eKtab
EN ع
صناعة شهود الزور
Read free sample

صناعة شهود الزور

by نضال حمادة

Page 1
مدخل

هذا الكتاب هو نتاج عمل ومتابعة لمدة خمس سنوات... عمره من عمر الجريمة التي هزت لبنان وكادت أن تطيح به وبدول الجوار، لولا لطف الباري وصمود رجال وتضحيات شعب. كانت باريس في قلب الحدث اللبناني؛ فالانقلاب الشيراكي الكبير أخذ لبنان، بالإكراه، إلى دوامة عنف غير مسبوقة على جميع الصعد. لقد تسارعت الأحداث بشكل كبير في لبنان، فمنذ إصدار القرار 1559 المشؤوم حتى اغتيال الرئيس الحريري كان الحدث اللبناني في قلب فرنسا، والشاغل الأساسي لنخبها من كل الأطياف.

منذ البداية، تعاملت مع الحدث بشكل مباشر وعلى الأرض، وساعدني في هذا أن أول مكان أُنزل فيه محمد زهير الصدِّيق كان فندقاً يبعد عن مكان إقامتي محطتي مترو فقط لا غير، فضلاً عن محاذاة منزلي لضاحية مالاكوف حيث تتواجد غالبية المعارضين السوريين الذين كنت ألتقيهم في سوق الأحد وفي مقاهي الحي. في تلك الفترة كانت المعارضة السورية قبلة الأميركيين والفرنسيين وجماعة ولش في لبنان على حد تعبير (ايف بونيه) المدير السابق لجهاز مكافحة التجسس في فرنسا. وكانت أهمية السوريين تكمن في السعي لتجنيدهم إعلامياً وسياسياً وربما أمنياً ضد النظام في بلادهم. وكانت الإغراءات المادية والوعود السياسية لا تعد ولا تحصى، تهطل على كل سوري معارض هطول مطر باريس الغزير.

بعد سنوات طويلة من علاقتي بغالبية الأشقاء السوريين في باريس أجزم وأشهد أن السواد الأعظم منهم رفض ركوب القطار الأميركي، ورفض التعاون على الرغم من كل العروض، وبقي محافظاً على مبادئه وقناعاته، ولم ينحدر إلى الأسفل سوى قلة قليلة انتهازية ورخيصة.

كان العمل الجدي والمهني يتطلب مني تواصلاً مع شرائح ونوعيات من المجتمع مختلفة المشارب والتوجهات والانتماءات، لذلك فإني اعتمدت في معلوماتي على مصادر مفيدة وأكيدة، هذا بالتوازي مع الأخبار التي تسمعها من هنا وهناك، بعضها قد يكون صحيحاً لكن غالبيتها تحمل الكثير من الشكوك والغلّ. وقد اعتمدت في عملي هذا على أربعة أصناف من البشر:

أ - سياسيون وبرلمانيون ودبلوماسيون لهم تواصل في كواليس السياسة الفرنسية عبر صداقات قديمة وحالية. فضلاً عن إعلاميين جمعتني معهم الزمالة والتعاون المهني.

ب - العسكر ورجال الأمن، وهذه الشريحة من المجتمع هي الأكثر إفادة في مثل هذه الأزمات والأكثر اطلاعاً وجدية في تعاطيها مع الخبر، كما أنها تملك عقلية ممنهجة للتحليل السياسي لكل الأحداث الحاصلة.

ج - الباحثون في معاهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية وأساتذة العلوم السياسية في الجامعات فضلاً عن ناشطي حقوق الانسان ونشطاء المجتمع المدني والأهلي.

د - رجال المال والعلاقات العامة لما لهم من تأثير وعلاقات مع النافذين في البلد. فالمال عصب كل شيء ومن أجله تشن الحروب وتسفك الدماء.

ولم يغب عن بالي أصحاب المطاعم من اللبنانيين، فأنت في باريس حيث يلجأ كل لبناني آخر الأسبوع إلى مطعم يرتاده، ويتحدث فيه مع الموجودين في السياسة إلى درجة الثرثرة التي تكشف المستور في بعض الأحيان.

أنشر هذا الكتاب الذي لم يكن ليخرج إلى النور لولا تعاون الكثير من الأصدقاء والأصحاب، وأخص منهم بالذكر صديقي العقيد (آلان كورفيس) وصديقي (ايف بونيه) والكثيرين من العسكريين الفرنسيين السابقين الذين أتحفظ عن ذكر أسمائهم لسبب بيِّن. كما أشكر الضباط الذين شرفوني بمقابلات صحفية ثمينة وفي طليعتهم الجنرال (آلان بللغريني) القائد السابق لقوات اليونيفل في جنوب لبنان، والأميرال لاكوست المدير السابق لجهاز الأمن العام الفرنسي والقائد السابق للأسطول الفرنسي في البحر المتوسط. كما أوجه شكري الخاص لصديقي النائب (جيرار بابت)، وصديقتي السيناتور (عليمة بو مدين) وإلى كمٍّ كبير من الباحثين العرب والفرنسيين الذين لم يبخلوا عليَّ بتحليلاتهم ولا بمعلوماتهم، وكذلك إلى دبلوماسيين فرنسيين قدامى عملوا في لبنان وفي العالم العربي وبالتحديد المسؤول السابق عن ملف الرهائن في لبنان السفير (ديديه ديستريمو). وفي هذا الخصوص لا بدّ لي من توجيه تحية خاصة للممثل السابق للفاتيكان في فرنسا الأب (ميشال لولون) الذي أدين له بالكثير في عملي هذا، كذلك أوجه شكري الخاص لروجيه غارودي الذي يجتاز حالة صحية حرجة مع الدعاء له بأن يتعافى. إلى كل من ذكرت، وإلى جنود مجهولين كُثر تعاونوا معي، محبتي الخالصة.

نضال ناظم حمادةبيروت ـ نهار الاثنين20/09/2010
Page 2
مقدمة

باريس شهر آذار عام 2004، إنها المرة الأولى في تاريخ الدولة الفرنسية التي تتدخل فيها الحكومة لإلغاء حكم صادر عن أعلى هيئة قضائية في الجمهورية الفرنسية. فقد قررت حكومة (رافاران) إلغاء حكم القاضي في مجلس الدولة الذي سمح لقناة المنار بالبث على القمر الصناعي الأوروبي (هوتبيرد) بعد توقيع اتفاق المعايير اللازمة مع المجلس الأعلى السمعي والبصري في فرنسا.

لم يكن هذا الإلغاء أمراً عادياً، بل كان إشارة إلى بداية تحول فرنسي باتجاه أميركا وإسرائيل بعد أزمة مجلس الأمن قبيل اجتياح العراق. هناك من قال يومها إنَّ شيراك يعطي سلفة لليهود في أميركا قبل يهود فرنسا. لقد كانت فرنسا شيراك في عز تقربها من أميركا بوش، ولم يكن هناك أفضل من قضية المنار لبعث الرسائل في هذا الخصوص. ويبدو أن هناك من تلقفها في لبنان بالمعنى السياسي، وبدأ يبني انطلاقاً من لحظتها سياسات جديدة له وللمحيط الذي يتبعه. بدأت فرنسا منذ تلك الأيام انعطافاً كبيراً في سياستها في المنطقة العربية عموماً وفي لبنان على وجه الخصوص. هناك أسئلة حول هذا التحول الفرنسي من الممكن أن تجد لها أجوبة، أما الأسئلة التي بقيت من دون أجوبة منطقية فهي لماذا دخل فريق من اللبنانيين في هذه اللعبة الأممية الجديدة الخطيرة؟ بماذا وعد هؤلاء مقابل دخولهم حروب الكبار؟ لماذا ينقلب منظرو اليسار والاشتراكية على تاريخهم بين ليلة وضحاها؟ كيف تمكّن بعض الشيوعيين العرب من العمل مع الأميركي الأمبريالي؟ لماذا وقف أشخاص مثل وليد جنبلاط هذا الموقف القاسي من حزب الله؟

لماذا يرفض آل الحريري اتهام إسرائيل؟ لماذا اتهم الضباط الأربعة؟ ولماذا سجنوا؟ ومن هو المسؤول؟ أسئلة كثيرة تخطر على البال لتفسير ماذا كان يحصل يومها، لكن الشيء الأكيد أن التيار الفرنسي، في تلك الفترة، أخذ الكثير من اللبنانيين والعرب معه في دوامة أميركية كلفت لبنان والعرب الكثير ولما تنتهِ بعد.

الفصل الأول :الملف الإسرائيلي

دافيد يتقبل العزاء

باريس، شباط 2005

لم تمرّ أيام ثلاثة على عملية 14 شباط التي أدت إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري حتى كان الزمن يتسارع بشكل غير طبيعي وبطريقة مدروسة ومبرمجة في العاصمة الفرنسية باريس. لقد تبنّى الرئيس الفرنسي جاك شيراك نظرية مسؤولية سوريا عن الاغتيال، وكان منالواضح من التحركات التي تجري على الأرض أن فرنسا سوف تكون مركز الثقل في كل ما يدور حول هذه القضية (1).

في تلك الأيام بدأت تظهر إلى العلن أسماء مغمورة لم يسمع بها أحد خصوصاً نحن معشر الصحفيين؛ وبالتزامن مع هذه الأسماء بدأت الألقاب بالظهور: مسؤول الحزب اللبناني الفلاني في فرنسا، مندوب الحزب الفلاني في باريس، وكان للجمعيات الحاملة شعارات الديمقراطية والحرية للبنان وللعالم العربي نصيب كبير أدى إلى هذا الظهور السريع لكل هذه المنظومة التي كانت بظهورها الكبير والكثيف، وبُعَيْد ساعات قليلة على عملية الاغتيال تعتبر دليلاً بحد ذاتها على عملية مبرمجة ومنظمة تم الإعداد لها منذ زمن، وانتظرت ساعة الصفر لتظهر كالفطر في كل زاوية تحت رعاية سياسية كبيرة، وتغطية إعلامية واسعة تبنت خلالها جميع وسائل الإعلام الفرنسية من دون استثناء هذه المنظومة الوليدة، وأغدقت عليها وعلى القيمين بها ألقاب دعاة الحرية والديمقراطية ونهضة لبنان الخ..
Page 3
كان يوماً بارداً من أيام شهر شباط عام 2005، وكانت العاصمة الفرنسية باريس يلفّها طقس غائم وبارد كعادتها في مثل هذا الشهر. كنت خارجاً من مركز الصحافة الأجنبية الذي كان يتخذ مركزاً له في أحد أقسام الطابق الأول من مبنى راديو فرنسا الضخم الواقع في الدائرة السادسة عشرة من باريس على ضفاف نهر السين. عند وصولي إلى محطة الباص المقابلة لمبنى الراديو رن هاتفي الخلوي، وما كدت أفتح الهاتف حتى بادرني شخص يتكلم بلهجة أهل الجبل اللبناني، وعرّف عن نفسه (وسيم حمادة) بأنه مسؤول في تيار المستقبل في باريس، ولم يمهلني الشاب الكلام حتى بادرني بالسؤال: هل أنت سنّي أم شيعي؟ لقد كان السؤال غريباً وقوياً في الوقت نفسه، غير أن هناك شعوراً غريباً جعلني أتعامل مع المسألة بشكل طبيعي، كما أن إحساس الصحفي الفضولي ألقى على لساني كلمتي (انا سنّي) فأتاني الجواب من الطرف الأخر: نحن نقوم بالاتصال بكل السنّة في فرنسا، وسوف نعاود الاتصال بك من أجل تحديد موعد لقاء. (اللقاء لم يحصل، وعلمت فيما بعد أن هناك من قال له هذا ليس سنّياً) (2).

لم أكد أنتهي من الاتصال حتى رن هاتفي مرة ثانية من قبل صديق لي (م.س) وهو سنّي. قال لي: أتاني اتصال من (ريما طربيه) التي عرّفت عن نفسها بأنها مسؤولة تيار المستقبل في فرنسا وسألتني إذا كنت شيعياً أم سنياً، فقلت لها: أنا سنّي، لماذا هذا السؤال. فقالت لي: نحن نقوم بالاتصال بجميع السنّة في فرنسا، وقد أعطتني موعداً غداً عند الساعة الحادية عشرة، قلت له: لقد تلقيت منذ دقائق اتصالاً بهذا المعنى ولكن من دون تحديد موعد.

في اليوم التالي، ذهب صديقي إلى الموعد المتفق عليه مع ريما طربيه التي كانت برفقة رجل أسمر يرتدي نظارات شمسية تحجب رؤية عينيه، وبعد أن عرّفت عن نفسها بأنها مسؤولة تيار المستقبل في باريس ومستشارة الرئيس الحريري الإعلامية، تابعت الحديث قائلة: تيار المستقبل يقوم حالياً بجمع السنّة في فرنسا من أجل العمل تحت جناح التيار وتوحيد الصف، وتحدثت عن اغتيال الحريري بأيدي السوريين الأعداء. رد عليها صديقي قائلاً: هل تذكرين زيارة الرئيس الحريري إلى باريس عام 1996 في اعقاب عدوان نيسان؟ أجابته: نعم، قال:هل تذكرين المقابلة التلفزيونية على القناة الفرنسية الأولى مع الصحافية (كلير شازال)؟ لقد أثار رفيق الحريري عليه كل اللوبي الصهيوني في فرنسا عندما شبّه المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل بالمقاومة الفرنسية بقيادة شارل ديغول (3). بالنسبة لنا هناك أرض محتلة في شبعا وفي كفرشوبا فضلاً عن أراض عربية محتلة، ولا يمكن لنا أن نتخلى عنها عبر صناعة عدو وهمي هو سوريا. هنا تدخل الرجل الأسمر متحدثاً بالفرنسية فقال: هناك مسار سلام آتٍ، ويجب أن نؤيده ولا يجب علينا أن نتوقف عند قطعة أرض صغيرة كمزارع شبعا أو غيرها؛ هنا وهناك الأرض لا تستحق أن نوقف عملية السلام من أجلها. بعد ذلك التفتت طربيه نحو صديقي وأشارت بيدها إلى الرجل معرّفة، إنه زوجي (دافيد مرواني) وهو يهودي من أصل تونسي، ثم تكلمت عن نفسها وقالت لصديقي إنها تنتمي إلى القوات اللبنانية، وقد ارتدت بزة عسكرية، وحملت سلاحاً في صفوف القوات لكنها لم تقتل أحداً (4).

دافيد مرواني هذا ليس رجلاً مغموراً، فهو بحسب ما يترد في أوساط الجالية التونسية في فرنسا يعمل متنقلاً بين باريس وتل أبيب، وهو معروف في أوساط الجالية التونسية في باريس.

أما ريما طربيه فلها قصة أخرى تستحق المتابعة والقراءة، وهي أشبه بقصص آغاتا كريستي البوليسية في تشعباتها وغموضها وإمكانية فك لغزها بقليل من التحقيق الجدي والصادق. كانت ريما طربيه شخصية سرية ومغمورة حتى أتى بها العميد جوني عبدو صديق الحريري الشخصي وحليفه السياسي الدائم (5) حيث اتخذها، هذا الأخير، مستشارة إعلامية له بالاستناد إلى كلامها في محضر التحقيق المتعلق بموت مارون بغدادي، وهي واحدة من مجموعة أشخاص أتى بهم جوني عبدو إلى الرئيس الحريري من بينهم زاهي البستاني (6) الوسيط السابق بين آريل شارون وبشير الجميل، وقد تولى البستاني مسؤولية أمن الرئيس الحريري.

عملت طربيه مستشارة مسؤولة عن العلاقات مع الصحفيين الأجانب لدى الرئيس الحريري، وغادرت لبنان إلى فرنسا لسبب غير معروف، وكان ذلك بعد وفاة المخرج السينمائي مارون بغدادي في 11/12/1993 وذلك بسبب سقوطه داخل حفرة مصعد كهربائي غير كاملالإنشاء، حيث كانت آخر شخص رآه في تلك الليلة، وهي التي أوصلته بسيارتها حوالى الساعة 30:12 ليلاً إلى منزل والدته في التباريس، كما يذكر جوزيف سماحة في كتابه عن موت مارون بغدادي (7).

وإذا كانت علاقة ريما طربيه بحادثة سقوط مارون بغدادي في حفرة المصعد غير واضحة المعالم وتطرح تساؤلات منطقية وجنائية أوردها جوزيف سماحة في كتاب "قضاء لا قدر"، في أخلاق الجمهورية الثانية، (8) فإن ارتباطها باليهودي التونسي دافيد مرواني وإنجابها منه ولدين، وهو المعروف بزياراته الدائمة لإسرائيل بالاستناد إلى أوساط في الجالية التونسية في باريس، يشير إلى أكثر من علامة استفهام (9). هذا الارتباط العائلي لريما طربيه لا يزال واضحاً وضوح الشمس وغير مخفي أو مجهول عن الجميع في فرنسا حيث يعيش الزوجان. ولكن ما هو موضع التساؤل والريبة هو تمسك الحريري الابن بها وتسليمها مسؤولية تيار المستقبل في باريس وهي التي تعيش في كنف رجل يهودي، يتنقل بين تل أبيب وباريس. وقد حدثني صديقي نفسه أنه التقى مسؤولاً في تيار المستقبل بعد عدة سنوات في أحد المطاعم اللبنانية وسأله عن ريما طربيه فقال له: إننا لا نتعاطى معها بسبب ارتباطها بالموساد، مضيفاً بأنها كانت مسؤولة الارتباط بين القوات اللبنانية والجيش الإسرائيلي خلال اجتياح عام 1982 (10). غير أن وسائل إعلام المستقبل أظهرتها في مناسبات عديدة وقدمتها على أنها مسؤولة تيار المستقبل في باريس، مع أن بعضهم يقول إن هذا غير صحيح.
Page 4
في تلك الفترة دعت قوى الرابع عشر من آذار في فرنسا وكان يطلق عليها حينها، "معارضو سوريا في لبنان" إلى تجمع أمام منزل الحريري في (1 ساحة إينا) في الدائرة الثامنة من باريس وكانت الدعوة بعد مرور أسبوع على عملية الاغتيال. حضر إلى المكان جمع من اللبنانيين المقيمين في فرنسا بالإضافة إلى بعض السوريين والفرنسيين المحسوبين على اليمين الفرنسي. وبصفتي الصحفية حضرت التجمع لتغطية الحدث. كانت الجموع تقف أمام باب القصر حيث ركنت سيارة كبيرة تحمل معدات صوتية للهتاف ولسماع الأناشيد؛ وكانت هناك امرأة تتكلم عبر مكبر للصوت، تتحدث إلى الموجودين، وإلى جانبها يقف رجل أسمر نحيف الجسم يضع نظارات، وقد بلل شعره بالزيت مما جعله أسود لامعاً، وكان من الواضح أن هذا الرجل يدير التجمع كونه كان يعيد إذاعة الأناشيد التي خرجت للتو مثل (بيروت عم تبكي) و(لا ما خلصت الحكاية) (11). وكان يعيد وضع هذه الأناشيد ويتهامس بين وقت وآخر مع المرأة الممسكة بالمكبر، والتي كانت تهتف وتردد الجموع الهتاف خلفها. كانت هذه هي ريما طربيه مسؤولة تيار المستقبل في باريس، أما الرجل فلم يكن سوى زوجها (دافيد مرواني). لقد كان المنظر لافتاً ومثيراً للدهشة (12).

كان كل شيء في الساحة يعمل بإشارة من دافيد مرواني وريما طربيه، وكانت الهتافات ترتفع كلما تكلمت طربيه متحدية، ثم تنخفض عندما تتحدث عن موت الرئيس الحريري، وقد تحلّقت حولها مجموعات من اليسار الديمقراطي والقوات ووجوه كانت بالأمس تتحدث عن سوريا بالخير لكنها انقلبت بفعل الخديعة الإسرائيلية والعمل الاستخباري للموساد. وخلف كل هذا المشهد كان (دافيد مرواني) يدير اللعبة ويضع الموسيقى والأناشيد. لقد كانت أصابع الموساد الإسرائيلي واضحة في التخطيط والتمويل والتدريب والدعاية لهذا التجمع الصغير، وعلى مستوى أكبر شاهدنا نموذجاً لما كان يحضَّر للبنان والمنطقة. فالأحداث التي أتت لاحقاً دلت أن هناك أكثر من (دافيد مرواني) يديرون مشهد ثورة الأرز وعلى المستويات كافة.

في ذكرى أربعين الرئيس رفيق الحريري فتحت العائلة دارته في (1 ساحة إينا) في باريس فذهبت مع صديقي لتقديم واجب التعزية. هناك كان (دافيد مرواني) (13) يتحرك ويتصرف كأنه في منزله. وكانت تحركاته وتنقلاته بين القاعات واستقباله للشخصيات اللبنانية والفرنسية والعربية تدل على أنه مسؤول مشرف على الاحتفال؛ وأذكر كلمة قالها صديقي لحظتها (هذا الرجل يتصرف بحرية أكثر من الحرية التي أتصرف على أساسها في منزل والدي) (14).

كانت قضية اغتيال الرئيس الحريري في بداياتها، وكانت التحركات الباريسية تواكب أنشطة قوى العداء لسوريا في لبنان. وفي كل تجمع أو تظاهرة كان المشهد يتكرر، دافيد مرواني وريما طربيه في المقدمة، أما الجمهور المتظاهر فكان يستقبل قادمين من بيروت يحرّضون على سوريا ومنهم سمير قصير، جبران التويني، الياس عطاالله، مروان حمادة، علي حمادة، فارس خشان، وكانت غالبية هؤلاء من حاملي الجنسية الفرنسية حيث تتوالى طلاتهم على باريس ومشاركتهم في النشاطات المناهضة لسوريا ولحلفائها في لبنان، وكان ظهور هؤلاء يتم بشكل مبرمج ومدروس في ساحات باريس (تروكاديرو) (كونكور) (ريبوبليك) (إينا) وغيرها (15).

في ذلك الوقت، وفي زحمة التظاهرات، أطلق جبران تويني قسمه الشهير في بيروت، ومن ثم أعاد إطلاقه بعد ذلك بعدة أيام في ساحة حقوق الإنسان، وإلى جانبه وقف (دافيد مرواني) الذي أخذ يشير بيديه داعياً الجموع لتردد خلف جبران النداء المقدس الجديد، وهو من عدة الحملة وأدواتها.

الموساد الإسرائيلي في فرنسا

يتمتع الموساد الإسرائيلي بنفوذ قوي في عدة عواصم غربية منها باريس (16) ولندن وبرلين وأمستردام (17)، وهذه الأخيرة تبقى أهم نقطة عمل للموساد حيث توجد فيها قاعدة عمليات ومقر تجنيدي وتنفيذي، ويمكن لعناصر الموساد تفتيش أي كان في مطار أمستردام (18) فور خروجه من عنابر شرطة الحدود الهولندية، كما يمكن اعتبار براغ عاصمة دولة التشيك من المدن التي يعمل فيها الموساد بحرية تامة وبغطاء سياسي وأمني ملفت. غير أن لباريس أهمية خاصة بالنسبة للعمل الاستخباري الإسرائيلي نظراً لعدة أمور أساسية يأتي في طليعتها: (19)

1 - الحجم الكبير للجالية اليهودية في فرنسا والذي يعتبر الأكبر نسبياً في أوروبا.

2 - وجود أكبر جالية عربية في أوروبا على الأراضي الفرنسية (20).

3 - وجود جالية لبنانية كبيرة على خصومة مع حزب الله.
Page 5
هذه الأسباب جعلت فرنسا مركزاً أساسياً وهاماً لعمل الموساد خصوصاً أن الاعتراف الفرنسي المبكر بمنظمة التحرير الفلسطينية جعل الكثيرين من مسؤولي المنظمة يترددون على باريس التي تحولت بفعل هذه الأمور إلى مركز عملياتي هام لأجهزة الموساد التي نفذت فيها أكثر من عملية اغتيال، كان آخرها عملية اغتيال عاطف بسيسو المسؤول عن الارتباط بين أمن المنظمة وأجهزة المخابرات الغربية. وبالفعل كانت عملية اغتيال بسيسو النقطة التي فاض من جرّائها الكوب الفرنسي، لذلك ردت أجهزة الأمن الفرنسية على الموساد عبر كشف جهاز التنصت الذي وضعه المدعو عدنان ياسين في كرسي محمود عباس في مكتبه بتونس. إنَّ ياسين يحمل صفة رئيس شعبة في سفارة دولة فلسطين في تونس، وهو من وضع أجهزة تنصت بعد تزويده بها؛ وكانت بطارية الجهاز من النوع المتطور، وهي صالحة للعمل مدة خمس سنوات. لقد كان الجهاز مثبتاً باتجاه محطة استقبال مزروعة في الأراضي التونسية، كما أن جهاز الإضاءة الذي كان موضوعاً داخل مكتب محمود عباس كان يحتوي على جهاز تنصت يتم تعبئة بطاريته بشكل أوتوماتيكي عن طريق توصيلة الكهرباء في المكتب (21).

يقول (ايف بونيه) المدير السابق لجهاز مكافحة التجسس في فرنسا (دي أس تي) إنَّ آخر عهد للموساد الإسرائيلي بتنفيذ الاغتيالات في فرنسا كانت عملية اغتيال عاطف بسيسو في الثامن من شهر حزيران عام 1992 أمام فندق الميريديان في الدائرة 14 في العاصمة الفرنسيةباريس. ويؤكد بونيه أنه هو الذي أبلغ الإسرائيليين أن فرنسا لم تعد تتحمل، ولن تقبل بعد الآن أية عملية اغتيال فوق أراضيها. وهذا التحذير لم يزل سارياً حتى اليوم (22).

غير أن توقف الموساد عن الاغتيالات في فرنسا لم يمنعه من الاستمرار في العمل الاستخباري واللوجيستي اعتماداً على الجالية اليهودية الكبيرة والنافذة في بلاد الفرنسيس (23)، وقد ازدادت أهمية باريس بالنسبة للموساد بعيد اجتياح لبنان وظهور حزب الله على الساحة كقوة أساس على صعيد المقاومة، استطاعت عبر سنوات طويلة من القتال تحرير لبنان وطرد الجيش الإسرائيلي منه. وتكمن أهمية باريس هنا كون لبنان بلداً (فرانكوفونياً) فيه الكثير من اللبنانيين المعارضين لحزب الله، كما يوجد فيه طائفة كبيرة من الشيعة الذين يقومون بإرسال أولادهم إلى فرنسا لتحصيل التعليم الجامعي، وذلك بسبب مجانية التعليم في فرنسا وبسبب الظروف الصعبة للشيعة نظراً للحروب التي طالت مناطقهم خلال العقود الماضية.

إذن، عادت باريس لتكون محطة أمنية للموساد الذي ينشط فيها بشكل كبير، خصوصاً بالنسبة إلى اللبنانيين، وهذا كما ذكرنا يتعلق بصراع إسرائيل المرير مع حزب الله (24).

يقول مسؤول أمني فرنسي سابق إنَّ جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الملقب (موساد) عمل بفعالية مميزة خلال العقود الماضية مستفيداً من وجود اليهود العرب الذين أتوا إلى الدولة العبرية من الدول العربية. هؤلاء اليهود يتكلمون اللغة العربية ويجيدون مختلف اللهجات في البلدان العربية، فضلاً عن أشكالهم الشرقية وطباعهم التي حملوها من العالم العربي. غير أن هذا الجيل غاب في غالبيته عن الحياة فيما بلغ من تبقّى منه من العمر عتيا، وأصبح خارج أي إمكانية للعمل الاستخباراتي. لذلك فإن هذا الجيل منح جهاز (الموساد) والأجهزة الأمنية الإسرائيلية الأخرى ميزة التواجد الأمن والخفي والمندمج في المجتمعات العربية، وساهم في تفوق العمل الأمني الإسرائيلي على العرب طيلة العقود الخمسة الماضية. غير أن الحال تبدلت منذ عدة سنوات وأصبح جهاز الموساد بحاجة إلى مدد بشري لم ينفك يتناقص بفعل الموت والهرم. ولم يكن هناك مفر من البحث عن عملاء في الدول العربية خارج البيئة اليهودية؛ مضيفاً أن العمل ضمن البيئة البشرية الأخرى جعل إمكانية الاختراق عبر عملاء مزدوجين كبيرة، وزاد من احتمال تفكيك الشبكات الإسرائيلية وانهيارها، نظراً لغياب العوامل الأيديولوجية والرابط القومي والديني بين الموساد وعملائه الجدد، واقتصار العلاقة بين الطرفين على الحاجة المادية للعملاء في أكثر الأحيان (25).

هذا النقص البشري على صعيد اليهود العرب جعل أجهزة الموساد تنتقل عملياً وبشكل شبه كامل إلى اراضي الخصم، وهنا تكمن أهمية فرنسا والجالية اللبنانية فيها، نظراً لأن الخصم اللدود لإسرائيل خلال الثلاثين سنة الماضية هو حزب الله اللبناني، ولأنَّ اللبنانيين بشكل عام يتكلمون الفرنسية، ويترددون إلى فرنسا بحيث أنَّ مئات آلاف اللبنانيين يحملون جنسيات فرنسية. وقد استفاد الموساد الإسرائيلي من الانقسام الداخلي اللبناني ليدخل على خط خصوم حزب الله في الخارج كما في الداخل.

في قضية اغتيال المبحوح استعمل الموساد ثلاثة جوازات سفر فرنسية مزورة (26)، هنا يعقب (ايف بونيه) قائلاً: ليس هناك قرار سياسي بمعاقبة الموساد على هذا العمل.

قد يكون الأمر صحيحاً طالما أنَّ الموساد يحترم التزاماته بعدم القيام بعمليات اغتيال في فرنسا، وما عدا ذلك، فكل شيء ممكن بدءاً من التجسس على اللبنانيين حتى التجنيد. يقول أكاديمي عربي يعمل في مجال العلوم السياسية إن وجود غالبية جنود لحد السابقين في فرنسا نقطة تحتسب لصالح الموساد في فرنسا، كما وأنَّ وجود عائلة انطوان لحد الحاملة للجنسية الفرنسية وغيرها من عائلات العملاء، ومن العملاء أنفسهم دليل كبير على النفوذ الاستخباري الإسرائيلي في فرنسا (27).

وفي هذا الخصوص كانت سنوات شيراك الأخيرة نقطة ارتكاز أساسية لدخول الموساد مباشرة على خط المقيمين في فرنسا من اللبنانيين المعارضين لسوريا والمنادين بخصومة حزب الله ونزع سلاحه، ومن هنا كانت تدار عملية شهود الزور والتلفيقات والحملات الإعلامية، فضلاً عن التحضيرات لكل القرارات التي اتخذها مجلس الأمن بخصوص لبنان بدءاً بالقرار 1559 حتى القرارت ذات الصلة باغتيال الحريري والمحكمة الدولية.
Page 6
في فرنسا يمكن للفرنسي اليهودي أن يخدم في صفوف الجيش الإسرائيلي، وهذا يعتبر من الناحية القانونية جائزاً. كما أنه يمكن للفرنسي الذي يخدم في الجيش الإسرائيلي أن يعفى من الخدمة العسكرية عندما كانت إلزامية في فرنسا. لذلك يعتبر ذهاب الشباب اليهود الفرنسيين للخدمة في فلسطين المحتلة أو في الجولان، أو في أي مكان آخر يتواجد فيه الجيش الإسرائيلي أمراً طبيعياً (28).

يتحدث بعض اليمين الفرنسي المتطرف عن معسكرات تدريب يقيمها المتطرفون اليهود في بعض المناطق الفرنسية لتعليم أولادهم استعمال السلاح؛ الكاتب (ايمانويل راتيه) في كتابه (محاربو إسرائيل) نشر صوراً لتدريبات يقوم بها شبان يهود مع أهلهم قال إنها في أحد المعسكرات في جنوب فرنسا. وتحدث عن مئات الشبان اليهود الفرنسيين الذين يذهبون على نفقة وزارة الثقافة الفرنسية وصندوق المساعدات العائلية (29) إلى فلسطين تحت ذريعة زيارات سياحية وثقافية وهناك يتم تدريبهم على استعمال السلاح في معسكرات تابعة للجيش الإسرائيلي (30). وتوجد صور نشرها راتيه في كتابه يقول إنه حصل عليها من بعض الشبان العائدين من فترة التدريب في إسرائيل وقد التقطها بعض منهم للذكرى (31).

في صيف العام 2006 كانت صور (إيلان) ملصقة على بعض غرف الهواتف العمومية، وفي بعض الأزقة في مدينة (مونروج) المحاذية لباريس. لقد كان الشاب الثانوي في عداد الجنود الإسرائيليين الذين سقطوا في الحرب على لبنان. هذا الفتى الفرنسي الطالب في ثانوية(مونروج) الرسمية ذهب في بداية الحرب ليشارك في القتال ضد حزب الله، لكنه حسب بعضهم انطبق عليه المثل (ذهب ولم يعد). هذه الحالة رأيتها شخصياً نظراً لقربي من مدينة (مونروج) (32). على صفحة انترنت فتحت خصيصاً للحرب على لبنان نجد نعياً لـ (يوهان زربيب زال) الذي سقط البارحة في جنوب لبنان مع دعوة للمشاركة في دفنه بتاريخ 14/08/2006 الساعة التاسعة. وقد أرفق الإعلان برقم هاتف للاستفسار (33). لكن هناك حالات أخرى في مدن فرنسية غادرها شبان يهود فرنسيون للقتال في لبنان، ومنهم من لم يعد ودفن في إسرائيل، وتمَّ التكتم على أمر هؤلاء من قبل السلطات الرسمية الفرنسية ومن الجالية اليهودية في فرنسا (34). هذا استناداً إلى نشرات خاصة لبعض اليمين الفرنسي الكاثوليكي (35).

هناك نوع خاص لعلاقة الجالية اليهودية الفرنسية مع إسرائيل؛ فباريس هي المدينة الوحيدة في العالم التي تقيم حفلاً موسيقياً سنوياً تكريماً للجيش الإسرائيلي على الرغم من اعتراض الكثير من الفرنسيين. ولم تتوقف هذه الاحتفالات السنوية حتى أثناء الحروب التي كانت تشنها إسرائيل على لبنان أو على الشعب الفلسطيني في غزة (36).

بعض الفرنسيين الممتعض يقول ليس في اليد حيلة، إنهم أقوياء جداً (37)، وهم يسيطرون على الإعلام وعلى مفاصل البلد الصناعية والتجارية وبعض المهن المهمة كالطب مثلاً، ومنهم الكثير من المحامين والقضاة، وبذلك يضمنون السيطرة والنفوذ داخل الجسم القضائي الفرنسي، بينما يقول بعضهم الآخر إن المال والبنوك في فرنسا تحت سيطرة البروتستانت، ولا أدري مدى صحة هذا القول في وقتنا الحالي. ولكن الصراع بين مصرفي (ليمان بروزرس) اليهودي و(ج ب مورغان) البروتستانتي في أميركا يبرر مقولة سيطرة البروتستانت على القطاع المصرفي في بعض الدول الغربية ومنها فرنسا (38).

يخضع الموساد مباشرة لسلطة رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي، وفي عمليات الاغتيال تعتبر مصادقة رئيس الوزراء لازمة، ومن دونها لا يمكن القيام بالعملية؛ وهذا لا يعني أن الخارجية الإسرائيلية تكون على علم بالأمر. ومن أجل ذلك، يتم التنسيق بين الجيش والموساد بشكل دائم، ومن الممكن أن تكون علاقة الموساد بالسياسيين الإسرائيليين قد تأثرت بالعلاقة غير الجيدة بين الجيش وبعض السياسيين (39) الذين ورطوا هذا الجيش بحروب مفاجئة على غرار حرب تموز عام 2006 في لبنان، ومن ثم حمّلوا ضباط هذا الجيش مسؤولية الفشلالذريع في هذه الحرب؛ وتذكر المصادر أن الجيش رفض قراراً مبدئياً كان اتخذه نتنياهو بالتعاون بالحد الأدنى مع لجنة غولدستون حول جرائم حرب غزة، لكن اعتراض الجيش عبر وزير الدفاع (إيهود باراك) ألغى الفكرة والقرار نهائياً (40).

في هذا المجال يقول (ديديه ديستريمو) المدير السابق لدائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الفرنسية، إنَّ الموساد الإسرائيلي لا يبلِّغ الخارجية الإسرائيلية عندما يقوم بهكذا عمليات على الرغم من التبعات الدبلوماسية الكبيرة. ويضيف الدبلوماسي الفرنسي السابق، إنَّ الدول الأوروبية لن تفعل شيئاً ضد إسرائيل، وسوف تكتفي بإبلاغ السفراء الإسرائيليين احتجاجها على العمل في دبي (41).
Page 7
هناك سؤال طرح منذ انتهاء حرب تموز 2006 والحرب على غزة يتعلق بضعف أداء الجيش الإسرائيلي. في هذا يقول الكاتب البريطاني باتريك سيل إن إسرائيل التي فشلت في حربين عسكريتين تنتهج حالياً سياسة الضربات الأمنية عبر الاغتيالات (42). هذا الكلام ردده مصدر أكاديمي فرنسي عن شخصية يهودية فرنسية بارزة بعد حرب غزة تقول: هذه آخر الحروب العسكرية لدولة إسرائيل، التي سوف تعتمد أكثر فأكثر على العمل الأمني، وعلى الموساد بالتحديد (43).

إنَّ الأجهزة الأمنية في الدول الأوروبية لن تقطع تعاونها أبداً مع الموساد، خصوصاً في بريطانيا التي تعرف مخابراتها أن علاقتها مع الموساد متعلقة بالدرجة الأولى بالعلاقة الأمنية بينها وبين أميركا (44)، وفي الأوضاع الراهنة التي تعيشها دولة إسرائيل ومع تراجع الثقة بالجيش الإسرائيلي، سوف يتعاظم دور الموساد وسوف تزداد نشاطاته الخارجية، وبالتالي أخطاؤه؛ وفكرة انتقال عمليات هذا الجهاز إلى دول أوروبا الغربية ليست بعيدة نظراً للأسباب التي ذكرنا.

المسؤول السابق في وزارة الخارجية الفرنسية عن ملف الرهائن الفرنسيين في لبنان (ديديه ديستريمو) لا يوافق كثيراً على هذا الكلام، ويقول إنه على الأقل في ما يخص حزب الله، فإن الموساد لن يقوم بأي عمل في اوروبا بسبب معرفته برد الفعل الذي ينتظره.

إنها مرحلة جديدة تفتح في المواجهة عنوانها الاغتيالات بدل الحروب، هذا الكلام يتداول بشكل واسع في الأوساط الصحفية والسياسية وذات الاختصاص الأمني في العاصمة الفرنسية باريس التي تضم أكبر تجمع لليهود في أوروبا الغربية. غير أن عملية المبحوح، وإن أدت إلى اغتياله لكنها شكلت ضربة قوية وكبيرة للموساد الإسرائيلي الذي وقع في شرك عمى الكبرياء الذي ينتاب قياديه وعناصره، وها نحن أمام فيلم وثائقي حي يكشف للعالم وجوهاً طالما تمَّ تصويرها كأشباح وأبطال فوق العادة.

لقد أتت عملية اغتيال المسؤول العسكري في حركة حماس محمود المبحوح في دبي على أيدي رجال الموساد الإسرائيلي واستخدام هذا الجهاز جوازات سفر أوروبية في تنفيذ العملية لتشكّل إحراجاً كبيراً للدول الأوروبية (45)، خصوصاً بعد استدعاء وزراتي الخارجية في بريطانيا وايرلندا لسفير إسرائيل في كل منهما. ووصلت الأزمة إلى النمسا التي أعلنت أنها سوف تباشر التحقيق في استخدام المجموعة القاتلة الشبكة النمساوية في التواصل بين أفرادها، في وصف أطلقت عليه النمسا غرفة عمليات. وقد ازداد الإحراج الأوروبي بعد العرض الذي قدمته شرطة دبي، وانتشار صور القاتلين فرداً فرداً على شاشات التلفاز في جميع أنحاء العالم. وهذا العمل أعاد الحديث عن مرحلة تدهور يعيشها جهاز الموساد الإسرائيلي على غرار الجيش الإسرائيلي، وقد انطلقت هذه التحاليل والتكهنات عند تساقط شبكات الموساد في لبنان بالعشرات ودفعة واحدة خلال شتاء وربيع عام 2009. ويؤكد مصدر فرنسي مطّلع عمل في المجال الأمني سابقاً أن الموساد الإسرائيلي يعيش مرحلة تدهور كبيرة هذه الفترة بعد عقود من القوة والنفوذ، طالما افتخر الموساد بتفوقه خلالها على جميع أجهزة الأمن العربيةوالعالمية، (46) غير أن هذا التفوق أخذ بالانحسار خلال السنوات الأخيرة. ويضيف المصدر الفرنسي إنَّ ذلك يعود إلى ذهاب عوامل كثيرة ساهمت سابقاً في تفوق هذا الجهاز، لكن نظراً لفقدانها يتراجع أداء هذا الجهاز ونجاحاته. وقد عدد المصدر الفرنسي أسباب تدهور مستوى الموساد بستة هي التالية:

1 - غياب جيل من اليهود العرب عبر الوفاة، أو عبر السن وعدم الأهلية للخدمة في العمل المخابراتي. وقد شكلت هذه الشريحة من البشر عامل تفوق حاسماً لمصلحة الموساد على كل أجهزة المخابرات العالمية. يتابع المصدر قائلاً: إنَّ هؤلاء كانت لديهم إمكانية الاختلاط بالعرب والتحدث بلهجات السكان المحليين وكانوا على معرفة تامة بالعادات والتقاليد العربية، ومنهم من ادّعى الإسلام في عمله واختلط بمجتمعات عربية وتزوج منها خلال خدمته مع الموساد.

2 - اضطرار الموساد لتجنيد عرب غير يهود مع ما يحمله هذا من مخاطر في الإخلاص والوفاء حيث يلعب الاختلاف في الدين وفي القومية دوراً في عدم الولاء من قبل المجندين الذين يتعاطون مع الجهاز الأمني الإسرائيلي على أساس الإفادة المادية، فيما عمل بعضهم كعميلمزدوج لدى الموساد وأعدائه. وهذا قلّص من قدرة الجهاز على التحرك وعلى القيام بعمليات نوعية دون مخاطر تذكر على الصعد الأمنية والدبلوماسية كما كان يحصل سابقاً (47).

3 - تغير طبيعة أعداء إسرائيل خلال العقود الثلاثة الماضية من مواجهة دول وأجهزة أمنية لدول واضحة ومعروفة إلى مواجهة حركات مقاومة في العالم العربي اعتمدت على التخفي كسياسة وثقافة، ما جعل عمل الموساد أكثر تعقيداً بسبب طبيعة الخصم الخفية، فضلاً عن أن هذه السياسة المتّبعة من حركات المقاومة جعلت لديها خبرة كبيرة في مجالات العمل السري في مواجهة العمل المشابه للموساد.

4 - انقلاب المزاج العالمي، وخصوصاً الأوروبي الداعم من غير حدود لإسرائيل بعد الانتفاضتين الأولى والثانية ما جعل الدول الغربية حساسة جرّاء استخدام الموساد لأراضيها ومواطنيها في عملياته. وقد بدأت بوادر هذه الحساسية من خلال التحذير الفرنسي لإسرائيلبالتوقف عن القيام باغتيالات في فرنسا حيث أنَّ آخر الاغتيالات الإسرائيلية في فرنسا مثلاً يعود إلى عقدين سابقين (48).

5 - توسّع الخبرات لدى الأجهزة الأمنية العربية وانتشار التقنيات الحديثة لديها، فضلاً عن تشابه التدريبات والتقنيات لدى هذه الأجهزة على مستوى عالمي.

6 - تراجع الهيبة الإسرائيلية في أعين أعدائها بعد الانسحاب من لبنان العام 2000، وبعد حرب لبنان في تموز عام 2006، وحرب غزة عام 2008؛ هذا الضعف الذي ظهر عليه الجيش الإسرائيلي جعل مهمة الموساد في العمل بحريّة كما كان سابقاً بعيداً عن متناول اليد؛ويبقى أن الإمكانيات الاستخباراتية الأميركية والغربية تساعد الموساد في كثير من مجالات عمله، ولقد زاد اعتماده عليها، وهذا دليل أيضاً على تراجع نفوذ وقوة هذا الجهاز الذي شكّل في مرحلة من المراحل أسطورة دولة إسرائيل (49).
Page 8
لماذا لا يستعمل الموساد في عملياته جوازات سفر أميركية؟

يشير الأكاديمي الفرنسي في حديثه معنا إلى قاعدة أساس يتّبعها الموساد الإسرائيلي منذ إنشائه ولحد الآن، وتتمثل بعدم استعمال جوازات سفر أميركية في عملياته الخارجية. بينما لا يتورّع جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي عن استعمال جوازات سفر أوروبية، وبطاقات مصرفية أوروبية في معظم عملياته الخارجية وأكثرها إثارة. ويضيف الأكاديمي الفرنسي إنَّ هذه السياسة ناتجة عن رفض أميركي قاطع لاستعمال أي مستند له علاقة بأميركا في عمل الموساد. وقد التزم الأخير بالرغبة الأميركية هذه مستفيداً من الدعم الاستخباري والتعاون الأمني مع الاستخبارات الأميركية في جميع أنحاء العالم. ويلفت الأكاديمي الفرنسي إلى أن الموساد يستفيد من كل البنية التحتية الاستخبارية الأميركية المنتشرة حول العالم باستثناء الأوراق الثبوتية الأميركية، ولذلك تعليل منطقي يقول الأكاديمي؛ فجواز السفر الأوروبي أكثر قبولاً من الأميركي لدى الناس في البلدان التي تشكل المجال الحيوي والاستراتيجي لعمل الموساد، والأميركيون لهم عملاؤهم واستخباراتهم التي لا يريدون أن يعطلها أحد حتى ولو كان حليفاً لهم مثل إسرائيل (50).

ويتحدث المصدر عن صعوبات يجدها الموساد في تجنيد عملاء من سوريا ولبنان، وحتى من مصر والسعودية، لذلك فهو يحاول التعويض عن هذا النقص عبر التركيز على الفلسطينيين حيث يستفيد الإسرائيلي من الأوضاع المأساوية الصعبة للفلسطينيين ومن الخلافات الدائرة على الساحة الداخلية الفلسطينية فضلاً عن بعض رؤساء الأجهزة في السلطة الوطنية الفلسطينية الذين تربطهم علاقات قوية مع الإسرائيليين، وأحد هؤلاء كان وجوده على رأس جهاز أمني في السلطة شرطاً إسرائيلياً خلال اتفاقيات أوسلو. وبحسب الأكاديمي المذكور فإن الموساد يحاول تعويض نقصه هذا عبر تعاون مع جهازي استخبارات عربيين واحد في دولة محاذية لفلسطين المحتلة وتقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل والثانية في المغرب العربي (51)، ويشكل التعاون الإسرائيلي الأمني مع هذين الجهازين العربيين كنزاً كبيراً للموساد حيث يحصل من خلالهما على كميات هائلة من المعلومات حول حركات المقاومة وحول الحركات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي كما يقول المصدر.

يعتمد الموساد الإسرائيلي في عملياته الخارجية على بنية تحتية لوجستية وبشرية تنتشر حول العالم، كما يقول الأكاديمي الفرنسي الذي يحدّد هذه البنية للتحرك الخارجي كما يلي: (52)

1 - السفارات والبعثات الدبلوماسية والمراكز الثقافية الإسرائيلية المنتشرة في العالم حيث يكون للموساد تواجد في السفارات عبر ضباط ارتباط، وغالباً ما يكون ضابط الارتباط تابعاً للملحقية العسكرية الإسرائيلية، وهو من يتولى المسؤولية المباشرة عن الأفراد والشبكات المتواجدة على الأرض.

2 - الجاليات اليهودية المنتشرة حول العالم والمدارس الدينية المؤيدة لإسرائيل والتي تعتبر نصرة دولة إسرائيل شرطاً لازماً لعودة المسيح في آخر الزمن.

3 - جمعيات دينية وسياحية أهمها شبكة فنادق شاباد التي تتبع جمعية شاباد الدينية الإسرائيلية وهي شبكة عنكبوتية تؤمِّن اتصال إسرائيل بالعالم الخارجي.

4 - القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة حول العالم.

5 - نقطة مركزية في مطار أمستردام في هولندا حيث ينشط الموساد ويتمتع بنفوذ قوي.

6 - نقاط مركزية في دول أوروبا الشرقية سابقاً وخصوصاً في دولتي المجر وتشيكيا.

7 - نقطة مركزية في دولة عربية تقع في المغرب العربي.

فضلاً عن عشرات العملاء المحترفين والمدربين الموزعين حول العالم. يقول المصدر مضيفاً إن الموساد أثبت في عملية دبي احترافية مهنية كبيرة، ولولا كاميرات المراقبة لما عرف شيء معتبراً أن نجاح مجموعة الاغتيال في الدخول إلى دولة الإمارات العربية المتحدة والخروج منها بسلام بعد تنفيذ ما طلب منها يعبّر بشكل واضح عن قدرات استخبارية ومهنية كبيرة (53).

العقيد الركن السابق في الجيش الفرنسي (آلان كورفيس) قال إنَّ الموساد الإسرائيلي يتصرف حالياً برعونة، وهو لن يمتنع عن توسيع الرقعة الجغرافية لعمليات الاغتيال التي ينفذها لتشمل أوروبا الغربية ومن ضمنها فرنسا. ويضيف العسكري الفرنسي الذي عمل في السابق مستشاراً لقائد قوات الطوارىء الدولية في جنوب لبنان إنَّ احتمال عودة النشاط الاغتيالي للموساد إلى فرنسا وارد معتبراً أن فرنسا لن تقوم بشيء يزعج إسرائيل في هذا الشأن، وسوف تكتفي بالشجب والإدانة، على غرار ما حصل في أعقاب عملية دبي. ويشرح الضابط الفرنسي الكبير تهور الموساد هذا بالقول: "تحليلات وقناعات قيادة جهاز الموساد الإسرائيلي كلها تؤكد على عدم قدرة الجيش الإسرائيلي في المستقبل على خوض حروب حاسمة خصوصاً ضد حزب الله، لذلك فإن العودة إلى الاغتيالات بهذه الطريقة تعبّر عن هذا الضيق الذي تعاني منه أجهزة الأمن في إسرائيل" (54).

نعود إلى المصدر الأكاديمي الفرنسي الذي يحدثنا عن آلية اتخاذ قرارات الاغتيال والتصفية في جهاز الموساد الإسرائيلي فيقول: إنَّ قرارات الاغتيال خاضعة دوماً لموافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي مباشرة، وكل قرار اغتيال يحتاج لمصادقة من رئيس الحكومة، وهذه الحالة تنطبق على المبحوح. كذلك يحدثنا المصدر الفرنسي عن بنك أهداف إسرائيلي الذي يحوي العشرات من نشطاء المقاومة في لبنان وفلسطين فضلاً عن علماء الذرة الإيرانيين. وحول آلية اختيار الأهداف يقول المصدر عينه إنَّ هناك معايير للأشخاص تعرض على جهاز كمبيوتر خاص يعطي تحليلات حول حجم خطر الشخصية المقصودة والمعنيّة فضلاً عن قرارات سياسية تقضي بتصفية شخصية ما، وهذه القرارات تبقى مع تبدل الحكومات ولا تتغير، معتبراً أن هناك قراراً إسرائيلياً ثابتاً باغتيال أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الذي يحتل رأس القائمة في الأهداف الإسرائيلية على الإطلاق (55). يختم المصدر الأكاديمي الفرنسي كلامه.
Page 9
كبرياء وأخطاء قاتلة

يقول الأكاديمي الفرنسي إنَّ الموساد الإسرائيلي، وكل أجهزة المخابرات في العالم تعلم أن مدينة دبي مليئة بكاميرات للمراقبة، والجميع في هذه المدينة تحت المتابعة الدائمة على مدار الساعة حيث يتواجد عشرات آلاف الكاميرات الخاصة والتابعة لسلطات الإمارة، وقد تمّ تثبيتها من قبل شركات بريطانية، وفي مناقصات عامة؛ ولهذه الشركات علاقات تجارية واسعة مع إسرائيل. ويضيف المصدر إنَّ الكشف عن قاتل سوزان تميم وعن عملية اغتيال المبحوح، شكّلا دليلاً كبيراً على أهمية انتشار كاميرات المراقبة في كل أرجاء المدينة (56)، غير أن الكبرياء والاعتداد بالنفس شكلا الخطأ الفادح في هذه العملية الفاشلة، أي عملية اغتيال القيادي في حركة حماس، بكل المعايير بالنسبة لجهاز أمن يتّبع السرية في تحركاته، فإذا بالعشرات من عملائه ينكشفون دفعة واحدة وأمام العالم برمته (57).

وفي هذا السياق يعتبر المصدر الأكاديمي الفرنسي أن الموساد اعتبر أن سلطات دبي لن تكشف عن العملية مراعاة للغرب، كما يحصل دائماً في غالبية دول العالم بالنسبة إلى كل ما يتعلق بإسرائيل، غير أن المفاجأة الكبرى والكارثة وقعت عندما كشفت إمارة دبي عن الحادثة جملة وتفصيلاً، وهذا قرار سياسي بامتياز اتخذه حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، ويرجع مصدرنا الأسباب التي تقف وراء هذا الموقف الحاسم لحاكم دبي إلى ثلاثة هي:

1 - الموقف السيئ والمتشفّي الذي اتخذته الدول الغربية من دبي خلال انكشاف أزمتها المالية نهاية العام الماضي، حيث رأت سلطات الإمارة في هذه القضية رداً مناسباً على تلك الدول.

2 - عدم قبول آل مكتوم أن تتحول الإمارة إلى ساحة لتصفية الحسابات تفقدها أمنها وميزاتها الاقتصادية القائمة بالأساس على التجارة والخدمات حيث لا تملك دبي النفط الذي يقع ضمن أراضي أبو ظبي.

تعتمد إسرائيل في العالم على الجاليات اليهودية بشكل كبير. أما في بلدان أوروبا الغربية وأميركا حيث للجاليات اليهودية نفوذ مالي وإعلامي وسياسي كبير فإن إسرائيل وأجهزتها الإعلامية والسياسية والأمنية تعتمد على عدد كبير من الجمعيات العائدة للجاليات اليهودية. ومن أبرز هذه الجمعيات في فرنسا اتحاد الطلبة اليهود الذي يشكل نقطة قوة لانطلاق العمل في فرنسا وأوروبا بالنسبة لها.

اتحاد الطلبة اليهود في فرنسا

تردد اسم اتحاد الطلبة اليهود في فرنسا مؤخراً، بعد سلسلة المشاغبات السياسية والاجتماعية التي تبنّاها الاتحاد في السنوات الأخيرة في المؤتمرات العالمية والندوات الثقافية والأكاديمية التي تناولت إسرائيل وجرائمها، أو التي شارك فيها مسؤولون سياسيون وأكاديميون معارضون لها أو ينتمون إلى تيارات المقاومة في العالمين العربي والإسلامي ودول أميركا اللاتينية، كالذي جرى مع النائب عن كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني علي فياض أثناء مشاركته في ندوة في جامعة السوربون في باريس، أو كما حصل في العام 2009 معالرئيس الإيراني محمود أحمدي نجادأثناء إلقائه كلمة في المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية في جنيف في مقر الأمم المتحدة (58).

ولد اتحاد طلبة يهود فرنسا عام 1944 على يد (دلي تيكوشيانو)، وكان ذلك أثناء انهيار الجيش الألماني وعندما تأكد الجميع من حتمية سقوط دولة الرايخ الثالث وانتهاء حقبة (أدولف هتلر) الذي خاضت ألمانيا بزعامته الحرب العالمية الثانية، واحتلت جيوشه معظم أنحاء أوروبا قبل أن تهزم على يد الاتحاد السوفياتي السابق. ويدّعي مؤسسو اتحاد طلبة يهود فرنسا أن الاتحاد أنشىء من مجموعة من الطلاب الذين شاركوا في المقاومة الفرنسية، غير أن إدعاءهم هذا يفتقد إلى أدنى دليل خصوصاً أنهم لم يقدموا تفاصيل وأدلة تذكر حول الموضوع، فضلاً عن غياب ذكر مؤسسي الاتحاد من كتابات المؤرخين الفرنسيين الذين تناولوا تاريخ المقاومة الفرنسية والشخصيات والأسماء التي شاركت فيها ولعبت أدواراً مميزة أو عادية في مقاومة الاحتلال النازي لفرنسا (59).
Page 10
وفي هذا السياق فإن اتحاد الطلبة اليهود في فرنسا، مرَّ بمراحل عديدة منذ إنشائه حتى وقتنا هذا، كان طابعها الأساس والمميز التأييد غير المحدود واللامشروط لدولة إسرائيل والدفاع عن سياستها في جميع المحافل الدولية والأوروبية فضلاً عن تبنِّيه المطلق للنظرية الصهيونية ولأفكارها في كل ما يتعلق بالحق التاريخي لليهود في أرض فلسطين، وفي الترويج لنظرية المحرقة، في تنفيذ دقيق وكامل لمجمل السياسات الإسرائيلية المتّبعة في هذا الصدد منذ قيام دولة إسرائيل في فلسطين وحتى يومنا هذا.

لعب اتحاد الطلبة اليهود في فرنسا دوراً كبيراً في أحداث (أيار) عام 1968الطلابية في فرنسا (60) والتي حصلت أثناء حكم الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول، الذي قرر التوقف عن تزويد إسرائيل بالسلاح في اعقاب حرب العام 1967. وكان قسم من المنتسبين للاتحاد قد انضموا إلى حملة "الياه" التي تعني بالعبرية الصعود الروحي، وذلك عبر الهجرة إلى الكيان الإسرائيلي وتشجيع اليهود في أوروبا وفي العالم على الهجرة إلى هذا الكيان كواجب ديني. فيما تبنّى من بقي من أعضاء الاتحاد في فرنسا حملة اليسار المتطرف لإسقاط الرئيس الفرنسي شارل ديغول من خلال الأحداث الطلابية التي تمّت الإشارة إليها..

وفي ذلك يقول الأستاذ في جامعة السوربون والدبلوماسي السابق البروفسيور (جاك بارا): "إنَّ أحداث أيار عام 1968 خططت لها الولايات المتحدة التي أرادت التخلص من الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول وسياسته المعارضة لنفوذها في أوروبا وتدخلها في الشؤونالأوروبية والعالمية" (61).

بدأ اتحاد طلبة يهود فرنسا إثبات تواجده في الجامعات الفرنسية بكثافة منذ العام 1980، ومن ثم بدأ توسيع عمله السياسي عبر القيام بنشاطات دورية صبّت في مجملها في خدمة السياسة الإسرائيلية، وفي الدفاع عنها خصوصاً أثناء انطلاق الانتفاضة الأولى. وأثناء توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1994 واجه الاتحاد أزمة انقسام داخلي بين أكثرية أيدت الاتفاق وأقلية عارضته، غير أنه سرعان ما أعلن تأييده لما جرى من اتفاقيات في أوسلو في تبنٍّ كامل للسياسة الرسمية الإسرائيلية التي كانت تقول إن هذه الاتفاقيات تصبّ في مجملها في مصلحة الدولة العبرية، وتُخرج القضية الفلسطينية من طابعها العربي والإسلامي لتحصرها بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية التي ولدت من رحم هذه الاتفاقيات.

بدأ اتحاد الطلبة اليهود في فرنسا، نشاطاً واسعاً شمل مجمل الأراضي الفرنسية ابتداءً من العام 1981، عندما افتتح فروعاً له في غالبية المدن الجامعية الفرنسية وفي أكبر الجامعات وأكثر الكليات الفرنسية أهمية من حيث الاختصاصات والسمعة الجيدة. ويقول الاتحاد إنه يضم حوالى الخمسة عشر الف عضو بينهم ثلاثة آلاف مشترك، كما ويضم خمسة عشر فرعاً محلياً تتواجد في قلب الجامعات الباريسية، وخمسة عشر فرعاً آخر في كبريات المدن الفرنسية، كما ويضم أربعة وثلاثين عضواً منتخباً في مجالس الإدارة في الجامعات الفرنسية.

من ناحيتها تضم العاصمة باريس العدد الأكبر من الطلاب اليهود في فرنسا، ويتواجد اتحاد الطلبة اليهود في جامعاتها بطريقة منظمة، حيث يملك مكاناً أو غرفة ينظم من خلالها ويدير نشاطاته المحلية داخل أية جامعة. إضافة إلى ذلك فهو يضمّ وحدة (العلوم السياسية) في معهد الدراسات السياسية في باريس، ووحدة المدارس الكبرى، فضلاً عن الوحدة الطبية في الكليات التالية (الطب، جراحة الاسنان، والصيدلة).

وفي السياق ذاته فإن الاتحاد يملك وحدات موازية في المحافظات الفرنسية، تتوزع على المدن؛ مثال على ذلك (غرنوبل، مرسيليا، ليون، نيس، ليل، نانسي، بوردو، تولوز، وستراسبورغ).

على الصعيد الوطني الفرنسي يعتبر الاتحاد عضواً في كل من:

أ - المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (كريف)، وهذا المجلس يعتبر الموازي لمنظمة (أيباك) في أميركا ويحمل في توجهاته المؤيدة لإسرائيل سياسة اليمين الاسرائيلي المتطرف؛ ويعتبر الفرع الفرنسي لليكود الاسرائيلي، وهو يقف وراء الحملة الإعلامية والدعوى القضائية التي استهدفت قناة المنار في فرنسا بين الاعوام 2004 -2005.

ب - المجلس الوطني (الصندوق الاجتماعي اليهودي الموحد) في فرنسا.

أما على الصعيد العالمي فإن الاتحاد يقيم علاقات واسعة مع الطلاب اليهود عبر العالم، وهو عضو في المكتب التنفيذي للاتحاد الأوروبي للطلبة اليهود واللجنة التنفيذية للاتحاد العالمي لهؤلاء الطلبة (62).