يعطي لطبقة بدون الأخذ من أخرى، بالضبط كما قيل عن دوق دي جيز في زمن الفروند(iv) بأنّه كان أكرم شخص في فرنسا لأنَّه قدَّم كلّ ممتلكاته لأتباعه، مع الالتزام الإقطاعي تجاهه، وبالتالي فسوف يكون بونابرت أكرم رجل في فرنسا ليحول كلّ الممتلكات وكلّ عمل فرنسا إلى التزام شخصي تجاهه، يريد أن يسرق من فرنسا كلّها من أجل أن يقدّم هدية إلى فرنسا»(18).
نحن نواجه هنا مأزق «الكلّ»: إن كان على كلِّ «الطبقات» أن تُمثَل، فالبناء بالتالي سيكون مثل lu Jeu du furet (لعبة الشريط) التي يشكِّل فيها اللاعبون دائرة حول شخص واحد، ويتناقلون الـ«شريط» خلف ظهورهم؛ اللاعب في المنتصف عليه بالتالي أن يخمّن مَن معه الشريط ـ لو خمّن بشكلٍ صحيح فسيستبدل مكانه مع الشخص الذي يملك الشريط. (في النسخة الإنجليزية يصرخ اللاعبون «الكرة، الكرة، من معه الكرة؟») على أيِّ حالٍ فهذا ليس كلّ شيء. من أجل أن يتوظَّف النظام، أي من أجل أن يتعالى نابليون على كلِّ الطبقات وألّا يتصرَّف كممثلٍ مباشر لأيِّ طبقة، فلا يكفي له أن يضع القاعدة المباشرة لنظامه على القمامة أو المتبقِّي من كلّ الطبقات، عليه أيضًا أن يتصرّف كممثل لطبقة واحدة خاصّة، هذه الطبقة التي لا تتشكّل بدقّة لتتصرّف كَوَكِيلٍ متّحد يتطلّب تمثيلًا فعّالًا. هذه الطبقة من الشعب التي لا تستطيع تمثيل نفسها، وبالتالي تستطيع فقط أن تُمَثَّل، هي بالطبع طبقة الفلَّاحين ذوي الملكيات المحدودة:
«الفلاحون ذوو المِلكيّات المحدودة يُشكِّلون كتلةً عظيمة؛ أعضاؤها يعيشون في ظروف متشابهة، ولكن بدون الدخول في علاقات متعدّدة بعضها مع بعضٍ. نمط إنتاجهم يعزل بعضهم عن بعضٍ بدلًا من جمعهم في علاقة مشتركة... هم بالتالي غير قادرين على تأكيد مصلحة طبقتهم باسمهم، سواء من خلال برلمان أو تجمّع. لا يمكنهم تمثيل أنفسهم، عليهم أن يُمَثَّلوا. ممثّلهم يجب أن يبدو في الوقت نفسه كسيِّدهم، كسلطةٍ تعلُوهم، قُوًى حكومية غيرُ محدودة تحميهم من الطبقات الأخرى وتُرسِل لهم الأمطار وضوء الشمس من أعلى. التأثير السياسي للفلاحين ذوي المِلكيّات المحدودة بالتالي يجد تعبيره الأخير في القوّة التنفيذية التي تجعل المجتمع تابعًا لها»(19).
فقط هذه الملامح معًا تُشَكِّل البناء المتناقض للتمثيل البونابرتي ـ الشعبوي: التعالي على كلّ الطبقات، الانتقال بينها، الاعتماد المباشر على المتبقِّي البائس من كلِّ الطبقات؛ بالإضافة إلى الاعتماد المطلق على طبقة هؤلاء غير القادرين على التصرُّف كوكيلٍ جمعيٍّ يتطلَّب تمثيلًا سياسيًّا(20). ما تشير إليه هذه التناقضات هو استحالة التمثيل الخالص (فلنستعد غباء ريك سانتوروم(v) الذي قال في بداية 2012 إنّه بخلاف «احتلّوا وول ستريت» التي تزعم أنَّها تمثّل 99%، فهو يمثّل الـ 100% كلّها). كما كان سيشرح لاكان فالتناحُر الاجتماعي يجعل هذا التمثيل الشامل مستحيلًا ماديًّا: التناحر الطبقي يعني أنَّه لا يوجد محايد بالنسبة لكلّ المجتمع ـ كلّ «كل» يأخذ امتيازًا على كلِّ طبقة.
فلنستعد البديهية التي يتبعها الجانب الأعظم من السياسيّين و«المتخصِّصين» المعاصرين: يخبروننا مرارًا وتكرارًا أنّنا نعيش في أوقات حرجة من العُجوزات والديون وسيكون علينا جميعًا أن نتشارك العبء ونقبل بمستوى أقلَّ للعيش ـ جميعًا، ولكن باستثناء الأغنياء (جدًّا). فكرة فرض ضرائب أكبر عليهم هو تابو مطلق: يخبروننا أنَّنا لو فعلنا ذلك فالأغنياء سيفقدون أيَّ حافز للاستثمار وبالتالي خلق فرص عمل جديدة، وسوف نعاني من النتائج. الطريقة الوحيدة لنخرج من تلك الأوقات العصيبة هي أن يتحوّل الفقير إلى أكثر فقرًا والغني إلى أكثر غنًى، وإن بدا أنَّ الغنيَّ سيواجه خطر فقدان بعض من غناه، فالمجتمع يجب أن يساعده. الرؤية المهيمنة للأزمة العالمية (التي حدثت بسبب إفراط الدولة في الاقتراض والإنفاق) هي في صراع مزعج مع حقيقة أنَّ المسئولية الكبرى لها تقع ـ من آيسلندا إلى الولايات المتّحدة ـ على البنوك الخاصّة الكبيرة ـ فمن أجل منع انهيارها، يكون على الدولة أن تتدخَّل بكميّات ضخمة من نقود دافعي الضرائب.
الطريقة التقليدية للتنصُّل من التناحُر وتقديم موقف المرء كتمثيل للكلّ هو عرض إلقاء سبب التضادّ على متطفّل أجنبي يمثّل تهديدًا للمجتمع ذاته، كعنصر مضادّ للمجتمع، كفائضٍ زائد. هذا هو سبب أنَّ معاداة السامية ليست فقط واحدة من ضمن الأيدولوجيات؛ إنَّها الأيدولوجيا المحايثة ذاتها، إنَّها تجسِّد المستوى صفر (الشكل الخاصّ) من الأيدولوجيا، وتؤسّس للمشاركة المبدئية: التناحُر الاجتماعي (النضال الطبقي) يَغمُض أو يُزاح وبالتالي يمكن أن يُلقى سببه على المتدخّل الخارجي. نسق لاكان “1+1+a” يُمَثَّل بأفضل شكل في النضال الطبقي: الطبقتان بالإضافة إلى «اليهود» الزائدين؛ الموضوعa (vi)، المضاف إلى الثنائي المتناحر. وظيفة هذا العنصر المضاف مضاعفة؛ إنّه يتضمّن التنصُّل الفيتيشي من التناحُر الطبقي، وإن كان يقف ـ بدقّة كما هو ـ مع التناحر، ويمنع «السلام الطبقي» إلى الأبد. بكلمات أخرى، طالما هناك فقط طبقتان، 1+1، بدون إضافة، إذن فلن يكون لدينا تناحر طبقي «خالص» ولكن على العكس سلام طبقي: الطبقتان تُكمل إحداهما الأخرى في كلٍّ منسجمٍ. التناقض يكون كالتالي؛ أنَّ العنصر الذي يُشَوِّه ويُزيح «نقاء» النضال الطبقي يساعد أيضًا كقوّته الدافعة. نقّاد الماركسية الذين يصرُّون على أنَّه لا توجد أبدًا طبقتان فقط تتصارعان في الحياة الاجتماعية لا يستوعبون الفكرة: فلأنّه لم توجد قطّ طبقتان متناحرتان فقط فلهذا بالضبط هناك نضالٌ طبقي.
هذا يحيلُنا إلى التغييرات في «نسق نابليون الثالث» تلك التي تمَّت في القرن العشرين. أولًا: الدور الخاصّ لـ«اليهود» (أو مكافئهم البنيوي) كدخيل أجنبي يفرض التهديد على هيكل المجتمع لم يكن قد تطوّر بعدُ، ويمكن للمرء بسهولة أن يُظهِر المهاجرين الأجانب كيهود اليوم؛ الهدف الرئيسي للشعبوية الجديدة.
ثانيًا: الفلّاحون الصغار اليوم هم الطبقة المتوسّطة سيّئة السمعة. غموض الطبقة المتوسّطة، هذا التناقض المتجسِّد (كما بيّن ماركس اعتمادًا على برودون)، يتمُّ تمثيلُه بطريقة ربطه بالسياسة: فمن جهة فالطبقة المتوسّطة ضدَّ التسييس ـ إنَّها فقط تريد الحفاظ على طريقتها في العيش، بأن تُتَرك لتعمل وتحيا في سلام، هذا هو سبب أنَّها تميل لمساندة الانقلابات الشمولية التي تَعِد بوضع نهاية للحراك السياسي المجنون بالمجتمع، فيستطيع كلّ شخصٍ العودة لمكانه أو مكانها الطبيعي. من جهة أخرى فأعضاء الطبقة المتوسّطة ـ المتنكِّرين الآن في الغالبية الأخلاقية الوطنية كثيرة العمل المُهَدّدة ـ هم المحرِّضون الرئيسيّون على الحركات اليمينية الشعبوية المتجذّرة، من لو بان في فرنسا إلى جيرت ويلدرز في هولندا إلى حركة حزب الشاي في الولايات المتّحدة.
أخيرًا، وكجزءٍ من التغيير العالمي من خطاب السيّد إلى خطاب الجامعة(vii)، فرمز جديد ظهر ـ يتعلّق بـ«الخبير» (التكنوقراطي المالي) الذي من المفترض أن يكون قادرًا على الحكم (أو بالأحرى الإدارة) بطريقة ما بعد أيدولوجية محايدة بدون أن يُمَثِّل أيَّ مصالحَ مُحدَّدة.
ولكن أين نجد، في كلِّ هذا،المشتبه فيه المعتاد في التحليل الماركسي الأرثوذوكسي عن الفاشية ـ رأس المال الكبير (شركات مثل كروب(viii) ...إلخ) الذي «ساند حقًّا هتلر؟» (الدوكسا(ix) الأرثوذوكسية الماركسية رفضت بعنف نظرية دعم الطبقة المتوسّطة لهتلر). الماركسية الأرثوذوكسية على حقٍّ هنا ولكن لأسباب خاطئة: رأس المال الكبير هو المرجع المطلق، «السبب الغائب»، ولكنّه يستخدم سببيّته بدقّة خلال سلسلة من الإزاحات ـ أو لو اقتبسنا من تماثل كوجين كاراتاني(x) الدقيق مع منطق فرويد عن الأحلام: ما يؤكِّده ماركس (في كتابه الثامن عشر من برومير) ليس (أفكار ـ الحُلم) ـ بكلمات أخرى؛ العلاقات الحقيقية لمصلحة الطبقة ـ ولكن بالأحرى «عمل ـ الحُلم»(xi)؛ بكلمات أخرى، الطرق التي تتَكَثَّف ويُزاح بها لا وعي الطبقة»(21).
نحن نواجه هنا مأزق «الكلّ»: إن كان على كلِّ «الطبقات» أن تُمثَل، فالبناء بالتالي سيكون مثل lu Jeu du furet (لعبة الشريط) التي يشكِّل فيها اللاعبون دائرة حول شخص واحد، ويتناقلون الـ«شريط» خلف ظهورهم؛ اللاعب في المنتصف عليه بالتالي أن يخمّن مَن معه الشريط ـ لو خمّن بشكلٍ صحيح فسيستبدل مكانه مع الشخص الذي يملك الشريط. (في النسخة الإنجليزية يصرخ اللاعبون «الكرة، الكرة، من معه الكرة؟») على أيِّ حالٍ فهذا ليس كلّ شيء. من أجل أن يتوظَّف النظام، أي من أجل أن يتعالى نابليون على كلِّ الطبقات وألّا يتصرَّف كممثلٍ مباشر لأيِّ طبقة، فلا يكفي له أن يضع القاعدة المباشرة لنظامه على القمامة أو المتبقِّي من كلّ الطبقات، عليه أيضًا أن يتصرّف كممثل لطبقة واحدة خاصّة، هذه الطبقة التي لا تتشكّل بدقّة لتتصرّف كَوَكِيلٍ متّحد يتطلّب تمثيلًا فعّالًا. هذه الطبقة من الشعب التي لا تستطيع تمثيل نفسها، وبالتالي تستطيع فقط أن تُمَثَّل، هي بالطبع طبقة الفلَّاحين ذوي الملكيات المحدودة:
«الفلاحون ذوو المِلكيّات المحدودة يُشكِّلون كتلةً عظيمة؛ أعضاؤها يعيشون في ظروف متشابهة، ولكن بدون الدخول في علاقات متعدّدة بعضها مع بعضٍ. نمط إنتاجهم يعزل بعضهم عن بعضٍ بدلًا من جمعهم في علاقة مشتركة... هم بالتالي غير قادرين على تأكيد مصلحة طبقتهم باسمهم، سواء من خلال برلمان أو تجمّع. لا يمكنهم تمثيل أنفسهم، عليهم أن يُمَثَّلوا. ممثّلهم يجب أن يبدو في الوقت نفسه كسيِّدهم، كسلطةٍ تعلُوهم، قُوًى حكومية غيرُ محدودة تحميهم من الطبقات الأخرى وتُرسِل لهم الأمطار وضوء الشمس من أعلى. التأثير السياسي للفلاحين ذوي المِلكيّات المحدودة بالتالي يجد تعبيره الأخير في القوّة التنفيذية التي تجعل المجتمع تابعًا لها»(19).
فقط هذه الملامح معًا تُشَكِّل البناء المتناقض للتمثيل البونابرتي ـ الشعبوي: التعالي على كلّ الطبقات، الانتقال بينها، الاعتماد المباشر على المتبقِّي البائس من كلِّ الطبقات؛ بالإضافة إلى الاعتماد المطلق على طبقة هؤلاء غير القادرين على التصرُّف كوكيلٍ جمعيٍّ يتطلَّب تمثيلًا سياسيًّا(20). ما تشير إليه هذه التناقضات هو استحالة التمثيل الخالص (فلنستعد غباء ريك سانتوروم(v) الذي قال في بداية 2012 إنّه بخلاف «احتلّوا وول ستريت» التي تزعم أنَّها تمثّل 99%، فهو يمثّل الـ 100% كلّها). كما كان سيشرح لاكان فالتناحُر الاجتماعي يجعل هذا التمثيل الشامل مستحيلًا ماديًّا: التناحر الطبقي يعني أنَّه لا يوجد محايد بالنسبة لكلّ المجتمع ـ كلّ «كل» يأخذ امتيازًا على كلِّ طبقة.
فلنستعد البديهية التي يتبعها الجانب الأعظم من السياسيّين و«المتخصِّصين» المعاصرين: يخبروننا مرارًا وتكرارًا أنّنا نعيش في أوقات حرجة من العُجوزات والديون وسيكون علينا جميعًا أن نتشارك العبء ونقبل بمستوى أقلَّ للعيش ـ جميعًا، ولكن باستثناء الأغنياء (جدًّا). فكرة فرض ضرائب أكبر عليهم هو تابو مطلق: يخبروننا أنَّنا لو فعلنا ذلك فالأغنياء سيفقدون أيَّ حافز للاستثمار وبالتالي خلق فرص عمل جديدة، وسوف نعاني من النتائج. الطريقة الوحيدة لنخرج من تلك الأوقات العصيبة هي أن يتحوّل الفقير إلى أكثر فقرًا والغني إلى أكثر غنًى، وإن بدا أنَّ الغنيَّ سيواجه خطر فقدان بعض من غناه، فالمجتمع يجب أن يساعده. الرؤية المهيمنة للأزمة العالمية (التي حدثت بسبب إفراط الدولة في الاقتراض والإنفاق) هي في صراع مزعج مع حقيقة أنَّ المسئولية الكبرى لها تقع ـ من آيسلندا إلى الولايات المتّحدة ـ على البنوك الخاصّة الكبيرة ـ فمن أجل منع انهيارها، يكون على الدولة أن تتدخَّل بكميّات ضخمة من نقود دافعي الضرائب.
الطريقة التقليدية للتنصُّل من التناحُر وتقديم موقف المرء كتمثيل للكلّ هو عرض إلقاء سبب التضادّ على متطفّل أجنبي يمثّل تهديدًا للمجتمع ذاته، كعنصر مضادّ للمجتمع، كفائضٍ زائد. هذا هو سبب أنَّ معاداة السامية ليست فقط واحدة من ضمن الأيدولوجيات؛ إنَّها الأيدولوجيا المحايثة ذاتها، إنَّها تجسِّد المستوى صفر (الشكل الخاصّ) من الأيدولوجيا، وتؤسّس للمشاركة المبدئية: التناحُر الاجتماعي (النضال الطبقي) يَغمُض أو يُزاح وبالتالي يمكن أن يُلقى سببه على المتدخّل الخارجي. نسق لاكان “1+1+a” يُمَثَّل بأفضل شكل في النضال الطبقي: الطبقتان بالإضافة إلى «اليهود» الزائدين؛ الموضوعa (vi)، المضاف إلى الثنائي المتناحر. وظيفة هذا العنصر المضاف مضاعفة؛ إنّه يتضمّن التنصُّل الفيتيشي من التناحُر الطبقي، وإن كان يقف ـ بدقّة كما هو ـ مع التناحر، ويمنع «السلام الطبقي» إلى الأبد. بكلمات أخرى، طالما هناك فقط طبقتان، 1+1، بدون إضافة، إذن فلن يكون لدينا تناحر طبقي «خالص» ولكن على العكس سلام طبقي: الطبقتان تُكمل إحداهما الأخرى في كلٍّ منسجمٍ. التناقض يكون كالتالي؛ أنَّ العنصر الذي يُشَوِّه ويُزيح «نقاء» النضال الطبقي يساعد أيضًا كقوّته الدافعة. نقّاد الماركسية الذين يصرُّون على أنَّه لا توجد أبدًا طبقتان فقط تتصارعان في الحياة الاجتماعية لا يستوعبون الفكرة: فلأنّه لم توجد قطّ طبقتان متناحرتان فقط فلهذا بالضبط هناك نضالٌ طبقي.
هذا يحيلُنا إلى التغييرات في «نسق نابليون الثالث» تلك التي تمَّت في القرن العشرين. أولًا: الدور الخاصّ لـ«اليهود» (أو مكافئهم البنيوي) كدخيل أجنبي يفرض التهديد على هيكل المجتمع لم يكن قد تطوّر بعدُ، ويمكن للمرء بسهولة أن يُظهِر المهاجرين الأجانب كيهود اليوم؛ الهدف الرئيسي للشعبوية الجديدة.
ثانيًا: الفلّاحون الصغار اليوم هم الطبقة المتوسّطة سيّئة السمعة. غموض الطبقة المتوسّطة، هذا التناقض المتجسِّد (كما بيّن ماركس اعتمادًا على برودون)، يتمُّ تمثيلُه بطريقة ربطه بالسياسة: فمن جهة فالطبقة المتوسّطة ضدَّ التسييس ـ إنَّها فقط تريد الحفاظ على طريقتها في العيش، بأن تُتَرك لتعمل وتحيا في سلام، هذا هو سبب أنَّها تميل لمساندة الانقلابات الشمولية التي تَعِد بوضع نهاية للحراك السياسي المجنون بالمجتمع، فيستطيع كلّ شخصٍ العودة لمكانه أو مكانها الطبيعي. من جهة أخرى فأعضاء الطبقة المتوسّطة ـ المتنكِّرين الآن في الغالبية الأخلاقية الوطنية كثيرة العمل المُهَدّدة ـ هم المحرِّضون الرئيسيّون على الحركات اليمينية الشعبوية المتجذّرة، من لو بان في فرنسا إلى جيرت ويلدرز في هولندا إلى حركة حزب الشاي في الولايات المتّحدة.
أخيرًا، وكجزءٍ من التغيير العالمي من خطاب السيّد إلى خطاب الجامعة(vii)، فرمز جديد ظهر ـ يتعلّق بـ«الخبير» (التكنوقراطي المالي) الذي من المفترض أن يكون قادرًا على الحكم (أو بالأحرى الإدارة) بطريقة ما بعد أيدولوجية محايدة بدون أن يُمَثِّل أيَّ مصالحَ مُحدَّدة.
ولكن أين نجد، في كلِّ هذا،المشتبه فيه المعتاد في التحليل الماركسي الأرثوذوكسي عن الفاشية ـ رأس المال الكبير (شركات مثل كروب(viii) ...إلخ) الذي «ساند حقًّا هتلر؟» (الدوكسا(ix) الأرثوذوكسية الماركسية رفضت بعنف نظرية دعم الطبقة المتوسّطة لهتلر). الماركسية الأرثوذوكسية على حقٍّ هنا ولكن لأسباب خاطئة: رأس المال الكبير هو المرجع المطلق، «السبب الغائب»، ولكنّه يستخدم سببيّته بدقّة خلال سلسلة من الإزاحات ـ أو لو اقتبسنا من تماثل كوجين كاراتاني(x) الدقيق مع منطق فرويد عن الأحلام: ما يؤكِّده ماركس (في كتابه الثامن عشر من برومير) ليس (أفكار ـ الحُلم) ـ بكلمات أخرى؛ العلاقات الحقيقية لمصلحة الطبقة ـ ولكن بالأحرى «عمل ـ الحُلم»(xi)؛ بكلمات أخرى، الطرق التي تتَكَثَّف ويُزاح بها لا وعي الطبقة»(21).
Page 9
على أيِّ حال ربَّما علينا أن نعكس نسق كاراتاني: أليست «أفكار ـ الحُلم» هي بالأحرى المضامين/ المصالح الممثّلة بطرق مُتعدّدة خلال الميكانيزمات الموصوفة بواسطة ماركس (الفلّاحون الصغار، البروليتاريا الرثة(xii)، ...إلخ) ـ أَوَليس»التمنِّي اللا واعي» هو واقع الـ «السبب الغائب» الذي يحدِّد بشكل متضافر لعبة التمثيلات المتعدِّدة، مصلحة رأس المال الكبير؟ الواقع هو فورًا الشيء الذي لا يمكن الدخول إليه مباشرة والعقبة التي تمنع الدخول المباشر؛ الشيء الذي يتهرّب من قبضتنا وهو الشاشة المشوَّهة التي تجعلنا نفقدُ الشيء. بدقّة أكبر فالواقع هو النقلة الكاملة المطلقة للمنظور من وجهة النظر الأولى إلى الثانية: الواقعي اللاكاني ليس مُشَوَّهًا، ولكنَّه مبدأ تشوُّه الواقع ذاته. هذا النسق مماثل بالضبط لتفسير فرويد للأحلام: فبالنسبة لفرويد أيضًا، فالرغبة اللا واعية في حُلمٍ ليست ببساطة لُبَّه، الذي لا يظهر مباشرة، والمشوّهة بترجمته إلى نص ـ حُلم ظاهر، ولكنَّه المبدأ الأساسي لهذا التشوُّه. هذه هي كيفية لعب الاقتصاد ـ عند دولوز، بتماثُل مفهومي دقيق ـ دوره في تحديد البنية الاجتماعية «في المرحلة الأخيرة». هنا «الاقتصادي» لا يُقدَّم أبدًا مباشرة كوكيلٍ سببيٍّ حقيقي، حضورُه مفترَضٌ تمامًا، إنَّه «شبه ـ السبب» الاجتماعي، ولكن كما هو كذلك بدقّة فهو مطلق، غير مرتبط، السبب الغائب، شيء لا يكون أبدًا في مكانه: «هذا هو سبب أنَّ (الاقتصادي)لا يُعطى له حديثًا منضبطًا، ولكنَّه بالأحرى يشكِّلُ افتراضًا اختلافيًّا سيتمُّ تفسيره، وهو مُغطّى أبدًا بأشكال التحقّق»(22). إنَّها الـ X الغائبة التي تدور بين سلسلة متنوِّعة في المجال الاجتماعي (الاقتصادي، السياسي، الأيدولوجي، القانوني...) توزّعهم في إفصاحاتهم المُحدّدة. علينا بالتالي أن نصرَّ على الاختلاف الراديكالي بين الاقتصاد كـ X افتراضية، والنقطة المرجعية المطلقة للمجال الاجتماعي، والاقتصاد في واقعيته، كعنصر واحد (نظام فرعي) للشمول الاجتماعي الواقعي: عندما يواجه بعضهم بعضًا ـ أو بقول ذلك بهيجلية، عندما يواجه الاقتصاد الافتراضي نفسه في «تحديده المتواجه» في صورة مقابله الحقيقي ـ فهذه الهُويّة تتطابق مع التناقض (الذاتي) المطلق.
كما أوضح لاكان في محاضرته رقم 11: “il n’y a de cause que de ce qui cloche” ـ «لا يوجد سببٌ سوى سبب الشيء الذي يتعثَّر/ينزلق/يتعطَّل»(23) ـ الأطروحة التي تتَّصف بالتناقض بشكلٍ واضحٍ يتمُّ شرحها عندما يضع المرء في الاعتبار التضادّ بين السبب والسببية. بالنسبة للاكان، هما ليسا الشيء نفسه على أيِّ حالٍ، طالما كان «السبب» ـ بالمعنى الدقيق للمصطلح ـ هو بالضبط الشيء الذي يتدخَّل عند هذه النقاط حين تتعطَّل شبكة السببية (سلسلة السبب والنتيجة)، عندما يكون هناك عائقٌ، هُوّة، في الدائرة السببية. بهذا المعنى فالسبب بالنسبة للاكان بالتعريف هو سببٌ بعيدٌ («سبب غائب» كما اعتادت رطانة «بنيوية» الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي أن تتعامل معه) ـ إنَّه يتحرَّك في فضاء الشبكة السببية المباشرة. ما كان في ذهن لاكان هنا بالدقّة هو عمل اللا وعي. تخيّل زلّة لسان عادية: في مؤتمر للكيمياء على سبيل المثال هناك شخصٌ يُلقي، مثلًا، كلمة عن تبادل السوائل؛ وفجأة، يتعثّر ويزلُّ ويقول شيئًا عن سير المنيِّ في العملية الجنسية ـ «جاذب» ممَّا يطلق عليه فرويد «مشهدًا آخر» يتدخّل كقوّة الجاذبية، يمارس تأثيره الخفيَّ من بعيد، يلوي فضاء تيار الكلمات، يصنع هُوّة بداخلها. وربَّما هذه هي الطريقة التي يجب أن نفهم بها أيضًا النسق الماركسيَّ سيِّئ السُّمعة عن «التحديد في المرحلة الأخيرة(xiii)». مثال التحديد المتضاعف لـ«الاقتصاد» هو سبب بعيد، ليس مباشرًا أبدًا، إنَّه يتدخّل في هُوى السببية الاجتماعية المباشرة.
كيف بالتالي يُوَظَّف «الدور التحديدي للاقتصاد»، إن لم يكن هو المرجع المطلق للمجال الاقتصادي؟ تخيّل النضال السياسي الذي يتمُّ بمصطلحات الثقافة الموسيقية الشعبية، كما كان الحال في بعض الدول الأوروبّية الشرقية ما بعد الاشتراكية، التي كان يتوظّف فيها النزاع بين الموسيقى الشعبية والروك كإزاحة للخلاف بين اليمين القومي ـ المحافظ واليسار الليبرالي. بوضع ذلك بمصطلحات قديمة الطراز: فنضال الثقافة الشعبية عَبَّر عن (وزوّد مصطلحات بها) صراع سياسي يتمّ التجادُل فيه. (كما هو اليوم في الولايات المتّحدة إذ تهيمن المحافظة على موسيقى الكانتري واليسار الليبرالي على الروك). باتّباع فرويد، لا يكفي القول إنَّ النضال الحادث في الموسيقى الشعبية هنا هو فقط تعبير ثانوي، عَرَض، وترجمة مُشَفَّرة للنضال السياسي، الذي كان «يدور حوله» الأمر كلّه. كلّ من النضالين له ماهيّةٌ تخصُّه: الثقافي ليس فقط ظاهرة ثانوية، أرض معركة ظلال ستُفَك شفرتها لدلالاتها السياسية (التي هي واضحة بما يكفي بطبيعة الحال).
«الدور المُحدّد للاقتصاد» بالتالي لا يعني، في هذه الحالة، أنَّ كلَّ هذا اللغو «كان حقًّا عن» النضال الاقتصادي، مع التوظيف الاقتصادي كـ (ما وراء ـ ماهوي) «يُعَبِّر» عن نفسه عن بُعد ويُنتَزع مرتين في الصراع الثقافي (الاقتصاد يحدِّد السياسة التي تحدِّد بدورها الثقافة...) على العكس، فالاقتصاد يُدوّن نفسه في دورة الترجمة والنقل للصراع السياسي إلى صراع ثقافي ـ شعبيِّ، نقلًا ليس مباشرًا أبدًا، ولكنّه مُزاح دومًا، بشكلٍ لاسيمتري. دلالة «الطبقة» كما شُفِّرَت في «أساليب الحياة» الثقافية يمكنها أن تقلب عادة الدلالة السياسية الصريحة. فلنستعِد المناظرة التلفزيونية المشهورة عام 1959، المعروفة بأنَّها المسئولة عن هزيمة نيكسون، وكيف أنَّ كينيدي التقدُّمي اُستُقبِل على أنَّه النبيل من الطبقة العليا، في حين أنَّ اليميني نيكسون ظهر على أنَّه منافس من الطبقة الدنيا. هذا بالطبع لا يعني أنَّ التضادَّ الثاني يعطي ببساطة فكرة خاطئة عن الأوّل، فإنَّ الثاني يمثِّل «الحقيقة» المشوّشة بالأوّل ـ أي أنَّ كينيدي الذي قدَّم نفسَه في تصريحاته العامّة على أنَّه تقدُّميٌّ عن نيكسون ومنافس ليبرالي، عُرِف من خلال أسلوب حياته بأنَّه كان حقًّا نبيلًا من الطبقة العليا. ولكن هذا لا يعني أنَّ الإزاحة تحمل شهادة على حدود تقدُّمية كينيدي، طالما أنَّها تشير إلى الطبيعة المتناقضة لوضعه الأيدولوجي ـ السياسي(24). وهنا يتحرّك المثل المحدّد لـ«الاقتصاد»: الاقتصاد هو السبب الغائب الذي يعتمد على إزاحة التمثيل، واللا سيمترية (مقلوبة هنا) بين سلسلتين، ثنائية «السياسة التقدّمية/المحافظة» وثنائية «الطبقة العليا/المتوسّطة».
«السياسة» هي بالتالي اسم لـ«المسافة بين الاقتصاد وبين نفسه». فضاؤه ينفتح بالهُوّة التي تفصل الاقتصاد كسببٍ غائبٍ عن الاقتصاد في «تحديده المواجه»، كواحدٍ من عناصر الكلية الاقتصادية: هناك سياسة لأنَّ الاقتصاد «غير ـ كُلّي» لأنَّ الاقتصاد «عاجز»، لا ـ مبالٍ، شبه ـ سبب. الاقتصاد هنا بالتالي مُعَبَّرٌ عنه بشكل متضاعف بالمعنى الدقيق الذي يُعَرِّف الواقعي اللاكاني: إنَّه على الفور اللُّبُّ الحقيقي «المُعَبَّر عنه» في نضالٍ آخرَ خلال الإزاحات والأشكال الأخرى من التشويه، وفي المبدأ المُبَنيِن لهذه التشوّهات.
كما أوضح لاكان في محاضرته رقم 11: “il n’y a de cause que de ce qui cloche” ـ «لا يوجد سببٌ سوى سبب الشيء الذي يتعثَّر/ينزلق/يتعطَّل»(23) ـ الأطروحة التي تتَّصف بالتناقض بشكلٍ واضحٍ يتمُّ شرحها عندما يضع المرء في الاعتبار التضادّ بين السبب والسببية. بالنسبة للاكان، هما ليسا الشيء نفسه على أيِّ حالٍ، طالما كان «السبب» ـ بالمعنى الدقيق للمصطلح ـ هو بالضبط الشيء الذي يتدخَّل عند هذه النقاط حين تتعطَّل شبكة السببية (سلسلة السبب والنتيجة)، عندما يكون هناك عائقٌ، هُوّة، في الدائرة السببية. بهذا المعنى فالسبب بالنسبة للاكان بالتعريف هو سببٌ بعيدٌ («سبب غائب» كما اعتادت رطانة «بنيوية» الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي أن تتعامل معه) ـ إنَّه يتحرَّك في فضاء الشبكة السببية المباشرة. ما كان في ذهن لاكان هنا بالدقّة هو عمل اللا وعي. تخيّل زلّة لسان عادية: في مؤتمر للكيمياء على سبيل المثال هناك شخصٌ يُلقي، مثلًا، كلمة عن تبادل السوائل؛ وفجأة، يتعثّر ويزلُّ ويقول شيئًا عن سير المنيِّ في العملية الجنسية ـ «جاذب» ممَّا يطلق عليه فرويد «مشهدًا آخر» يتدخّل كقوّة الجاذبية، يمارس تأثيره الخفيَّ من بعيد، يلوي فضاء تيار الكلمات، يصنع هُوّة بداخلها. وربَّما هذه هي الطريقة التي يجب أن نفهم بها أيضًا النسق الماركسيَّ سيِّئ السُّمعة عن «التحديد في المرحلة الأخيرة(xiii)». مثال التحديد المتضاعف لـ«الاقتصاد» هو سبب بعيد، ليس مباشرًا أبدًا، إنَّه يتدخّل في هُوى السببية الاجتماعية المباشرة.
كيف بالتالي يُوَظَّف «الدور التحديدي للاقتصاد»، إن لم يكن هو المرجع المطلق للمجال الاقتصادي؟ تخيّل النضال السياسي الذي يتمُّ بمصطلحات الثقافة الموسيقية الشعبية، كما كان الحال في بعض الدول الأوروبّية الشرقية ما بعد الاشتراكية، التي كان يتوظّف فيها النزاع بين الموسيقى الشعبية والروك كإزاحة للخلاف بين اليمين القومي ـ المحافظ واليسار الليبرالي. بوضع ذلك بمصطلحات قديمة الطراز: فنضال الثقافة الشعبية عَبَّر عن (وزوّد مصطلحات بها) صراع سياسي يتمّ التجادُل فيه. (كما هو اليوم في الولايات المتّحدة إذ تهيمن المحافظة على موسيقى الكانتري واليسار الليبرالي على الروك). باتّباع فرويد، لا يكفي القول إنَّ النضال الحادث في الموسيقى الشعبية هنا هو فقط تعبير ثانوي، عَرَض، وترجمة مُشَفَّرة للنضال السياسي، الذي كان «يدور حوله» الأمر كلّه. كلّ من النضالين له ماهيّةٌ تخصُّه: الثقافي ليس فقط ظاهرة ثانوية، أرض معركة ظلال ستُفَك شفرتها لدلالاتها السياسية (التي هي واضحة بما يكفي بطبيعة الحال).
«الدور المُحدّد للاقتصاد» بالتالي لا يعني، في هذه الحالة، أنَّ كلَّ هذا اللغو «كان حقًّا عن» النضال الاقتصادي، مع التوظيف الاقتصادي كـ (ما وراء ـ ماهوي) «يُعَبِّر» عن نفسه عن بُعد ويُنتَزع مرتين في الصراع الثقافي (الاقتصاد يحدِّد السياسة التي تحدِّد بدورها الثقافة...) على العكس، فالاقتصاد يُدوّن نفسه في دورة الترجمة والنقل للصراع السياسي إلى صراع ثقافي ـ شعبيِّ، نقلًا ليس مباشرًا أبدًا، ولكنّه مُزاح دومًا، بشكلٍ لاسيمتري. دلالة «الطبقة» كما شُفِّرَت في «أساليب الحياة» الثقافية يمكنها أن تقلب عادة الدلالة السياسية الصريحة. فلنستعِد المناظرة التلفزيونية المشهورة عام 1959، المعروفة بأنَّها المسئولة عن هزيمة نيكسون، وكيف أنَّ كينيدي التقدُّمي اُستُقبِل على أنَّه النبيل من الطبقة العليا، في حين أنَّ اليميني نيكسون ظهر على أنَّه منافس من الطبقة الدنيا. هذا بالطبع لا يعني أنَّ التضادَّ الثاني يعطي ببساطة فكرة خاطئة عن الأوّل، فإنَّ الثاني يمثِّل «الحقيقة» المشوّشة بالأوّل ـ أي أنَّ كينيدي الذي قدَّم نفسَه في تصريحاته العامّة على أنَّه تقدُّميٌّ عن نيكسون ومنافس ليبرالي، عُرِف من خلال أسلوب حياته بأنَّه كان حقًّا نبيلًا من الطبقة العليا. ولكن هذا لا يعني أنَّ الإزاحة تحمل شهادة على حدود تقدُّمية كينيدي، طالما أنَّها تشير إلى الطبيعة المتناقضة لوضعه الأيدولوجي ـ السياسي(24). وهنا يتحرّك المثل المحدّد لـ«الاقتصاد»: الاقتصاد هو السبب الغائب الذي يعتمد على إزاحة التمثيل، واللا سيمترية (مقلوبة هنا) بين سلسلتين، ثنائية «السياسة التقدّمية/المحافظة» وثنائية «الطبقة العليا/المتوسّطة».
«السياسة» هي بالتالي اسم لـ«المسافة بين الاقتصاد وبين نفسه». فضاؤه ينفتح بالهُوّة التي تفصل الاقتصاد كسببٍ غائبٍ عن الاقتصاد في «تحديده المواجه»، كواحدٍ من عناصر الكلية الاقتصادية: هناك سياسة لأنَّ الاقتصاد «غير ـ كُلّي» لأنَّ الاقتصاد «عاجز»، لا ـ مبالٍ، شبه ـ سبب. الاقتصاد هنا بالتالي مُعَبَّرٌ عنه بشكل متضاعف بالمعنى الدقيق الذي يُعَرِّف الواقعي اللاكاني: إنَّه على الفور اللُّبُّ الحقيقي «المُعَبَّر عنه» في نضالٍ آخرَ خلال الإزاحات والأشكال الأخرى من التشويه، وفي المبدأ المُبَنيِن لهذه التشوّهات.
Page 10
في تاريخه الطويل والملتوي، يعتمد التأويل الماركسي الاجتماعي على منطقين، وعلى الرغم من أنَّهما يختلطان تحت العنوان الغامض المشترك المتعلّق بـ«النضال الطبقي الاقتصادي»، إلَّا أنَّهما متمايزان تمامًا. من جهة فهناك «التفسير الاقتصادي للتاريخ» سيِّئ السمعة: كلّ الصراعات الفنية، والأيدولوجية، والسياسية ـ هي في النهاية مشروطة بالنضال (الطبقي) الاقتصادي، الذي يتضمّن معناها السرِّي الذي ينتظر أن تُفَكّ شفرتُه. من جهة أخرى «كلّ شيء سياسي»؛ وبكلمات أخرى فنظرة الماركسي للتاريخ مُسَيَّسة تمامًا، لا توجد ظاهرة أخرى اجتماعية أو أيدولوجية أو ثقافية ليست «مُلَطَخَّة» بالصراع السياسي الأساسي، وهذا يَصدُق حتّى على الاقتصاد: وهم «النقابية» هو بالضبط أنَّ نضال العمال يمكن ألَّا يصير سياسيًّا، وأن يُختَصر إلى تفاوض اقتصادي تامّ من أجل ظروف عمل أفضل، من حيث الأجور وهكذا. على أيِّ حال، فهذين «التلطيخين» ـ الاقتصاد يُحَدِّد كلَّ شيء «في المرحلة الأخيرة» و«كلّ شيء سياسي» لا يتبعان المنطق نفسه. الاقتصاد بدون اللّب (المستخرج)(xiv) السياسي (نضال الطبقات) سيكون منظومة اجتماعية إيجابية للتطوّر، كما هو في الفكرة التاريخانية التطورية الماركسية (المشابهة) عن التطوّر. من جهة أخرى، فالسياسة «النقية» التي «ترفع التلطيخ» عن الاقتصاد ليست أقلّ أيدولوجية: الاقتصادية الفجّة والمثالية الأيدولوجية ـ السياسية هما وجهان للعملة نفسها. البنية هنا لها طابع الدوران الداخلي: «النضال الطبقي» هو سياسة في قلب الاقتصاد ذاته. أو لو قلنا ذلك بشكلٍ متناقض: يستطيع المرء أن يختصر كلّ المضامين السياسية والقانونية والثقافية إلى أصلٍ اقتصادي، ويفكّ شفرتها على أنَّها «التعبير» عنه ـ كلّ المضامين ـ باستثناء الصراع الطبقي، هي سياسة بداخل الاقتصاد ذاته(25). النضال الطبقي بالتالي هو مصطلح وسيط فريد، بينما يربط السياسة بالاقتصاد (كلّ السياسة هي «في النهاية» تعبير عن النضال الطبقي)، فهو يساند على الفور اللحظة السياسية غير ممكنة الاختصار في قلب الاقتصاد ذاته.
الذي يقبع في هذه التناقضات هو الفائض الأساسي للتمثيل على الممثّل الذي يبدو أنَّ ماركس سها عنه. بكلماتٍ أخرى، بدلًا من العديد من التحليلات الواضحة (كتلك التي في كتاب الثامن عشر من برومير)، فقد اختصر ماركس الدولة في النهاية إلى ظاهرة ثانوية لـ«القاعدة الاقتصادية»؛ وهكذا فالدولة محدّدة بمنطق التمثيل: أيُّ طبقةٍ تمثِّلُها الدولة؟ التناقض هنا هو هذا التجاهل للعبء التام لصناعة الدولة التي وَلّدت الدولة الستالينية، التي يبررها المرء بالضبط بأن يطلق عليها «اشتراكية الدولة». كان لينين ـ بعد نهاية الحرب الأهلية، التي تركت روسيا محطّمة وعمليًّا بلا طبقة عاملة (معظم العمال فنَوا وهم يحاربون الثورة المضادّة) ـ منزعجًا بالفعل من مشكلة تمثيل الدولة: ما «القاعدة الطبقية» للدولة السوفيتية الآن؟ من كانت تمثّله إلى حدِّ أنَّها تزعم أنَّها ستكون دولة الطبقة العاملة، في حين أنَّ الطبقة العاملة اُختُصِرَت إلى أقلِّية صغيرة؟ الذي نسي لينين تضمينه في سلسلة المرشَّحين المحتملين لهذا الدور هو الدولة (الجهاز) ذاتها، آلة الملايين القوية التي تُقوِّم القوّة الاقتصادية ـ السياسية. كالنكتة التي اقتبسها لاكان ـ «لديّ ثلاثة أشقّاء؛ بول، وآرنست، وأنا» ـ فالدولة السوفيتية مَثَّلت ثلاث طبقات: الفلّاحين الفقراء، العمّال، ونفسَها. أو ـ ولنقل ذلك بمصطلحات إيشفان ميساروش(xv) ـ نسي لينين أن يضع في الاعتبار دور الدولة داخل «القاعدة الاقتصادية» كعامل أساسي. بعيدًا عن منع تنامي الدول الطاغية المتحرّرة من أيِّ آلية للتحكُّم الاجتماعي، فهذا التجاهل فتح فضاء قوّة غير مقيّدة للدولة: فقط لو اعترفنا بأنَّ الدول لا تمثّل فقط الطبقات الاجتماعية الخارجة عن نفسها ولكن تمثّل نفسها أيضًا، سنُقاد لنطرح تساؤلًا عمَّا سيحتوي قوّة الدولة.
يميل توماس فرانك(xvi) لوصف التناقض في المحافظة الشعبوية في الولايات المتّحدة اليوم، الفرضية الأساسية فيها هي الهُوَى بين المصالح الاقتصادية والأسئلة «الأخلاقية»(26). بكلماتٍ أخرى، فالمعارضة الطبقية الاقتصادية (الفلّاحون الفقراء والعمال ذوو الياقات الزرقاء في مواجهة المحامين وموظّفو البنوك، والشركات الكبيرة) تنتقل أو تُفَكّ شفرتها لتكون معارضة بين الأمريكان المسيحيِّين المخلصين كثيري العمل والليبراليين المنحلّين الذين يشربون اللاتيه ويقودون سيارات أجنبية، يدافعون عن الإجهاض والمِثْلية الجنسية، ويسخرون من التضحيات الوطنية، وأسلوب حياة الضواحي البسيط وهكذا. العدوّ بالتالي يُعرَف كـ«الليبرالي» الذي ـ من خلال تدخّل الدولة الفيدرالي (من النقل المدرسي المقاوم للعنصرية(xvii) إلى فرض التطوّر الدارويني والممارسات الجنسية المنحرفة ليتمّ تعليمها في الفصول) ـ يريد أن يُقوِّض طرق العيش الأمريكية الأصيلة. اقتراح المحافظين الشعبويِّين الاقتصادي المركزي بالتالي هو التخلُّص من الدولة القوية التي تفرض الضرائب على الكمِّ كثير العمل من أجل تمويل هذه التدخُّلات الضابطة، برنامجهم المختصر هو التالي: «ضرائب أقلّ، ضوابط أقلّ».
من المنظور الاعتيادي للتطلُّع العقلاني للمصلحة الذاتية، فتعارض هذا الموقف الأيدولوجي واضح: المحافظون الشعبويّون يصوّتون لأنفسهم بالضبط للخراب الاقتصادي. الضرائب الأقلّ وانعدام الضوابط تعني حرّية أكبر للشركات الكبرى التي ستقود الفلّاحين المُعدَمين إلى خارج العمل؛ تَدخُّل أقلّ للدولة يعني مساعدة فيدرالية أقلّ للفلّاحين الصغار؛ وفيما بعد سيسير الأمر هكذا. في أعين الشعبويين التبشيريّين الأمريكان تبدو الدولة قوّةً غريبة، وهي إلى جانب الأمم المتّحدة عميلةٌ لعدوِّ المسيح. إنَّها تنزع حرّية المؤمن المسيحي، وتُحرِّره من مسئولية الخدمة الأخلاقية، وبالتالي تُقوِّض الأخلاقية الفردانية التي تجعل كلًّا منَّا مهندس خلاصِه. ولكن كيف يكون هذا ملائمًا للانفجار غير المسبوق لمؤسّسات الدولة تحت حكم جورج و. بوش؟ لا عجب أنَّ الشركات الكبرى كانت مبتهجة بمثل هذا الهجوم التبشيري على الدولة؛ عندما تحاول الدولة أن تضبط اتحادات الإعلام، وتضع قيودًا على شركات الطاقة، وتدعم ضوابط تلوث الهواء، وتحمي الحياة البرية وتحدّد الدخول إلى الحدائق الوطنية... إلخ. المفارقة المطلقة للتاريخ هي أنَّ الفردانية الراديكالية تُستَخدَم كتبرير أيدولوجي للقوّة غير المقيّدة لما يختبره الجانب الأعظم كقوّة مجهولة تضبط حياتهم بدون أيِّ رقابة عامّة.
بالنسبة للجانب الأيدولوجي لنضالهم، فمن الواضح بقوّة أنَّ الشعبويّين يخوضون حربًا لا يمكن لهم أن يفوزوا بها ببساطة: إن استطاع الجمهوريّون أن يحظروا الإجهاض، إن منعوا تعليم التطوّر، إن فرضوا الرقابة على هوليود والثقافة الجماهيرية، فهذا لن يؤدِّي فقط لهزيمتهم الأيدولوجية الفورية، ولكن أيضًا إلى كساد واسع المدى في الولايات المتّحدة. الناتج بالتالي سيكون تكافلًا ضعيفًا: على الرغم من أنَّ «الطبقة الحاكمة» ترفض الأجندة الأخلاقية للشعبويّين، فهي تتسامح مع «الحرب الأخلاقية» لأنَّها تعني الحفاظ على الطبقات الأدنى تحت السيطرة، وتسمح لهم بالتعبير عن غضبهم بدون إزعاج المصالح الاقتصادية القائمة. ما يعنيه هذا هو أنَّ الحرب الثقافية هي حربٌ طبقية في حالة إزاحة ـ ذلك بالنسبة لمن يزعمون أنَّنا نعيش في مجتمع ما بعد الطبقية.
الذي يقبع في هذه التناقضات هو الفائض الأساسي للتمثيل على الممثّل الذي يبدو أنَّ ماركس سها عنه. بكلماتٍ أخرى، بدلًا من العديد من التحليلات الواضحة (كتلك التي في كتاب الثامن عشر من برومير)، فقد اختصر ماركس الدولة في النهاية إلى ظاهرة ثانوية لـ«القاعدة الاقتصادية»؛ وهكذا فالدولة محدّدة بمنطق التمثيل: أيُّ طبقةٍ تمثِّلُها الدولة؟ التناقض هنا هو هذا التجاهل للعبء التام لصناعة الدولة التي وَلّدت الدولة الستالينية، التي يبررها المرء بالضبط بأن يطلق عليها «اشتراكية الدولة». كان لينين ـ بعد نهاية الحرب الأهلية، التي تركت روسيا محطّمة وعمليًّا بلا طبقة عاملة (معظم العمال فنَوا وهم يحاربون الثورة المضادّة) ـ منزعجًا بالفعل من مشكلة تمثيل الدولة: ما «القاعدة الطبقية» للدولة السوفيتية الآن؟ من كانت تمثّله إلى حدِّ أنَّها تزعم أنَّها ستكون دولة الطبقة العاملة، في حين أنَّ الطبقة العاملة اُختُصِرَت إلى أقلِّية صغيرة؟ الذي نسي لينين تضمينه في سلسلة المرشَّحين المحتملين لهذا الدور هو الدولة (الجهاز) ذاتها، آلة الملايين القوية التي تُقوِّم القوّة الاقتصادية ـ السياسية. كالنكتة التي اقتبسها لاكان ـ «لديّ ثلاثة أشقّاء؛ بول، وآرنست، وأنا» ـ فالدولة السوفيتية مَثَّلت ثلاث طبقات: الفلّاحين الفقراء، العمّال، ونفسَها. أو ـ ولنقل ذلك بمصطلحات إيشفان ميساروش(xv) ـ نسي لينين أن يضع في الاعتبار دور الدولة داخل «القاعدة الاقتصادية» كعامل أساسي. بعيدًا عن منع تنامي الدول الطاغية المتحرّرة من أيِّ آلية للتحكُّم الاجتماعي، فهذا التجاهل فتح فضاء قوّة غير مقيّدة للدولة: فقط لو اعترفنا بأنَّ الدول لا تمثّل فقط الطبقات الاجتماعية الخارجة عن نفسها ولكن تمثّل نفسها أيضًا، سنُقاد لنطرح تساؤلًا عمَّا سيحتوي قوّة الدولة.
يميل توماس فرانك(xvi) لوصف التناقض في المحافظة الشعبوية في الولايات المتّحدة اليوم، الفرضية الأساسية فيها هي الهُوَى بين المصالح الاقتصادية والأسئلة «الأخلاقية»(26). بكلماتٍ أخرى، فالمعارضة الطبقية الاقتصادية (الفلّاحون الفقراء والعمال ذوو الياقات الزرقاء في مواجهة المحامين وموظّفو البنوك، والشركات الكبيرة) تنتقل أو تُفَكّ شفرتها لتكون معارضة بين الأمريكان المسيحيِّين المخلصين كثيري العمل والليبراليين المنحلّين الذين يشربون اللاتيه ويقودون سيارات أجنبية، يدافعون عن الإجهاض والمِثْلية الجنسية، ويسخرون من التضحيات الوطنية، وأسلوب حياة الضواحي البسيط وهكذا. العدوّ بالتالي يُعرَف كـ«الليبرالي» الذي ـ من خلال تدخّل الدولة الفيدرالي (من النقل المدرسي المقاوم للعنصرية(xvii) إلى فرض التطوّر الدارويني والممارسات الجنسية المنحرفة ليتمّ تعليمها في الفصول) ـ يريد أن يُقوِّض طرق العيش الأمريكية الأصيلة. اقتراح المحافظين الشعبويِّين الاقتصادي المركزي بالتالي هو التخلُّص من الدولة القوية التي تفرض الضرائب على الكمِّ كثير العمل من أجل تمويل هذه التدخُّلات الضابطة، برنامجهم المختصر هو التالي: «ضرائب أقلّ، ضوابط أقلّ».
من المنظور الاعتيادي للتطلُّع العقلاني للمصلحة الذاتية، فتعارض هذا الموقف الأيدولوجي واضح: المحافظون الشعبويّون يصوّتون لأنفسهم بالضبط للخراب الاقتصادي. الضرائب الأقلّ وانعدام الضوابط تعني حرّية أكبر للشركات الكبرى التي ستقود الفلّاحين المُعدَمين إلى خارج العمل؛ تَدخُّل أقلّ للدولة يعني مساعدة فيدرالية أقلّ للفلّاحين الصغار؛ وفيما بعد سيسير الأمر هكذا. في أعين الشعبويين التبشيريّين الأمريكان تبدو الدولة قوّةً غريبة، وهي إلى جانب الأمم المتّحدة عميلةٌ لعدوِّ المسيح. إنَّها تنزع حرّية المؤمن المسيحي، وتُحرِّره من مسئولية الخدمة الأخلاقية، وبالتالي تُقوِّض الأخلاقية الفردانية التي تجعل كلًّا منَّا مهندس خلاصِه. ولكن كيف يكون هذا ملائمًا للانفجار غير المسبوق لمؤسّسات الدولة تحت حكم جورج و. بوش؟ لا عجب أنَّ الشركات الكبرى كانت مبتهجة بمثل هذا الهجوم التبشيري على الدولة؛ عندما تحاول الدولة أن تضبط اتحادات الإعلام، وتضع قيودًا على شركات الطاقة، وتدعم ضوابط تلوث الهواء، وتحمي الحياة البرية وتحدّد الدخول إلى الحدائق الوطنية... إلخ. المفارقة المطلقة للتاريخ هي أنَّ الفردانية الراديكالية تُستَخدَم كتبرير أيدولوجي للقوّة غير المقيّدة لما يختبره الجانب الأعظم كقوّة مجهولة تضبط حياتهم بدون أيِّ رقابة عامّة.
بالنسبة للجانب الأيدولوجي لنضالهم، فمن الواضح بقوّة أنَّ الشعبويّين يخوضون حربًا لا يمكن لهم أن يفوزوا بها ببساطة: إن استطاع الجمهوريّون أن يحظروا الإجهاض، إن منعوا تعليم التطوّر، إن فرضوا الرقابة على هوليود والثقافة الجماهيرية، فهذا لن يؤدِّي فقط لهزيمتهم الأيدولوجية الفورية، ولكن أيضًا إلى كساد واسع المدى في الولايات المتّحدة. الناتج بالتالي سيكون تكافلًا ضعيفًا: على الرغم من أنَّ «الطبقة الحاكمة» ترفض الأجندة الأخلاقية للشعبويّين، فهي تتسامح مع «الحرب الأخلاقية» لأنَّها تعني الحفاظ على الطبقات الأدنى تحت السيطرة، وتسمح لهم بالتعبير عن غضبهم بدون إزعاج المصالح الاقتصادية القائمة. ما يعنيه هذا هو أنَّ الحرب الثقافية هي حربٌ طبقية في حالة إزاحة ـ ذلك بالنسبة لمن يزعمون أنَّنا نعيش في مجتمع ما بعد الطبقية.