eKtab
EN ع
سنوات النار - أبطال من هذا الشعب
Read free sample

سنوات النار - أبطال من هذا الشعب

by أحمد الزبيدي

Page 1
أمّ السعد

(أ)

قرية الخرابات

قرية يسودها الصمت والظلام، بالرغم من أن هناك قانوناً يُلزِم أيّاً من السكان بحمل فانوس مضاء بعد صلاة المغرب وإلا تعرض لإطلاق النار عليه من قبل حرس الوالي... وهكذا فإن قرية الخرابات كانت تغرق في الظلام معظم أيام السنة ما عدا أيام قليلات مقمرات. ومع ذلك فإنه حتى في هذه الأيام كانت الدروب تخلو من المارة، فما أن يحل المساء حتى تهدأ أنفاس القرية وتخلد إلى النّوم، وتتعانق الخرابات ومقبرتها في صمت مريب.

كانت جدتنا أم السّعد تجوب القرية ليلاً كل يوم؛ في الأيام السوداء العديدة والأيام المقمرة القليلة، على السواء؛ ومن دون فانوس تذرع دروب القرية وهي تتمتم بكلمات وأغنيات، وفي الهزيع الأخير من الليل كانت تتجه صوب المقبرة، حيث تتلاشى هناك طوال النهار، أو هكذا يزعم السكان إن سألتهم باختصار.

من هي أم السّعد؟ وما حكايتها؟ ومن أين أتت؟ لا أحد يعلم أو لا أحد يريد ذلك، فأم السّعد أضحت جزءًا من حكاية قرية الخرابات، بل هي حكاية القرية الوحيدة التي تثير الكثير من الأقاويل والروايات.

الوالي ذاته كان من المؤمنين بسر أم السّعد وسطوتها؛ ولذا فإنه أمر حرسه بعدم التعرض لها، وإن لم تحمل فانوساً مضاءً أثناء الليل، ولو أنه غامر وأمر حرسه بخلاف ذلك فربما فوجئ بتمرد نفر من حرسه.

أم السّعد لم تكن تكلم أحداً، ولم يكن لها أي صلات ظاهرة بالأهالي، ولم يعرف قط أن لها صلات بالسلطات، وهي شخصيّاً لم تدَّعِ مكرمات، وجلُّ ما يُعرَف عنها حقّاً أنها تحدَّتْ أوامر الوالي بحظر التجوال من دون فانوس مضاء أثناء الليل. هذا الفانوس المضاء الذي كان يشي بشخص المتجول في الظلام ويقع ضمن نطاق المتعلقات الأمنية المهمة للسلطات العليا في المركز.

كان كل شيء في هذه القرية يشير إلى الماضي، وتتملكه الرتابة، حتى جاء القمر المنير في تلك الليلة الرائعة، فسكن القرية وأضاء دروبها، وداعب أشياءها القديمة، عندما كانت الخرابات تضج بالحياة، وتسكن جنباتها أغنيات الصيادين وأهازيج الرعاة.

في ليلة ظهور القمر المنير بدراً اندفعت الصبايا هازجات في دروب القرية، وغُبَّ خروجهن الجميل تقاطر السُّكَّان يهزجون في الدروب دونما فوانيس أو خوف. وعندما اعتدل البدر المنير في عليائه فاجأت أم السّعد الجموع التي انضمت إليها وهي ترقص مزغردة تقطع دروب الخرابات من المقبرة حتى سيف البحر.

صفحة المحيط الزرقاء كانت في ذروة نشوتها، وهي تحتفل باعتدال البدر المكتمل في عليائه، فاتسقت مويجاتها وهي ترقص ثملة، محتفية بمولد مثل هذا اليوم المتجدد كل عام في حياة هذه القرية.

في ثبات اتجهت أم السّعد صوب سيف البحر، وخلفها سار الأهالي، وعلى سيف البحر، حيث لامست خطواتها مدَّهُ، خلعتْ أم السّعد جلبابها وطفقت تسبح عارية نحو عمق اليَمّ.

وفي اللُّجة البعيدة، حيث لم يعد الأهالي يرونها، تحدثوا كثيراً في أمر هذه الليلة: لقد بدت أم السّعد في غاية الجمال وهي تلقي بجدائلها السوداء خلفها، وكان جسدها العاري يضيء كفانوس ألقى به من طرف المحيط بحار محب نحو اللُّجة الودود حيث تلاشت أم السّعد في اليَمِّ ولم يعد أحدٌ يعلم أين اختفت.

في تلك الليلة المقمرة، وفي الطرف الآخر من الخرابات، كان الوالي قد أعلن أقصى درجات الاستنفار، حيث دعا مجلس السحرة السِّرِّيَّ، الذي كان يرأسه سنواتٍ لاجتماعٍ مصيري، وأبلغ السلطات العليا بالأمر طالباً تدخلها المباشر.

مات الوالي وهو يقلّب الأمر في مجلس السحرة المحلي، حيث تملَّكه الشك والخوف، واعتقد جازماً أن أم السّعد طيف ساحرة وذات شأن.

وفي خضم هذه الأحداث التي أعقبت اختفاء أم السّعد في عمق البحر، واتساع رقعة الاضطراب الوطني العام، تلاشت أفراح الليلة المقمرة.. وحلت كوابيس الليالي السود.

بعد أن انسل الجنود يقودهم الرجل الإنجليزي، معلنين انقلاباً عسكريّاً، أكد هذا الأخير في مذكراته التي كتبها بعد تقاعده: أن أمر امرأة الخرابات كان يعد من متعلقات الحركات اليسارية، وأنه ربما كان للآخرين يد في ذلك، بيد أن الثابت أن امرأة الخرابات (أم السّعد) هي أميرة ساحرات «خور روري» المعادية، والخطيرة.

في الليلة التالية، ولأول مرة، أكد مجلس السحرة الجديد، علناً وعلى رؤوس الأشهاد، أن ما قاله الرجل الإنجليزي «صحيح وثابت، ويعبر عن روح إيمانية عالية».

* * *
Page 2
(ب)

الرجل الإنجليزي، «مدبر الانقلاب»، وتابعه الهندي أدخلا الكهرباء فوراً إلى قرية الخرابات في إطار خطة قيل عنها إنها «محكمة» لمحاربة الإرهاب، وأبدل اسم الخرابات بمسمى «العمرانية». وبدخول الكهرباء لم تعد البلدة بحاجة إلى «القمر المنير» و«كل هذه الادعاءات»، كما صرح بذلك الرجل الهندي التابع للرجل الإنجليزي الذي أصبح يرأس مجلس السحرة السِّرِّيَّ الأعلى، والذي يتكون بعضه من أتباعه المواطنين الذين كانوا يعذبون «المعتقلين» بأعمال سحرية فظيعة، كما كانوا يدعون.

بحر العرب الساكن في المحيط الهندي، الذي سبحت فيه امرأة الخرابات عارية، لم يعد محيطاً هادراً، بعد أن احتلَّته قطعان الأساطيل الأجنبية، وغدت «العمرانية» مرتعاً يرتاده بحّارتها.

عمرانية اليوم تبدو كقرية خلاسية، بلا قمر منير، وبلا بحر العرب الساكن في المحيط، بل وخالية من امرأة سحرية كجدتنا أم السّعد الساحرة رئيسة مجمع السحرة المبجل في «خور روري».

* * *
Page 3
(ج)

أنا وصديقي سامر لم يرق لنا مجتمع العمرانية، حيث النفاق والأقاويل والحسد والأنانية، كما أننا اكتفينا بصداقتنا وتفوقنا الدراسي، ولم نرتبط بعلاقات بفتيات العمرانية؛ كنا في بداية مراهقتنا نحتفي بـ«رابطة صداقتنا»، ونُسرِّي عن نفسينا بالتجوال في طرقات العمرانية وأسواقها، وأحياناً في ممرَّات المقبرة الضيقة، حيث نشم رائحة الرَّياحين الزَّكيَّة التي يزرعها أهالي الموتى على قبور موتاهم.

غالباً ما كنا نشاهدها هي وإبريق الماء تأتي إلى القبر تروي رياحينه، لم تكن تحفل بنا، ولم نكن نعيرها اهتماماً، غير أن صديقي سامر أشار مرة وقد تغيَّرتْ نبراتُ صوته:

- إنها مثيرة... كما أنها لغز كجدتنا أم السّعد.

لم أعلق بشيء، بيد أن نبرات صوته أثارت عاصفة من الشهوات الكامنة في عقلي، وعصفت بالقوى الساكنة أيَّما عصف.

أصبحت وسامر أكثر ميلاً للتجوال في دروب المقبرة، بل أضحت المقبرة مكاننا الأثير، كانت تأتي ساعة الغروب وتقعد في الأيام المقمرة إلى ما شاء الله، لا تغادر المقبرة إلا بعد أن نذهب، كنا ندور حولها فنراها تُرسِل النظر إلى بعيد. وفي تلك الليلة المقمرة اقتربنا منها كثيراً حيث رنت نحوي ودعتني:

- أنت..

- أنا؟.

- اتبعني.

دخلت المرأة القُبَّة المجاورة للمسجد، حيث ضريح ولي «الخرابات» الأبدي، كما يقال هنا في العمرانية، تبعتها، ودخلت حوش القبة في أثرها، جلستْ والشَّبق في عينيها يتلظَّى ويتشظَّى؛ أشارت عليَّ بالجلوس الى جانبها، وتمدَّدت وقد وضعتْ رأسها على فخذي اليسرى، وأزاحتِ النِّقاب عن صدرها البَضِّ، وسحبتْ يدي اليمنى فوق نهدها الأيسر فضغطته، وشعرتُ بدبيب خدر يجتاحني ووجيب قلبي يزداد خفقاناً، فأخذتني النشوة وارتعشتُ واضطربتُ في وهج اللحظة التي غيَّبتني عن المكان والزمان. تراءت لي جدتي «أم السّعد» وهي واقفة عند باب القبة، وقد اتَّزرتْ بأحزمة الرَّصاص ويدُها على الزناد. تأوَّهتْ فتاتي وهي في قمَّة نشوتها وذروة شهوتها، وأنَّتْ وبكتْ وأطلقتْ أصواتاً متقطِّعة، أتبعتها بصرخة تماهيتُ فيها، ولم أعد أدري بما حولي. وحين خمدت الجذوة بيننا، وقبل أن تلوذ هي بالصمت، قالت:

- هذه الليلة مقمرة.

* * *

أنا وسامر لم ننقطع عن التجوال في المقبرة، بيد أن سيِّدة قبة المسجد تلاشت؛ لم يقل أحدنا للآخر شيئاً، لم نأتِ على ذكرها غير أنها كانت تشغل تفكيرنا وتحتل أحلامنا بجسدها المثير، هي وولي الضريح الذي لم يقل لنا شيئاً هو الآخر، بيد أن ابتسامته الحنون كانت تبارك فعلتنا في تلك الليلة المقمرة.

ومع أننا لم نُجرِ حواراً حول الأمر في رابطة صداقتنا ولا في أثناء تجوالنا في دروب العمرانية، فإن صديقي سامر فاجأني ذات يوم قائلاً:

- لقد رأيت الليلة وَليَّ الضريح.

- أي ضريح؟.

- ضريح قبة المسجد.

- أين؟.

- على سيف البحر.

- وهل كانت معه؟.

- لا.

- لقد ماتت من ألف عام على كل حال.

تبرَّمَ صديقي سامر، وقطعنا الدروب في تلك الليلة، من دون أن ينبس أحدنا ببنت شفة.

أنهينا (صديقي سامر وأنا) العام الدراسي بتفوق، انتهى العام بهدوء، عدا تلك الملاحظات السِّرِّيَّة التي أبدتها المراجع العليا لرابطة صداقتنا، والتي أشارت إلى روح الخرافة التي نبديها وكأنها حقيقة وليست من تخليقات الخيال التي تجعلنا نكررها كلما دار الحديث عن جدتنا» أم السّعد»، وعن امرأة قبة المسجد وولي الضريح، غير أن كل تلك الملاحظات، وتعاقب الأيام، لم يُنسِيانا طيف سيدة قبة المسجد الذي كان موضوعه يلح علينا كلما دار الحديث عن أمنا، أم شعبنا المبجلة «أم السّعد»، فتهيج بي الذكرى صوب المقبرة مرتع صباي الأثير في الليالي المقمرة.

* * *
Page 4
حامد

كنا ثلاثة لا نفترق: سامر وقريبه حامد وأنا، منذ الصف الأول الابتدائي ونحن معاً، وبعد أن أنهينا المرحلة الدراسية الابتدائية كنا نقضي خريف ذلك العام بالتجول على الدراجات الهوائية القديمة في أزقة العمرانية ودروبها المتربة.

وفجأة طوقتنا سيارات الشرطة وعناصرها المدججون بالسلاح والهِرَاوات. اقتادونا إلى مركز الشرطة، من دون شرح الأسباب، وتم ترحيلنا إلى السجن، ولم تنفع شفاعة الوجهاء ولا توسلات الأهالي لإطلاق سراحنا.

في السجن عُزِلْنا في زنازين انفرادية، ومن زنزانة حامد كان يأتي صراخ وأنين لا يُطاق، لم نكن نعلم ما الذي يجري، بيد أن ابتسامات ونظرات رجال الشرطة كانت تشير لأمرٍ جلل.

لم نعرف لماذا هذه الإجراءات التي اتخذت بحقنا، وكنا نسمع صراخاً واستغاثة من زنزانة حامد، ولم يتخذوا بحقنا أيَّ تدبير أو إجراء.

بعد أيام قليلة تم نقل حامد إلى مكان مجهول وفقاً لما أسرَّ به لسامر أحدُ أقاربه من رجال الشرطة.

كان الوضع برمته غامضاً، قاسياً والتعامل معنا منافياً لكل حقوق المواطنة؛ فاللفظ النابي على أفواه رجال الشرطة على أشده متنوعاً وجارحاً، وسوء المعاملة والقسوة والضرب ماضية أيضا، وفي منتصف الليل كان يتم اغتصاب السجناء الشباب اليافعين، وبالرغم من تخفيف قيود السجن بالنسبة لي ولسامر، حيث سمح لنا بالتريض لمدة نصف ساعة في باحة السجن كل يوم إلا أننا، وخلال هذه الفترة القصيرة من الوقت، كنا نخضع لرقابة مشددة.

بعد أيام من المعاناة أطلق سراحنا (أنا وسامر) إذ لم تكن هناك أية تهمة محددة.

كان مصير زميلنا حامد -الذي تأخر إطلاق سراحه- يقضُّ مضاجعنا، تحدثت إلى سامر حول ذلك، فأسرَّ لي بشكوكه قائلاً:

- أخشى من أنه كان يتم وضع حامد تحت ظروف معينة تمهيداً لاغتصابه.

قلت :

- ولكنني لا أستطيع حتى مجرد التفكير بذلك.

- ولكن للشرطة السرية سجل فاضح، معروف أنها وكر للاستخدام السياسي للاغتصاب.

* * *