Page 1
1
أي أحمق، جلف القلب، ذاك الذي قرَّر أنَّ الرجال لا يبكون؟
أمضيت زهرة سنوات عمري وأنا أنتظر هذا الإياب وأرسم له، على صفحة الغيب، مئات الرؤى السعيدة، دون أن تكون بينها الصورة القاتمة التي أراها الآن· إذ كيف كان لي أن أحزر أنني سأعود مقمَّطاُ، لا بالغبطة كما اشتهيت، بل بأسى أسود يُثقل على القلب فيكتم أنفاسه؟
دخلت الى الوطن، ذات ضحى نيسانيٍّ ساخن، في سيارة اجرة تنقل ثلاثة ركاب، جالـساُ الى جوار سائقها، وفي المقعد الخلفي تكوَّمت كاشانية خاتون على نفسها، مثل صندوق عرس عتيق بهتت نقوشه·
ثلاثة أحياء في الداخل، وفوق رؤوسهم يقبع، على سقف السيارة، تابوت ملفوف ببطانيـة باليـة من معامل فتَّـاح باشا، بمربعات بُنيَّة وزرقاء·
حين لاحت لي، بعيداََََ علي يمين الطريق الصحراويِّ، نخلتان تصفِّق سعفاتهما مع لفح ريح غبراء، فاض أسـاي حتى كاد ينزُّ دمعـاً من عينيَّ· وتذكَّـرت المرَّات القلائـل التي بكيت فيـها، وأطبقت جفنيَّ، ضاغطاً عليهما بقوَّة، حابساً ضعفي وراءهما، وكأنني أمنع رجولتي من انفراط مشين· هذا ما تعوَّدتُ أن أفعله في لحظـات ضعفي، منذ أن كنت ولداً دون العاشرة، يوم شـقَّت نسـاء البيت صدورهن وتعالى صراخهن وأخذتني عمَّتي الى حجرها وخاطبتني مثل رجل صغير، قائلة إنَّ عمود بيتنا قد تهاوى·
أيُّ قوَّاد هو ذاك الذي حكم أن الرجال لا يبكون؟
كنا قد عبرنا الحدود آتين من الرويشد، وتحولَّت عيناي الى كاميرتين تدوران لإلتقاط كل الغبار والهوام والسيارات المحطمَّة واللافتات الصدئـة والصور العملاقـة الملوَّثـة بالوحل وأكياس النايلون المتطايرة مع الريح والشوك الكالح على جانبي الطريق، وكأنَّ القيامة قد قامت على هذا الجانب من الدنيا· ولمَّااستقبلتني أول نقطة حدود عراقية، تذكَّرت زمزم الذي مرَّ بهذه البقعة ، من قبل، وكان يسمِّيها: جمهورية طريبيل المستقلَّة !
أين أنت يا زمزم في هذه الساعة التي لا تشبهها ساعة؟ في مقهى الأُوديون تحتسي بيرتك، كفاف يومك، كما هي عادتك منذ عرفتك وعرفتني؟ أمن أجل ذلك الطقس البائس رفضت، يا حَنقَباز السمـاوة، أن تشاركني رحلة إيـابي التي تشلع القلب، قائلاً لي ببرود قاتل: إذهـب وحدك الى الجحيم؟
ليتك معي في هذا الجحيم، ترى ما أرى و تسمع ما يحكيه لي سائقنا الاردني الثرثار الذي يبدو أنَّه، يا ويلي، يستدلُّ على بلدي أكثر مني، وأنا ابحلق فيه مثل تلميذ نجيب عائد من إجازة مَرَضيَّـة ويريد أن يلحق بكل ما فاته من دروس، في حصَّة واحدة·
تعال وانظر آثار القذائف على اسفلت الطريق، والكابينات وقد تحوَّلت الى خرائب، وغرف الأمن مسكونـة بالقـطط السائبـة ، والمصرف منهوباً، والصالة التي كانت سجناً صارت مرحاضاً قذراً مفتوحاً لمن استعصى عليه الإنتظار· أما عنبر التفتيـش ونبش الحقائب فقد تمدَّد فيه جنديان حَمَّصَت الشمس وجهيهما، يغفوان القيلولة بكامل عتادهما وقد تركا دبابة مصفَّحة قرب الرصيف·
أتخيَّلك يا زمزم تنحني أمامي وتقول لي مرحِّباً، بطريقتك الفاجرة:
Page 2
ـ أهلاً بك في جمهورية طريبيل المستقلة··· أيُّها الدِّيك العائد الى المزبلة !
سألني ضابـط الجوازات ذو القميص الخاكي القديم والذقن غير الحليقة عن سنة مغادرتي البلد· ولما أجبته ناظراً في عينيه مباشرة كمن يتباهى بوسام الآلام المعلَّق على مؤخَّرة مهترئة من كثر ما تمسَّحت بأرصفة المدن الغريبة، تأملني بنظرة لئيمة وقال ببرود:
ـ يعني أنَّك أمضيت في الخارج، يا استاذ، أحلى سنوات شبابك، التي هي أتعس سنوات شبابنا·
لم أدر بمَ أردُّ عليه ولا كيف أدرأ تحرُّشَه المهين· لقد وضعوه في هذا المكان لكي يمارس هوايـة تقريـع ضمائر العائدين مـن الخارج، اولئك الأنذال الذين لم يلبسوا البسطال مثلما لبسه هو، طائعاً أو رغم أنفه، ولا ارتعدوا أمام آمر الفوج أو اصطكَّت أسنانهم تحت وابل القنابل التي لا تبقي ولا تذر· إن مهمَّته تتلخص في نبش حيثيات ماضيهم الذي أفلَتَ، في صدفة من صدف الزمان، من رقابة ألأجهزة الكثيرة التي تترصَّد حتى الأحلام في رؤوس أصحابها ومعاقبتهم على المارق منها·
قرأ ذلك الشاب الذي خمَّنتُ أنَّ عمره لا يتعدى الخامسة والعشرين، صفحة عمري في ثوان، واستكشف تاريخي كما يحلو له، ولعلَّه قرَّر أنَّني رجل مشبوه لأنني كنت موفـور الحـظ، بعكسـه، وابتعدت في الوقـت المناسب الى البـلد الآخر، الآمـن والجميل· كيف أجعله يفهم، يا زمزم، أنَّ الأعمار يمكن أن تتبدَّد هدراً، أيضاً، في أكثر بلدان الدنيـا جمالاً، وإنَّ الأعمار إذ تتبدَّد في بلد غريب، بلا حصاد يُذكر، فإنَّ الأمر يصبح أكثر فداحة؟
ماذا يعنيني إذا فهم ذلك الضابط وجهة نظري أم لم يفهم؟ وعلى من تقرأ جنجلوتياتـك يا···
تركت أمامه جواز سفري، وجواز الخاتون الرابضة في السيارة، غير قادرة على الترجل منها، وشهادة وفاة سارة، مُتَرجَمة ومُصَدَّقة حسب الأُصول، وتصريح الدفن الصادر من شرطة باريس، ووقفتُ أنتظر أن يفتح لي بوابة العبور الى بغداد، على أمل أن نصلها قبل المغيب·
بغداد !
هل أبيت الليلة فوق سطح من سطوحك؟
Page 3
2
لم تكن باريس منفى بل فاصلة جميلة شطرت عمري ووَشَمَتني بختـم لا يُمحى· وكنت قد وصلتها ملتاعاً، هارباً من احباطين ملعونين، سياسيٍّ وعاطفيٍّ· وإذا كانت نجوى هي الحبيبة التي خَذَلتني مَرَّة فإنَّ الحزب كان لحميَ الحي الذي خذلني مرَّات· ومع هذا ، فإنني لم أقوَ على الانسلاخ عن جلدي أو الإبتعاد عن الرفاق الذين سبقوني في الرحيل· وهو لم يكن سفراً كما يسافر الناس من مطارات الأرض وهم يحملون الحقائب والهدايا، بل فرار في ليلة سوداء، أحمل في متاعي الخفيف الهموم الثقال لاولئك الَّذين خلَّفتهم ورائـي··· يمضغون المر ويتنفسون الفساء النتن لجبهة وطنيَّة تحوّلت الى جثَّة متفسِّخة·
للأمانة، لم تكن باريس مكاناُ يناسب حسرة الهاربين من الأوطان· إذ كيف يكـون كل هذا الأَلَـق والفن و البارات التي لا يغمض لها جفن منفى لأمثالي ممن ضاقت بهم البلاد أو ضاقوا بها؟ كنت أعرف أن المنافي تشبه جُزُراً أو مناطق نائية، بدائية، تتقشَّف فيها الحياة حتى تخلو من أي لذاذة··· شيئاً مثل هنغام التي نُفيَ اليها زعماؤنا الوطنيـون في العشرينات، أيام الإنكليز، او مثل سيبيريا أو سيشل أو حتى كورسيكا· لكن حتى هذه البقاع أصبحت جنَّـات يتسابق عليها السـائحون، فما بالك بباريس يا نبيَّ التسكعات يا زمزم؟
كنـتُ قد تعثَّرتُ بك في حديقـة اللوكسمبورغ ، في واحد من تلك الصباحات التي تمدُّ فيها عقارب الساعات سيقانها، على مهل، ولا تعود تنفع معها المطالعة أو مشـاهدة التلفزيون· ولجأتُ، كعادتي، الى الحديقة الواسعة التي لم يكن لي مكان، غيرها، يلتهم أشهري الاولى الخاوية في هذا البلد· أما أنت، فكنت تمارس رياضة الهرولة اليومية مثل أي برجوازي صغير يخاف على لياقته البدنية، أو مثل طالب بعثة بطران، يتلقى منحة شهرية معقولة، وقد نبت له كرش صغير من كثرة التهام أصابع البطاطا المقلية وعبِّ البيرة·
وقفتَ تلتقط أنفاسك بالقرب من الكرسي الحديديِّ الأخضر الذي كنت أجلـس عليه، وظننتك، بادئ الأمر، أحد اولئك المغاربة الذين أصابهم هوس عويطة فراحوا يركضون بأقصى سرعة وكأنَّ الذئاب في إثرهم· ثم لفت انتباهي أنك تدسُّ جريدة الثورة البغدادية في حزام سروالك الرياضي، فلم اتمالك نفسي من القول بصوت تعمدتُّه عالياً:
ـ يا فتَّاح يا رزَّاق··· بأي وجه أغبر اصطبحنا اليوم لكي تطلع لنا الثورة في اللوكسمبورغ؟
لم تفاجئك عبارتي، وكأنَّ باريس، بالنسبة لك، مزرعة عراقية صرف تحتشد بمواطنيك الآتين من كل المحافظات· أما أنا فقد فاجأتني ضحكتك الطيبـة وأنت تمدُّ لي يداً مصافحة وتردُّ على حرشتي بلهجة جنوبية لا تخطئها الأُذن:
ـ خـوي أنا لستُ بيَّـاع جرايد، ولو كنتُ كذلك لجئتك بجريدة طريق الشعب وأنا الممنون·
حزرتُكَ وحزرتني، والنهار في أوَّله·
هكذا ابتدأت صداقتنا· من عبارة نَزِقَة منِّي وعبارة حبَّابة منك· وهي صداقة ستُسبِّب لك مشكلات سقيمة مع حزبك، إذ لم يفهم رفاقك الأشاوس كيف يمكن لبعثيٍّ ملتزم، مثلك، أن يصادق شيوعيـاً قطمر في تلك السنوات الملتهبة التي كانت مطاردة السَحَرة، فيها، قائمة على قدم وساق، والحرب مع ايران تُطلق مارد الكراهية من قمقمه؟
هل تظنُّ أنَّ رفاقي، من جهتهم، فهموا الأمر؟
Page 4
تناولت منك جريدتك لأقرأ تفاعلات مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت، وكنت أشعر بقرف من العجز العربيِّ، ومن نفسي، ومن أخبار الجرائد، ومن كلِّ شيء· فلمَّا قلتَ لي إنَّ الطلبة العرب سيتظاهرون في ميدان تروكاديرو احتجاجاً على ما فعله شارون، ودعوتني الى الذهاب معك والالتحاق بهم، أسقطتُ عليك إحباطي وسألتك:
ـ هل ستتظاهرون مكانك سِر؟
ـ وهل تتوقَّع أن نمشي من تروكاديرو الى القدس؟
غلبتني مَرَّة أُخرى فأشحت بوجهي عنك ورحت أُتابع عاشقين شابين غارقين في عناق محموم، وسمعتك تقول، بعد برهة، وكأنَّك تخاطب نفسك أو تقرأُ أفكاري:
ـ لماذا يتبادل الناس الحبَّ هنا، تحت شمس النهار، وتحجل الحمائم بين أقدام الأطفال بأمان، وتنطلق قطارات المترو في مواعيدها، وتذهب العجائز لتسريح شعورهن عند الكوافيـر، في حين لا تكفُّ الأحداث عن الغليان في أوطاننا الأَبيَّـة الغارقة في حروب تطحن البشر؟
ـ لأن رَبعَك ومن شابههم من الأشاوس هم الذين يحكموننا·
تقـبَّلتَ تهكُّمي بابتسامة عريضة ورددتَ عليَّ بسؤال مضاد لا علاقة له بموضوعنا، لكنه كان كفيلاً بأن ينزع فتيل الخلاف وهو في مهده· قلت لي:
ـ هل تعرف ما هو مفـرد أشاوس؟
ـ أشوَس طبعاً···
قلتُـها بشكل عفويٍّ وتركتـكَ تضحكُ على المفردة الغريبـة حتى تخشَّب فكَّاك· وهكذا انتصرتَ عليَّ، في لقائنا الأول ذاك، ثلاث مرَّات يا حنقباز السماوة·
Page 5
3
ـ ألو؟ مساء الخير·
ـ أهلاًً··· من؟
جاءني صوت نجوى بعيداً مخرخشاً ذا أصداء، كأنَّـها مذيعة في إذاعة خاضعة للتشويش· ولن أغفر لنفسي أنَّني لم أتعرَّف على صوتها من الهمزة الأولى· كيف يحدث أن يسهوَ المرء عن الموسيقى التي لم يكن يغفو إلا عليها؟ وهل يشفع لي أنَّني ظللت أحلم بهاتف مثل هذا الهاتف، عدَّة سنوات، فلما تأخَّر نداؤها طوَّحت بعيداً بالزهر الذي ذبل على شرفة الروح، والتفتُّ الى ما يجدُّ من أمري؟
في اُتون استيهاماتي، كنت أتخيَّل أنَّها ستتصل بي لكي تقول لي إنَّها قد تطلقَّت من زوجها، أو إنَّه مات بتشمُّع الكبد من شرب الويسكي المغشوش، أو إنَّهم أخذوه الى الجبهة وعادوا به شهيداً· بل لم تكن غلوائي لتخلوَ من نزعة تشفٍّ أحياناًََ، فكنت أتمنى لو تتصل بي من بغداد وهي تشهق وتبكي وتقول إنه تزوَّج عليها امرأة أصغر منـها وإنَّها ستترك له البيت وتلحقني الى باريس·
عندها، وبشهامة من ينكر شخصه المتواضع ويناضل من أجل غد أفضل لأبناء الشعب، سأنصحها بالتروِّي والتفكير في مصير أطفالها، ثم سأقول لها إنَّني أخشى عليها من أن تتبهذل مع منفيٍّ مثلي، لا يملك من دنياه سوى مشاعره المنقوعة في نهر من النبيذ· وطبعاً، ستنخرط نجوى في نوبة بكاء جديدة وهي تحلف لي بأنَّها لا تريد من دنياها سواي، وانَّها ارتكبت غلطة عمرها عندما رضخت لسطوة أبيها وتخلَّت عني ووافقت على الزواج من ذلك البغل صاحب معامل العلف الحيوانيِّ·
هل تتصوَّر، يا صديقي الطيب زمزم، أنَّ طبق القيمر المُسَمَّى نجوى، خرِّيجة قسم الأدب الإسباني، يمكن أن تعيش سعيدة مع برميل من العلف الحيوانيِّ؟
غير أنَّها عندما هاتفتني من بغداد، في ذلك المسـاء البارد، وأنا اُنادم كاشانية خاتون التي فتحت لي واحدة من زجاجات البوجوليه التي تحبُّها ، فقد كان السبب بعياً تماماً عن خواطري السابقة··· بعيداً الى الحد الذي طيَّر النبيذ الأحمر من رأسـي ومن رأس نديمتي الأرستقراطية العجوز·
لم أسألها من أين جاءت برقمي، فأنت تعرفني أكره الأسئلة المخابراتية· بل أشرتُ الى الخاتون لكي تخفِّفَ من صوت المسجِّل الدائر بأُغنية لزهور حسين، وأصغيـتُ بانتباه الى ما كانت نجـوى تشرحه لـي، وأنا أُحاول أن أستوعب وأحفظ ما تقول·
و اليوم، بعد كل ما حصل من عجائب وانكسارات، فإنَّني ما زلت أذكر العبارة الأخيرة التي سمعتـها من نجوى وصوتها يتلاشى وسط خرخشات الخط الهاتفي البعيد :
ـ لن أُوصيك به، إنَّه وحيدي بين ثلاث بنيَّات، وأنت لا تحتاج لوصيَّة·
أقول لك إنَّ السكرة طارت من رأسي، لتحلَّ محلَّها خيبات عمري الذي ما انفكَّ يمدُّ لي لسانه شامتاً، كلما ظننتُ أنَّ زمن المفاجآت ولَّى وانقضى·
Page 6
4
نصب زمزم كاميرا الفيديو على أرجل معدنية ثلاث أمام الكرسي المتهالك الذي تجلس عليه الخاتون، وكبس على الزر فاشتعلت نقطة حمراء، وأشار اليها بيده في حركة مسرحية كأَنه يطلبها للرقص، فتسلَّمت الإشارة وابتدأ التسجيل:
ـ اسمي كاشانية بنت الصائغ ميساك سمَّاقيان· جاءت أُمِّي الى الموصل مع شقيقتي الكبرى ناجيتين من مذبحة الأرمن التي راح فيها أبي وشقيقاي وبقيَّة أهلي· وكانت أُمِّي حبلى بي، أو لعلَّها شقيقتي التى اغتصبها الأجلاف مع المئات من البنات المنكودات الحظ، فألقت حملها على الأُم التي تلقَّفته وأغلقت فمـها على السرِّ، سـتراً ودرءاً للفضيحة·
لا تسألني كيف جاءتا من هناك ومن الذي أنقذهما لأنني لا أعرف· كل ما قيل لي عن أُمِّي إنَّهـا لم تكـف عن البكاء حتى ماتـت كمداً، فأرسلوا شقيقـتي الى الدير، وتعهَّدتني، وأنا بنت أشهُر، امرأة موصليَّة مسـلمة تدعى ام شـيت، أرضعتـني وربَّتني مع أبنائها، شيت ويونس وعقيلة وغزالة وذنُّون· فلمَّا شببتُ وصرت أفهم الدنيا، كانت ترسلني الى كنيسة الطاهرة، صباح الأحد، وتعطيني أربعة فلوس لكي اشعل لها شموعاً أمام تمثال العذراء، وفاء لنذر قديم لا ينطفئ·
يشير لها زمزم، من وراء الكاميرا، مسدلاً كفيه على جانبي رأسه، فتلتقط الإشارة وتواصل:
ـ لا، لم ألبس العباءة في حياتي رغم أنَّ الموصل من المدن المحافظة· وكانت أُمِّي المسلمة تقول لي إنَّني نصرانيَّة وإنَّ ديني يعفيني منها· لكنِّي رأيت نساء النصارى واليهود يلبسن العباءة عند خروجهن من البيت· أمَّا أنا فكنتُ اغطِّي رأسي في الكنيسة مثل جميع النساء، وليس مثل بنات هذا الزمان اللواتي يتقدَّمن لتناول القربان وهن بالبنطـلون الضيق··· أستغفر الله···
تنتاب الخاتـون، فجأة، نوبة من الضحك تجعلها تهتزُّ ويحمرُّ وجهها، فتغطِّي عينيها الدامعتين بيديها وتحتـجُّ على زمزم بدلال جميل:
ـ ولك ملعون··· ماذا يفيدك هذا الكلام؟ ولك ليش تريد تصويري بالفيديو··· قابل أنا تحيَّة كاريوكا؟
يوقف زمزم النور الأحمر وهو يتأََفف من تمرُّدها عليه، ثم يعود الى تكرار الكلام الذي قاله لها مئة مرَّة:
ـ هذا هو التاريخ يا خاتون، يا عيوني، وأنت جزء من تاريخ العراق الحديث، وحكايتك شهادة مُهمَّة وذات مغزى، والمرء لا يقع على هذه التفاصيل في الكتب، ولابد من حفظها من الاندثار· إنَّ حديثك لي هو عمل وطنيٌّ··· ألست مواطنة عراقيَّة صالحة؟
تتمنّع الخاتون وهي تتطلَّع في اتجاهي لكي أقف معها ضد زمزم، ولمَّا تجدني منصرفاً الى المطالعة في القاموس المنجد، كتابي المفضَّل ، تعاود الضحك كاشفة عن سنِّها الذهبيَّة في الجانب الأيسر من فمِّها، ثم تتصنَّع الغضب وتقول:
ـ كافي تسجيل· خذ كاميرتك وانصرف يا ولد· مو عيب تلعب بيَّ وأنا في عمر بيبيتك؟
ـ ألعب بكِ؟ أنا ألعب بـكِ يا خاتـون؟ والله عيب هذا الكـلام· أنت تاج راسي يا خالة، ومصدر حيٌّ من مصادر اطروحة الدكتوراه التي يجب أن أنتهي منها هذه السنة، وإلاّ قطعوا عنِّي فلوس البعثة وتركوني أموت من الجوع· هل تقبلين أن أموت من الجوع والعطش يا خاتون؟
ـ العطش ! هذا ما تخاف منه يا ملعون··· تخاف أن تنقطع عنك البيرة·
Page 7
يقهقه الولد الأُلعبان الذي سمَّيناه حنقباز السماوة، تماشياً مع بهلوانياته وخفَّة دمه الفطريَّة، ويقول للخاتون المفتونة به إن من كان اسمه زمزم، فلا خوف عليه من هكذا طركاعة وتستفزُّني المفردة الشعبية الجنوبيَّـة فأبحث عنها في المنـجد، في بـابطرقع يطرقع ، وأقع على طرفس يطرفس بمعنى لبس الثياب الكثيرة، وعلى طرمح يطرمح بمعنى أطال، لكنني لا أجد ما أبحث عنه، فأعقد النيَّة على شراء قاموس للهجات الدارجة لكي أحلَّ لغز الطرقاعة· لكن أين أعثر في باريس على هكذا قاموس؟
و الفيلم ما زال يدور أمامي· وزمزم ما زال يبتكر شتى فنون التحايل على الخاتون لكي تعاود الحديث، ويؤكد لها أنَّ كلامها يساوي عشرات الكتب ويتفوَّق على المئات من المصادر الجامدة المملَّة، فأدخل على الخط و أغمز له بعيني:
ـ ألا تعرف دواءها يا شاطر؟
يلقف زمزم المعنى وتشرق ابتسامته السمراء فتضيء الحجرة التي زحفت عليها العتمة ونحن في أول المساء· وأقوم الى المطبخ وأعود ممتشقاً قنينة داكنة من بنات الأُصول، يرتاح لمرآها قلب الخاتون فتبرق عيناها وتنبسـط ملامح وجهها السـمين وتمدُّ يديها في اتجاه السعادة الآتية كمن يحاذر عليها من أن تقع وتنكسر·
أُناولها القنينة بيد والفتَّاحة اللولبية باليد الأُخرى لكي تتولى بنفسها تلك المهمة الأثيرة لديها· من يجرؤ على افتضاض زجاجات النبيذ غير الخاتون؟
بعد الرشفة الثالثة يعود زر الكاميرا الى الاشتعال وتنطلق بطلة الفيلم، تتحدَّث بكلَِ أريحيَّة، مؤدية دور حياتها:
ـ سمَّتنـي أُمِّي بهذا الإسـم وفاء لذكرى أبـي الذي كان يحـب السـجَّاد العجميَّ ويبحث عن النادر منه· ويبدو أنَّ علاقته بالسجَّاد لم تكن من نوع الولع العاديِّ بالأشياء البديعة والثمينة وقد أخبرتني شقيقتي أنَّ أبي المرحوم كان يمرُّ بلحظات انخطاف، فيخلع نعليه وينحني على السجَّادة القديمة يتلمَّسها براحة كفِّه ويشمُّ رائحة صوفها الذي وطأته آلاف الأقدام، ويمرر عليها صفحة خدِّه ثم يصيح: أمآن !
و رغم أنِّي لم أر أمِّي التي جاءت بي الى الدنيا، لكنَّ المرأة المسلمة التي ربَّتني روت لي أنَّها كانت بيضاء مثل الجُمَّار، حمراء الشعر مثل بنات اوربَّا، وذات أُبَّهة جعلت الكلَّ يناديـها الخاتـون، مع أََنَّها قَدِمَت الى الموصل كسـيرة لا سـند لها· والخاتون، كما تعلم، لقب يدل على الكثير من الإحترام، تَرِثَه البنات عن الأُمهات فيصبحن، بدورهنَّ، خواتينَ في البيوت المفروشة بالسجَّاد، المؤثثة بخشب السيسم، والمحجوبة وراء ستائر القطيفة الثقيلة·
تتوقَّف الخاتون وتلتقط نفساً عميقاً تعقبه برشفة أنيقة من كأسها، وتشـعر بالرضا وهي ترى أعيننا شاخصة اليها، مبهورة بروايتها، فتبتسم لنا من عليائها ابتسامة شحيحة متكبِّرة، وتأخذ رشفة أُخرى وتواصل كلامها:
ـ عشتُ عزيزةً في بيت أُم شيت، أُمِّي المسلمة الطيِّبة التي تعرف الله ولا تُفَرِّق بين عباده، وكنت أفرش لها السجادة في مواعيد الصلاة وأصوم رمضان مع الأُسرة كلِّها، لكنِّي لم أنسَ ديني وأصلي، ولا مأساة أهلي· ولما كبرتُ وبدأتُ أزور أُختي الراهبة في الدير، دارت بيننا أحاديث طويلة· وعرفت منها أنَّ بيتنا في دير الزور كان مفروشاً، أرضاً وجدراناً، بسجاجيد كثيرة، تركيـة وقوقازية وكردية، وكان أغلاها تـلك التـي يأتي بها التُجَّـار من مدينة كاشـان في إيـران، لأنَّها الأبـهى، وبها تُشبَّه الحسناء التي لا يقوى الزمان على حسنها، فيقال إنّها مثـل الزوليَّة الكاشان، تزداد ألَقاً كلَّما تقدَّم العمر بها·
و لمَّا جاءت أُختي الى الدنيا، سمَّاها أبي كولفارانك، أي الوردة الفرنسيَّـة، وهي التسمية التي يطلقها العارفون بالسجَّاد على الأزهار المنقوشة فوق صفحات الكاشان والكرمان والتبريز وكلِّ تلك النفائس التي تحيكها أنامل نساء وبنات وأولاد في سنِّ الورد· لكنَّ أبي لم يكن موجوداً ليشهد ولادتي· وروت أُمِّي لإحدى الجارات أنَّ المرحوم زارها في المنام، ليلة مجيئي الى الدنيا، وأوصاها بأن تُسمِّيني كاشانيَّة
هل عرفتَ معنى اسمي يا زمزم يا ابني؟ وهل تجد كلامي معقولاً أم تخاريف عجائز؟ أنا لا أدري بمَ تنفعك هذه الحكايات المنتزعة من الدفاتر العتيقة، ولا ما يعنيه لك الكاشان وعشَّاق الكاشان··· أنت الذي لم تعرف قدماك سوى ملمس بُسُـط السماوة وموكيت باريس·
Page 8
5
تخلع عنَّا الغربة أهالينا وتكسونا بأهل من غير دمائنا وأُخوة لم تلدهم أُمَّهاتنا·
تحرث الغربة ألسنتنا المزروعة باللغة الأُم وتشتل فيها لغات جديدة نجاهد لكي نتفوَّه بها·
تأخذ منَّا الغربة ماضينا وتكبسه ، مثلما تُكبـس قطع الخيار والجزر وثوم العجم، في خابيات النسيان· وتترك للروائح اللاذعة أن تهِّب علينا، في أحايين غير معروفة، فنتلفَّتُ بحثاً، كأن عن شلوٍ ناقص من أشلائنا·
تـنـفض الغربة قلوبنا كما ينفض الحمَّالون الأشدَّاء أكوام السجاد في الشوارع العريضة المُعبَّدة، أوائل الربيع، فتزداد القلوب ثقلاً·
تحررنا الغربة من غبار الذكريات وذرَّات المألوف، وتدخلنا الى حمَّام التخفُّف، فنخرج وقد انعجنَ الغبار وتكتَّلَ وصار حصى يملأ منَّا الجيوب·
لكنها، الغربة، إذ تُشـفق علينا من هجمـات الحنين، تسمح لنا، في خلسات مبهمة ، أن نغشَّ في امتحان الجَلَد والمكابرة، وأن نتمسَّك بزاد قليل مما جئنا به في حقائبنا، شرط ألاّ نخلخل النظام المتمدِّد، سعيداً، في جنباتها·
و وفق هذه القوانين، خلعت عني الغربة أهلي وأصدقاء شبابي ، وانتزعت منِّي ملامح نجواي، وألبستني زمزم، وكاشانيَّة خاتون، وسوزان، وسارة ، وسراب··· عزيزة روحي·
قدَّمني اليها جبرا ابراهيم جبرا في إحدى زياراته الى باريس قائلاً انها عراقية حلوة، مثقفة، وحرَّة ولذلك فإنَّه قرَّر أن يكتب عنها رواية ويسمِّيها باسمها· ولم أدرِ هل كان جبرا في معرض الجدِّ أم الهزل، لكن صديقه المغربي الباهي محمَّد التفت نحوي وقال بصوت رخيم وباللغة الفصحى:
ـ حذار من الأقتراب منها لأنها، عند ذاك، تختفي مثل السراب·
لم يترك عليَّ حضورها، في ذلك اللقاء الأول، سوى بعض الفضول واحساس خفيف بالانتعاش، كأن يداً فتحت نافـذة على حقل من الريحان في غرفة مختنقة بالأنفاس·
مرَّ التعارف الأول بدون تبعات، وجاء اللقاء الثاني بعد أكثر من شهرين، في آخر مكان يمكنني أن أتصور وجودها فيه·
كنتُ قد صعدتُ الى شقَّة كاشانية خاتون التي تعلو شقَّتي، كعادتي في أغلب المساءات، فوجدتُ سراب هناك، جالسة في المقعد الذي اعتدتُ أن أجلس عليه، مقابل النافذة الكبيرة المطلَّة على بولفار بلانكي، تهزُّ رأسها طرباً وهي مغمضة العينين ، تستمع الى أُغنية لزكيَّة حمدان من جهاز التسجيل· اغنية لم أسمعها منذ أيام طفولتي، كانت عمَّتي تؤديها في ساعات شجنها، ثم تبكي لألف سبب ولا سبب· وقد أدهشني أنَّ الخاتون تحتفظ بذلك الشريط الذي لم أسمعه عندها من قبل· أم هي الضيفة هي التي جاءت به ؟
و مرَّة اخرى أحسست أنَّ نسمة ما تهفُّ في المكان ، رغم أنَّ النافذة كانت مقفلة· وجمدتُ في وقفتي وأنا بين الغبطة والحَرَج ، غير قادر عن نزع نظرتي عنها ولا عن الصليب الذهبيِّ الصغير الظاهر من فتحة قميصها· فلمَّا فتحت عينيها، بعد لأي، لم يبدُ عليها أنَّها استغربت وجودي، بل قامت بتثاقل كمن تغادر مغطس ماء دافئ، وقالت بصوت خفيض كاد ألاّ يصلني:
ـ عفواً··· أخذت مكانك·
Page 9
6
شلَّني الارتباك طوال الأيام التي سبقت وصول ساري، ولولا تهوين الخاتون من الأمر وتعليقات زمزم الساخرة ووجود سراب اللطيف الى جواري لتنصَّلتُ من الورطة كلِّها واعتذرت عن استقباله· لكنَّه ابن نجوى، وحيها بين ثلاث بنيَّات، كما قالت لي، وهو فوق هذا مريض يحتاج الى عملية عاجلة، فكيف أتهرَّب وقد اعتمدت عليَّ؟
لم يفارقني القلق· إذ بعد كل هذا العمر الذي أكلتني فيه نهارات الوحشة وليالي الشوق الى نجوى ، وبعد أن كنت أتدرَّب على نسيانها وحكِّ صمغة اشتهائها من عروقي، ها هو ابنها الذي هو قطعة منها، يهبط عليَّ في أرض ابتعادي ويضعني، مجدداً، أمام الفشـل الأفدح في حياتي·
سأنظر إليه وسأراها، وسيحدثُّني وسأسمعها، وسيروي لي خطط مستقبله فأتذكَّر خيبة ماضيَّ، وسأنكمش كمداً وأنا اتخيَّل لو أن الأمور أخذت مسراها الطبيعي، لكان هذا الرجل الصغير ابني··· إبن نجوى وابني·
كيف هي نجوى اليوم؟ وهل مرَّ الزمن رؤوفاً بطبق القيمر، أم عبث به مثلما تعبث الفِيَلَة في غرف البلُّور؟
كعادتـها، تعاملت سراب مع خبـر مجيء الضيـف الطارئ بكثيـر من الهدوء والاستعداد للمساعدة· ولا شكَّ أنها أدركت فحوى تلك الصداقة القديمة التي تربطني بوالدة الشاب المريض القادم من بغداد· لكنها لم تسرف في الأسئلة، تماماً مثلما كانت ترجوني ألا أسرف في السؤال عن ماضيها·
ـ لا تجاملني بغيرة المراهقين، أرجوك، فأنا على حافة الأربعين وقد شاب شعري وما سواده إلاَّ من فضل لوريال لكن حبِّي لك لا شائبة فيه، وهو عميق بحيث يدفعني الى أن أضع علاقاتي السابقة موضع الشكِّ·
ـ لم اسمع امرأة عربية تتحدث عن علاقات سابقة لها··· هكذا بالجملة !
ـ لا تجزع يا حبيبي، فالواحدة منَّا، نحن العربيات، تولد وتموت دون أن تعرف أكثر من رجل أو اثنين، إذا حالفها الحظ· و ما أكثر اللواتي تساقطت أسنانهنَّ دون أن تمنَّ عليهنَّ الحياة بشمِّ عَرَق الرجل!
أردت أن اُحدثَّها عن نجوى في أكثر من مناسبة· لكن الحكاية بدت لي أشبه بحكايات أهل الكهف وأنا أتحرّك مع سراب في فضاءات باريس ونستمتع معاُ بما تبذله لنا من فرص متجددة· وهي بدورها لم تكن تحب القصص البائدة، بل لمستُ لديها نفوراً غريباً من الماضي ومن الذكريات، كأنَّها تقلقـها وتورثها ضيقاُ في الصدر، فتقلب الصفحة بسرعة وتذهب الى صحبة الفاكهة، وهي تمدُّ لي من غوايات كلامها أراجيح تذهب بعقلي إذ تقول:
ـ ستضحك عليَّ إذا قلت لك إن الفواكـه أصحابـي، والشـجر أصحابـي، وطيور السماء والغيم والمطر وخيوط الشمس وأقواس القزح··· أصحابي الذِّين يحنُّون عليَّ ويحبونني مثلك ومثل زمزم والخاتون· ما رأيك لو نترك حزبنا الكئيب المترنِّح ونذهب الى حزب الخضر؟
Page 10
7
يجب عليَّ أن أُقرَّ بأنني ملتُ الى سراب قبل أن أعرف انَّها كانت في وقت من الأوقات شيوعيّة، مثلي· وكم صدق جبرا حين وصفها بالمرأة الحُرَّة، فهي من ذلك النوع من البشر الذي يرفرف أعلى من الانتماءات الضيِّقة أو الطوائف الخانقة أو الأحزاب التي تحبس أعضاءها في قنِّ دجاج· وإذا عدت الى قاموس سنـوات الخمسين والأوصاف التي أسبغتها الصحف على عبدالكريم قاسم فإنَّني أستطيع وصف سراب بأنَّها مثل الزعيم، فوق الميول والاتجاهات أمَّا إذا استعرتُ لغة الأُغنيات البغدادية التي فيها من الوجد ما يقطِّع نياط القلوب، فسأقول عن سراب ما كان يقوله يوسف عمر لمحبوبه: انت دولة مستقلَّة··· بالنجف لو بالعمارة··· سودنوني هل نصارى
و باستقلالها المكتمل غير المنقوص، شدّتني سراب اليها وداعبت أوتاري، وتراً وتراً، فتقطَّعت آخر الخيوط التي بقيت تربطني بسوزان·
يخيَّل اليَّ أنَّ كل واحد منَّا، نحن الآتين الى هذا البلد الفذ، كانت له سوزانه الطيبة الحنون في مرحلة ما· فما أكثر السوزانات اللواتي أخذنَ بالأيدي وكنَّ عشيقات وصاحبات مأوى ومعلمات لغة وممرضات وحيطان مبكى ودليلات و وطاعمات وكاسيات، لأجلٍِ من الآجال·
بعد ذلك، يحدث أن تشتَّد الأعواد المنزوعة من أرضها، ويقف المنفيُّ المكسور على قدميه، ويروح يحاول التحليق بجناحيه، خارج الفضاء المرسوم له بدقَّة شديدة، فتطلُّ تجاذبات القوَّة برأسها من شقوق الاستسلام والطاعة، وتنتعش الغيرة المريضة، وتتحوّل السوزانات الى شرطيَّات يترصَّدن الحبيب الغريب الذي ما عاد غريباً عن المدينة·
حكيت لسوزاني عن سوزان طه حسين، وعن سوزان فائق حسن، وعن سوزان اسماعيل الشيخلي، وكيف أنَّ كلَّ واحد من هؤلاء الموهوبين والمبدعين الكبار يدين الى سوزانه بالكثير مما وصل اليه· لكنَّ سوزاني التي بدت متفهمَّة لاحتياجاتي، لم تتقبَّل، إلاَّ على مضض، صداقتي المتينة مع زمزم، رغم انَّه كان بالغ اللطف معها·
لم تفهم رفيقتي فكرة أن واحدنا يحتاج الى لقاء الآخر في أغلب أيام الأُسبوع، وانَّنا إذا اجتمعنا فإنَّ الفرنسيَّة قد تكون لغة أحاديثنا، لكنَّ العربية، لا غيرها، ستكون لغة النكات والمعارك والشتائم وألأغنيات· وكان زمزم يحرص على أن يأتي بسوزانه معه، في أحايين كثيرة، لكي تُسلِّي سوزاني عندما نكون نحن غارقين في نقاشاتنا السياسية التي لا فرامل تكبحها، أو في سهراتنا الطويلة التي كنا نلتمُّ فيها عند الخاتون·
عند انتهاء السهرة، كنت أنزل مع سوزان الى شقَّتنا وجفوة ملتبسة قائمة فيما بيننـا· جفوة لا سبب مباشراً لها· فلا اقرِّبها ولا تتقرَّب مني، وننام مثل غريبين يشتركان في سرير ملغوم·
حاولت، بناء على نصيحة من الخاتون، أن أخرج من قوقعتي العراقيَّة وأنانيَّتي وأن أُكرِّس وقتاً أطول لسوزان· لكن القاطرة كانت قد حادت أصلاً عن السكَّة، ولم تكن المشكلة في اللغة أو في قلَّة الإهتمام، بل في شقاقات كثيرة، ما عادت العلاقة الجسديَّة المحمومة كفيلة بترميمها، ولا عاد الجسد نفسه يستجيب للنداء·
بكت سوزان قهراً، ذات ليلة، وهي تصارحني بعجزها عن اقتحام عالمي النائي· قالت إنَّ ضحكي المستمر الأبله على نكات زمزم يوتِّر أعصابها ويعزلها في قفص مثل قرد مغمض العينين لا يفقه ما يدور حوله· ولم أُحاول أن اُهدئ من روعها، كعادتي عندما تداهمها نوبات البكء وهي سكرى، واكتـفيت بأن قلت ببرود:
ـ هذه مشكلتك·
استيقظتُ في الصباح التالي فوجدت ورقة منها على رفِّ المدفأة تخبرني بأنَّ من الأفضل لكلينا أن نتباعد لفترة من الوقت· ولم أجد حاجياتها في الشقَّة· لقد هجرتني·
و كرهتُ نفسي، لحظتـذاك، لأنَّني لم أُصدَم لذهابها، بل لم أحزن أو أكتـئب· وبدل الحزن زحف نمل الارتياح على صدري وغمرني حتى أُذنيَّ ، وشعرت بالعرفان لأناقة تصرُّفها إذ وفَّرت عليَّ مشهد الرحيل بعد أربع سنوات من الحياة المشتركة·
سرتُ نحو زاوية المطبخ وملأتُ القوري بالماء في حركة روتينيَّة تتلبَّسني حالما أصحو في الصباح، ثم قرَّرتُ، قبل أن أصبَّ كوب الشاي، أن أعود الى النوم في فراش صار لي وحدي·