eKtab
EN ع
صور في ماء ساكن
Read free sample

صور في ماء ساكن

by سلوى جرّاح

Page 1

ولدت في بيت الأسرة في حي المنصور ببغداد، لأن أمي التي أنجبت قبلي شقيقيَّ توفيق وسامي، كانت تعرف من تجاربها السابقة، أن ولادتها سهلة، سريعة، لا تحتاج للمستشفى وقيوده· بعد أقل من ثلاث ساعات، سمع أبي الخبر، الأم والبنت بخير· كان مولد بنت خبراً سعيداً جداً· كان يتشوق لابنة· حملتني إليه خالتي فوزية شقيقة أمي الكبرى وهي تقول فرحة: (أبو توفيق شوف البنية، شوفها شگد حلوة) أخذني بين ذراعيه، تأمل وجهي لحظة ثم همس: (بديعة) عادت خالتي تردد: (صدق ما شاء الله مثل القمر تشبه أمها) عاد يتمعن في ملامح وجهي وهو يغالب دمعه: (بديعة، بديعة) كنت طفلة جميلة، أعرف أنه من غير اللائق أن أقول ذلك، لكنني عشت عمري أدرك أني جميلة، فكل من حولي كان يكرر ذلك· سار بي أبي إلى الغرفة التي ترقد فيها أمي، قبّل جبينها، وضعني على صدرها وهمس: (الحمد لله على سلامتك وسلامة بديعة)·

أبي عبدالرحمن محمد الكيّال، كان تاجر أقمشة يمتلك محلاً كبيراً في شارع النهر ببغداد، شارع التسوق الذي يعرض كل ما تحبه النساء من أقمشة وأحذية ومصاغ وملابس داخلية وأدوات زينة· كان محل أبي بواجهة زجاجية كبيرة وفيه أنواع الأقمشة الفاخرة و(الكوبونات)، وهي قطع متفردة من الأقمشة الغالية تأتي كقطعة واحدة من مترين وليس كجزء من لفة القماش الكبيرة التي تحوي عشرات الأمتار· كان في المحل عمال يُنزلون البضاعة لتتفرج عليها السيدات· يفرشون القماش على الطاولة أمامهن، فتتلمسه الراغبة في الشراء بحب وإعجاب ثم تقول: (عيني أبو توفيق كُلّش غالي) فيرد أبي بصوته الرزين وهو يجلس في مكانه خلف مكتبه قرب باب المحل: (هاذا دانتيل إيطالي، غسل ولبس، مو بضاعة رخيصة) وبعد أخذ ورد تقول المرأة بدلال موجهة حديثها للعامل الذي يقف صامتاً صبوراً خدوماً: (يلله دقصلي ثلاث ياردات) فيقيس العامل القماش على مسطرة حديدية طويلة ثم يضيف بضعة سنتمترات وهو يتمتم (مبروك)·

كان أبي رجلاً وسيماً، بوجهه الأسمر دقيق الملامح، وقوامه الرشيق كنجوم السينما· كنت أحب كثيراً أن أراه في بدلته الغامقة وقد علّق ساعته الذهبية ذات السلسة العريضة على جيب سترته· في طفولتي، كثيراً ما اصطحبني في الأماسي إلى محله· كان يشتري لي الحلوى، ويعطيني بعض قصاصات الأقمشة الجميلة لتصنع لي منها جدتي ملابس للعبتي، وحين أعود للبيت تسألني أمي عن السيدات اللاتي زرن المحل، فأستعرض لها كلامهن وضحكاتهن وملابسهن ومشترياتهن، وأريها ما رسمته عن المحل، فتروح تتضاحك وتضمني وهي تقول: (يمه اشْحَلاتج)(1)·

أمي، فريدة حجي فتاح، هي التي كانت جميلة حقاً وكان الكل يقولون إني أشبهها· طويلة هيفاء القد، بشرتها الحنطية التي أورثتني، فيها شفافية عجيبة· الطريف أن اسمها جاء أيضاً بسبب ملامحها المنسقة، فريدة· أمي امرأة عاملة، مدرسة اللغة العربية في إعدادية حكومية للبنات في منطقة المنصور، تعتبر من أفضل المدارس الإعدادية في بغداد، عرفت بحزمها واهتمامها الشديد بطالباتها· كنت أراها تصحح أوراق الامتحان ودفاتر الواجبات المدرسية، وهي تجلس إلى مكتب صغير في غرفة نومها ولا تسمح لأحد بمخاطبتها في أثناء عملها· كان أبي يبتسم ويقول: (اتركوا الست فريدة تنجز واجباتها) أمي من جيل من المدرسات اللاتي قدمن كل ما في قدراتهن لمهنة التدريس، ولعل ذلك يفسر الطريقة التي تكونت بها أسرتنا، وتباعد الفترات الزمنية بين أعمارنا·

شقيقي توفيق كان في الثامنة حين ولدتُ، وبمجرد أن تعلمت المشي، صار يأخذني معه، حين يزور بعض أصحابه المقربين، ليريهم جمال أخته الصغيرة بديعة، بثوبها الاورگانزا الأزرق وشعرها الأسود اللامع وعينيها الواسعتين الكحيلتين، وليسمعهم كيف تناديه (توفي) كنت أعود من تلك الزيارات بهدايا صغيرة وأكياس من الحلوى والشوكولاتة· شقيقي سامي الذي يكبرني بثلاث سنوات، كان يشتري لي من مصروف جيبه وروداً ملونة من (الباغة)(2) لتزيين شعري، ولعباً صغيرة لقرود وكلاب لها مفتاح صغير ما إن أديرها، حتى تتحرك وترقص وتدور حول نفسها فيتعالى ضحكي·

كنت مدللة الجميع، وبهجة البيت، الكل كان يردد عبارة واحدة (بديعة الحلوة الحبّابَة) مهما فعلت· كان يومي حافلاً وإنْ لم يكفني استعرت من غدي· ولم يكن أحد يمانع، أو يعترض· طلباتي أوامر، تلبى بعجالة وإلا انطلقت في بكاء يحير ويربك كل من حولي· أعترف أنني لم أكن أفهم سر حيرتهم وارتباكهم، فالبكاء لم يكن سوى لعبة أمارسها ولم يكن يتعبني أو يحزنني· الحكاية وما فيها أنني أدركت من البداية أن بكائي سلاح فعّال، يجعلني أحصل على كل ما أريد، فانتهجت سياسة البكاء، كأي سياسي محنك، وتوطد حكمي· كنت أنجح في كل مرة، ما إن أبدأ بالبكاء حتى تلبى كل طلباتي·

الوحيدة التي لم يكن يعنيها بكائي كانت جدتي لأبي، بيبي أم عبدالرحمن· كانت تجلس صامتة ترقبني وهي تدخن سجائرها· ثم تشيح بوجهها عني وتزم شفتيها، فأتساءل لم لا تهتم بدموعي وصراخي؟ كنت واثقة أنها تحبني وأستشعر حبها في كل ما تفعله، خاصة حين تخيط للعبتي الكبيرة ذات الشعر الطويل، ملابس عراقية تقليدية، عباية وهاشمي وصاية، تصنعها من الأقمشة التي يحضرها لي أبي من محله التجاري· كانت تجلس تخيط الملابس وهي تدمدم كلمات موزونة فيها موسيقى وكأنها أغنية· مع الأيام، أدركت أنها ما يعرف (بالدارمي)، الشعر الشعبي الذي ترتجله النساء في جنوب العراق· لكن رغم كل إبداعاتها، كانت لامبالاتها ببكائي تحيرني، ولا أستطيع أن أفهم سر خروجها عما اعتدت من كل من حولي، أمام جبروت دموعي· بعد سنين أدركت أن بيبي أم عبد الرحمن هي أقرب الناس إليّ، وأكثرهم فهماً لكل ما يدور في تلافيف عقلي، ومكمن الأسرار ومنبع الاطمئنان، ومصدر غني للمعلومات والخبرات·

مع الأيام توقفت عن البكاء، لم أعد أحبه· بل لم أعد أبكي بسهولة، صارت دمعتي عزيزة رغم أني بكيت كثيراً على مدى سنين العمر، رغماً عني، لا لأستدر العطف، بل لأن الحزن استدر مني الدموع·

Page 2

في الرابعة من عمري، تركت البيت وأمانه ورعاية أم صبري، التي تخدم في بيتنا منذ سنين، وترعاني في غياب أمي خلال ساعات الدوام في المدرسة، كما رعت شقيقيّ من قبلي، لأذهب كل صباح، إلى مكان جديد غريب وأترك ألعابي وغرفتي وحياة اللا قيود· مكان لا يشبه بيتنا، اسمه روضة الأطفال· حدثتني أمي عنه طويلاً خلال الصيف لكنها لم تنجح في أن ترسم له صورة واقعية· حين ذهبت إليه في اليوم الأول، وجدته مكاناً واسعاً غريباً، فيه بنات يشبهنني، وأولاد في مثل سني، غرفهُ ليس فيها أثاث يضفي عليها أسماءها كما هو الحال في بيتنا· مجرد كراسي صغيرة تدور حول طاولات منخفضة، وعلى الجدران رسوم وخطوط لم أرها من قبل· أهم ما في الروضة كان تلك المرأة الغريبة التي لا تتعامل معي مثل أمي أو أبي أو شقيقيَّ أو أم صبري أو حتى خالاتي وعماتي وصديقات أمي· لا تقول: (فدوة بدّوعة)، ولا تحضنني ولا تقبلني· امرأة تأمُر فتطاع· جربت البكاء فلم يجد معها، تركتني أبكي حتى مللت، ثم قالت بهدوء شديد: (ميصير نبكي بالصف) ملأني العجب، وتساءلت لم لا؟ ما الفرق بين هذا (الصف)، وبيتنا؟ ثم لم علي أن أرتدي قبل الذهاب إليه ثوباً كأثواب كل البنات اللاتي يأتين إليه؟ ولم علي أن أفعل كل ما تأمر به هذه المرأة الغريبة التي ينادونها بكلمة (ست) أعقد ذراعي على صدري، حين تطلب مني ذلك، وأجلس صامتة، ولا أبكي، وأرد على كل الأسئلة التي توجهها لي، بصوت واضح، وأكرر كل ما تقوله من أغان وكلمات؟ من أين تأتي صلاحياتها ولم تمنعني من البكاء ولا تلبي طلباتي؟ قالوا لي في البيت، هذه هي المعلمة، وستعلمني أشياء كثيرة مفيدة تساعدني على دخول المدرسة بعد سنتين·

كانت الست أناهيد، المصدر الأول للسلطة في حياتي· فقبلها كنت أفعل ما يحلو لي، بعد أن أعفاني كل من حولي من سلطتهم وأغرقوني بدلالهم· بعد بضعة أسابيع من دخولي الروضة، فهمت سر المكان الجديد ودور هذه الآمرة الناهية فيه· أعجبني كثيراً أن الجميع يفعل ما تطلبه منهم، فصرت حين أعود إلى البيت أتظاهر بأني هي، وأروح أوزع أوامري كما يحلو لي على الجميع، والكل يتضاحك ويرفع يده نحوي قائلاً: (نعم ست، ست بدّوعة) وأنا أردد بصوت آمر: (لا بكاء لا عناد ولا دلاعة)·

أحببت عالمي الجديد المليء بالحركة والغناء والرسم، عالم لا يشبه من قريب أو بعيد عالم البيت في ظل أم صبري، ورعايتها الفائقة، وتحذيراتها التي لا تنتهي· أم صبري كانت حين أصر على عمل شيء لا توافق عليه، تتوسل إلي لكي أكف، ولي أن أرفض أو أقبل توسلاتها، أما الست أناهيد، فكنت أنصاع لأوامرها، حتى حفظت ردود أفعالها لما يحدث في الصف· كانت رغم ما تمتلك من سلطة تُسمعنا كلمات التشجيع كلما فعلنا ما يرضيها· (شاطرة، عَفْية، عظيم) كلمات تملؤني بفرحة غريبة، وأنا أتقاسمها مع كل البنات والأولاد، والأهم من هذا وذاك، أنها تأتي من صاحبة السلطة الحقيقية·

في الروضة، تعلمت درسي الأول في التعامل مع أطفال آخرين في مثل سني· أطفال لا أعرفهم ولا تربطني بهم قرابة، أو صداقة أسرية، علي أن أقضي معهم يومي، بعيداً عن مراقبة الأهل ورعايتهم وتدخلهم في حل النزاعات حين تنشب· البنت الوحيدة التي كنت أعرفها قبل دخولي الروضة، كانت جارتي وفاء نعّوم· وفاء كانت تختلف عن معظم البنات· كانت من أسرة (مصلاوية) جاءت من مدينة الموصل في أقصى شمال العراق واستقرت في بغداد· ورغم أن وفاء ولدت في بغداد إلا أنها كانت تتكلم بلهجة أهل الموصل· لم تكن تحب اللعب وتفضل مرافقة أمها في زياراتها للأهل والأصدقاء· كانت ترتدي ملابسها الجميلة، وتزين شعرها الطويل بالورود الصغيرة والشرائط الملونة وتحمل حقيبة يدها الصغيرة المصنوعة من القش الملون· كنت أحب أن أتفرج على ملابسها، خاصة حين تذهب كل يوم أحد إلى الكنيسة القريبة وهي ترتدي قبعة كبيرة بشريط أحمر، لكنها كانت رغم جمالها ونعومة مظهرها، لا تقول رأيها في أي شيء وتفعل كل ما أطلبه منها، ولا تُصر أبداً على خياراتها، بل لا تمانع مطلقاً أن يقال لها افعلي هذا ولا تفعلي ذاك·

البنات في الروضة لم يكن يشبهنها· كن مختلفات يفعلن ما يحلو لهن ولا يستجبن لمطالبي· بعضهن رغبن في صحبتي والبعض الآخر نفرن مني، واعتبرنني (مدلعة) ومتعالية ولا أصلح لصحبتهن· كنت أرى في عيونهن نظرة تنتقد كل ما بي أو تحذرني من التمادي في فرض ما أريد، نظرة تؤكد نديتهن في التعامل معي· كنت بينهن أواجه لأول مرة في حياتي الأصدقاء الأنداد والخصوم الذين يفرضون عليك أن تتعامل معهم بحذر· إحدى البنات، ليلى، كانت تتمتع بحظوة لدى البنات الأخريات، وتحتل مكانة مهمة في قيادة الألعاب واختيار من سيشارك فيها· في أحد الأيام رفضت أن تدعني أشارك في اللعب، حاولت التودد لها وأبديت رغبتي في اللعب معها، تأملتني ببرود شديد ثم قالت وهي تلوي شفتيها: (إنتي ليش شايلة خشمج(3)؟ متصورة ماكو أحلى منِج؟ كل البنات حلوات مو بس إنتي) حيرني كلامها، فلم أفكر يوماً أني أحتكر الجمال، رغم كل ما يقال لي من عبارات المديح· أحسست وأنا أقف أمامها أني تحولت بلا مقدمات إلى الملكة الشريرة في قصة (قطر الندى) التي قرأتها لي أمي في كتاب كبير مليء بالصور الملونة· الملكة التي تسأل مرآتها كل صباح، إن كان هناك امرأة أجمل منها·

حيرني مفهوم الجمال، وكيف نصدر الحكم عليه· هل هو حكم بات لا يقبل النقاش؟ أم أن ما يراه البعض جميلاً، لا يكون له الوقع نفسه على نفوس الآخرين؟ كنت أقف أمام المرآة وأتساءل هل أنا حقاً جميلة، ولم يصر الجميع على منحي هذا اللقب؟ أم لعل السر يكمن في المثل الذي تردده بيبي أم عبد الرحمن، ويثير حيرتي (الشادي بعين أمه غزال)، الموجود في كل اللهجات العربية، القرد في عين أمه غزال· كنت أحار في تفسير معناه، كيف ترى القردة ابنها يشبه الغزال؟ وهل تريد ابناً يشبه الغزال الغريب عنها في شكله، أم ابناً يشبهها هي، أمه القردة التي أنجبته؟ لم أقتنع أبداً بالتفسير الشائع لهذا المثل من أن الحب يجمًل صورة من نحب، ولم أردده· لم أجمّل من أحببت، أحببتهم كما هم، بكل ما فيهم من جمال وعيوب· لم أر يوماً القرد غزالاً، فالحب ليس أعمى كما يقولون، لكنه يجعلنا نتسامح مع من نحب، ونتغاضى عن عيوب كنا سنراها لو لم نكن نحبهم، ونتساهل في تطبيق مقاييس المجتمع والناس من حولنا لمن يصلح لحبنا·

Page 3

مع الأيام تحسنت علاقتي بليلى، وتعلمت من صراحتها وشجاعتها، الدرس الذي لم أنس في التعامل مع الأنداد· أدركت حقيقة مهمة هي أن كل البنات في الروضة (بدّوعات) في أعين من يحبونهن، وأن علي أن أستوعب ذلك كي يقبلنني بينهن· فالبنات، تستثير غيرتهن، أصغر الأشياء، وحين تتملكهن الغيرة يصبحن شريرات، قاسيات وتملأهن رغبة في الانتقام، وصدقوني لا أحد يقسو على المرأة مثل المرأة· المرأة تستطيع أن تلغي وجود امرأة أُخرى ببضع كلمات· كلمات لا يحسن الرجال حتى ترديدها، وإن فعلوا بدوا كالنساء، وأثاروا سخرية الآخرين· بعض البنات كن يتآمرن مع من ينتقين من بنات أخريات أقل منهن قوة وسطوة على من تثير غيرتهن، والبعض الآخر كنَّ يُنفذن خططهن منفردات دون الحاجة لمساعدة من أحــــد·

الأولاد أيضاً يغارون لكن غيرتهم مختلفة، فيها تنافس ورغبة بالفوز، أكثر من الرغبة في الانتقام، قد تدفع بعضهم لأن يجعلوا الغايات تبرر الوسائل· وحين يصبحون رجالاً، تتعاظم هذه الرغبة خاصة إن وضعت بأيديهم مقادير السلطة والمال، عندها تتضخم فيهم الرغبة بالتفوق على الآخر، وقد يذهبون إلى أبعد الحدود، فيظلمون كل من حولهم، ويصبحون دكتاتوريين، ويحولون كل من يتقرب منهم إلى دكتاتور صغير ليكونوا شركاء لائقين بمركزهم العظيم· حتى المرأة في حياتهم تتشبع بدكتاتوريتهم، وتمارسها في عالمها المتميز الذي خلقته لها دكتاتورية زوجها· لذلك فكل زوجات الدكتاتوريين، يتعلمن مع الوقت كيف يصبحن بقسوة أزواجهن على مجتمعاتهن، ويستبحن كل ما تصل إليه سلطتهن من مال وبشر· الرجال الذين يحرمون من السلطة وتظل روح التنافس حبيسة في نفوسهم، هم من يظلمون المرأة في حياتهم ويسقطون عليها كل خيبات آمالهم ويتطاولون على كل ما لها عندهم· الرجل الذي يضرب زوجته أو أخته، هو في معظم الأحيان رجل جارت عليه الدنيا وقست، فاستضعف من هو أضعف منه·

أحببت لعب الأولاد رغم شقاوتهم ومحاولات البعض منهم إزعاج البنات بشد شعورهن أو الهزء من مشيتهن وتصرفاتهن· وجدت أن الأولاد يحسنون اللعب، ألعابهم مسلية فيها تحد ومخاطرة، تسلق الأشجار أو القفز من جدار مرتفع· لم أكن أتردد مطلقاً في مشاركتهم لعبهم، رغم أن أمي كانت تقول إن (ألعاب الأولاد وشقاوتهم لا تناسب البنات الحلوات)، لكني لم ألتزم بقوانينها وتعليماتها· كنت أحب فيهم أنهم لا يدخلون معي في منافسة حقيقية ولا يغارون مني حتى لو تفوقت عليهم في اللعب أو في ما يطلب منا في الصف· بعضهم كان يسمعني كلمات غريبة (شگد حلوة عيونج)، كنت أنظر في عيونهم وأتساءل، هل عليَّ أن أرد على كلامهم بمثله· وفاء قالت لي إن البنات لا يقلن كلاماً كهذا لأنه لا يليق بهن· لم أناقشها لكني قررت أن أقوله إن أعجبتني صفة في أحد أصدقائي الأولاد·

بعض الأولاد لا يحبون البنات ويرفضون اللعب معهن بل لا يطيقون وجودي معهم لمجرد أنني بنت، بل يعيب بعضهم على من يلعب مع البنات ويطلقون عليه لقب (مخنث) في تلك السن المبكرة أدركت أن اللعب مع البنات فن لا يجيده كل الأولاد، وبعد سنين، حين كان الأولاد يلاحقونني بكلمات الغزل وعروض الحب، كنت أضحك في سري وأقول لنفسي، كيف تحوَّل من كان يوصف بالمخنث إلى هذا (الروميو) المقدام؟

أرضتني كل اكتشافاتي الجديدة وأعجبني الجد والجهد لإخراج ما في الذات وتطويره ببطء وتروّ· استعذبت تعلُم معاني الجدّية في عمل شيء، والمثابرة على إنجازه خاصة أن حكايتي مع الرسم بدأت في الروضة· كنت في أحد الأيام أرسم بيتاً ونخلة، كما طلبت منا المعلمة· وجدتها تقف قربي، تتأمل رسمي ثم تنحني علي وتقول بصوت خفيض: (عظيم يا بديعة، أنت فنانة بالسليقة) نظرت إليها بتعجب شديد· ماذا قالت؟ بدت الكلمات غريبة· عادت تقول: (هذه نخلة كُلِّش حلوة والبيت شبابيكه جميلة، رسمج كُلِّشْ حلو) أحسست بالفرحة تملؤني بشكل لم أعرفه من قبل· عدت أتأمل ما رسمت، نخلتي الخضراء الوارفة المحملة بالثمار الصفراء، والبيت بشبابيكه الكبيرة الزرقاء·

حملت لوحتي إلى البيت· أثارت إعجاب الجميع· ثم همست لأمي بما قالته المعلمة، وسألتها عن معنى كلمتي (السليقة) و (فنانة) حاولتْ أن تبسط لي المعنى: (أنت شاطرة بالرسم حتى قبل أن تتعلميه) بدا كل من حولي سعيداً بهذا الاكتشاف الجديد· ضمني أبي وهو يقول: (حبيبتي بدّوعة) مع تكرار الفكرة، فهمت المقصود، أنا ولدت ولدي القدرة على الرسم· أسعدني أن أولد بقدرة على عمل شيء ممتع وجميل، شيء أمتلك وحدي مفاتيحه· كنت أحياناً أخشى أن تضيع مني هذه الهبة الثمينة فأرسم عدة لوحات لأتأكد أني ما زلت قادرة على الرسم· أحسست أن قدرتي على الرسم تميزني عن سواي وتمنحني الفرصة لأصنع شيئاً وحدي من دون تدخلٍ من الآخرين· كل الأسرة اعترفت لي بأني موهوبة في الرسم، حتى إن شقيقي سامي كان يطلب مني بعض الرسومات لمجلة الحائط المدرسية التي كان يساهم في إعدادها وأنا في الثامنة من عمري· وفي عيد ميلادي كنت أحصل من الجميع على مختلف أدوات الرسم، من أقلام ودفاتر كبيرة وكتب تعليم الرسم، حتى صرت أنتظرها كل عام·

Page 4

لم أكن في أي من مراحل الدراسة، الأولى على الصف· كنت أنجح باستمرار، وأحصل على درجات لائقة· لكني كنت دائماً رسامة المدرسة ونجمة جريدة الحائط العتيدة، والطالبة التي تفوز بالجوائز في مسابقات الرسم في كل مراحل الدراسة· وكنت سعيدة جداً اني أرسم وأقضي مع أقلامي وأوراقي ساعات فيها حلاوة الاكتشاف والتجربة والبحث· وجدت الرسم ممتعاً متاحاً· ما إن أمسك بالقلم حتى تتوالى الخطوط تستقيم وتنحني حسب رغبتي وتظهر المعالم، ثم أرى الضوء يلقي بظلاله على الأشياء التي أرسمها، فأوضحه، بتظليل من قلمي هنا وتعميق للخطوط هناك، حتى تكتمل رؤيتي لما أرسم· بعد ذلك أتأمل ما رسمت· أحياناً أكون راضية وأحياناً أُخرى أشعر أن ما أريده لم يكتمل، ولا يتناسب مع ما كان في خيالي· علّمني الرسم كيف أكتشف ذاتي وأفهم بعضاً من كوامنها، وأروضها لتفرح بالنجاح وتعترف بالفشل· رغم ذلك كنت دائماً أتساءل، هل حقاً أجيد الرسم، وموهوبة كما يقول مَنْ حولي، أم هو مجرد وهم؟ هل يكفيني تفوقي على زملائي وزميلاتي الذين يجيدون الرسم مثلي؟ وهل لهذه الجوائز قيمة حقيقية في تقييم مقدرتي الفنية؟ حين انتقلت إلى المدرسة المتوسطة، وجدت الكثير من الإجابات عن أسئلتي وأنا استمع لملاحظات مدرسة الرسم·

كانت الست مها، شابة في أوائل عشرينيات عمرها، لطيفة الشكل تحسن انتقاء ملابسها وتضفي على كل ما ترتديه مسحة فنية، بما تضيف من إكسسوارات بسيطة وأنيقة وما تلفه حول رقبتها من (إيشاربات) ملونة، وتميل بشكل واضح للألوان الرملية التي تمزجها بالزيتوني والبني· كانت تجيد رسم الوجوه وتجسيد الشخصية، تذهلنا حين ترسم وجه إحدى الطالبات، بالفحم الأسود أو الألوان الشمعية، فنرى معالم الوجه والكثير من روح من رسمت تظهر ببطء أمامنا· رغم ذلك، لم تصبح رسامة معروفة ولم تحترف الرسم، ولم تشارك في المعارض التشكيلية، فضَّلت التدريس، وجعلته مهنة تضمن لقمة العيش· حين سألتها مرة عن سر عدم احترافها، أجابت بكل بساطة: (الفن ما يوكل خبز الوظيفة أضمن) بعد سنين حين أقمت معرضي الأول بحثت عنها ودعوتها لحضور معرضي· وقفتْ مذهولة أمام لوحاتي وهمست: (لا تتوقفي عن الرسم يا بديعة) وحين وقفت في باريس لأول مرة أتفرج على رسامي حي مونمارت حول الساحة الصغيرة، وهم يرسمون الوجوه بخطوط ثابتة مبهرة في أقل من عشرين دقيقة، تذكرتها· أحسست أنها يمكن أن تكون واحدة منهم وستجد العديد من الزبائن· تمنيت أن أراها ترسم معهم، وتعرض موهبتها، وتساءلت: ترى هل غادرت الست مها العراق، وهل زارت باريس وحي مونمارت ورأت رساميه؟

لم أنس شكلها وطريقة كلامها وصوتها الهادئ الواثق، واهتمامها الشديد بطالباتها، وكيف كانت تحاول أن تعطينا كل ما تعلمته واستوعبته في دنيا الرسم· كانت صبورة، طويلة البال، تترك الطالبة تكتشف بنفسها غوامض هذا العالم الجميل المبهر، عالم اللون والفرشاة وسكين الرسم· وكانت تخصني بالكثير من رعايتها وتؤكد لي باستمرار أني أجيد الرسم وأتطور في فهم الألوان واستعمالها· كان عالم الألوان الزيتية جديداً علي، يتجاوز الرسم بالأقلام الفحمية، والألوان المائية، التي كنا نسميها (سليبويا)، خاصة حين يعاندني اللون ولا تعطيني ضربات الفرشاة ما أريد في تحديد معالم اللوحة· كانت تُصرُّ على أن أجرب ولا أخاف الفشل (فالفشل هو طريق النجاح الحقيقي) ثابرت ورضيت بتكرار الفشل وبدأت أطوع اللون والفرشاة لما يدور في مخيلتي، وأراه يتحول تدريجياً إلى شيء يستطيع أن يفهمه الآخرون·

الست مها هي أول من شجعني على دراسة الفن في مراحل الدراسة الجامعية· (أدخلي أكاديمية الفنون الجميلة وتعلمي أصول الرسم على يد كبار الرسامين العراقيين، لتعطي موهبتك ما تستحقه من تدريب وعلم) كنا نتبادل الكثير من الأحاديث في مرسم المدرسة الصغير، عن الكتب التي أقرؤها والمعارض الفنية التي أزورها· حكيتُ لها عن زيارتي الأولى لمعرض تشكيلي حين كنت في التاسعة من عمري، وكيف وقفت مشدوهة أمام اللوحات أتمعن في ضربات الفرشاة على القماش· أذهلني تمازج الألوان وتنافرها المتناغم، ورحت أتساءل لم تختلف طريقة كل رسام عن الآخر، بحيث يُعرف من لوحاته، من ضربات فرشاته، وألوانه واختياره للموضوعات التي يرسمها؟ كيف اختار كل منهم هذه الطريقة بالذات، وكيف وجد فيها ما يعبر به عن كل ما يريد؟ تمنيت أن أدعوها يوماً إلى بيتنا، لكن أمي رفضت بشدة· قالت: (لا أحب أن تختلط علاقة المعلمة والطالبة، بالحياة الاجتماعية) لم أناقشها، فأمي تتحدث عن تجربة·

Page 5

في البيت وجدت اهتماماً من أمي التي أعجبتها فكرة مرافقة ابنتها الرسامة الصغيرة إلى المعارض التشكيلية· كانت تتابع باستمرار ما يجري في نقابة الفنانين العراقيين، التي كان مقرها على مشارف حي المنصور، من معارض فنية ومحاضرات وتصحبني إليها، وتطلعني على كل ما ينشر في الصحف والمجلات عن كبار الفنانين العراقيين، ونشاطاتهم الفنية· أبي هو الآخر اهتم بتطوري الفني· بدأ يزودني بكتب متنوعة عن لوحات مشاهير الرسامين العالميين، يشتريها لي من مكتبة (ماكينزي) في شارع الرشيد· كتب مليئة باللوحات لفنانين من عصور مختلفة· أحضر لي مرة كتاباً عن رسام عصر النهضة الشهير ليوناردو دافينشي يحمل غلافه لوحة الموناليزا وهو يقول: (هذه أشهر لوحة في العالم اقرأي شيئاً عن حياة مبدعها) تأملتها طويلاً، هذه المرأة الباسمة الساخرة الساحرة وذاك العالم المغرّب في خلفية اللوحة· حاولت أن أقرأ في الكتاب لأعرف سرها· لكن قدرتي على القراءة باللغة الإنكليزية، كانت محدودة، غير كافية لفهم كتب الفن التشكيلي بالإنكليزية· حين شكوت له قال بكل بساطة: (بدّوعة اضربي عصفورين بحجر· تعلمي إنكليزي وفن)·

وجدت نفسي بمساعدة القاموس أعتاد الكثير من الكلمات والعبارات المرتبطة بالفن التشكيلي· أحببت تلك الكتب وصرت أجلس لساعات أتأمل اللوحات على صفحاتها وأقرأ بعض الشروح عنها، وأتمعن في أدق تفاصيلها وأتساءل، ترى كيف تبدو اللوحة الأصلية بحجمها الحقيقي؟ وهل يمكن رؤية ضربات الفرشاة عليها كبعض اللوحات التي أشاهدها في المعارض الفنية؟ تمنيت أن أرى ضربات فرشاة دافينشي وبوتشيللي ومايكل أنجلو، بعد أن نجحت في فك بعض طلاسم اللغة الإنكليزية، وقرأت بعضاً مما كتب عن عصر النهضة (الرينيسانس) كما كانت تسميه الكتب· ثم استهواني رسام فرنسي من القرن التاسع عشر، اسمه، بيير أوغست رينوار·

كان في لوحاته شيء لا يقاوم، سحر وضوء ينير الوجوه· نساؤه جميلات بلا رتوش، مغريات دون ابتذال· أحببت لوحاته التي تضم مجموعات بشرية كبيرة تأكل وتتحدث وترقص وتتبادل كلمات الغزل والعتاب· كان كل ركن في لوحاته، لوحة صغيرة يمكن فصلها عما حولها· قرأت عن حياته وعن مدرسة الرسم التي ينتمي إليها، المدرسة الانطباعية، التي جاء اسمها من لوحة لكلود مونيه تحمل اسم (شروق شمس انطباعي)، عرضت في معرض شارك فيه الثلاثة، كلود مونيه وإدغار ديغا ورينوار· فقام أحد النقاد الذين لم يعجبه هذا الخروج عن النمط الكلاسيكي، بالسخرية من هذا الأسلوب في الرسم وأطلق عليه اسم (انطباعية) أحببت أسلوب الانطباعيين في الرسم، ضربات الفرشاة التي تميزها العين، والاهتمام بمصادر الضوء مما يعطي الإحساس بمرور الوقت، وحركة الناس· كل شيء في اللوحة يتحرك ويتكلم· لم يعودوا وجوهاً صامتة تقف بلا حراك ليرسمها الرسام، بل اكتشفت فيما بعد أن المدرسة الانطباعية انعكست على الموسيقى وأن كلود ديبوسي وموريس رافيل موسيقيان انطباعيان تماماً كالشاعرين الفرنسيين العظيمين بودلير ورامبو·

بحثت عن كتب أُخرى عن رينوار عَلّي أجد فيها المزيد من لوحاته، فكرت في تقليد أسلوبه في الرسم وألوانه وبقعه الضوئية· رسمت لوحة لأمي عن صورة فوتوغرافية وهي تجلس في الحديقة تحت شجرة كبيرة· حاولت أن أتلاعب بمصدر الضوء والألوان، لكن لوحتي جاءت معتمة رغم ما بذلت من جهد· مع ذلك أحبتها أمي كثيراً، ووضعتها في إطار ذهبي، وعلقتها في غرفة الجلوس، بل وأثارت إعجاب كل من رآها· كنت أيامها في آخر سني الدراسة في المدرسة الثانوية، تمنيت أن ينقدها أحدهم، ويرى عيوبها الفنية التي كنت أعرفها وأقر بها، حتى الست مها، قالت إنها محاولة جيدة جداً وطلبت مني عرضها في معرض المدرسة السنوي·

بعد سنين، والكثير من الخبرات والتنقل بين أساليب الرسم، وقفت مشدوهة أمام لوحات رينوار المعروضة أمامي في متحف اللوفر بباريس· رأيت لأول مرة اللون والضوء لا على صفحة كتاب وإنما على قماش بضربات ريشة الرسام الذي سحرني في بداية رحلتي مع الرسم· أحسست لحظتها أن العالم كله تلاشى، ولم يبق منه سوى وجوه النساء والرجال والحكايا الكثيرة عليها في لوحاته أمامي· همهمت: (كم انتظرت هذا اللقاء يا رينوار)·

خلال سني الدراسة الثانوية، تكونت لدي قناعة أكيدة أنني أريد أن أدرس الرسم، وأفهم قواعده وأصوله· صارحت أمي برغبتي في دراسة الفن، بدت سعيدة، بقراري وشجعتني، كان شرطها الوحيد، أن أكمل الدراسة الإعدادية ثم أدرس الفن على مستوى الدراسة الأكاديمية لأحصل على شهادة تؤهلني لخيارات عديدة في الحياة العملية في مجال الفن· كانت مثل كل الأسرة، مقتنعةً بموهبتي الطبيعية، وبضرورة دعمها بالدراسة·

أبي أيضاً لم يمانع، ولم يقل كلاماً يمكن أن يقال في مثل هذه المواقف، عن عدم جدوى الفن، وأنه يمكن أن يكون هواية لا أكثر، وأن علي أن أصبح طبيبة أو مهندسة أو محامية أو أي مهنة (محترمة) أبي كان يريد لابنته أن تحقق ما تحلم هي بتحقيقه، لا أن تتحقق أحلامه هو فيها· وبما أن الفن هو الحلم في حياتها، فلتكن رسامة تفهم مهنتها وتعرف أصولها· ضمني إليه وهو يقول: (بديعة عبد الرحمن الكيّال، رح اتصير فنانة معروفة، ومن يسألوني عنها رح أقول إنها كانت ترسم من يوم ما راحت للروضة) صمت لحظة وعاد يقول وابتسامة حلوة تضيء وجهه الجميل: (تره النخلة اللي رسمتيها أنا محتفظ بيها مع أوراقي الرسمية المهمة، يجي يوم وأنطيج إياها)·

بعد سنين، حين جاءت أمي تزورني في باريس بعد وفاته، حملت مها ضمن ما حملت من أوراق لوحة النخلة التي رسمتها وأنا في الروضة·

Page 6

في أواخر الخمسينيات، كانت بغداد مدينة تموج بالحياة، وتنمو على أطراف دجلة، تمتد في كل الاتجاهات وتكبر أفقياً· لم تكن فيها بنايات مرتفعة، بل بيوت تحيطها حدائق تكبر وتصغر حسب الإمكانيات المادية لأصحاب تلك البيوت· كان (المنصور) حياً حديث التكوين بشوارع رحبة عريضة وبيوت تؤكد بصمة المعماري العراقي الحديث، بُني معظمها في أوائل الخمسينيات، واعتنى ساكنوها بحدائقها فبدت جميلة منسقة، عشقتها ذاكرتي واستعادتها في أيام مجدبة كثيرة تالية· بيتنا كان في شارع تُحَلَّيه على امتداده من الجانبين الأشجار، يؤدي إلى ما يسمى بشارع الأميرات، حيث يوجد بيت كبير يعرف بقصر الأميرات، تسكنه أميرات من الأسرة الهاشمية الحاكمة· بعد سنين، ظل الشارع يعرف بالاسم نفسه، رغم غياب الأميرات، ورغم أن قصرهن الذي منح الشارع اسمه، أصبح مدرسة اليرموك الثانوية للبنات·

بيتنا كان من طابقين، أبوابه وشبابيكه من الخشب الصاج، له مدخل مرصوف، وتدور حوله حديقة واسعة· غرفه رحبة، خاصة غرفة (الصالون) التي تسمى (غرفة الخُطّار) أي غرفة الضيوف، وتفضي إلى غرفة طعام كبيرة تتوسطها مائدة بيضاوية تدور حولها عشرة كراسي· وعلى الجدار المقابل للباب الزجاجي الكبير الذي يؤدي إلى الحديقة الجانبية، خزانة تكاد تلامس السقف العالي بأبواب زجاجية تعرض على رفوفها قطع من الزجاج المعتق والفضّيات التي جمعت عبر السنين· غرفة الطعام تلك، كانت دائماً غرفتي المفضلة· كنت أحب الجلوس في الكرسي الكبير ذي المساند الذي يحتل أحد جانبي مائدة الطعام، ويقابله كرسي مماثل في الطرف الآخر للمائدة· كرسيّي المفضل كان القريب من الباب الزجاجي المطل على الحديقة حيث يأتيني نور الشمس الطبيعي ويضيء كل ما حولي ويلقي ببعض الظلال على الغرفة· ظلال تختلف حسب ساعات النهار· استهواني تأثير الضوء على كل ما في الغرفة· لاحظت كيف يغير ألوان وشكل ومعالم كل ما فيها من أثاث وتحفيات، ويضفي الظلال في زواياها· وجدت أن أفضل الأوقات هو العصر، حين يدخل الضوء الغرفة من زاوية منخفضة وينير ويظلل الأشياء بطريقة سحرية· حقائق اكتشفتها واستوعبتها في سن مبكرة جداً، وجعلتها أسبابي لتكون غرفة الطعام مرسمي·

لم يكن بيتنا يخلو من الضيوف والأهل والأصدقاء، والمسرات الصغيرة، حياة تسير دون أن يعكر صفوها شيء يذكر· شقيقي الأكبر توفيق سيدخل المدرسة الثانوية، ولا يكف عن الحديث عن حلمه الكبير في أن يدخل كلية الهندسة، وأمي سعيدة مسبقاً بأن ابنها سيصبح مهندساً· سامي كعهده يملأ البيت ضجيجاً وحكايا لا تنتهي عن لعبة كرة القدم، وأحياناً يدعوني لأشاركه لعبه· كان يقول إني لا أحسن تسديد الضربات، لكني أنفع حارس مرمى· جاء الصيف كعادته، وملأ الحر أركان البيت، وظهرت كل الاستعدادات لمواجهته، المبردات والمراوح، والسهر في الحديقة بعد رشها بالماء، حتى ساعة متأخرة من الليل· ثم كان يوم·

كنت في الخامسة من عمري· صَحَتْ أمي كعادتها مبكرة، ذهبت إلى المطبخ لإعداد الفطور، فتحت المذياع، ما هي الا لحظات حتى بدأت تصرخ بكلام غريب وهي تصعد السلم المؤدي إلى غرف النوم في الطابق العلوي: (عبد الرحمن، عبد الرحمن قوم، قوم شوف شنو صاير) هبط أبي مسرعاً· بدا مضطرباً مشوشاً· سمعت صوت رجل في الراديو يقول (بالاتكال على الله، وبمعونة أبناء الشعب المخلصين، والقوات المسلحة الوطنية، قمنا بتحرير الوطن الحبيب من عصبة الفساد التي نصبتها الامبريالية) لم أفهم نصف ما قاله· بدأ الهاتف يرن بلا توقف· سمعت كلمات غريبة، الجيش، الملك، نوري السعيد، وأسماء أشخاص لم أسمع بهم من قبل· جلست أمي في الكرسي الكبير في غرفة الجلوس خائفة مرتبكة تفرك يديها وفي عينيها دموع· سألت أبي عما حدث، بدت عليه الحيرة وهو يقول: (العراق صار جمهورية)·

Page 7

لم أهتم كثيراً بما حدث لكن أشياء كثيرة تغيرت من حولي أهمها اختفاء صور الملك فيصل الثاني من كل الأماكن، حتى الروضة، وتغير النشيد الذي كنا نردده (مليكنا مليكنا نفديك بالأرواح) إلى لحن جديد لم أسمعه من قبل· ثم عادت الحياة إلى سابق عهدها، أو هكذا خيل إلي، لكن الأهل والجيران كانوا يرددون حكايات غريبة· سمعتهم مرة يتحدثون عن نبش قبر نوري السعيد وسحب جثته في شوارع بغداد وتقطيعها· أرعبتني الفكرة أن تقطع جثة إنسان، أحسست أني لا أريد أن أسير في الشارع فربما سأجد تحت قدمي قطعة لحم ضلت طريقها·

بعد فترة صار الجميع في المساء يراقبون برنامجاً جديداً على شاشة التلفزيون تتكرر فيه عبارات (المتهم فلان الفلاني) كنت أرى رجالاً يجلسون وراء منصة يقولون كلاماً فيصفق الحضور· تعبت من السؤال لفهم ما يحدث، لكن الكل كانوا يقولون كلاماً غير مفهوم: (إنها محاكمات الخونة من العهد البائد) لم أسال عن معنى عبارة (العهد البائد) التي سمعتها تتردد كثيراً بعد ذلك· أخي توفيق شرح لي الموضوع: (العراق لم يعد مملكة، مات الملك فيصل الثاني وصار العراق جمهورية، وهذه محكمة الشعب تحاكم من حكموا في السابق) لم أفهم شيئاً، كل الكلمات بدت غير مفهومة، استوعبت معنى موت الملك، لكني بقيت لفترة طويلة لا أستطيع أن أفهم ما يجري حولي من أحداث عامة، تشغل أحاديث الناس، وتجعلهم يتناقشون ويختلفون، ويرددون عبارات لا تحتاج للشرح بالنسبة لهم، رغم غرابتها، يقولونها بثقة ويسر، محكمة المهداوي، مؤامرة الشواف، قطار السلام، الشيوعيون، القوميون، نقرة السلمان· تركتهم يقولون ما شاءوا وعشت في عالمي الذي لم تكن كل تلك الخلافات والنقاشات لتجد لها مكاناً فيه·

كم تمنيت عبر سنين حياتي أن أتعامل مع الحياة بطريقتي اللامبالية تلك، أن يكون هناك ما يحميني من كل ما يجري حولي، أن أرى الحياة وكل تعقيداتها بطريقة طفولية· لكن بلدي يفرض على الناس قدراً من النضج المبكر لمواكبة تلاحق الأحداث فيه، واستيعاب الكثير مما يقال حولهم، ليتعلموا كيف يغضبون ويرفضون ويشاركون في النقاش الذي يكاد لا ينتهي، ويقودهم في كثير من الأحيان إلى السجن وحتى الموت· حياتي بين أسرتي في حي يوفر الكثير من الرفاهية والعزلة، جعلتني أدرك بعد سنين أني لم أتعلم ما يكفي عن المجتمع العراقي الحقيقي خارج جنتي الصغيرة، وأني عشت عمراً بعيداً عن هموم الناس وأحلامهم ورؤيتهم·

في طفولتي كنت أستعذب العزلة عما يعكر صفو الكبار· كنت أريد أن ألهو وألعب وأرسم رغم كل ما يجري ويقال حولي· وكان الكبار يتركونني أكون من أنا· بعد سنين أدركت أنه فاتني الكثير وأني عشت في أسرة لم يكن لأفرادها مشاركة فعلية في ما كان يجري حولها من أحداث صنعت تاريخ العراق· فهي من الاسر العراقية الكثيرة التي كان همها الأول هو توفير الحياة الكريمة لأبنائها وفرص التعليم الجيد· لكني رغم كل ذلك تعلمت مع الأيام، كيف أقيم نفسي، وأعرف حق قدرها· حاسبتها أشد الحساب· قسوت عليها وقلت فيها قصائد مديحي· راضيتها وأرضيتها في فشلها وحزنها، ورضيت عنها في نجاحها وانتصارها· قد أكون ضعفت أحياناً لكني لم أتماد في ضعفي· كنت دائماً قادرة على أن أضع نقطة في نهاية سطر لم يعد يحتمل المزيد من الكلمات·

Page 8

في المدرسة الابتدائية، النموذجية، القريبة من حيّنا، أي كما شرحت لي أمي في وقتها: (المدرسة التي هي الأنموذج لما يجب أن تكون عليه المدارس)، تعلمت مع ما يتعلمه التلاميذ من قواعد المعرفة الأولية، القراءة والكتابة والحساب، المفاهيم الأساسية في الصداقة الحقيقية التي قد تدوم للمحظوظين منا على مدى سنين العمر· لعلها هذه التي يسمونها كيمياء بين البشر، أو (القسمة والنصيب) كما تقول بيبي أم عبدالرحمن، هي التي قربت بيني وبين سورغول· اليوم حين نتذاكر معاً لقاءنا الأول نغرق في الضحك· كنا في أول يوم لالتحاقنا بالصف الأول ابتدائي· كنت أشعر برهبة وأنا أقف في ساحة المدرسة، أحاول أن أتعرف على المكان الجديد، بعد أن أوصلتني أمي وأوصتني بحسن التصرف· تَقدَمتْ مني طفلة بعينين زرقاوين كبيرتين، وشعر أشقر ينساب في دوائر صغيرة حول وجهها· وقفت أمامي وسألتني بصوت رائق عن مكان الصف الأول: (قالت المعلمة إنه الباب الثالث إلى اليمين) رأيت عينيها كان فيهما بريق محبب· همست: (صحيح الباب الثالث إلى اليمين) ابتسمت وهي تقول: (أنا اسمي سورغول محمد كاوه) أحببت اسمها همست: (وأنا اسمي بديعة عبد الرحمن الكيال) اكتشفت أنها ابنة الأسرة التي انتقلت للسكنى في شارعنا قبل أيام، وسمعت أمي تقول إنها تعرفت على السيدة حين حملت لها بعض الحلويات للترحيب بها كجارة جديدة· قالت أمي إنهم جاؤوا من السليمانية بعد أن حصل زوجها على وظيفة جيدة في بغداد· جلسنا في الصف على رحلة واحدة في أول يوم دراسي، وعدنا معاً إلى البيت من المدرسة، وأصبحنا صديقتين·

صرنا نترافق في ذهابنا وإيابنا من المدرسة مع عدد من البنات من الحي نفسه· كنت قبل أن تأتي سورغول للعيش في شارعنا أعتبر وفاء، التي تعيش في البيت الذي يلي بيتنا، صديقتي المقربة، رغم أني كنت أجد صعوبة في التواصل بالحديث معها· سورغول كانت مختلفة عن كل من عرفت من بنات· كانت منطلقة في الحديث، صريحة واثقة من نفسها ولديها القدرة على التعامل مع الآخرين بجرأة وشجاعة· بعد أيام أدركت أنها ذكية لماحة وستكون متفوقة في الدراسة، بعد أن صارت تحصل على مديح المعلمات· وجدت نفسي أنطلق في الحديث معها عن كل ما يخطر ببالي وأبوح لها بكل ما لم أقله لأحد غيرها، وأستمتع بما تحكيه لي من حكايات عن حياتها في (الشمال) كما كانت تقول· في أحد الأيام كنا نقف معاً أمام المرآة في غرفتي· تأملت صورتنا في المرآة معاً وقالت ضاحكة: (أنت محظوظة نحيفة وشعرك أملس ولامع وطويل شوفي شعري دائماً منفوش) استغربت قولها، فشعرها جميل جداً بدوائره الذهبية الصغيرة خاصة حين تزينه بشرائط حريرية ملونة· صحيح أنها ممتلئة الجسم قليلاً، لكنها جميلة بعينيها الزرقاوين الكبيرتين وبشرتها البيضاء الناعمة الصافية كبشرة الأطفال· حاولت أن أقنعها بذلك، لكنها كانت تريد شعراً أملسَ وخصراً نحيلاً· مازلنا نغرق في الضحك حين نتذاكر ثورتها على شعرها الذهبي المنكوش، وخصرها الذي لم يكن يصلح للأحزمة الجلدية العريضة·

لم أنس أبداً أول شرح قدمته لي عن القبلة، حين كنت في الثالثة عشرة من عمري· ذهبنا يومها مع وفاء إلى نادي المنصور لنشاهد فيلماً أمريكياً ذاع صيته، حين عرض في سينمات بغداد قبل بضع سنوات، (روعة العشب)، قصة حب بين فتاة مراهقة وشاب من عائلة غنية معروفة، من بطولة ناتالي وود ووارين بيتي· حين عدنا للبيت قلت لها: (لِمَ تكون قبلة المحبين من الشفاه وليس على الخدين؟ هل للشفاه طعم خاص)؟· تضاحكت وهي تقول: (الحمد لله إنو أهلنا ما حضروا الفيلم ويانا وشافوا البوسات) تعالى ضحكنا· همستُ: (سورغول، أتمنى أن أعرف شلون يكون طعم البوسة على الشفه) ابتسمت· كنا وحدنا في حديقة بيتنا· عدت أهمس من جديد محاذرة أن يسمعني أحد: (سورغوله جربتِ اتبوسين أحد من شفته)؟ تضاحكت واحمر وجهها· أحسست أنها تخفي عني شيئاً مهماً· عدت أقول: (يا ملعونة منو، قولي منو) بعد إلحاح، حكت لي كيف قبلها ابن عمها مرة· كانوا مجموعة من الصغار يلعبون في الحديقة لعبة (الختيلة)(4) وكانت هي مختبئة خلف الجدار، تسلل خلفها، ألصقها بالجدار في غفلة من الآخرين، وضغط بشفتيه بقوة على شفتيها حتى اصطكت أسنانهما· دفعت به بعيداً بكل ما تملك من قوة وهددته أن تخبر والدتها إن هو كرر فعلته· تضاحك منها وهو يقول: (لا يابه لا اصلاً إنتي ما تعرفين أتبوسين)·

استغربتُ الحكاية، خاصة مسألة اصطكاك الأسنان· هل تصطك أسنان المحبين كلما قبلوا بعضهم أم تتلامس شفاههم؟ ثم هل تحتاج القبلة لمعرفة وخبرة؟ ما معنى (ما اتعرفين اتبوسين)؟ لم تعجبني خبرة سورغول، قلت لها بشيء من التعالي: (أنت وابن عمك ما تعرفون تبوسون) صمتت ولم تقل شيئاً· بعد سنين، أدركنا أنا وهي أن تلك القبلة، لم تكن قبلة حقيقية· وحين لامست شفتاي لأول مرة شفتي الرجل الذي منحني قبلتي الأولى، لم أتذكر سورغول واصطكاك أسنانها· نسيت كل شيء في لحظة إحساسي بالشفتين الدافئتين اللتين احتوتا شفتي· ولكني بعد ذلك حين خلوت لنفسي، ضحكت طويلاً من شرح سورغول لقبلتها الأولى·

كنت أحب أن أزورها في بيتها الذي تفصله عن بيتنا أربعة بيوت· كان بيتاً مرتباً، له خصوصيته· فقد كانت والدة سورغول (نازانين خان)، سيدة ذوّاقة، حولت البيت الذي استأجروه فارغاً إلى مكان جميل متميز بما أضفت عليه من لمسات فنية جميلة· جعلت كل الستائر والمساند، من أقمشة تراثية كردية، بعضها نادرة تغزل على منول يدوي صغير، واختارت الألوان الهادئة المزينة بخيوط فضية، ولم تنس أن تضفي هنا وهناك بعض الألوان الزاهية لتضفي البهجة على المكان· كانت تحب النباتات المنزلية، وتزرعها في أوان من النحاس المعتق وجرار الفخار الملونة وتزين بها أركان البيت، وتجيد العناية بها· أمي كانت تقول إن نازانين خان تمتلك (أصابع خضراء)، تحنو على النباتات فتورق وتزهر على مدى العام· كان يحلو لي أن أتامل الحلي الفضية القديمة المعروضة تحت السطح الزجاجي للطاولة الدائرية الكبيرة التي تتوسط غرفة الصالون، أقراط وعقود ومكاحل قديمة توارثتها نازانين خان عن الأمهات والجدات· أحياناً كانت حين تراني أتأمل قطعة تخرجها من تحت الزجاج وتروح تحدثني عن تاريخها وتدعني أتلمسها وأجرب ارتداءها·

Page 9

كانت نازانين خان جميلة ببشرتها البيضاء الصافية حد الشفافية وشعرها الذهبي الذي يشبه شعر سورغول، تلفه في خصلات على لفافات كبيرة فيصبح سرحاً منساباً، وحين ترتدي الزي الكردي التقليدي بألوانه الزاهية والأقمشة البراقة التي تدخل في تصميمه تبدو مبهرة، وكأنها لوحة أحد الرسامين الكلاسيكيين، في جمالها وهدوئها ورقتها، حتى إني تمنيت أن أرسمها لكني خفت أن لا يعجبها رسمي· في أحد الأيام تشجعت وعبرت عن إعجابي بزيها· قالت إنه زي قريتها العمادية الذي يختلف عن الزي الكردي لمدينة أربيل· حدثتني عن الحياة في قريتها الجبلية حيث نشأت، وبيت جدتها لأبيها الذي يستكين على حافة وادي أخضر· صمتت لحظة سرحت بعينيها وكأنها تستعيد في ذاكرتها ما تركت وراءها· عادت تقول: (أنا لا أحب العيش في مدينة كبيرة مثل بغداد، لكن عمل محمد جاء بنا إلى العاصمة، شنسوي شوية شوية نتعود على بغداد)·

كانت المرة الأولى في حياتي التي ألتقي إنساناً رحل عن أرضه بسبب ظروف الحياة· مع السنين صار الرحيل عن الأوطان، جزءاً أساسياً من حياة العراقيين، بعضهم ظل مثل نازنين خان يحن لعالمه الذي يعرف كل خباياه، ولا يحسن العيش في عالم بديل يكاد يفتقد القدرة على التلاقي معه، والبعض الآخر أحب واستوطن ووجد ما يبحث عنه في الوطن البديل· كانت عواطفها تفيض أحياناً وهي تتحدث عن قريتها وبيتها ومدرستها وتصف كل تفاصيل الحياة التي اعتادت· كانت تقول بابتسامة حزينة، إن تشبثها بالحديث باللغة الكردية مع أفراد أسرتها هو جزء من إصرارها على الحفاظ على هويتها· سورغول كانت تتحدث مع أمها وشقيقها الصغير دلير، باللغة الكردية بطلاقة ويسر، تماماً كما تتحدث بلغة عربية سليمة· أحياناً كنت أستغرب تفوقها في فهم غوامض قواعد اللغة العربية، وحين أنهيت كتابي هذا، طلبت منها أن تراجعه لي قبل أن أدفع به للمطبعة·

مع الأيام توطدت العلاقات بين أسرتينا وصارتا تتزاوران باستمرار· أحبت أمي نازنين خان، ووجد أبي مع كاكا(5) محمد كاوه، الجيولوجي، الذي يعمل في شركة نفط العراق، شركة أجنبية تلعب دوراً أساسياً في صناعة النفط في العراق، أرضية مشتركة في الكثير من تفاصيل الحياة· كانا يلعبان معاً طاولة النرد ويتضاحكان من ترديد الأرقام باللغة الكردية، دوا وبنج وشيش· ثم يتحدثان عن الأوضاع السياسية في العراق· كان والد سورغول متحمساً جداً لفكرة أن يصبح نفط العراق بأيد عراقية، ويؤيد إجراءات الزعيم عبد الكريم قاسم في وضع حد للاحتكارات النفطية الأجنبية في العراق، (بريطانيا وفرنسا وهولنده شعليهم بنفطنا، ولا تنسى من يملك الخمسة بالمئة منه، مستر كولبنكيان) كان أبي يستمع إليه بهدوء واهتمام خاصة حين يحدثه كخبير جيولوجي عن احتياطي النفط الهائل في العراق، في الشمال والجنوب وأطماع الدول الغربية بهذه الثروة العظيمة· كان والد سورغول يسرح بعينيه ويهمهم: (الغرب صعب يتخلى عن العراق الذي كان دائماً محط أنظاره· لعد ليش استعمرونا)؟ فيرد أبي وهو يعبث بحبات مسبحته: (والله صدق وعمرهم ما رح يتركون العراق يعيش بسلام)·

أمي أيضاً كانت سعيدة بصداقة الجارة اللطيفة الهادئة، وبالعلاقة الحميمة التي تجمعني بسورغول، وتعتبرها الأخت التي حرمت منها· تفوق سورغول في الدراسة وكونها دائماً الأولى على الصف، جعلها صاحبة مكانة متميزة، عند والدتي المدرسة الدربة· كنت أحب أن أراجع معها الدروس أيام الامتحانات· وحين نتعب من الدرس، نتحدث عن كل ما يخطر لنا على بال، المدرسة والمعلمات والدروس والحياة والأحلام والطموحات· ثم تصدر أوامرها المشددة بالعودة إلى مراجعة الدروس· حتى بيبي أم عبد الرحمن أحبت سورغول· كانت تقول عنها: (أحسن صديقة بنت ناس أوادم ومحبوبة ولطيفة ومتفوقه في الدراسة)·

ترافقنا أنا وهي في كل مراحل الدراسة حتى المرحلة الجامعية· وتقاسمنا الأفراح والهموم· عرفنا كيف نصون صداقتنا ونبقي على نفحة الحب بيننا رغم المتغيرات فينا وحولنا· باعدت بيننا الأيام ثم جمعتنا، في بلاد غريبة بعد أن تلاشت ملاعب الطفولة والشباب، وصار الوصول إليها عصياً·

Page 10

ما زلت أذكر ذلك اليوم البارد من أيام شهر شباط بكل تفاصيله، وحالة الذهول التي سادت بيتنا· كنت في العاشرة من عمري، أدركت وفهمت مجمل ما حدث، لكني لم أستوعب أسبابه، رغم أني كنت أتابع أخبار الراديو وما ينقله التلفزيون· إنها ثورة جديدة كما يقول الراديو والتلفزيون و(انقلاب) كما سمعت البعض حولي يهمسون· المهم، قتل الزعيم عبد الكريم قاسم، وتمت ملاحقة وقتل كل من كانوا في الحكم معه· استوعبت الخبر ولكن لم أفهم لم قتلوا عبد الكريم قاسم· سمعت من حولي يقولون إن أعداءه نجحوا هذه المرة في التخلص منه· دارت أحاديث كثيرة عن محاولة اغتياله التي حدثت في أعقاب ثورة تموز التي أطاحت بالملكية، وكيف نجا رغم كل الرصاص الذي أطلق على سيارته· تذكرت الحادثة والأغنية التي شاعت في وقتها، لمغنية معروفة اسمها مائدة نزهت، كنت أحب أغانيها كثيراً· الأغنية كانت تهنئة للشعب العراقي بسلامة الزعيم من محاولة اغتياله، (حمدله عسلامة، قائدنا اترف أعلامه، أقوى من رصاص العدوان، خاب الغادر واحلامه، حمدله عسلامة) كنا نرددها في المدرسة، أما الآن فلن يغنيها أحد، انتهى الزعيم· قتلوه وقالوا إنهم خلّصوا العراق من (شره)·

لم أشعر أن أبي وأمي فهما أسباب ما حدث، فقد كان على وجهيهما الكثير من التساؤلات· وجدت أمي في لحظات خوف وقلق لم أعرفها من قبل· كانت تجلس على طرف المقعد تشاهد التلفزيون وتدمدم بكلمات غريبة غير مفهومة، ثم تصاعد خوفها بعد أن عرضت صور للزعيم على شاشة التلفزيون، معدوماً رمياً بالرصاص في الاستوديو الرئيسي لإذاعة بغداد· أجلسوه على كرسي ببدلته العسكرية، ميتاً وخلفه جندي ممسك بمقدمة شعره يرفع وجهه أمام الكاميرا· وجاء صوت المذيع يشرح لنا ما حدث، لقد تم إعدام الزعيم، أطلقوا عليه الرصاص في استوديو الإذاعة الرئيسي بعد محاكمته· كان المذيع يقول كلاماً لم أفهم معظمه·

المهم تم إعدام الزعيم رمياً بالرصاص لأنه عسكري والعسكريون يعدمون رمياً بالرصاص، هكذا قالوا لي· تساءلت كثيراً، لم لا يعرضون علينا محاكمته قبل إعدامه؟ ماذا حدث للمحكمة التي مازلت أذكرها والتي كانت تحاكم الخونة من (العهد البائد)؟ أهو الآن خائن؟ أهو من العهد البائد؟ حيّرني المشهد فهذا الرجل تحتل صوره كل الجدران، في المدرسة في غرفة المديرة والصف، وفي الشارع والساحات العامة، فكيف إذاً يعاملونه بهذه الطريقة؟ ولم أعدموه كما يقولون؟ ألم يكن زعيم البلاد ويحقق الكثير من الإنجازات التي كانت حتى المعلمة في المدرسة تتحدث عنها؟ كانت دائماً تقول: (يكفي أنه يحب الفقراء ويتعاطف معهم لأنه منهم من حي الفضل الشعبي ويريد يرجع نفط العراق للعراق) ها هو الزعيم ميت، مقتول، معدوم، وها هو أبي يروح ويجيء في الغرفة، وها هي أمي تفرك كفيها وتردد كلاماً لا أستطيع أن أميزه، ثم علا صوتها قليلاً وتبينت كلماتها: (الف رحمة عليك يا فيصل يا ابن غازي) فيصل ابن غازي؟ هذا الملك الذي قتلوه عندما صار العراق جمهورية يحكمها الزعيم، لِمَ تترحم على الملك في حين من قُتل هو الزعيم؟ لم أفهم في وقتها لكني لم أنس أبداً ما قالته، بل وجدت نفسي في سنين تالية كثيرة، أجلس جلستها تلك وأفرك يدي، وأترحم على (فيصل ابن غازي)·