eKtab
EN ع
سور العرب العظيم ما هو ولماذا؟
Read free sample

سور العرب العظيم ما هو ولماذا؟

by شاكر النابلسي

Page 1
المقدمة
 
-1-
 
منذ أن استولى العثمانيون في القرن السادس عشر وتحديداً عام 1517 بقيادة سليم الأول على بلاد الشام ومصر ثم باقي أنحاء العالم العربي، وسور العزل العربي عن الآخر يُبنى ويمتد ويرتفع إلى أن أصبح الآن أكبر ضخامة من سور الصين العظيم، وقد حجز العرب خلفه عن العالم، أو أن العرب حجزوا أنفسهم خلف هذا السور عن العالم، بفضل العمليات الإرهابية التي بدأت منذ نهاية القرن العشرين الماضي، وما زالت مستمرة حتى الآن·
 
-2-
 
لقد بنى الإرهابيون لنا هذا السور العظيم، ووضعونا خلفه، لكي يحققوا القطيعة الشرعية بيننا وبين العالم المتحضر· أرادونا أن نبقى منعزلين عن هذا العالم كما كنا منذ خمسة قرون خلت، حين قضينا تحت الاستعمار العثماني مئات السنين، ونحن لا ندري ولا ندرك ماذا يدور في هذا العالم، إلا بما يتيحه لنا الباب العالي من أخبار وتقارير· 
 
-3-
 
وخلف هذا السور العظيم نعيش اليوم مكروهين ومنبوذين ومُبعدين، لا أحد في الشرق أو في الغرب يرحب بنا، أو يريد قُربنا· ولولا هذه الثروة النفطية التي لدى بعضنا، لكنا قد مُحينا من وجه الأرض، وضُربنا بالقنابل النووية، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، كما ضُربت اليابان عام 1945 نتيجة لضربها القوات الأمريكية في بيرل هاربر 1942· فقد كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أقسى على أمريكا، وأشد وقعاً، وأكثر ذلاً لها من كارثة بيرل هاربر، سيما وأن أمريكا في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم بكل ما لهذه القوة من سطوة، وأنفة، وكبرياء، وهيبة عالمية· لذا، كانت كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 أليمة جداً للعظيم الذي تعاظم على هذا النحو·
 
-4-
 
لكن الثروة النفطية التي يحتاجها الغرب والشرق الصناعي والتي تعدّ عصب حياته، ووقود تقدمه وازدهاره، هي التي أنقذتنا من الفناء· وهي كل ما نستطيع أن نقدمه للعالم، وليس في أيدينا أي إنجاز آخر· علماً بأن هذه الثروة النفطية ليست من إنجازاتنا العلمية أو الصناعية، ولم تتكوّن بعرق جبيننا، بقدر ما هي صدفة تاريخية جيولوجية· فلا علم جديد لدينا نقدمه لهذا العالم، ولا صناعة، ولا زراعة نفيد بها هذا العالم، ولا تربية ولا تعليم لدينا، بحيث يفدُ علينا طلبة العلم من كل فج عميق· فمن يأتينا الآن طلباً لعلمنا لا يجد لدينا غير كتب صفراء نجترها منذ مئات السنين، ونكررها لكل جيل حفظاً وتلقيناً·  فلا يفدُ إلينا إلا من أراد الالتحاق بمعاهدنا الدينية، التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع· وهؤلاء يأتون إلينا من بعض دول جنوب شرقي آسيا، ويعودون لبلادهم ليصبحوا فقهاء يفتون بإرضاع الكبير، وبشرب بول الإبل، وببركات بول الرسول وعرق جسمه، الذي قيل إن النساء كنّ يتطيبن به، ويفضلنه على دهن العود!
 
-5-
 
وهذه كلها من وسائل أسطرة شخصية الرسول وجعله شخصية أسطورية، أو سوبرمان لا يُقارن ولا يُقارع، رغم أن الرسول قال لنا: إنما أنا بشرٌ مثلكم· ولكن الفقهاء أبوا أن يكون الرسول بشراً مثلنا، وأصروا على أن يقدموه لنا وللأجيال القادمة على أنه أسطورة من أساطير الزمان، وأنه سوبرمان خارق عقلياً، وفكرياً، وجنسياً، وطبياً، وعسكرياً، واقتصادياً، وقضائياً، وإدارياً·· الخ· كما يقومون بإشغال بال وعقل الناس بأمور تافهة سطحية، وفيما لا ينفعهم، بل يُلهيهم عن الخلق والابتكار والإبداع· ويتخذون من المرأة قضية كبرى يناطحون بها العصر الحالي والعصور المقبلة· ويصدرون ضدها الفتاوى الكاذبة والمزيفة المستندة على قرائن مجتمع بدائي، كان قائماً قبل أربعة عشر قرناً، ولم يعد قائماً الآن·
Page 2
-6-
 
فدساتير وقوانين الأمم تتغير، وتتبدل، وتتعدل من حقبة لأخرى، والأمة التي لا تُغيّر قوانينها وأنظمتها من حقبة لأخرى حسب احتياجات أفرادها المستجدة تتكلس، وتتحجر، وتلقى مصير الاندثار والزوال، حيث تصبح غير قابلة للحياة في العصر، وغير قادرة على الاستجابة لتحديات العصر وشروطه· فهي تعيش في هذه الحال في عصرين مختلفين متباعدين تباعداً كبيراً: عصر داخلي أو جوّاني، وعصر خارجي أو برّاني· عصر داخلي عبارة عن مجموعة من الأحكام والتقاليد الاجتماعية المتوارثة، وكانت سائدة قبل قرون طويلة، وأصبحت تاريخاً يقُرأ للتندر والتفكّه، وليست منهاج حياة، لأن كل حياة في كل حقبة، تضع لنفسها منهاجاً خاصاً بها يُلبي احتياجات الناس الذين يعيشون في هذه الحقبة· فلا حقبة تفرض أخلاقها ومسلكيات ناسها على حقبة أخرى·
 
-7-
 
إذن، نحن الآن واقعون تحت الحصار، حصار الإرهاب· ونقبع وراء سور عظيم، سور الإرهاب والإسلام السياسي، الذي أصبح طاغياً في الشارع العربي والإعلام العربي، بحيث أصبح رجل الدين في العالم العربي، هو صاحب النُطق الأول والأخير، وهو الرجل الأول، وهو في المقام الأول، وصاحب الكلمة الأولى، والخطبة الأولى، والكرسي الأول، وفنجان القهوة الأول·
 
وأصبحت كلمة رجل الدين تُغلق شارعاً، وتفتح شارعاً· وتُغلق جريدة، وتطرد رئيس تحرير جريدة، ومدير محطة تلفزيون أو إذاعة، وتهدد وزراء الثقافة بالطرد والمحاكمة· وأصبح رجل الدين يصدر الفتاوى بقتل المثقفين والشعراء وحرق كتبهم، ودواوينهم، ونفيهم من بلادهم إلى بلاد الغرب، وإهدار دمائهم على شاشات الفضائيات· 
 
وأصبح رجل الدين يقوم بهدر دم تيار كامل من الليبراليين العرب بمجرد فتوى شخصية كما فعل الشيخ السعودي صالح الفوزان· كما يقوم رجل دين آخر بهدر دم تيار كامل من العَلْمانيين العرب ورميهم بالكفر والإلحاد كما فعل الشيخ المصري/ القطري يوسف القرضاوي في كتابه (وجهاً لوجه·· الإسلام و العَلْمانية) ، دون أن يؤاخذ على ذلك، أو يُحاسب من قبل الدولة، أو من قبل الرأي العام، أو منظمات حقوق الإنسان العربية التي من المفروض أن تدافع عن أصحاب الرأي الآخر· ففتوى هؤلاء وغيرهم من رجال الدين لا تُحاسب ولا تُعاقب·
 
-8-
 
وأصبح رجل الدين هو السياسي الأول - نتيجة لقصور وصغر عقل العربي - الذي بمجرد أن يرفع المصحف عالياً، تسقط كل الكتب الأخرى على الأرض، وتُمزق وتُداس بالأحذية· وبمجرد أن يُرفع شعار الإسلام هو الحل تسقط جميع الشعارات العلمية السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية·
 
ومن هنا أصبح الإسلام كدين، مهنةً رابحةً تدرُّ على مُتلبّسها دخلاً كبيراً أفضل من دخل مثيلاتها من الوظائف الأخرى التي يقضي من أجلها الطالب سنواته الأربع في الجامعة في كليات الدراسات الإنسانية· لذا، لم تنتشر المعاهد الدينية والجامعات الدينية في العالم العربي كما انتشرت في هذه الأيام· ولم يبلغ عدد طلاب الدراسات الدينية في العالم العربي كما بلغه هذه الأيام· ولم يتسابق الطلاب الخائبون في امتحان الشهادة الثانوية على الالتحاق بالمعاهد الدينية كي يصبحوا غداً من أصحاب الصولجان، وإلى يمين السلطان كما يتسابقون الآن· ولم نجد في العالم العربي هذا العدد الهائل من الدُعاة والهُداة من الشباب ومن الشيوخ، من ذوي العلم الشرعي، وممن تنكبوا العلم الشرعي، كما نجد الآن· ولم يصبح رجال الدين عموماً من الشيوخ والشباب على هذا المقدار من الثروة الطائلة ورفاه العيش كما هم عليه الآن·
 
-9-
 
كل هذا قلناه في هذا الكتاب· بل وزدنا عليه بقولنا بأن كل هذه الصفوف الطويلة من رجال الدين في العالم العربي، وكل هذه الآلاف المؤلفة من العمائم واللحى الطويلة، الذين ملأوا الصحف والفضائيات، والإذاعات، والجوامع، والمؤتمرات، والندوات، والمنتديات، لم تصدر في يوم من الأيام الماضية وحتى الآن، فتوى واحدة لتكفير زعماء وقادة الحركات الإرهابية الذين قتلوا آلاف الأبرياء، وإهدار دمهم، بل هم على عكس ذلك· فقاموا بالمساهمة الفعالة في بناء سور العرب العظيم، لحجب العرب عن العالم، وحجب العالم عن العرب، وذلك بتكفير الآخر، والمناداة بحربه، وبأن داره دار حرب، ومعاداته، وبتهديد مصالحه، وحرق سفنه، وهدم بيوته· كذلك قاموا بتمجيد زعماء الإرهاب· فأطلقوا على رأس الإرهابيين سيف الإسلام، و شيخ الإسلام، و المجاهد الأكبر، وشيخ المجاهدين وراحوا يدعون له سراً وعلانية بالنصر المبين، وسلامة اليمين، وصدق اليقين· ويمتنعون عن إصدار فتوى بإهدار دمه، رغم أنه قاتل، قام بقتل المئات من المسلمين، والمسيحيين، واليهود، والهندوس، والبوذيين، ومن كل ديانات الأرض والسماء الأبرياء، كما نرى ونسمع في هذه الأيام·
 
-10-
 
هذا الكتاب، يحوي عدة فصول ومقالات كلها تصبُّ في هذه المعاني· ولعل الفصل الذي يمكن القارىء أن يعتبره خارج الموضوع هو فصل (الإرهاب والفن) والذي نتحدث فيه عن موجة الغناء والرقص الجديدين، اللذين يقوم بهما شباب وصبايا العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه·
 
ومبررنا لتضمين هذا الفصل في هذا الكتاب، اعتبارنا لهذا الفن الجديد وسيلة من وسائل جذب الشباب والشابات إلى الحياة، وابتعادهم عن الموت والنحر والانتحار الوحشي الذي نراه كل يوم وكل ساعة على شاشات الفضائيات· إن العشرة ملايين مشاهد الذين صوتوا لصالح الفنانة العراقية الشابة والواعدة، شذى حسون في برنامج ستار أكاديمي 4 لعام 2007، ظاهرة مهمة تصبُّ في صالح الحداثة والليبرالية العربية، وهدف قوي وموجع في مرمى الإرهاب، حيث لن يفكر أحد من هذه الملايين العشرة وغيرهم، بالانضمام يوماً إلى عصابات الإرهابيين الانتحاريين المنتحرين مجاناً·
 
ومن هنا، كان اهتمامنا الثقافي والنقدي بهذه الموجة الجديدة من الغناء والرقص، التي تجتاح الآن العالم العربي، والتي هي دون شك موجة حداثية وليبرالية في العالم، ولو أن هذه الموجة قصيرة وناعمة في العالم العربي بسبب غول رجال الدين· وهكذا نكون من خلال الفن قد عانقنا الآخر بدلاً من أن نحاربه، وسالمناه بدلاً من أن نعاديه، وفكرنا فيه بدلاً من أن نُكفّره، وتصالحنا معه بدلاً من مخاصمته· ويكون الفن بذلك قد أصلح ما أفسده الإرهاب، وأطفأ نار الحقد بنور الحب·
 
شاكرالنابلسي    
Page 3
ما هو سور العرب العظيم؟
 
النظرة المتأملة لحال العالم العربي في هذه الأيام لا تبشر بالخير كثيراً رغم تفاؤل المتفائلين، واستبشار المستبشرين، الناتج ربما عن هذا الزبد من الذهب المتدفق نتيجة لارتفاع أسعار البترول، وليس نتيجة لصناعة أو زراعة أو تجارة أو علم عربي· وما هذا بشحم وإنما ورمُ، فيمن تحسب شحمه ورماً ، كما قال المتنبي·
 
الإرهاب سور العرب العظيم
 
يأتي التشاؤم من طغيان التيار الديني السياسي الإرهابي والاجتماعي والفكري في العالم العربي، الذي يشكل الآن سور العرب العظيم في وجه الليبرالية والحداثة ودعاتها، سواء اعترفنا أم أنكرنا، رضينا أم رفضنا· وهو يكتسح الشارع العربي بسرعة وبقوة، ويُحقق مكاسب ملموسة على الأرض في العراق وفي مصر خاصة، وفي معظم أنحاء العالم العربي عامة· ويقف أمامه التيار الليبرالي صغيراً، وضعيفاً، وبائساً، ومتناثراً·
 
من هم بُناة هذا السور؟
 
لقد كان للصين القديمة سورها العظيم لصدِّ هجمات المعتدين· وأصبح للعرب في العصر الحديث سورهم العظيم الذي بناه التيار الديني لصدِّ هجمات الليبرالية والحداثة المتدفقة من كل مكان·
 
التيار الديني الذي نعنيه في هذا المقام، والذي يشكل الآن سور العرب العظيم في وجه الحداثة ودعاتها، وبمؤازرة ودعم الأنظمة العربية، هو التيار الذي يمثله الإخوان المسلمون والأحزاب الدينية الصغيرة الأخرى في أنحاء العالم العربي كافة· وتمثله أيضاً الجماعات الإسلاموية المسلحة في فلسطين والعراق ولبنان والجزائر والخليج العربي· وتمثله أيضاً الهيئات الدينية الإسلامية الرسمية وغير الرسمية، والمشمولة برعاية  بعض الأنظمة مالياً وسياسياً في العالم العربي· ويمثله رجال الدين من خارج المؤسسات الدينية الرسمية الحكومية من خطباء المساجد والفقهاء والدعاة ودراويش التكايا· وتمثله أيضاً هذه المجموعات من الكتاب الإسلامويين الذين يملأون الصحافة والفضائيات بهذر مقولات أشبه بالقش، ولا تمت إلى واقعنا بصلة· وتمثله أيضاً الجامعات والمعاهد الدينية وأساتذة وطلبة هذه الجامعات الذين يُمنحون الشهادات العليا، إذ هم كفّروا الليبراليين وأهدروا دمهم ودم الحداثة من بعدهم، ورموهم بالكفر والفسوق والزندقة (سعيد الغامدي، وكتابه الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها)· ويمثله أيضاً الإعلام العربي المكتوب والمشاهد والمسموع، والظاهر والخافي، والمباشر وغير المباشر، والذي ينتمي مالياً وسياسياً وأيديولوجياً إلى هذه الأنظمة التي مهما أظهرت من حسن نوايا مؤقتة وفردية تجاه الليبراليين، فإنها تخفي نية صادقة وقوية للتخلص منهم ومن أفكارهم، باعتبارهم أدوات التنوير المستقبلي الحقيقية، والتي تشكل تهديداً حقيقياً لهذه الأنظمة·
 
ماذا بقي لليبراليين؟ 
 
فماذا بقي لليبراليين من قوة، ومن وسائل القوة؟
 
أنظروا حولكم أيها السادة، لتروا كيف بنى العرب سورهم العظيم في وجه الحداثة ودعاتها· وقد قام هذا البناء بإقدام بعض السلطات العربية على إغلاق مواقع الليبراليين في بلادها، وسجن دعاة الإصلاح السياسي، ورمي المعارضة السياسية بمختلف تهم الخيانة والارتهان والاستقواء بالخارج المعادي للإسلام· وبخنق صوت هذه المعارضة بالمال حيناً، وذلك بشراء أكبر عدد من وسائل الإعلام العربية المؤثرة، وبالقتل حيناً، وبسد أبواب المنابر أمامها حيناً ثالثاً· بحيث لم يعد لهؤلاء من وسيلة إعلامية لكي يبلّغوا كلمتهم غير مواقع محدودة وضيقة على الانترنت·
 
فماذا بقي لليبراليين من قوة، ومن وسائل القوة؟
Page 4
السور العالي العظيم 
 
التيار الديني الطاغي الآن في العالم العربي، والذي يقف سوراً عظيماً عالياً في وجه التقدم العربي والحداثة العربية، تيار قوي وجبار، وذو حجارة ضخمة، أكبر من حجارة الأهرامات، ومدعوم بالمال الوفير، والسلاح الكثير، والجمهور الخفير· وارتفاع أسعار البترول على هذا النحو الجنوني في عامي 2006، و 2007، أدى بالدول البترولية الدينية في الشرق الأوسط من عربية وإسلامية إلى أن تكون كريمة وسخية في تمويلها للتيار الديني الرسمي وغير الرسمي، بدلاً من أن تُنشئ مواقع لليبراليين وللحداثة العربية لكي تبدأ في تغيير المجتمعات، من مجتمعات العصور الوسطى، إلى مجتمعات العصر الحديث، بكل قيمها الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية· والحق يقال، إن التيار الديني استغل هذه الأموال الطائلة في بناء قوته الذاتية الداخلية خير استغلال، من حيث دقة التنظيم، ومحاولة إحلال نفسه محل الدولة في الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، مما أكسب هذا التيار تعاطفاً شعبياً قوياً في الشارع العربي من الصعب على قوة عظمى كأميركا أن تنافسه فيها· وقد ظهر هذا التعاطف في نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية والمصرية الأخيرة، التي لم يكن لأمريكا يد مباشرة فيها كما يزعم البعض، ولكن اليد الطولى كانت لحكومات عربية نفطية غنية هي التي ضغطت على النظام المصري مثلاً بالمال، لكي يتيح هامشاً من الحريات لهذه الجماعة لكي تفوز هذا الفوز الكبير، وتحلَّ محلَّ قوى اليسار والحداثة السياسية المصرية الطالعة، وتهزمها شرَّ هزيمة بالمال الوفير، والتنظيم الدقيق، وبالصدقية الفعلية على أرض الواقع المصري· وكذلك فعلت دول إسلامية نفطية في فلسطين· وهذا ما حصل·
 
فماذا بقي لليبراليين من قوة، ومن وسائل القوة؟
 
التنكيل بالليبراليين 
 
في المقابل، فالليبراليون تعرضوا للطرد من الحلبة، وللجوع، والتشرد، والنفي من الأوطان·
 
ألم نرهم ينتشرون في شتات الأرض، بعيداً عن أوطانهم، وديارهم، وجمهورهم؟
 
ألم نرَ المنابر العربية المكتوبة والمشاهدة والمسموعة والاليكترونية، وقد سُدت في وجوههم، ولم يبقَ لهم غير منابر قليلة جداً على الانترنت، يتحركون من خلالها حراك السلاحف المتثاقلة؟
 
ألم نرَ كيف أن بعض الأنظمة العربية تغضَّ النظر عن المواقع الدينية المنتشرة كالفطر على الانترنت، والتي تبشر بالجهاد والإرهاب الفكري، وكراهية الآخر، وتُغلق مواقع الليبراليين الواحد تلو الآخر، أو تحجبها، قصاصاً لهم وعقاباً على ما يفكرون، ويكتبون، وينشرون، وهم الذين وقفوا وحدهم وبشجاعة متناهية، ضد موجات الإرهاب، ودافعوا عن الحرية والديمقراطية في كل مكان من العالم العربي·
 
ألم نرَ كيف كبّلت الأنظمة العربية الليبراليين، وتركت الحبل على الغارب للدينيين على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم، والذين سرعان ما ينقلبون على هذه الأنظمة، ويحاولون الإطاحة بها، واغتيال زعمائها· ولنا من اغتيال السادات وقصته مع الجماعات الدينية الدرس المفيد للطالب الرشيد·
 
الأبواب المغلقة
 
إذن، فأبواب التغيير في العالم العربي تكاد تكون مغلقة، والطرق تكاد تكون مسدودة، أمام الحداثة، وأمام دعوة الليبراليين، بهذا السور العظيم الذي ساهمت في بنائه بعض الأنظمة العربية، والأحزاب الدينية، والقوى الدينية في العالم العربي، إضافة إلى الشارع العربي الفاقد الثقة بهذه الأنظمة، والمتأمل خيراً كبيراً وكثيراً من القوى الدينية كحل أخير ووحيد لأزمة العرب السياسية والاقتصادية، والمتمثل بشعار الإسلام هو الحل ولا ندري هل الحل سيكون في الإسلام فعلاً، أم في الإسلامويين؟
 
فهل على الليبراليين أن (يضبضبوا) أمتعتهم ويرحلوا، ويكفوا عن الكلام، بانتظار عهد أمريكي جديد ينسى ما حصل له في العراق، ويكرر الفيلم العراقي في نظام ديكتاتوري عربي جديد؟
 
وهل يمكن أن يتكرر الفيلم العراقي في بلد عربي آخر، بعد أن خسرت أمريكا في العراق هذه المليارات الكثيرة، والتي قالت دراسة نُشرت نتائجها في 2/1/2006 إن تكاليف حرب العراق قد تتخطى تريليوني دولار· وهو ما يفوق كثيراً تقديرات البيت الأبيض قبل الحرب، إذا تمَّ تضمينها نفقات على المدى الطويل، مثل الرعاية الصحية لمدى الحياة لآلاف الجنود الأمريكيين الجرحى·
Page 5
سدٌ منيعٌ
 
من سوء حظ الليبراليين العرب أنهم يقفون في وجه أكثر من عشرين نظاماً عربياً فاسداً، ويحاربون على عشرين جبهة، وليس على جبهة واحدة· في حين أن التيار الديني يحارب على جبهة واحدة فقط وهي جبهة الليبرالية والحداثة·
 
ومن سوء حظ الليبراليين العرب أن لا أحد في العالم العربي يرغب في حمايتهم وتبنيهم، بل إن الجميع يهربون منهم، ويتبرأون منهم، وكأنهم موبوءون وباء الكلاب بداء الجَرَب·
 
فلا يوجد في العالم العربي أسرة كأسرة مديشي Medici الإيطالية الغنية الحاكمة، التي رعـت وحمـت غاليلو (1564-1642) من تسلط الكنيسة وإرهابها·
 
ولا يوجد في العالم العربي أسرة كأسرة كافنديش Cavendish في دوفينشاير في بريطانيا، يحتمي في ظلها مفكرو الليبرالية العربية، كما احتمى التنويري الأوروبي الفيلسوف البريطاني توماس هوبز (1588-1679)·
 
ولا يوجد في العالم العربي مركيزة كالمركيزة الفرنسية مدام دي بومبادور التي حمت فولتير من أعداء فكره ومضطهديه، والتي أجرت راتباً لمونتسيكو وروسو· وكان في فرنسا عشرات الصالونات وعشرات الماركيزات من هذا القبيل· 
 
ما العمل؟
 
لو قرأنا تاريخ حركات التنوير الأوروبية في القرن السابع والثامن عشر، لوجدنا أن حال أوروبا في تلك الحقبة التاريخية، كانت أشبه بحال العالم العربي الآن من حيث بناء سور ديني ضخم من قبل الكنيسة في وجه الحداثة والتنوير ودعاته، ليصدَّ هجمات الليبراليين وفرسان التنوير، الذين أضاءوا العقل الأوروبي فيما بعد، وكانوا سبباً في نهضة أوروبا الحديثة·
 
فقد أحرقت إنجلترا الكتب، وشهّرت بالكتّاب المعادين للكنيسة· وفي 1723 أصدرت فرنسا قانوناً يُحرّم طبع الكتب إلا بإذن ملكي خاص· وفي 1757 صدر مرسوم فرنسي يقضي بالموت على كل من يكتب كتاباً ضد الكنيسة· وكان الكتّاب الفرنسيون يلجأون إلى نشر كتبهم في امستردام ولاهاي كما يلجأ الكتاب العرب اليوم إلى نشر كتبهم في باريس ولندن وكولون· وكان البريطانيون يعلقون على أبواب منازلهم عبارة لا يوجد لدينا فلاسفة، خوفاً من الكنيسة· وكانت كتب فولتير، وروسو، وديدرو، وهلفتيوس، ودولباخ، ولامتري وغيرهم من الكتّاب الليبراليين التنويريين في قائمة الكتب المحرّمة التي لا يُسمح بقراءتها إلا بإذن خاص من البابا نفسه (ول ديورانت، قصة الحضارة، جزء40، ص 170)·
 
فأوروبا الحديثة لم تكن نتاجاً للكنيسة، ولا للقساوسة، والرهبان· 
 
والعالم العربي الحديث، لن يكون نتاجاً للفقهاء ولكن للخبراء·
 
ُصنّاع أوروبا الحديثة هم الكتّاب والمفكرون الليبراليون الحداثيون، الذي وقفوا أمام السور الضخم والعريض والعالي الذي بنته الهيئات الكنسية، وظلوا يحفرون بأظافرهم وأسنانهم في جدران هذا السور حتى قوّضوه وأزالوه، وزرعوا في أرضه فسائل التنوير والحداثة التي كبُرت وبسقت، وأنبتت النهضة الأوروبية الحديثة·
 
ما هو المطلوب من الليبراليين؟
 
مطلوب من الليبراليين العرب أن لا ييأسوا، وأن لا يستقيلوا، وأن لا يهربوا كما هرب البعض تحت أول تهديد من الإرهابيين· ولو فعل الليبراليون الأوروبيون ذلك لظلت أوروبا تعيش حتى الآن في ظلام القرون الوسطى كما نعيش نحن الآن، رغم كل هذه الأبهة والزخارف القشرية المزيفة التي نُحيط بها حياتنا، والتي نعتبرها من الحداثة والتمدن، وهي في واقع الأمر من القُدامة المطلية بماء الذهب، وسوف تكشف عن صدأنا وصدأ رؤوسنا في المستقبل القريب، بعد أن تزول القشرة، وينكشف المستور·
 
مطلوب من الليبراليين العرب الحفر بأظفارهم في سور العرب العظيم، حتى يهدموه·
 
مطلوب من الليبراليين العرب أن يظلوا مستمرين في قرع الأبواب العالية برؤوسهم وبقوة، حتى يُستجاب لهم، وتُفتح لهم أبواب سور العرب العظيم، ولو بعد حين·
 
فاقرعوا يُفتح لكم·
Page 6
هل الإرهاب ضرورة تاريخية للتغيير؟
 
 لا شك في أن تصاعد موجات الإرهاب في الفترة السابقة، قد أقلق العالم كله، ووضع العالم في حالة الإنذار المبكر، كما وضع العالم العربي فوق سطح صفيح ساخن·
 
أسئلة كثيرة
 
فهل كنا بحاجة إلى كل هذا الإرهاب، وإلى أن نُوضع فوق سطح صفيح ساخن، كي نستفيق من النوم الطويل الذي كان يغرق فيه العالم العربي، وهو ما يُسمّى بـ نوم الَخبَل؛ أي النوم غير الصحي الذي يلجأ إليه من أثقلته الهموم، ونزلت به الكوارث، هروباً من التفكير بهذه الهموم، أو التصدي لهذه الكوارث؟
 
وهل كان العالم العربي بحاجة إلى كل هذا الإرهاب لكي يدرك ضرورة المرحلة التاريخية التي يعيشها الآن، والتي تتغير فيها القيم السياسية العربية، وتتبدل القيم الاقتصادية والثقافية والاجتماعية العربية؟
 
وهل كان العالم العربي لا ينتظر أبداً، ولا يتوقع مطلقاً أن ترتفع وتيرة الإرهاب في العالم العربي إلى هذا الحد الذي نراه الآن، حتى ولو لم يكن هناك ما عُرف بـ العُربان الأفغان أو غُربان الشيطان، وحتى لو لم ترتكب إسرائيل مجازرها في غزة والضفة الغربية، وحتى ولو لم يسقط واحد من الأنظمة الديكتاتورية العاتية في العالم العربي؟
 
وهل كان العالم العربي لا ينتظر أبداً، ولا يتوقع مطلقاً أن ترتفع وتيرة الإرهاب في العالم العربي على هذا النحو الذي نراه الآن، حتى ولو لم تصبح القوات الأمريكية على حدود سوريا وإيران والسعودية والأردن والكويت، بحيث أصبح الكون الأمريكي بكل قيمه وخطاباته أقرب إلى العرب من العرب أنفسهم؟
 
ثم لماذا كل هذا العجب، وهذا الاستغراب، وهذا الشعور بالمفاجأة من ازدياد حدة وتيرة الإرهاب في العالم العربي، والعالم العربي منذ عشيات الاستقلال (لم يكن هناك استقلال بقدر ما كان هناك انسحاب للقوات الأجنبية، وإعادة انتشار لها· وظل العالم العربي منذ ذلك التاريخ وإلى الآن موثوقاً بالعجلة الغربية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً) 1943 وحتى الآن، وهو يعيش ويتعايش مع الإرهاب الجميل أو الإرهاب الرسمي؛ أي إرهاب الدولة التسلطية الاستبدادية لمواطنيها؟
 
ألم يكن إرهاب الدولة العربية المستقلة حديثاً ذات النظام البوليسي والقاتلة لأبنائها والملتهمة لأطفالها، هو الإرهاب المُقنَّع بعينه؟
 
فإرهاب الأفراد والجماعات لا يختلف عن إرهاب الحكومات، بل هو أسوأ منها، حيث يقود إلى التعاطف الزائف معه، كما قال المهاتما غاندي (جريدة الهند الفتية، 1924)·
 
أليس إرهاب الدولة العربية التسلطية الذي بدأ بعد عشيات الاستقلال، وتولى فيه الجلادون الحكم (الذين يظهرون اليوم بمظهر ضحايا المؤامرة الأمريكية والغربية) في العالم العربي هو الإرهاب بعينه؟
 
يقول عالم السياسة حنّه آرندت في كتابه (في العنف، 1970) إن موجات الإرهاب تصل إلى أعلى درجاتها عندما تبدأ الدولة البوليسية تلتهم أطفالها، وعندما يصبح جلاد البارحة ضحية اليوم
 
ألم يصبح صدام حسين - مثالاً لا حصراً- جلاد الأمس، ضحية اليوم في مرآة حزب البعث والأصوليين الإرهابيين من العرب والعجم؟ ويؤيد هذا، الروائي جوزيف كونراد في روايته الشهيرة (المخبر السري، 1907) بقوله الإرهابي ورجل البوليس جاءا من سلة واحدة ولعل بعض أجزاء من العالم العربي تذكرنا بما كان يسود من أنظمة سياسية عسكرية ديكتاتورية في أمريكا اللاتينية، وخاصة في الأرجنتين حيث كان الإرهابيون بملابس عسكرية، حالهم كحال بعض الحكام العرب كما يقول لنا ستيفن كنـزار في كتابه (عذاب الأرجنتين، 1978)·
 
ألم يحفظ الديكتاتوريون العرب قول هتلر في (صوت التدمير، 1940) من أن الإرهاب أقوى سلاح سياسي· ومن أنه لن يسمح للرايخ الثالث بالزوال لأن مجموعة من الأغبياء تنتقد الإرهاب؟
 
ألم يحفظ الديكتاتوريون العرب قول موسوليني الفاشي في خطاب له 13/12/1914، بأن الدم وحده هو الذي يدير عجلات التاريخ؟
Page 7
الإرهاب ليس مشكلة ولكنه نتيجة لمشكلة
 
كان لا بُدَّ من أن يظهر الإرهاب في العالم العربي على هذا النحو الذي نشهده الآن، بل كان من المنتظر أن يظهر أشد قسوة وشراسة!
 
فالإرهاب ليس هو المشكلة، ولكنه نتيجة لمشكلة·
 
ومشكلة العالم العربي بعد الاستقلال كانت (حُكم الاستغلال)·
 
ولقد كان الإرهاب قائماً في الجسم العربي كالفيروس الذي يحتاج إلى بيئة مناسبة لكي يظهر ويطفح كبثور الحُصبة على الجسم العربي· والفيروس هو الضعيف القوي· فالإرهاب هو سلاح الضعفاء وليس سلاح الأقوياء،كما قال المهاتما غاندي (جريدة الهند الفتية، 1920)· وأن هذا الفيروس كان في بيات طوال الفترة السابقة منذ عشيات الاستقلال حتى الآن، وتولي أبطال الاستغلال بعد الاستقلال الحكم في أجزاء من العالم العربي· وتكوّنت فايروسات هذا الإرهاب الذي كان ليس نتاجاً للقوة، ولكنه دليل على غياب القوة، كما يقول رالف اندرسون· وغياب القوة هذا - الذي أتاح لفيروسات الإرهاب بالظهور كالطفح الجلدي في العالم العربي على هذا النحو الذي نشهده الآن - هو غياب قوة العدالة، وغياب قوة الديمقراطية، وغياب قوة الثقافة، وغياب قوة القيم الإنسانية، وغياب قوة التغيير· فيما اعتبر البعض أن الإرهاب هو التغيير، وهذا صحيح· ولكن هذا الإرهاب يمكن أن يُغيّر العالم العربي إلى عالم أكثر عنفاً مما مضى·
 
لقد سبق لمارك توين أن صنّف الإرهاب إلى نوعين : النوع الأول، يرتكب الجريمة بالعواطف الجياشة حوله· والنوع الثاني، يرتكب الجريمة بدم بارد· والإرهاب الموجود في العالم العربي الآن هو من النوع الأول الذي يرتكب الجرائم بعواطف جياشة يبديها الإعلام العربي والكتّاب العرب ورجال الدين العرب والسياسيون العرب· وتكون هذه العواطف الجياشة مصحوبة بالدعاء إلى الله أن يبارك الإرهابيين ويُسدد خطاهم· فهل بعد هذه الأمراض في العالم العربي توجد أمراض فتاكة أخرى يمكن أن تصيب جسم أمة من الأمم في مطلع الألفية الثالثة، وفي عصر الانترنت والعولمة والعَلْمانية وغزو الفضاء وانهيار الديكتاتوريات العربية والغربية، وانتهاء الحرب الباردة·· الخ؟
 
ويجب أن لا يغيب عن بالنا بأن الإرهاب في معظمه إنجاز عربي بكل فخر واعتزاز· وأن كثيراً من الكتّاب والمثقفين العرب يعتبرون الإرهاب وضحاياه أهم ما أنجزه العرب وقدموه للعالم في النصف الثاني من القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين·
 
حتى الإرهاب لم يوقظنا من سباتنا العميق
 
الإرهاب، ككل كارثة سياسية أو طبيعية أو عسكرية في العالم، حلّت بالشعوب على مرِّ التاريخ، فأيقظت بعضاً ممن كان ينتظر الفجر بفارغ الصبر، ولم تستطع إيقاظ البعض الآخر ممن كان نومه ثقيلاً، وسباته عميقاً، وشخيره عالياً· فالقنبلة النووية مثلاً التي ألقتها أمريكا في 6/8/1945 على هيروشيما لكي تُرهب بها الشعب الياباني وقوته العسكرية، أيقظت الشعب الياباني من سباته العميق، في ليل العسكرتاريا الطويل والحالك، وجعلته يفكر جيداً بما عليه أن يفعل في المستقبل· والنكبة الفلسطينية مثلاً، وإرهاب الهيجاناه الإسرائيلية ومنظمة شتيرن والجيش الإسرائيلي، وما تبعها من حروب دامية مع اسرائيل وعلى رأسها حرب 1967·· كل هذه النكبات التي حلّت بالعالم العربي منذ أكثر من نصف قرن لم تستطع إيقاظ الشعب العربي من سباته الطويل، وتضع أمام ناظريه التغيرات السياسية والدولية التي حدثت في العالم، وضرورة الاستجابة لها·
 
فهل يمكن للإرهاب الدائر الآن في العالم العربي، والنابع منه، والمُصدَّر إلى العالم بمباركة بعض فقهاء الدين وبأختامهم الشرعية، أن يكون المؤذِّن الذي يؤذِّن لصلاة فجر الحرية والديمقراطية والتغيير في العالم العربي؟
Page 8
هل الدم هو الزيت المضيء؟
 
معظم راصدي وقارئي ومحللي التاريخ الإنساني، قالوا بأن التغيرات المهمة في العالم كان وراءها العنف (هنري كيسنجر في كتابه الديبلوماسية 1994)· وكان الدم هو الزيت المضيء لفجر الأمم، كما كان يعتقد كثير من الساسة وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي روزفلت، الذي كان يقول في رسالة لصديقه نشرها كيسنجر في كتابه : لو خُيّرت بين الدم والحديد أو الماء والحليب، لاخترت الدم والحديد· فهما ليسا خيراً للأمة فقط، ولكن للعالم على المدى البعيد كما يؤكد بعض القادة التاريخيين كالزعيم الصيني ماوتسي تونغ، بأن التجربة التاريخية كُتبت بالحديد والدم·
 
كتب المناضل والمفكر المارتينيكي- الجزائري فرانز فانون في كتابـه الشهير (المعذبون في الأرض، 1961) يقول: العنف هو القوة المُطهرة التي تحرر المواطن من عقدة الخوف واليأس والسلبية وقد رأينا صدق هذا الكلام على أرض الواقع في العراق في يناير 2005 أثناء الانتخابات التشريعية، حين نزل إلى الشارع العراقي ثمانية ملايين ناخب، يتحدون الخوف والموت واليأس والإرهاب، واقترعوا لاختيار نواب الجمعية الوطنية العراقية التي كتبت دستور العراق الجديد· كما رأينا ذلك في لبنان في 14/3/2005 في ساحة الشهداء في بيروت، عندما تجمّع أكثر من مليون شاب وفتاة، يطالبون بانسحاب القوات السورية من بلادهم، وبكشف قتلة رفيق الحريري، وإقامة حكم ديمقراطي، وتشريع قانون انتخابات جديد، رغم كل العنف والإرهاب والقتل الذي مارسته القوات السورية وحلفاؤها في لبنان طيلة 29 عاماً·
 
فهل تكون مرحلة الإرهاب الآن هي المَطْهر Purgatory  العربي، الذي سيغسل آثام العرب في الماضي والحاضر وينقّيهم، وينقلهم من المرحلة المتوسطة بين البداوة والحضارة التي هم فيها الآن، إلى مرحلة الحضارة والتحضر، ليس باللباس والشراب واستعمال منجزات الصناعة الغربية، ولكن بالقيم والسلوك والتطبيق، وبفهم ماذا تغيّر في العالم، وكيف يجب علينا أن نعيش، وأن نتعايش مع المجتمع الدولي؟
 
وهل سيكون الإرهاب القائم في العالم العربي، بمثابة القنبلة النووية الدينية الأصولية التي ألقاها العرب على أنفسهم، حين لم يجدوا من يُلقيها عليهم، كما فعلت أمريكا باليابان 1945، لكي يصحوا النيام من سباتهم العميق، وقد فاتتهم قطارات كثيرة، أهمها قطار الإصلاح السياسي، والحداثة، والإصلاح الاجتماعي، والسلام·· الخ؟
 
فهل يصدُق علينا قول المصلح الديني مارتن لوثر في القرن السادس عشر من أن لا تاريخ جديداً يُبنى بدون دم، وأن السيف المدني يجب أن يكون أحمر دموياً؟
 
وهل تغيّر العرب في القرن السابع الميلادي، وانتقلوا تلك النقلة، أو القفزة التاريخية الكبيرة من قبائل شتى إلى أمة موحدة، تطورت إلى أن أصبحت إمبراطورية عظمى بغير السيف والدم؟
 
وهل يدفع العراق اليوم حساب تكلفة الفجر العربي الجديد المنتظر، نيابة عن الأمة العربية؟
Page 9
هل قاد إخفاق العَلْمانية إلى الإرهاب؟
 
 الإرهاب مرض من الأمراض، يصيب الأمة في طور من أطوارها· وهو كذلك كأي مرض يصيب الإنسان في طور من أطواره أيضاً· وكما أنه لا يوجد لمعظم الأمراض الصحية والنفسية والعصبية سبب واحد، وإنما هناك عدة أسباب لمثل هذه الأمراض، فكذلك الحال بالنسبة لمرض الإرهاب· ففي مرحلة من المراحل، يمكن للإرهاب أن ينتج عن هشاشة الثقافة، ويمكن أن يكون نتيجة لظروف اقتصادية، واجتماعية معينة· 
 
فهل ارتفاع وتيرة الإرهاب في العالم العربي هذه الأيام، يمكن أن يكون نتيجة حتمية لإخفاق تحقق العَلْمانية ؟
 
العقل والحياة السياسية
 
في العالم العربي، مثلاً، لا يوجد توافق بنيوي تام وكامل - كما تمَّ في الغرب - بين تطور العقل العربي من جانب، وبين تطور الحياة السياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى تطور الفكر النظري السياسي من جانب آخر· فميلاد المفاهيم السياسية العربية الحديثة لم يكن نتيجة لتحول واضح وملموس في الوجود والواقع السياسي العربي، حيث إن ظهور هذه المفاهيم لم يكن بمثابة إعلان القطيعة مع عصر الانحطاط، وإعلان الدخول في العالم الجديد، ولكن هذه المفاهيم جاءت نتيجة لتلاقح جزئي على مستوى النخبة الفكرية الأكاديمية، وليس على مستوى النخبة السياسية الحاكمة· وقد نشأ عن هذا أزمة ديمقراطية، بدأت من مسألة الشراكة الممكنة بين الحاكم والمحكوم في تقرير السياسة· وبدأت من فكر العامة ولم تنتهِ في فكر الخاصة· ففي فكر العامة تغيب السياسة كمحظور، ويُحكى عنها كمُحرَّم مقبول شعبياً، كقولهـم السياسـة كناسـة، والسياسة وجع راس، ومن دخل السياسة غرق في النجاسة الخ·
 
مشكلتنا التخلف لا الفقر
 
في ظل موجة العقلانية، التي بدأت تجتاح العالم العربي في نهاية التسعينات، ونحن نودع القرن العشرين الذي انفجرت في نهايته ثورة المعلومات، وشهدت فيه البشرية ثورة التكنولوجيا، بدأ بعض المفكرين العرب يضعون أصابعهم على مواطن الداء الحقيقي الذي يُعيق تحقيق الوحدة العربية، وهو داء التخلف، وليس الفقر·
 
فبعضنا أغنياء متخلفون، ومعظمنا فقراء متخلفون· إذن: فكلنا متخلفون، وليس كلنا فقراء· والفقر لا يعني دائماً التخلف، كما أن الغنى لا يعني دائماً التقدم· فبلد كالهند مثلاً تُعدُّ من الفقراء المتقدمين علمياً، وكذلك الصين· فهناك وحدة مع الفقر، ولكن لا وحدة مع التخلف· وما اتحدت أمريكا مثلاً، إلا بالنور الذي جاء به الأوروبيون من أوروبا، ذات التنوير والإصلاح الديني، والثورة الصناعية، والثورة العلمية، والاكتشافات المذهلة في القرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر· وما الوحدة التي حققتها أوروبا في نهاية هذا القرن إلا نتيجة لهذا كله، ونتيجـة لعصر ثورة التكنولوجيا والمعلومات، ولم تأتِ من فراغ·
 
أما نحن، فما زلنا مجتمعات متخلفة، وشعوبنا مُذلَّة مستعبدة، تحكمها أنظمة استبدادية فردية شمولية، وقوانا وحركاتنا السياسية متخلفة وقاصرة· 
Page 10
انغلاق المفكرين الإسلاميين
 
إن عدم تحقيق  العَلْمانية العربية، في فترة النصف الثاني من القرن العشرين، وسقوط عصر النهضة في التيه الفكري، كان سببه أن المفكرين الإسلاميين الذين كانوا يتجادلون مع المفكرين العَلْمانيين، لم يكونوا على مستوى وعي وثقافة المفكرين العَلْمانيين، الذين درس معظمهم في جامعات غربية، ومكث بعضهم في الغرب يتعلم ويدرّس في جامعات الغرب، مما مكّنهم من الاطلاع أكثر فأكثر على فكر العَلْمانية الغربية، ومكّنهم من أن يتزودوا بزاد حديث ومتتابع من الثقافة الفكرية الغربية، الخاصة بمسألة  العَلْمانية· في حين أن كثيراً من المفكرين الإسلاميين انغلقوا على أنفسهم، وحصروا جدلهم، طوال نصف قرن، في زاوية مقولة إن الإسلام دين ودولة، والتي أطلقها حسن البنا في النصف الأول من هذا القرن· وهذه حقيقة وليست تهمة للمفكرين الإسلاميين، بحيث أن الشيخ راشد الغنوشي يثبتها، ويدلل على انغلاق الباحثين الإسلاميين على أنفسهم وتراثهم بقوله:  إنه لمحزن جداً، أن لا نعثر من بين قائمة طويلة لمراجع كتاب، أو بحث إسلامي، على مرجع واحد، من غير المدرسة التي ينتمي إليها الباحث· أما مكتبات الحزبيين الإسلاميين، فنادراً ما تتوفر فيها مصادر من خارج الحزب، أو المذهب (مقاربات في العَلْمانية والمجتمع المدني، ص190)· فكان الحوار بين المثقفين العلمانيين والمثقفين الدينيين، كحوار طرشان· لا فريق يفهم ما يقوله الفريق الآخر·
 
الفهم الخاطئ
 
يقول الباحث اللبناني عادل ضاهر، عن طريقة فهم رجال الدين للعلمانية، بأنه فهم خاطئ  تُمليه اعتبارات أيديولوجية، أكثر مما تُمليه الرغبة في الوصول إلى فضِّ المكنون الجوهري لمفهوم  العَلْمانية· والدافع الأساسي لهؤلاء المفكرين، هو الحفاظ على مقولة إن الإسلام دين ودولة، بحكم طبيعته· ولذلك كان ضرورياً لهم أن يفترضوا أمرين:
 
الأول، هو أن العَلْمانية في جوهرها رفض للدولة الدينية، في الغرب المسيحي· 
 
والثاني، هو أن الإسلام، بما هو دين ودولة، لا يحمل في طياته مفهوم الدولة الدينية، ولا أي مكوِّن من مكوِّناتها، بل العكس تماماً هو الصحيح (الأُسس الفلسفية للعَلْمانية، ص42،43)·
 
والعَلْمانية ليست كلها فصل الدين عن الدولة، كما يفهمها كثير من الإسلاميين، بقدر ما هي إبعاد رجال الدين عن السياسة، وذلك من خلال نظام سياسي واجتماعي وثقافي واقتصادي متكامل· وحوار الطرشان هذا بين المفكرين الإسلاميين وبين المفكرين العَلْمانيين، كان من أسبابه أن الحركات الإسلامية، تعتبر نفسها هي الإسلام، وأن هزيمتها الفكرية والسياسية، هي هزيمة للفكر الإسلامي وللدولة الإسلامية· وأن من يكره هذه الحركات فإنما يكره الإسلام ذاته، كما يقول راشد الغنوشي (مقاربات في  العَلْمانية والمجتمع المدني، ص196)، وهو ما أدى بالتالي إلى تسفيهٍ لبعضهم بعضاً، وقطيعةٍ، وتوقفٍ، وطريقٍ مسدود إلى حد ما·
 
أسباب فشل العَلْمانية
 
إن من أسباب عدم تقدم العَلْمانية في العالم العربي، فهم اليمين الإسلامي لها فهماً خاطئاً، وتشويه هذا الفهم، وتعميم هذا التشويه بين صفوف المسلمين لكي يقاوموا العَلْمانية، ويبقى صدر المجلس السياسي محفوظاً لرجال المؤسسة الدينية· فهـم يقولون إن  العَلْمانية Secularism معناها العربي والغربي لا ديني كما قال أنور الجندي في كتابه (سقوط العَلْمانية، ص7)· في حين أن معناها الحرفي الزمني، حتى إن بعض المفكرين المعاصرين، ومنهم فؤاد زكريا، ترجموها بـ الزمانية وبعض رجال الدين يريدون من وراء هذا الفهم الخاطئ والمقصود للعَلْمانية، تأليب الشارع الإسلامي والعربي على العَلْمانية، التي إن طُبِّقت تماماً في العالم العربي، سلبت رجال المؤسسة الدينية كثيراً من امتيازاتهم الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والمالية·
 
إغلاق باب الاجتهاد
 
كذلك، فإن من أسباب فشل تحقيق العَلْمانية في مجتمع كالمجتمع العربي الآن، تأتّى من إغلاق أبواب الاجتهاد، حيث قال الإسلاميون: إن ما أغلقه السلف لا يفتحه الخلف وإن القرآن موجود، وهو يحتوي على كل ما نريد ونبغي، ولا داعيَ لاستيراد أفكار غربية ليست من ثوبنا، وليست من عاداتنا وتقاليدنا· لذا، سوف يستغرق تحقيق العَلْمانية زمناً طويلاً في مجتمع كالمجتمع العربي، يخيم عليه طقس أيديولوجي غائم، وتسيطر عليه الجماعات الإسلامية السياسية التي تستعمل الدين كمتراس تحتمي وراءه، اتقاءً من كل ما يوجه إليها من نقد ومقاومة·
 
هل كل هذا يبرر الإرهاب؟
 
لا يبدو فشل تحقيق العَلْمانية في العالم العربي حتى الآن مبرراً لرفع وتيرة الإرهاب، في العالم العربي، على هذا النحو· ولكن لو قرأنا بعمق، في خطابات الجماعات الإسلاموية عموماً، لرأينا أن هذا العداء المُستحكم للحداثة وللغرب بشكل عام، ناجم عن هذا الغرب وهذه الحداثة، التي تريد بناء دولة عربية جديدة، لا يكون لرجال الدين دور سياسي فيها، مما يعني عزل هذه الجماعات، وليس الإسلام، عن الحكم· وبالتالي، فإن هذه الجماعات تجاهد الآن ليس من أجل الإسلام، ولكن من أجل عدم عزلها عن الحياة السياسية· وهو ما يبرر - ربما- ارتفاع وتيرة الإرهاب، أو الجهاد كما هو في القاموس السياسي لهؤلاء·