تأمَّلْ
ستلمح فيها احتمالاً ومستقبلاً للنهار
واحداً.. واحداً
كُلَّما هَيَّأ القتْلُ والقَيْدُ أسطورَةً
فزَّ في شمعدان الطفولة جمر الصلاة..
انتظر،
أيها الفارس الرخو!،
هذي الوجوه الجميلة تعرفها
فانتظر!
قاسم حدَّاد
1- إبراهيم
.. لم يكُنْ في السقف شجرة، فمن أين انطرح أمامي بغتةً كتُفَّاحةٍ معلَّقة هزَّتها رياحٌ عابرة لهذه الصحراء، وهي تضيق بمصيرها بين السماء والأرض.
.. الثمار شحيحةٌ تلك النابتة تحملها السيقان النحيلة فوق الصحراء. نعم، نحيلةٌ وقصيرةٌ تلك السيقان كما أنها لا تكاد أن تنوء برفع وريقات خضْرَاء شهباء وسميكة عروقها تنبض بطيئةً بسوائل لزِجَةٍ سيحفل بها ظمأ الماشية، لكنه واقف بجانبـي ينتظر دوْرَه كتُفَّاحَةٍ خَضْراء ندية ولامعة أريد أن ألتقطها من سجادة الرمل.
.. أتخيَّل نبضها براحتيَّ حين لم يطْرَأ عليَّ زمُّ شفتيَّ صوبها لقضمها، بل انشغلت بغتة بحريق من كوب القهوة الذي حملته من النادل لأتنحَّى صوب السكَّر والحليب. انتقل من جانبـي بحذر لحظة أن بدَّلْنا أمكنة وقوفنا لأنه سيلي دَوْري. رميْتُ كلمات قليلة ومبعثرة، لعل تمكُّني من سرعتها جعلها تحْمِل معنى سؤال فضولي بالطبع ولا شك. فقد كنتُ أشعر بوحشة المكان أقوى من غرابة الناس وتنوع الأجناس نساء ورجالاً بألوان جلودهم وملابسهم التي وضعتني في حيرة لا تجعلني أثق بمعرفتي الجيدة بأكثر زبائني المألوفين في المحل. هنا ليس كمثل محلنا في شارع إبليس، شارع عبد الله الحمدان الطويل والمتعرِّج في العُليَّا الذي أعرف جيراني فيه، ولا كمثل جناح مَعْرض في مجمع أسواق موسمية يشغلني الزحام عن حديث عابر مع أي جار..، بل هنا عرض خاص لبضائع عديدة وعادية بأسعار نوهم أنها معتدلة ومخفضة أيضاً. كان لا بد من التخلُّص منها قبل حلول موسم آخر يطلب سواها.
.. ربما كان هروبـي من تلك الوحشة في يومي الأول لم يكن يأمل بهكذا ألفة عميقة معه فقد رحْتُ بعيداً في عينيه الودودتَيْن، وأصابع كفَّيه الدقيقة الرسم، لكنها طويلة ورقيقة تضعني مصافحتهما أو لمسهما العابر في حالة تخضُّني كأنما تدفع جسدي نحوه، فأحاول مراراً ألا أجعله يمضي متهوراً صوب تركي حيث لحظت اسمه من بطاقته المعلَّقة بجيبه الأمامي، ولكي لا أجعله يشعر بتلك الخضَّات الدافئة كلما رأيتُه أختلق صدفة لأجلس معه وقت الفطور حين يأخذ قهوته حاملاً جريدته. إذ لم أعرض عليه الغداء سوياً غير محاولة مخفقة لأتخفَّفَ من تلك الحرائق التي تنجزها أشعة تنطلق من هالة جسده الأخضر صوب مسامي واحدة تلو الأخرى وتنغرس طفيفاً في الفراغات بين كل واحدة وأخرى، لكنها تلْتجُّ عندما أعود في المساء ختاماً ليوم مزحوم إلى بيتنا، فأستلقي على كنبتي مسترخياً ومستمهلاً ذلك النوم، فأطلق في فضاء الغرفة عيني اللتين تجهدان قليلاً بإطباق متكرِّر لجفنيَّ. علَّني أستعيد صورته كلها بذلك الجسد الأخضر الذي تكاد تنفلت ذراعاي نحوه، وبتلك العينين السخيَّتَيْن بخجَلٍ يداري خوفاً وقلقاً شفيفاً، ليوحي بأن تجربة ذراعين سابقين أخفقا تماماً بجعلهما تنعمان بالإغماض في حضن صاحبهما.
.. فأرمق السقف كما لو كنت بملء صدري الذي أفترشه بأصابعي مُمرِّراً إياها أتلـمَّسه كسِجَّادة تنبر شعيراتها التي ستفز بغتة لانطراح تفاحة خضراء، فلم أستطع استعادة صورته كاملة تبقت لي حركته ونشاطه في المشية المستقيمة وتبقت لي إمالات خجله ورقته في كفيه لحظة ما يتكلَّم أو يعزِّز وصف أمر ما.
.. لم أرد أن أستعجل أي شيء معه على أنني أعرف أنه سيسافر خلال أيام بعد عروضنا في المستشفى حيث ستنتهي بعد يومين، لكن أعْرفُني حاولت يوم زممْتُ شفتي لأتنفس أصابعه الخضراء بهما وأطمئنه ببساطة من قلقه حول مستقبله حين أخذ لحم شفتيه يتورَّد في حديثه وزميلته سميرة. فهو كان جالساً وهي واقفة ناحية ركن من صالة النادي الذي يفضل الجلوس فيه وقت فطوره.
.. كانت عيناه تصفوان في لونهما ولحم جسده يتورَّد، فعلاً، من بعد ذلك الانقباض الذي حد تفاصيل وجهه وركبتيه بسحنة ضيق من تلك التنبيهات التي تتتالى يطلقها جواله لتُعْلِنَ وصولَ رسائل أراه بات يتجاهلها الآن بثقة منحت ضيقه طريقاً ليتبدَّد فيه هم رؤية تلك الرسائل التي لم تعد توافيه..، لتثبت لي عيناه شعوراً يُنبيني بأن توأمة روحية تجعلنا في عداد غبطة لطيور تنجو من شرَكٍ.
.. إنه يظل في أحلامي وشهواتي تفاحتي الخضراء التي تهيأت لتنفصل من غصنها لأنها تضيق بمصيرها بين السماء والأرض. إنما تعرف أنها ستسقط على راحة تختارها غير السماء والأرض.
2- تركي
.. فعلاً، منذ أيام، أشعر بانـزياح بعض أحمال تتزحْلَقُ وراءَ بعْضِها كأنما تترتَّبُ في طابور يذكِّرني بأيام المدرسة عندما نلوِّح بغُصْن شجرة لأسبوعها أو نصفِّق للإذاعة الصباحية أو نـزعق دوماً بحناجر الطفولة المغسولة بالحليب والتثاؤب نشيدَنا الوطني.
.. أشعر أنني في صباح هذه الأيام التي تمنحني ألواناً بعد أن كنت أمنحها ألواني، بعض لذة تتخفَّى في داخلي أتحسَّسُها هذا الصباح تحت الماء الذي يتناثر بين جسدي وبين الجدار ألتفت بعد أن تموَّج وتقاطر شلاَّل الماء على فمي منهمراً صوب المرآة لأبحث عن لون أخضر لتلك التفاحة التي دأب إبراهيم يشبِّهُني بها حين اكتشفت اسمي في جواله: تفاحتي الخضراء، وسألته ممَّ؟. فضحك وكان يتطلَّع إلى سقف أي مكان نكون فيه ليطلق ضحكات متلاحقة كما في الخشب البني مستعاراً لسقف صالة نادي المستشفى أو ذلك القماش الـمُخْمَليِّ فوق رأسه في السيارة.
.. لا أعرف أن كثيراً من الأمور تتسارع مثل هذا الماء المنهمر بكثرة وسرعة. إنه منعش بحق أكثر من إغراء دعاية أي صابون. نعم، منعش مثلما حياة هذه المدينة الجديدة عليَّ فرائحة الجبن تفوح من الطرقات ورائحة السخانات تملأ المنور إنها روائح غريبة تغزو بعضها بعضاً تتوقف واحدة مميزة تلك التي تأتي من شقة الشاب الهنغاري الذي يدرس الغناء الأوبرالي ويصْدَح مجلجلاً بصوته منذ الصبيحة عندها يبعث وريقة اعتذار خضْرَاءَ صغيرةٍ من تحت الباب تحمل رائحة عشب المارين الذي كاد أن يضعفني صوبه يوم عرض أن يكون موديل الرسم لي أنى أشاء وكيف أشاء، على أية حال لم يكن شعره البرتقالي يغريني ولا الشعيرات الصغير التي تحوط حلمته أو حتى الشعيرات الأكثف حول تلك الحمامة الصغيرة التي يتغطَّى رأسها المنحني بزائدة لحمية أظن أننا نفقدها..، ولا أذكر كيف لا يكون لتلك الحمامة جفن كما للعين ليحميها من روائح السراويل التي تمتلئ بالمغاسيل الكيمياوية والمياه المحلاَّة بالمعدن. لطالما أشغلَتْنا تلك الرأس المدببة بالحك والفرك بيننا وبينها كثافة قماش الثوب وسواها في صحونا وفي منامنا أما هم لا حاجة لذلك الحك والفرك.
.. كيف تخلَّى عنها ذلك البدوي إبراهيم، طريد الصحارى، وهو شَيْخٌ أصرَّ على مقاومة عُقْم خذله مع النساء كلهن، فقد ضحَّى بها لذلك الرب الغيور؟.
.. قومٌ يحْلِفُون بأفخاذهم، وقومٌ تقْسِمُ آياتُهم بالقمَر. لماذا لم يطلبها فادي الحياة مصلوباً ومطعوناً؟.
.. أشعر مرة بالوخز في كتفي من شريط حلم مريح أنساه كلما أنهض صباحاً، ومرات أكتشف بللاً حاراً ولزجاً يتأكَّد لي كلما ضممْتُ تفاحتي فخِذيَّ لألـمَّ الشَّرْشَف بينهما وأدرك أنني في نومي لم أبعد كفيَّ من استناد رأسي عليهما في كما اعتدت.
.. كلَّما نهضْتُ صباحاً أشعر أن صورة إبراهيم تفِد إليَّ كاملة بزُرْقة قوية تعانق تسرُّبَ شعاعة شمس طافرة من ارتخاء خشبة المكيِّف السُّفْلَى، فأقلِّب رسالة واردة منه ناعمة:
"مريت اليوم آخذ قهوة،
لقيت واحد جالس بالمكتب!"
.. أبتسم وأقْلِب جسدي نحو الجانب الأيمن فأرى ورقتين نائمتين، هما اللتين مددهما لي المسيو ميرو وكانتا سبب وجودي في هذه المدينة التي مرت بها حنجرة إيف مونتان وخوليو إجليسياس أو ريشة بيكاسو ومودلياني كما احتضنت حناجر وريَشاً من الشوارع والملاجئ إديث بياف وجان جنيه..، ربما استسلمتا تلك الورقتان الخضراوان لنوم عميق كأنما تعرفان بسفر طويل لنا لا تغيب عنه الألوان والفرشاة ربما الأخْضَر كان أحدها كما يفضِّل إبراهيم وأعتقد أنني أحببْتُه بكامل مُنى جسدي وغوَث روحي غير ما كان ينقص تلك الحالة التي عشتها وناصر. إنما مضت..، وهذا ما يجعلني أتخيَّل كل أوراقي خضراء. إنما بلا تفاحة حتى أعود إلى الرياض.
1- تركي
.. الملَلُ واليأسُ أحَدُ صِيَغ الطَّفَش.
.. بدَت الرياض لوحةً بلا قرار. الناس فيها بعض رشقات مُلوِّن سئِم أدواته، وهذا ما أحبطني منذ سنوات عن مزاولة هواية لم تعمد إلى كشف موهبة تعشق إعادة تشكيل هذه الحياة عبر اللون وإضاءاته.
.. الجو جميل يحمل نسمات برد لا تقرص بل تهيج فجأة بعد سكون، فالسماء مَلْغُومة بفضاء قطني. إذ بمجرد أن تطلع توحي بالمطر كله يوشك أن يوقظ كل شيء أنامَتْه الأيام أو الشهور أو السنوات التي سجنته مثل البذور التي في الرأس عن التقدم تحكمها أشجار خاوية من التخلف، فالأزهار نوع واحد وألوان باهتة، الطيور نوع واحد وأحجام تفتقر إلى ريش ملون أو طول في المناقير سوى جارح، وآخر غض معد لنيل الأوَّل..!
.. متابعتي لجريدة الحياة منذ استئنافها أثناء حرب الخليج الثانية، أحد أسبابها قول أحد الأصدقاء أن فقدانها في أي يوم من أيام الأسبوع يسبب: "خللاً.." لا ينقضي سوى برؤية نسخها مزاحمة الجرائد المحلية التي لا يطول وقت تصفحها مروراً لا أكثر لأثبت في نفسي أن الملاحق الثقافية المعنية بالتشكيل لا تزيد ولا تنقص في اهتماماتها سوى بالرسم الواقعي الذي يتناول باباً خشبياً قديماً أو صحراء بقافلة ومرات بعازف ربابةٍ نارُ موقده مشبوبة، وإن عرضت بعض الرسومات الأخرى دائماً ما يختار المحررون تلك الرسومات التي لا تحمل صور أنفاس بشر لئلا تثير رسمة أي امرأة. وجهها أو جسدها حفيظة قراء غيورين على أخلاق المجتمع الذي يتسابق مثل غيره إلى شراء المجلات العربية والخليجية التي تحفل من غلافها بفتاة مُشْبِقة أو توحي بما يساعد الخيال في الخلوات، حتى غلافها الأخير الحامل لإعلان عن أحد أنواع العطور النسائية أو مستحضرات التجميل، ولا تغيب المرأة كموديل فيها..!
.. يوماً، قرأت في صفحة القراء:
عبث وغيرة…و قصور في الفطرة
يا جريدة الموت- لا أحياكم الله-
لم تنشرون مثل هذه الصور الفاتنة المثيرة
للشهوات؟
أما تغارون على أعراضكم؟. أما بقيت فيكم نخوة ولا غيرة؟
تبلد الإحساس عندكم؟
قبحكم الله وقبح جريدتكم القذرة (…)لم تحرصون-
خذلكم الله-على نشر العهر والفساد والإثارة، لا تفتحوا
باب تبرج.
يا جريدة الموت كفاكم عبثاً واستهتاراً.
كيف تنشرون مثل هذه الصور؟
هل تريدون منا مقاطعة جريدتكم؟
آمل أن تفصحوا عن ذلك.
محذِّر ومنذر 27/8/1423 للهجرة
المحرر:
.. نظرنا ملياً في الصورة التي يصب عليها القارئ الكثير الصفات(كلها اسم فاعل)جام غضبه. فلم نر، ربما عن قصور في فطرتنا، ما يدعو إلى إثارة الشهوات والغيرة على العرض، ناهيك بالعُرْي والقذارة والعبث والاستهتار. فالصورة لا تعدو وجهاً صبوحاً ومبتسماً، على شاكلة الوجوه التي تستقبل الناظر إلى مشاهد الجموع والناس في الطرقات والساحات والأسواق.
.. فإذا جارينا القارئ الكثير الأسماء على نعوته لاقتضى الأمر إلغاء الصحف وإطفاء الشاشات الصغيرة، وقطع البث الإذاعي. فما بالك بالصوت إذا تكلمت هذه السيدة أو تكلمت مثيلاتها؟، ولاقتضى الأمر النهي عن السفر، وعن التجارة وتبادل السلع، وقطع الطرق، والحؤول بين"القبائل"و بين التعارف. فإذا كان القارئ الكثير الأسماء يدعو إلى هذا، وربما إلى غيره، فلماذا يقتصر على التحذير والنذير والنصح؟. فليخرج.. شاهراً السيف!.
.. وجْه (ميرفت أمين) عاهر..!، فاسد..!، مثير..!، ويفتح بابا تبرُّج.!
.. ماذا عن دعاة الصحوة؟. ألا تحرِّض كاسيتاتهم ومحاضراتهم على الإثارة، والتهييج..؟.
.."أبَدْ دَعَارة دينية.."كما قال أبو خالد.
.. مصالح بائسة تتسمَّى تحت مذكرات النصيحة وتقويم الحاكم بنشر فساده وتعميمه من أجل إفزاع المجتمع وتوتيره وجعله قطيعاً اهتاج من قرع جرس غنمة فيهم لمصلحة ذئب لا يقوى حتى على ركلة غنمة توجعه وتفلت..
.. أجلس في ثاني مقهى خلال أقل من ساعة بعد أن أذنت لنفسي الخروجَ من الدوام، فالجو فاتن لمزاجي الناري سماء تكنـز قطنها الذي سيسيل كأنما تغفل عن فتق شهاب يقرع إنذار السقوط..
.. دخلت على المقهى وطلبت قهوة أمريكية سوداء، وحلوى السينمون رول، وسلَّمْت على رجل ثلاثيني كان يلتهم طبقه ممتلئ الفم كأنما تعجن زواياه تلك الحلوى. جلست وبدأت إكمال تصفح الجريدة.. جاء شاب سوري قصير يلبس جينـزاً وتي شيرتاً عليه جاكيت جلدي أسود يعقد شعره ذيل حصان بني لا مع يرافقه شاب فلبيني طويل على غير عادة بلباس أنيق. قميصٌ طويل الأكمام وبنطلون كحلي ثني المكواة باق عليه يحمل دوسيه جلسا يتكلمان وبين تصفُّح وآخر تصلني كلمة منهما: "موكا لاتيه..، مؤكداً لا بد، نذهب سوياً..، نتفق عليه..". ربما يتباحثان تجديدَ خدمة مشروبات المقهى. نهض الشاب الثلاثيني، وخرج أحضر النادل الفليبيني قهوتي وطبق السينمون رول ناسياً الحليب لم يشاركني تقدير حومة الكبد لكثرة سكر الحلوى مع ثقل القهوة الحامض لم أبادره بتذكير، فالْتَهَيْت بأكل الحلوى وتصفُّح الجريدة:
"نعلن نحن أبناء الكويت والأعضاء في
جمعية الطيارين ومهندسي الطيران الكويتية
وقوفنا بين صفوف الشعب الكويتي الأبـي.."
: Sorry sir"".
: "هاه.."
مقدِّماً الحليب بلطف وعناية ملوم.
: "I forgot the milk!".
رددت عليه:
"Never-mind, Thanks".
.. انشغلت بوضع الحليب على القهوة قبل أن تبرد وارتشفت منها وأتابع ذلك البيان الذي تعلن فيه(جمعية الطيارين ومهندسي الطيران الكويتية) الولاء لأمير الدولة وولي العهد ونائبه عن:
"كامل رفْضِنا وشديد استنكارنا لما جاء به رئيس النظام العراقي مؤخراً من مهزلة في خطابه التحريضي المليء بسموم المراوغة والمبالغات والافتراءات والتهديدات المبطنة.."
.. بعد أحد عشر سنة على غزو الكويت في الثاني من آب 1990. يعتذر صدام، وأنا من يعتذر لي..؟. هل أنا بحاجة إلى اعتذار..؟. أريد تعويضاً لأعيد اكتشاف ما تبقى من موهبتي التي فقدتها أو اكتشفتها بعد تلك الأزمة، لم تستطع نشاطات المدرسة سوى بترحمُّي عليها ولا عزاء من أحد.
.. أين ثمارها..؟..
.. الكويتيون يرفضون ما يؤذي أرضهم لأنه يؤذيهم بينما كثير من السعوديين أو المتجنِّسين وقت الأزمة هرَّبوا أموالهم خارج البلد مخافة تحقق إشاعة تمكُّن صدَّام من دخول واحتلال البلد خلال ساعات بعد الكويت مثلما هُرِّب الذهب لليهود الذين خرجوا من الجزيرة العربية بعد نكبة-1948؛ لأنها أوثقت قيام دولة إسرائيل التي ستنتصر عدة مرات قادمة أهمها باحتلال القدس كاملة-1967، وتشيع إلى الآن البكائيات والحزن عليها. إنها هزيمة لفحولة العرب لا كرامتهم!.
.. الأزمة حصلت في وقت طفولتي لم أكن مستوعباً شيئاً كثيراً عن دوافع الحروب لأننا درسنا غزوات الرسول لنشر الدعوة والخلاص للبشرية!.
.. أيُّ دَعْوَةٍ كَانَ سينشرها صدام، فأباح الـمُفْتون قتاله..!؟.
.. في منهج دراستنا تعتبر الغزوات والفتوحات منجزات حضارية أسبابها مرعية من السماء حتى وصل الأمر إلى ما بعد سقوط الأندلس كان الصمت والمرواغات لواضعي المنهج، فلن يقولوا حكمَنا غير العرَب. العثمانيون.. الجنس الطوراني الذي حكمَنا بالفرَمانات والحرَمْلك..
.. الكلام الـمُبْهم عن موقفنا تجاه فلسطين عربية وأخرى توراتية..، فلا يسبقه حديث عن الحربين العالميتين على أن ما قبل انفجار تلك الأزمة لم نعرف الكثير عن حربٍ بين العراق وإيران..؟!.
.. امتلأت كتب التاريخ بالمؤامرات حول العرب والمسلمين.
.. المعاهدات والاتفاقات من بيعة السقيفة ومأساة كربلاء إلى انهيار الآستانة ومؤتمر بال وسايكس-بيكو.. ألم تحتج إلى تجديد بعد قرْن..؟!.
.. حتى الحديث عن تاريخ الرياض.. نـزاعات مشروطة بين إخوة على تركة سائبة ثم فَتْح!.
.. الحكاية الشعبية عن تقسيم الجيش بين أربعين رجلاً وبعض يقول: "ستين رجلاً". منَّ علينا مدرس التاريخ في عدم إعادة الحكاية التي لم يكتب عنها في كتاب المدرسة، إذا لم نستمع، فلن يكرر. إذ تحدَّث عن تفاصيل تعدد رواياتها الشفوية عن رجال اختبئوا بلباس نساء ومقاتل مات لـمِعْيَارة[1]كان يقولها..!، وتجيء الأخبار من رواة فلتوا من السيف عن رجال تخفَّوا بهيئة مسافرين حول المَصْمك بخيانة امرأة. إنها الحرب لا بد من حيلة.
.. صُفَّارات الإنذار وفزعات والدتي بين تجمعنا في مجلس النساء الغرفة القريبة من الصالة، والتي تكون مكاناً لعلاق عباءة أمي وشنطها إذا ما احتاج ذلك أن تصعد غرفتها العلوية، وأيضاً مُصَلاها وضيافة الزائرات من الجارات أو أخواتها ووالدتها، وصارت هي النواة لجلوسنا. بطاطين ومخدَّات في زاوية، ومذياع Sharp البني الذي يسمع منه والدي الإنذارات ما إن انتهى الخطر لنفترق في البيت أو بعض الأخبار إذاعتي: لندن ومونت كارلو. إذ عادة ما تعلنان تفاصيل أخبار تصير حولنا، ولا تعلنها إذاعتنا المحلِّية مثلما حدث يوم الغزو في ذلك الخميس الأسود كنا نتابع مسلسلاً عراقياً.. يعرض في قناتنا ساعتها اتصل زوج خالتي الذي يعمل بفرع مكتب صحيفة كويتية في الرياض جاءه النبأ، وأخبرنا بينما لم يذُعِ الخبر في قناتنا حتى قيامة اليوم الثالث..!.
.. كانت العائلة ذات صلة القُرْبَى بنا من الكويت الآتية من ألمانيا بعد أيام من الغزو بدعوى من والدي حيث قرابة العمومة؛ لتعيش معنا في المنـزل حتى انتقالهم إلى منـزل جدي في عنيزة مؤقتاً حيثما تصل إليه الأحداث من نتائج تحدِّد المصير لجميع الكويتيين.
.. لم يكن لجوء للكويتيين ما منع السعوديين من الهرب خارج البلاد ونـزوح كثير من العائلات إلى مساقط رأس جدودهم حيث القرى المتروكة لسيوف الصحارى ومزاج السموم الصيفية.
.. لماذا بقينا في الرياض..؟
.. والدي تركنا أيام كثيرة وراح إلى أهله مع بعض إخْوَتي إلى عنيزة. بينما أمي المولودة في الرياض، حيث ولدنا بها أيضاً، وبها تربَّتْ ودرَسَتْ وتزوَّجَتْ.
..: "وشِّولُوه نَطْلَعْ ما سوَّينا شَيّ لْصدَّام..؟!". حين رفضت الذهاب إلى عنيزة على أن أمها وأختين لها هناك. رفضت وفضَّلت أن تبقى.. كيف نترك مدينتنا التي ولدنا بها وعشنا فيها..؟.
.. بعض خالاتي سافرن إلى مكة مع أزواجهن، وأخرى إلى القاهرة!. بينما والدا أبـي وإخوته وزوجاتهم انحشروا في منـزل ملحق بمزرعة يملكها قريب عن طريق الرضاع إلى جدي لأنَّ بيته في عنيزة يسكنه لاجئون من الكويت.
.. شعَّت عند أمهم حالة في طقوس النوافل وبخور الآيات ليعود ابنها من الأسر العراقي والآخر من دراسته في أمريكا.
.. لم أستوعب هذا الذي حدث. كثيرون نـزحوا إلى قُراهم وهِجَرَهم. أ لأن المدينة لا تشكل لهم ذرة حياة في أنفسهم..؟.
.. ما إن فزَّ ناعق قروي أرجعهم إلى لوائها..!..
.. إذن، ماذا كان موقف أبنائهم حيال أمر الرجوع..؟. أمي بقيت في الرياض ونحن باقون معها. بينما بعض جيراننا هربوا إلى قرى أو مدن بعيدة لم تكن هدفاً لصدَّام حينها!. الذي يثير هزأً داخلنا أن أكثر أقاربنا رحلوا إلى الشمال صوب القصيم. أليسوا يَقْربون من الخطر أم أن دافعاً غريزياً يختار لهم مكان قبورهم حيث ولدوا..؟.
.. الرياض تعجُّ بقليل من أهلها، والعمالة الوافدة من الباكستانية، البنغالية والهندية تتسابق إلى المخابئ مثل فئران مستودعات القمح الكثيرة في البلد.
.. سيارات كويتية تحمل ملصقات: "الكويت لنا".."الكويت حرة".."راجعين.." سيارات الجيش الأمريكي التي تضاءل ظهورها العلني، قيل: لاعتراض بعض المتدينين كيف لِـ (الكافرين..)أن يدافعوا عن أراضينا..؟!.
.. امتلأت أيادي الناس بمنشورات جدلية معمورة بالفتنة القرآنية وغمامات السقيفة الإسلامية سرعان ما تحوَّلت إلى مصوَّرات ورقية تُتَناقَل خفية بينهم عمَّا دار بين سفير وداعية. ها هي سجالات المدينة المحتقنة بامتناع علمانية تحت السعودة ونيو-وهابية العلمانية-كما قالت الصحفية الأسترالية-أو خِطَب تتحوَّل إلى أشرطة، كسيوف خشبية مصوَّبة تجاه الحكومة تتَّهمُها بالفساد والإهمال..
.. النساء طلعْنَ وقُدْنَ السيارات عند مركز Saveway، ولم يكن كذلك. إذ تلقاهنَّ رجال الأمن، الهيئة وفتوى من ابن باز مكفِّر من قال بكروية الأرض في السبعينات، تُنهي الأمر بالشمع الأحمر اتهام بعضهن بالشيوعية، وأخريات فاسقات لأنهن تربين خارج البلاد..
.. حسْرة طويلة الزفير لإحدى جاراتنا على ما حصل ولـمَّا ينجح. لم تيئس والدتي وقالت: "لو ما هو بوقتنا، بوقت بناتنا..". الغريب، أن جارة وهي أمريكية زوجة لسعودي اتخذت موقفاً لم يعجب الكثير من النساء: "هذا بلد محافِزْ[2]هذا ما يجوز!.". بينما الصحفية الأسترالية جيرالدا التي أحضرتها إحدى جارات والدتي كانت ضد تفكير الأمريكية، وقرأت الموضوع بشكل اتفق مع رأي السيدات الباقيات أن الأمر لم يحن زمنه المناسب؛ لأن البلد في حالة طوارئ!.
..(الطوارئ) لو فقدت همزتها ظهر أصلها اليائي، فستصبح كلمة نستخدمها في المحكية للتعجب: "وش الطاري وانتم ما عندكم بطاقات مدنية..؟!.". قالتها امرأة كويتية حاضرة المجلس، وعلَّقَتْ أخرى من السعوديات: "شافوكن تسوقن..، وشافوا الأمريكيات، قالن وش معنى حنا للحين ما سِقْنا..؟!".
.. رُجمْنَ بالفتوى. كل شيء يوقف أو يعلَّق بالفتوى، تلك العادة المأخوذة من زمن العثمانيين!.
.. يمرُّ الزمن ولا يسُقْن، لكن تصدق نبوءة لم تقصدها تلك الكويتية عن المطالبة بالبطاقات الشخصية للنساء.
.. المعلِّمات يتظاهرن عند الرئاسة التي يديرها رجال ملتحون لشؤون النساء، ويحترقن فتيات مدرسة في مكة لأن الهيئة منعت خروجهن سافرات. تركت الجثث تتلذذ النيران في تفحيمها..!.
.. تدمج الرئاسة أخيراً مع وزارة المعارف وتنتشر النكات عبر الجوالات:
"قرَّر وزير المعارف الدوام
مرة بالتنورة، ومرة بالثوب.."
.. أ مِنْ شأنِ الرجال التدخل في شؤون نسائية أو منع مشاركتها معهم..؟.
.. إذا انفجرت أمور اجتماعية متقدمة على سابقتها تظهر محاولة إخمادها، لكن تتداعى أسباب أمور جديدة يختمها الزمن، فيُرْضى عليها، وينتاب كثيرين الخجل من انتهاك كرامة ذكورية وضعَتْ غير مكانها..!
.. إن النساء في بلادي بركانٌ. يتهيَّبون تلظِّيه. إنما يَحْطِبُونه بالقرارات والفتاوى.
.. ماذا لو انفجر هذا البركان، وأعاد كشْحَ الجلود الـمُهْتَرئة والعقول المتيبِّسة، والأفكار المتكلِّسة..؟.
.. هل هذا البركان نعمة لما سيأتي..؟.
.. إنه ليباسٌ مَعْقوفٌ بالزبيريَّات والمسَابيح[3]؟.
.. لا يدري أحدٌ.
.. ذلك البيان الكويتي إزاء تأييد دول لقرار هيئة الأمم المتحدة لضرب العراق، بل لضرب الأسطورة ونهر الحضارة الذي ما عاد يحمل نفسه غذَتْه أصقاع الجزيرة العربية بسمومها، الفراديس المنقوصة وأحلام التيه. شعوب تبتاع النسيان بالهجرات وتمنح ذاكرات جديدة إن كتبتها قلوب النصر أو أقواسه. أبراجه ومسلاته. أعمدته وأحجاره.
2
.. ساعاتٌ تكاد لا تفصل الجو بين البارحة بغيوم واليوم بصحوه. الشمس تطلع بعد اختفائها مثل أي شخص التئم على فعلة أخلاقها شريعة فخذيه ثم عاد يماسِحُ راحتي يديه بين الحوقلة وشعور الخشوع. قناع لقناع. الحقيقة حمل كاذب كل عصر.
.. ربما أنني تأخرت عن العمل الطويل دوامه. مشرفنا الطويل كزرافة يستبد ويصدر التنبيهات كأنما هي أوامر لا عصيان لها، وطبع الطاعة أو الانضباط عندي يتصاعد بالتجاوب وربما بالمسكنة المقنعة حتى إشارات تفلت منه عندما يوجِّه الخطاب إلى الموظفات..، وتصدر طريقة تعامل تفرق بالتودد لهن من أجل كسب رضا إحداهن.
: "احنا في شغل، بعدين أكثرنا متزوجات، وش يبـي..؟!" تقولها عائشة. تبتسم من عينيه خلف النقاب وتنظر إلي بعاطفة لا أفسِّرها حيث اهتمامي بابنها ذي الثلاث ربيعات خالد حين يحضر والده يوم الأربعاء ليأخذها من العمل وعزة من بين الموظفات الأخريات الخريجة الجامعية من التربية الغير مبالية بالمحاولات المتملقة من بعض الشباب الآخرين إنما تستلطفها منهم بينما نجلاء العملية جداً والمتجهمة من عينيها خلف النقاب وصوتها الأجش الوحيدة سمراء البشرة، وذات الوجه المليء بالبثور المتقيحة كما قالت لي زميلتي الفليبينية تريزا. إذ تشاهدهن كاشفات وقت الصلاة في غرفة الاستراحة..
.. الشباب الموظفون هنا، أكثرهم من فئات اجتماعية بسيطة وساذجة ممن جاء أهاليهم من القرى وتوطنوا الجهات الجنوبية من أحياء الرياض في ظهرة البديعة. سدير وضواحيها يعودون، وثمة كثير من بدو الشمال يتخفون تحت أسماء أفخاذ قبائلهم لئلا يدرك سبب تعيينهم السريع وكثرتهم حيث لهم أقارب في مكتب التوظيف أو عبر علاقات مصالح..!.
.. عشت حالة اغتراب أو الشعور بالوحدة لو لا الفكاك منها أيام الجامعة مع طلبة الكلية جميعهم من قرى المنطقة الشرقية أو الجنوب من المناطق الجبلية، وكثير من بوادي الشمال الشرقي.. يشكلون جماعات أشبه بالغِتُّوات بين الكلية والسكن، ومن يماثلهم من مناطقهم من أهل الرياض بالنسبة لهم الكنـز المدفون أو الأسوار العالية التي يحاولون قفزها أو الاصطدام على أطرافها وزواياها حتى تقرر الظروف بعد تخرجهم بالتوظف فيها، وإكمال حالة الانعزال مكوِّنة تجمعات أخرى إن تغير أعضاؤها لا تتغير أوضاعها على هامش المدينة تشكيل يدور في فلك صغير من مجرة المدينة.