eKtab
EN ع
سنوات الضياع
Read free sample

سنوات الضياع

by علي الصفدي

Page 1
اقتلاع مـــن الجــــــــذور
 
وجد الفتى فارس نفسهمنتزعا من فراشه الدافئ، وملقى به في خضم موجات متلاحقة من البشر المذعورين، تتقاذفه يمنة ويسرة، وترتفع به صعودا، فيطير كريشة في مهب الريح. ثم تهبط به نزولا، فيسقط جسده الغض النحيل أرضا، وتتعثر خطواته فوق أرض طينية غمرتها مياه الأمطار ألغزيرة، فيتسبب في سقوط شقيقه الأصغر الممسك بيده بشدة، فينهضان بسرعة ويلتصقان بأبيهما المثقل بحمل شقيقهما الأصغر، والى جانبهما تسير أمهم محتضنة طفلها الرضيع.
 
ينظر الى وجه أبيه عمر فيجده مسكونا بهموم الدنيا كلها. عيناه تلتمعان من بقايا دموع ساخنة جفت في مقلتيه، عابس الوجه مقطب الجبين شارد الذهن زائغ النظرات، ويلتفت حوله مشدوها فيتراءى له أناسا هائمين على وجوههم وكأنهم في يوم الحشر يحاولون عبثاً حث الخطى ودفع أقدامهم الى الحركة ولكن دون جدوى فأقدامهم خذلتهم هذه المرة وعصت أوامرهم وبقيت ملتصقة بالأرض لا تقوى على مبارحتها . غير أنالموت الزاحف خلفهم واقتراب أخطاره الماحقة منهم قضى على تمردها وساقها أمامه فتحركت بخطوات متأرجحة متثاقلة حملت أجسادا خاوية منهكة بعد أن فصلتها عن أرواحها التي ظلت معلقة في سماء مدينتهم التى انقلب حالها في ليلة واحدة فالتهمت النيران جسدها، وشوهت القذائف ملامح وجهها ، وابتلع الرعب سكونها، وأفرغها شبح الموت من محتواها.
 
ولم يكن سهلا أو يسيرا على أهالي مدينة صفد عاصمة الجليل في فلسطين هجر مدينتهم أو الابتعاد عنها ، فقد امتزج تاريخهم بتاريخها وارتبط ميلاد أجدادهم بميلادها ، وامتدت جذورهم ألي أعماق أديمها، وتكونت ملامحهم في رحمها، ونضج نموهم في أحضانها، ونشأوا وترعرعوا وفرحوا ومرحوا في أحيائها ، ألا انهم اجترعوا مرارة الافتراق عنها مجبرين مغلوبين على أمرهم ، فإما البقاء والموت وإما إخلاء المكان، وأثروا إنقاذ أنفسهم وأطفالهم من الهلاك الذي كان يلاحقهم ظنا منهم أن غيابهم لن يطول كثيرا عنها ، ولن يتعدى اكثر من أسبوعين أو ثلاثة أسابيع كما أشيع بينهم وصدقوه بطيبة وحسن نية. يعودون بعدها لإحياء مدينتهم وتعميرها من جديد بعد أن تهدأ الاوضاع وتستقر الأمور ، وبعد أن يندحر العدوان الصهيوني الضاري وتنتصر الجيوش العربية القادمة لإنقاذ فلسطين. ولشدة تيقنهم من عودة قريبة ألي بيوتهم فقد تركوا فيها أمتعتهم الشخصية ومقتنياتهم الثمينة ومصاغ نسائهم، وأكثرهم ترك تحويشة عمره مخبأة تحت عتبة بيته أو داخل فراشه التى ينام عليها. وهي المخابئ الأمينة في اعتقادهم التي كانوا يلجأون أليها . اغلق كل منهم أبواب بيته بالمفاتيح والأقفال، واحتفظ بالمفتاح الرئيسي وحرص عليه حرصه على نفسه حتى يتمكن من استخدامه بعد زمن ليس ببعيد. خرجوا يجرون أنفسهم وأطفالهم ونساءهم فقط، وخلت ايديهم من أية حمولة وخوت جيوبهم من أية نقود، لم يضع أحدهم على كتفيه سوى معطف سميك يقيه غزارة الأمطار التى لم تنقطع، ولم يخرج من بيته سوى بطانيات يغطى بها أطفاله الصغار الذين لا يقوون على الوقوف والسير. 
Page 2
فالخروج بهم سالمين هو دافعهم الأساس لهجر موطنهم الى أجل محدود.
 
لقد أمضت مدينتهم والقرى المجاورة لها في العاشر من أيار عام 1948، ليلة ليلاء من أطول لياليها على الإطلاق، وأحلكها سوادا، وأثقلها ضغطا على النفس، وأكثرها تحطيما للأعصاب. فقد هاجمتها وحدات البالماخ الصهيونية بوحشية لم يسبق لها مثيل في أعقاب استيلائها على القرى المحيطة بها ، وقصفتها بقنابل البراميل ومدافع / هاون ( دافيدكا) وراجمات الألغام ذات الصوت الانفجاري المرعب الذي هزّ المدينة بعنف واغتال سكينتها ، وتزامن مع قصف تدميري متواصل ونسف تخريبي لكل بيت يقع في أطرافها وهجوم مركز على قلعتها. واستخدمت البالماخ في عدوانها كل أنواع الأسلحة المتطورة المتوفرة لديها ، مما أسفر عن سقوطالقلعة الرمز بعد دفاع مستميت غير متكافئ عنها أقتصر على نفر مؤمن من أبنائها دون سواهم. فقد وجدوا أنفسهم يقاتلون وحدهم ببقايا أسلحة مهترئة لا فاعلية لها ولا تأثير ، دون أي إسناد أو مؤازرة من أية جهة كانت بعد انسحاب كتيبة جيش الإنقاذ والمتطوعين العرب من خطوطها الدفاعية قبل بدء الهجوم. فحاول الفتيان الصمود والتصدي للهجوم الزاحف أليها بكل ما أوتوا به من قوة. ولم يتمكنوا من ذلك رغم أنهم قاوموا حتى آخر لحظة من حياتهم ، فاستشهدوا جميعا وكان عددهم تسعة وتسعون شهيدا حفرت صورة بطولتهم وتضحياتهم بأرواحهم في أعماق الذاكرة الشعبية لمواطنيهم، وفي سجل مقاومتها الباسلة ضد الاحتلال الصهيوني.
 
وتزامن الهجوم العسكري الميداني الكاسح الذي أطبق على مدينتهم مع شن حرب نفسية رهيبة ضدهم استخدم اليهود فيها سيارات الجيب المزودة بمكبرات الصوت أذاعوا من خلالها تسجيلات لأصوات احتوت صراخا وعويلا وأنينا حادا يصدر عن نساء، وزعيقا لصفارات الإنذار ورنينا لأجراس سيارات الإطفاء يقاطعها صراخ مذعور ينادي باللغة العربية بصوت مرتعش متهدج "يا جميع المؤمنين ...انقذوا أرواحكم واهربوا وانجوا بحياتكم ، اليهود يستعملون الغاز السام، اسرعوا في الفرار ناجين بأنفسكم على اسم الله. وما أن سمع المواطنون تلك النداءات والاستغاثات والصرخات حتى ارتعدت فرائصهم، وارتعشت أجسادهم، وتجمد الدم في عروقهم ، ونهش الهلع أكبادهم، واتسعت حدقات عيونهم فغشيت أبصارهم. فماذا عساهم فاعلون؟ لقد أصبحوا كطير ذبيح يصارع الموت وحده، بعد أن تخلت القوى المدافعة عنهم في أحلك الظروف وتركتهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم لا أسلحة ولا ذخائر لدى رجالهم ولا طاقة لهم على مجابهة قوات البالماخ الزاحفة إليهم كالقضاء المستعجل ، والمطبقة على مدينتهم من كل جانب. هل يموتون تحت الأنقاض أم يحترقون تحت نيرانالقذائف المتساقطة عليهم ، أم يموتون خنقا بالغازات السامة التي يستخدمها الغزاة؟ تساؤلات أقضّت مضجع كل واحد منهم، وقلبت كيانه، وأربكت عقله، فكان صوتها أعلى بكثير من أصوات القصف الرهيب . لقد أصيب تفكيرهم بالشلل وتهاوت أجسادهم وتحولوا الى أشباح ساكنة لا حراك فيها ولا حياة . فكيف انتهت بهم تلك الليلة اللعينة؟ بل كيف بدأت؟ وكيف مضت ساعاتها ودقائقها؟ لا أحد منهم يعلم. لقد وجدوا أنفسهم منساقين في تدفق جماعي بإعصار أهوج صبيحة ذلك اليوم المظلم الذي لم يبزغ فجره ولم تشرق شمسه بعد، والذي شكل منعطفا حادا لمجريات حياة كل واحد منهم. ذلك اليوم الذي اطلقوا عليه اسم " يوم الاثنين الاسود" المحفور على لوحة من ألواح التاريخ القاتم ليوم الحادي عشر من أيار النكبة. هاموا فيه على وجوههم كالسكارى وما هم بسكارى، واستوطن الحزن والأسى والضياع أعماق نفوسهم ، واعتصر الألم والشقاء ثنايا قلوبهم، فاختل توازنهم حتى ضاع الطريق من تحت أقدامهم.
Page 3
كاد سيرهم يكون مقلوبا لكثرة ما تلفتوا إلى الوراء ، فمدينتهم تجذبهم وتشدهم إليها، وهم كالأطفال الرضع الذي يتشبثون بصدر أمهم الحنون، ويبكون ويصرخون عندما ينتزعون منه. فقد تعلق أهلها بها بل عشقوها عشقا صوفيا خالدا. كانت كالقلب الذي يضخ دماء الحياة في عروقهم، ودونها فالعروق جافة والأجساد ميتة، والخروج منها كالخروج من عالم المكان والزمان ····من عالم الوجود السرمدي الى ظلام دامس لا متناه، فمعظمهم لم يعرف غيرها وغير ما يجاورها من جبال ووديان وحقول. وعلو جبل الجرمق الذي ترتفع هامته فوق السحاب وسلسلة الجبال المحيطة بها كالسوار المحيط بالمعصم شكلت قيدا عليهم أعاق تحركاتهم الى خارجها، ألا أنه كان قيدا محببا إليهم اعتادوا عليه وأحبوه ولم يتذمروا منه مرة واحدة في حياتهم. ومن ذلك القيد استمدت صفد اسمها كما قالالشيخ شمس الدين العثماني في كتابه " تاريخ صفد" ( إذ أن جبالها لا تمكن ساكنها من الحركة في كل وقت ، فان ركب تعب، وان مشى على قدميه تعب واختلط لحمه بدمه ، لصعود الربوة وهبوط الوهدة، مما يجعله يستقر في مكانه ويقنع به). وقد كان اهلوها قانعين فعلا بعدم التحرك الى خارجها كثيرا ، وفي البقاء منسابين داخل شرايينها، فهي دفؤهم ومأواهم وملاذهم، وهي عمقهم الروحي والجسدي . يرتبطون بطرقاتها المتعرجة بجدران بيوتها الحجرية، وبأزقتها الضيقة، ويتنعمون باعتدال مناخها واشراقة شمسها وبعليل هوائها وصفاء سمائها وبرائحة تربتها التى جبلت بعرقهم ودمائهم، فباتوا وكأنهم امتداد لأديمها ، وضلع من ضلوعها أو زند في ساعدها.
 
أخذ المجبرون على ترك مدينتهم يبتعدون عنها شيئا فشيئا تسوقهم الأقدار أمامها لا حول لهم ولا قوة، وبدأت قلعتها الشامخة الملتصقة بسمائها والتى تشكل ابرز ملامح وجهها وانصعصفحات انتصاراتها تغيب عن أنظارهم، رغم أنها تنتصب على أعلى القمم فوق تلالها وتدل على كبريائها وعراقة تاريخها. فقد شهد مسرحها صمود اهلها وبطولاتهم في دحر وقائع التتابع الاحتلالي الذي ابتليت به ليس بلدتهم وحدها فقط بل فلسطين كلها، لقد تعرضت القلعة على مر تاريخها لعدة غزوات احتلالية : فاحتل الصليبيون موقعها الحصين لأهميته الحربية عام 114. م ، وقام الأمير فولك صاحب مقاطعة أنجو الفرنسية رابع ملوك بيت المقدس الذي امتد حكمه من عام 1131 حتى عام 1144 ببناء قلعتها لتكون واحدة من سلسلة القلاع التى تحمي طريق السهول الوسطى في بلاد الشام ، فانتصبت ألي جانب قلعة صفد قلعة النمرود في بانياس وقلعة هونين في جبل عاملة وقلعة كوكب الهوى في جنوب بيسان.
Page 4
أسكن الصليبيون في قلعة صفد طائفة الداوية وفرسان الهيكل دون أن يساكنهم فيها أحد غيرهم. ولجأ أليها عام 1157 الملك بلدوين الثالثخامس ملوك بيت المقدس الصليبين بعد هزيمته امام جيوش الملك العادل نور الدين محمود زنكي عند موقع الملاحة. وقيض الله لها نصرا مظفرا على يد القائد الاسلامي صلاح الدين الايوبي الذي زحف بجيوشه بعد انتصاره في معركة حطين عام 1187 الى صفد، وأوكل امر حصارها الى مسعود السلطي ثم الى الأمير فارس طغرل الخازندار الذي كان على رأس خمسماية فارس. ثم رأى صلاح الدين ان يقود حصارها بنفسه خلال شهر رمضان المبارك من ذلك العام. فنصب حولها المنجنيقات وأدام رميها بالحجارة والسهام الى ان استسلمت قوتها ، فتغيرت ملامح القلعة واكتسى وجهها بملامح عربية اسلامية في الرابع عشر من شوال سنة 845 هجرية الموافق لشهر كانون الاول سنة 1188 ميلاديه. وبقيت تحت مظلة حكم الايوبيين الى ان دبت الخلافات والنزاعات فيما بينهم في ارجاء بلاد الشام فاستنجد الصالح اسماعيل الايوبي باعدائه من الصليبيين، وأعطاهمقلعة صفد وبلادها وقلعة الشقيف وبلادها اضافة الى مدن ساحلية اخرى مقابل مساعدته على خصومه من اقربائه.
 
لم يمكث الصليبيون في قلعة صفد طويلا ، فقد حباها الله بفارس اسلامي جديد جاءها على صهوة جواد النصر هو القائد الظاهر بيببرس الذي خاض معارك ضارية مع قوات الاحتلال الصليبي في العام 1266، انتصر فيها. وحرر القلعة وجدد بناءها، وعمر لها ابراجا بلغ ارتفاع اعلاها مئة ذراع وانشأ فيها صهريجا كبيرا مدرجامن أربع جهات. (1) وشارك بنفسه في حفر خندق حولها وبناء الاسوار المحيطة بها. وأسس فيها جامعا وبنى في جوارها مسجدا آخر هو الجامع الاحمر. وعظم من شأن صفد ورفع مقدارها وجدد إعمارها واحضر أليها السكان من الشام ليشاركوا في نهضتها، فبلغت أوج نمائها وازدهارها في عصر المماليك الذين جعلوا منها إحدى ممالك بلاد الشام. وقد ضمت المملكة الصفدية بر صفد (الزنار) المكون من مجموعة كبيرة من القرى بلغت الفا ومئتي قرية من ضمنها ولاية تنين وهونين الواقعتان حاليا في لبنان، وواية صور والشقيف وولاية الإقليم وولاية عكا وولاية الشاغور وولاية الناصرة وولاية عتليت وولاية مـــــرج بن عامر وولايــة طبرية (2) وولى قلعتها إلى الأمير مجد الدين الطوري وجعل عز الدين العلائي نائبا لها .
Page 5
وتعاقب في السيطرة على صفد وقلعتها الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي اتخذها حصنا لحماية أملاكه فيها عام .1613 ثم حكمها الشهابيون وعينوا الشيخ عمر بن زيدان حاكما عليها. وبعد انفصال ظاهر العمر بن الشيخ زيدان عن الشهابيين عام 175. واتخاذ عكا مقرا له عين ابنه علي حاكما لها ، إلى أن احتلها احمد باشا الجزار عام 1775 وانتزعها من أيدي الشهابيين. ثمخضعت للاحتلال الفرنسي القصير الذي تزامن مع قدوم نابليون الى فلسطين وحصاره لعكا عام 1799 فبعد فشله في احتلال عكا أوفد الجنرال الفرنسي مورا الى صفد فاحتل قلعتها وسيطر عليها سيطرة كاملة. وبعد فشل الحملة الفرنسية على عكا انسحب الفرنسيون منها فعاد أليها الجزار ونكل بأهلها لاعتقاده انهم ساعدوا الفرنسيين، وقد حكمها الشهابيون مرة أخرى عندما احتلها بشير الشهابي الثاني عام 1834 في أعقاب حكم قصير خضعت فيه لابراهيم باشا أبن محمد علي عام 1831 ، ثم شدد العثمانيون قبضتهم عليها وعينوا سعيد شهاب أول قائمقام لها تبعه موسى كاظم الحسيني الذي لمع اسمه في الحركه الوطنية الفلسطينية فيما بعد، ووقعت تحت الانتداب البريطاني في الثامن والعشرين من ايلول عام 1918 كغيرها من المدن الفلسطينية. ·
 
واصلت الجموع البشرية مسيرها وأنظارها معلقة على القلعة حتى غابت تماما عن اعينهم وتوجهت عبر وادي الطواحين، فلا سبيل أمامها غير التوجه شمالا صوب الحدود اللبنانية التي لا تبعد عن صفد سوى تسعة وعشريـن كيلومترا. وكانت صورة المقاومة الجهادية لا تبرح خيال افرادها والتساؤلات التى تنبع من تزاحم افكارهم تضغط على أدمغتهم. فكيف يخسرون المعركة بعد ان كانوا متيقنين من الصمود والنصر؟
 
لقد كان آخر ما يخطر ببالهم سقوط مدينتهم وذلك السقوط المذهل لما كانت تتميز به من موقع طبوغرافي حصين يسهل الدفاع عنه، ولما احتشد على أبوابها من قوات عربية تتبع جيش الإنقاذ وصلت لحمايتها من السقوط فتعززت مقاومتها الشعبية التى كانت تهدف الى القضاء على جيب الحي اليهودي القابع كالشوكة في حلق مدينتهم ، والذي تحول الى بؤرة عدوان ضد الأحياء الأخرى ورأس جسر للقوات الغازية، وقاعدة ينبعث منها الشر ويتطاير الشرر ليصيب كل مواطن من أهلها. وكان مجرد التفكير بسقوطها يصعق رؤوسهم ويعصف بأعصابهم ويشل قدراتهم ، فخروجهم منها اعتبروه خروجا مؤقتا ، ووقوعها تحت الضغط الهجومي المدمر لن يطول ، فسرعان ما ستنتهي في اعتقادهم رحلة الابتعاد عنها ليعودون إليها.
Page 6
معـــري صفــــد
 
اجتازت قوافل المهاجرين طرقا لولبية وعرة وضيقة وكأنها سلالم معلقة في الهواء، تتقاذفهم العواصف الهوجاء التي تلفح وجوههم والامطار التي ما انفكت تهطل فوق رؤوسهم، وكأن الطبيعة كانت عونا لاعدائهم عليهم ، واصوات الرصاص ما زالت تلاحقهم وتلح في متابعتهم. وبينما هم يتحركون بخطى وئيدة عاجزة لاحت لهم من بعيد قافلة من الدواب تتجه صوبهم من الشمال ، تسارعت خطواتها باتجاههم واقترب الركب منهم الى ان تلاصق معهم فبادر أحد المهاجرين الى طرح سؤال مرتعش:
 
- ما هذه القافلة وأين وجهتها في مثل هذه الظروف؟
 
- انها قافلتكم وتتجه الى بلدكم ألستم من صفد؟ اجاب قائد القافلة.
 
- بلى اننا منهاولكن لم يبق فيها صوص ابن يومين، ولكن قل لي ما هي حمولتها؟
 
- انها تنقل لكم الاسلحة من ميناء صور لتستخدمها المقاومة الشعبية.
 
- فتساءل المهاجر باستغراب شديد:
 
- ماذا ؟ أسلحة ومن أرسلها لنا ، بالله عليك تكلم.
 
- انها اسلحتكم يا رجل والتي وصلت بالباخرة من ليبيا، هل نسيتم أمرها؟
 
وهنا استفاقت ذاكرة المهاجر وآمدته بالمعلومة الدقيقة التي كاد ان ينساها الجميع في خضم القيامة الصغرى التي قامت في فلسطين ، فقد شكل ابناء صفد قبل عدة أسابيع وفدا منهم برئاسة التاجر فؤاد الخولي توجه الى الصحراء الغربية الواقعة بين مصر وليبيا لشراء الاسلحة التي خلفتها الحرب العالمية الثانية وتمكنوا من تأمين حمولة باخرة كاملة من البنادق والمدافع والرشاشات أبحرت الى صور لتنقل منها برا الى صفد ، إلا أن ظروف الحرب قد أخرت نقلها، فوصلت الاسلحة بعد فوات الأوان ، وكان الحاج الخولي قد دفع ثمنها من جيبه الخاص ما مقداره خمسة عشر الف جنيه في سبيل وطنه وإنقاذ مدينته.
 
اطلق الرجل زفرة حارّة كادت تحرق صدره ، ثم أجهش بالبكاء وهو يردد: ـ واحسرتاه .. واحسرتاه، ما الذي يجري لنا، تصلنا الاسلحة التي كنا بأمس الحاجة أليها بعد أن تلاشت فرصة استخدامها والاستفادة منها . لقد بتنا خارج بلدنا ويا ليتها وصلت قبل خروجنا. آه لو كان بيدنا أن نصمد يوما آخر لوصلتنا تلك الاسلحة، ولكنه النحس يلازمنا، فيوم وصولها نجد أنفسنا على قارعة الطريق ، ان حال الأسلحة كحال الذاهب الى الحج والناس راجعة.
Page 7
ثم سمع تعليقا من أحد المتابعين للحوار قال فيه:
 
- لا تيأس يا أخي فالكلمة الفصل ألان هي للجيوش العربية التي أوشكت أن تدخل فلسطين لتطرد اليهود الغاصبين منها ، وتعيدنا أليها في اقرب وقت إن شاء الله ، والنصر مؤكد بإذنه تعالى. فهل يعقل ألا تنتصر جيوش سبع دول عربية على شراذم مسلحة من اليهود ، توكل على الله فان النصر من عنده وأراه كما أراك الان امامي.
 
ورد الرجل قائلاً :
 
- الله يسمع منك يا اخي ، ويكون النصر الى جانب امتنا، ولكنه ليس بالأمر الهين، فها نحن نلقى كالفضلات خارج بلدنا، والعالم يتفرج علينا ولا يحرك ساكنا، ولا يعنيه سوى ارضاء اليهود.
 
اقترب معري صفد الشيخ سليم الخضراء الذي يسير بخطى متثاقلة على قدمين واهنتين يحمل على كاهله أعوامه التسعين وقال متحسرا:
 
- راحت البلاد وتشرد العباد، وانشطر الفؤاد .
 
ثم أجهش بالبكاء مرددا شعره القائل:
 
صفـد وطنـــــي وبها وطــــــري
 
حيا صفـــــــدا وابل المطـــــــر
 
ظل يواصل الترديد والدمع يبلل لحيته البيضاء . وتختلط شهقاته بتحسره وتساؤلاته المتوسلة:
 
ـ هل أعود لادفن في ثراك يا صفد ، من يدري. لا أريد شيئا من هذه الدنيا ، فقط أريد أن أدفن في بلدي ، في جوف تربتها الحانية .. فقط.
 
أجهش الرجال والنساء بالبكاء ، وأصيبوا بحالة من الهذيان والتشنج. وتواصل النحيب بصوت عال ، وظلوا هائمين على وجوههم ، فتعثرت أقدام المسنين منهم ، وسقط بعضهم مما أوقف سير جموعهم. كانوا يشعرون بأقدامهم تزداد ثقلا تحتهم ولا تقوى على حملهم ، وكأنها تسمرت في أرضها لا تريد الابتعاد عن مواطئها التي اعتادت عليها في وطنها، لم يصدقوا ما تراه أعينهم والكثيرون اعتقدوا انهم في حلم لا في علم ، وانهم تحت وطأة كابوس جماعي مرعب حل بهم ولا بد أن يزول ، إلا أن مأساة الضياع كانت واقعا أليما اخذ يدركه المهاجرون السابحون في فضاء مجهول شيئا فشيئا وهم يرون الموت يتربص بشبابهم ، والإعياء يصرع كهولهم ، والجوع ينهش أطفالهم.
Page 8
ظل الشيخ يبتهل الى الله أن لا يدفن ألا في قلب تربة وطنه ، تراخت أقدامه ولم يعد يقوى على السير ، فألقى بنفسه على الأرض، وحاول البعض مساعدته على النهوض دون جدوى ، ضعفت دقات قلبه فأغمض عينيهوأخذ يتلو بصوت خافت آيات من القرآن الكريم، ثم تمتم قائلا :
 
- إني أرى ملائكة بثياب بيضاء ناصعة تحملني وتعيدني الى بيتي . الحمد لله أن كتب لي البقاء في بيتي.. الحمد لله ، اشهد أن لا اله ألا الله واشهد أن محمدا رسول الله. ثم أسلم الروح وكان له ما أراد ودفن في تربة وطنه.
 
وقد عبر عن تلك الصورة المأساوية شعرا احد المهاجرين من أبناء صفد الشاعر محي الدين الحاج عيسى بقوله:-
 
صفد وقد عانيت هـول مصابها صُرعَتْ وفارقها الحماةُ الصيدُ
 
ثار الرصاص وجن مقتحم الوغى وصدى المدافع صيحة ووعيد
 
فالأرض يعفر وجهها بقذائــف والجو فيه لهولها ترديـــد
 
والجو داج والرياح عواصــف وبلاء ربك بعــد ذلك شديد
 
يتلفتون مودعيـــــن فثاكـل تبكي وشيخ ذاهل ووليـــد
 
وفي لجة المأساة وهولها ، لم يفقد عمر إيمانه بالله ، وإيمانه القوي كان نورا يشع من داخله فينير ظلمات نفسه. فقد كان نقيالسريرة صابرا مصابرا، يتوجه الى السماء بخشوع رهيب، يناجي خالقه ويستنجد به ويسلم له أمره. توضأ على عجل واتجه نحو القبلة وأدى صلاة الظهر والعصر قصرا وجمعا، فالتقوى والورع لا يفارقان قلبه الذي يعمره الأيمان بصورة دائمة فلا يتأثر بالأحوال مهما بلغت جسامتها ، فهو دائما رضي النفس هادئ البال، يحب الناس جميعا ولا يحقد على أي إنسان حتى لو أساء أليه أو تعرض له بالأذى. هكذا هو، وهكذا هي طبيعته التي جبل عليها والتي لا تتغير مهما ادلهمت الخطوب، ورغم ما كان يتمتع به من صفاء ذهني وأيمان قدري، فقد كان يشعر أن الخارج من وطنه كالخارج من ثيابه، بل كالخارج من الحياة الدنيا إلى ما بعد الحياة، تمر صور حياته مهما طالت بمشاهد متتابعة متصلة أحيانا ومنفصلة إحداها عن الأخرى في باقي الاحيان وكأن مغادر الدنيا يأخذ معه افضل ما علق بذاكرته، ومغادر الوطن يأخذ منه أيضا كل ما مرّ به مناحداث وابرز ما شاهده بأم عينيه يتكون على أرضية ذلك الوطن، وتبدأ أولى المشاهد من ذاته ومحيطه.
Page 9
نظر عمر الى زوجته رابحة بعيون مشفقة حانية، ربت على ظهرها ، إبتسم في وجهها إبتسامة محبة ورضى انتزعها من قلب مأساته وحزنه العميق، انها الصورة الحية المكملة لصورته، والصورة الأولى التى تتقدم ما عداها من صور مرت في حياته لأنها باتت شريكاً في تلك الحياة وجزءاً لا يتجزأ منها.
 
كانت رابحة والدة الفتى فارس تسير الى جانب زوجها عمر تتقاسم معه عبء العناية بالأبناء الاربعة ، فتحمل طفلها الرضيع وهو الرابع بين أبنائها بيد وتمسك بطفلها الثالث باليد الأخرى، بينما يلتصق فارس وشقيقه الثاني بابيه، تسير وهي رابطة الجأش متزنة الخطى تخفي ما تظهر، فخلف الوجه القاسي الملامح الذي يظهر صلابتها وقوة عزمها أخفت نفسية مسكونة بهموم مضاعفه لا حدود لها، فبيت الزوجية الذي جعلته من أجمل بيوت الحيلكثرة ما أدخلت اليه من إصلاحات وتحسينات، وأكثرها نظافة ولمعانا ولشدة عنايتها بأرضه وجدرانه وابوابه ونوافذه وكل ما يحتويه، والذي شهدت غرفه الفسيحة، وفناءه المستظل بدالية عتيقة، تتدلى منها قطوف العنب، أبهج سني حياتها وفرحها العامر بزوجها الهادئ الطيب، ومرحها مع أبنائها الأربعة، وارتياحها لجدتهم التي كانت مصدرا للمحبة والحنان، ذلك العش الدافئ تركته وراءها لا تعلم متى ستعود أليه، وهل سيتعرض للعبث اليهودي في غيابها؟ وأهلها في طبرية انقطعت أخبارهم عنها منذ سقوط بلدتهم ، فلا تعلم عنهم شيئا، ما الذي جرى لهم يا ترى، أين أبوها الحاج حسن وأين أمها القلقة على كل من حولها باستمرار لمحبتها لهم وتعلقها بهم وخاصة ابنتها الصغيرة رابحة البعيدة عنها؟ وهل سلم شقيقها الوحيد عثمان من ويلات القتال؟ لقد كان يصغرها بعامين وكم كانت تتشاجر معه وكم تفتقده ويأكلها قلبها عليه، وشقيقتهاالكبرى هي الأخرى انقطعت أخبارها منذ مدة، هل هم في عداد الأحياء أم في عداد الأموات؟ وهل هم في طبرية ام أجبروا على الخروج منها؟ اسئلة ألحت عليها وانهكتها، فهي لا تعرف من امرهم شيئا ولا احد حولها يعرف. فالضباب الاسود الثقيل لا يلف طريق الخروج فقط بل غطى بكثافته العقول والنفوس، وبات كل واحد ممن حولها يتلمس خطواته وكأنه في ظـلام دامس. ثمانية أعوام قضتها في صفد بعد أن جاءت أليها فتاة يافعة لا يزيد عمرها على ستة عشر عاما عندما تزوجها عمر وجاء بها الى بلدته . وكم عشقت تلك البلدة، وانتعشت بهوائها العليل، ومناخها اللطيف صيفا والبارد شتاء، وأحبت جبالها العالية المكسوة بالغابات ووديانها المتعرجة التى تكثر فيها الينابيع وجداول المياه. فكل ما حولها رائع وجميل، وبيتها عامر بالدفء والرحمة. زوجها يدللها، ووالدته تحملها على كفوف الراحة. كانت تزور أهلها بين الفينة والأخرى وخاصة في فصل الشتاء وتستقبلهم في بيتها عدة مرات في العام الواحد وخاصة في الصيف. وفي العامين الأخيرين انقلب الوضع الأمني رأسا على عقب، فاليهود تضاعف تسليحهم وقويت شوكتهم وازدادت شراستهم وكثرت اعتداءاتهم، فتبدد لأمن والاستقرار وتاه كل انسان عن الآخر، وانقطعت هي عن زيارات الآهل وانقطعوا عنها ، فقد نأى كل إنسان بنفسه خوفا من التعرض للأخطار المحدقة، وتجنب الوقوع في براثن الشر المتربص به في كل مكان.
 
شردت بأفكارها بعيدا تتصارع في نفسها الافتراضات والتخمينات، وكاد الطفل يسقط من يدها ، فتنبهت له في اللحظة ألاخيرة فأمسكت به بكل قوتها وشدته الى صدرها وواصلت مسيرها بصمت وذهول.
Page 10
وطبرية المشتى الفلسطيني الدافئ التى جاءت منها رابحة ، صمدت في وجه الزلازل لوقوعها على خط الانهدام السوري الأفريقي مع مدن الغور الفلسطيني الأخرى سمخ وبيسان وأريحا، وحافظت على بقائها مدينة عربية على مر العصور الاحتلالية ، وهي إحدى المدن الأربع الى جانب كل من صفد والقدس والخليل التى سكنها اليهود الاشكناز ولم يبرحوها أبدا اعتقادا منهم أن المسيح المنتظر سيهبط في واحدة منها . وانتظارا ليوم ظهوره كانوا يواصلون الاعتداء على أهل تلك المدن ويضيقون عليهم الخناق لكي يدفعوا بهم الى الهجرة عنها، لتبقى يهودية خالصة دون وجود أي عربي فيها . وقد شكلت هجراتهم الاستيطانية المتلاحقة اليها أغلبية يهودية زادت على نسبة أصحابها الطبريين الاصليين، ولم يكن فيها عام النكبة سوى حامية عربية قليلة العدد والعدة تتبع جيش الإنقاذ لا يتعدى مجموع أفرادها خمسين مسلحا وذخائرهم لا تكفي لقتال يوم واحد، ومعهم بعض شباب طبرية الذين يعوزهم الإلمام بالسلاح والضعف في التدريب، ومع ذلك حاولوا بفطرتهم وعفويتهم الدفاع بكل عزم عن بلدتهم وصدوا الهجمات اليهودية العنيفة ضد أحيائهم في منتصف شهر آذار 1948 ، وتوصلوا الى هدنة مع اليهود رعتها قوات الانتداب البريطاني . ولكن ما فتئت العصابات الصهيونية المسلحة ان نقضتها واستأنفت عدوانها ضد أهل طبرية الذين استنجدوا بالمناضلين المقيمين في مدينة الناصرة فأنجدوهم بما استطاعوا من متطوعين قادهم محمد العورتاني من ضباط الجيش الأردني، تبعتها مجموعة ثانية قادها دياب الفاهوم وثالثه قادها أبو الرب، ولكن اليهود عززوا قوتهم وكثفوا هجماتهم ليلة 15-16 نيسان واندفعوا بقوة تشكلت من أربعمائة مقاتل مزودين بأسلحة متطورة . وكان عدد المدافعين عن طبرية مع المجاهدين القادمين من الناصرة الذين انضموا إليهم لا يتجاوز مائتي مسلح . وقد مهد الإنجليز لسقوط طبرية بإخلاء رعاياهم منها وإقفال المستشفى الاسكتلندي . وبعد اشتداد المقاومة العربية اضطر الإنجليز للتدخل وفرض هدنة مدتها ثلاثة أيام ، انهارت في يومها الثالث في التاسع عشر من نيسان عندماهجم اليهود بأعداد غفيرة واحتلوا البنايات الكبرى ، فسقطت طبرية دون أن تكلف اللجنة العسكرية العربية خاطرها بإرسال نجدة عسكرية أو على الأقل قائد عسكري واحد يتولى الاشراف على تنظيم الدفاع عنها . وقد رحل سكانها جميعا عن مدينتهم بضغط من الجيش البريطاني الذي شجعهم على الرحيل كي لا يتعرضوا للذبح على أيدي العصابات اليهودية كما تعرض إخوانهم في دير ياسين ثم في قرية ناصر الدين القريبة من بلدتهم حيث ارتكب اليهود فيها مجازر رهيبة، فحرقوا بيوتها وقتلوا رجالها بعد أن اعتدوا على نسائهم أمام أعينهم، وشردوا أطفالها ، واستباحوها استباحة وحشية قضت عليها وأسقطتها في أيديهم ليلة العاشر من نيسان .ومنذ ذلك اليوم المشؤوم ، انقطعت طرق المواصلات بين طبرية وصفد وبات الناس في تيه كبير، وصدمة عاصفة أخلت بعقولهم فبات المرء لا يدرك اكثر من ذاته ، فالمعلومات اختلطت وتشوشت ، والكل في ضياعلا حدود له.
 
لقد ركزت رابحة تفكيرها على النجاة بنفسها وبزوجها واطفالها وأرجأت الى حين التفكير بأهلها وذويها خشية أن تصاب بانهيار يقضي على فرصتها بالنجاة من ويلات الحرب . وعاشت لا تدري شيئا عن مصيرهم ، لقد انصب اهتمامها في تلك اللحظة على الخروج من مصيبتها الثقيلة التى تقودها الى مصير مجهول لا يعلم به إلا الله ، ولم يكن أمامها وأمام الفارين معها سوى التسليم للقدر وتركه يفعل بهم ما يشاء .