eKtab
EN ع
سور جدة
Read free sample

سور جدة

by سعيد الوهابي

Page 1
1

استيقظ في صبيحة يوم شتوي كئيب، كان يعتقد أن الشتاء هو الوداع والهجرة والحزن والكآبة، وأن الصيف هو الفرح والبهجة والألوان؛ كانت ليلته قلقة، ترددت إلى مسامعه شجارات جيرانه العمال، وصراخ أولاد الشوارع وآهاتهم وأحياناً مؤامراتهم، أيضاً أهازيج من يسميهم الأشرار فرحاً بفوز فريقهم الليلة الفائتة بكأس الملك، لعن ليلتها الكرة ومن اخترعها. فكر بحنق وهو يحدث نفسه وكأننا بتفوقنا (رغم فشلنا فيها بجدارة) سنعانق أمجاد الأمم. يحلم بغازي القصيبي، لا يدري لماذا، لكنه يظهر في الحلم بشعر يكسو رأسه، يبدو رشيقاً وقد فقد أرطالاً من وزنه، يتجنب الأحلام السياسية، حتى الأحلام، حينما يستيقظ يبتسم في غباء فالابتسام يدعوه أحياناً للتفاؤل وأحياناً للبكاء. تسلل من فراشه نحو الحمام، تجاهل كالعادة نداء الماء له فهو يكرهه في الشتاء، تأمل وجهه في المرآة وقد نبتت بعض البثور بألوانها البيضاء والسوداء بدلاً من الشعر(هذا ما غرس أبي!) وبدأ موسم الحصاد اليومي لتلك البثور. عاود الابتسام مرة أخرى، نظر إلى الحمام وراود نفسه على مغامرة خوض الماء البارد في ذلك الصباح فأبت، نثر الماء هنا وهناك، لبس ثوباً واعتمر عمامته وتطيب بعطره الوحيد الأثير 212، وما أن ارتكز العقال حتى أخذ يردد دعوات تمتم قولها بسرعة، نظر إلى السجادة فنطق عقله، "صلاة الفجر" صلى على عَجل، وهمَّ بالخروج.
نصحه موظف الاستقبال في ذلك الفندق القديم، المثير في توسطه الكثير من الأسواق والمكاتب وبيوت الدعارة أحياناً، بأحد المطاعم اليمنية المجاورة، تناول إفطاره على عجل، واستقل إحدى سيارات الأجرة، تحدث كثيراً مبتهجاً إلى السائق، كان باكستانياً اسمه عبد الحق، ودّعه بعد أخذ رقم جواله، لحظات وهو الآن أمام مبنى الصحيفة المشهورة والأولى في جدة هذه الأيام، يعتقد أنها كذلك، راقه مبنى الصحيفة الحديث بقببه وسوره وألوانه الهادئة وزخارفه الإسلامية البسيطة، اقترب من واجهة المبنى الرئيسية الزجاجية وما أن رأى نفسه حتى ابتسم وقال بهمس: أهذا وجه صحفي؟
- حدق بكبر من تحت نظارته، تقدمت ابتسامته الصفراء كل جمله وحركاته وأخذ يسأل في كبر صارخ، هو الطاعم الكاسي: ما الذي أتى بك إلى هنا؟
أخذ خالد ينمق الكلام ويختار من المعاني أبهرها، ومن الحكم أجملها، ومن ذخيرة سنته اليتيمة في الجامعة أنفس دررها، يظهر بعد كل ذلك مضرب المثل في الثقافة والمعرفة، مبرزاً همة الشباب وحبه للصحافة ودورها ومبادئها وفنونها؛ شعر أنه يبالغ قليلاً، خيل إليه وقتذاك وكأنه شيخ قد اعتلى المنبر في أيام الجمعة، مستهلاً خطبته العصماء بفضل الصدق والأمانة والإحسان، تنكس الرؤوس فيحسبها كثيرون علامة خشوع ومحاسبة، ويحسبها هو وقلة آخرون إعلاناً لموسم الغفوة السريعة، وما أن يخرجوا حتى يغشوا باعة رصيف المسجد ويغشهم، وقلة آخرون ينتظرون في غيظ كثيرين أوقفوا سياراتهم بعجلة لإدراك الصلاة ولا يمنع تأخير الآخرين وبدون اعتذار منهم فلم يتعود على ذلك من قبل...
فجأة قطع هذا الهذيان، ترك مقعده الوثير واقترب من إحدى اللوحات الكثيرة في مكتبة بخطى عسكرية موسيقية وتوقف، كانت اللوحة عبارة عن قارب كبير راسٍ في أحد الموانئ وقد امتدت مرساته على شكل ساعة بعقارب كبيرة واضحة، حدق فيها ثم قال: إعلم يا بني أن الفنون كل الفنون في العالم خدعة: الرسم والصحافة والأدب والسياسة والإدارة والرقص والموسيقى وأغلب الأشياء حولك هي خدعة إلا ثلاثة أشياء - هي مرتكز كل الأشياء، وهدفك أنت وغيرك من الأشياء أوو عفواً، الأشخاص - هي حقائق: المال والسلطة وشيء آخر أستحي أن أصرّح به (ونظر بخبث وهو يردد جملته الأخيرة).
ساد صمت كان يحسبه خالد إعلاناً بانتهاء المقابلة ولكن استمر مباغتاً: أنت وآلاف من شبابنا العاطلين ولدتم في وقت يتسم فيه مجتمعكم وأنتم أيضاً بفقر ثقافي وغنىً بلطجي تستمدون فيه أفكاركم من أسوإ الأمثلة لديكم، وأنت الآن أمامي تغلف حبك للحقائق الثلاث بإبداء براءة حبك للفنون وفن الصحافة بالذات. ولو كنت في مكان كالجيش مثلاً لأبديت براعتك في القتال داخل الحواري ولأنشدت قصائد الوطن كلها، ولكن صدقني صدقني الحقيقة غير ذلك فعلاً.
تجرع كل المهانات وبالطبع كل الاتهامات بكل دعة وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة بلا معنى أثارت في ذلك الثور كل الحماقات وكأنه يلوح له بالقماش الأحمر فقال في انطلاقة: أنت من أين؟
تحركت شفتاه في تلقائية معلنة انطلاق صوته المبحوح: من الجنوب طال عمرك.
عضّ على شفتيه مبرزاً طقم أسنانه العلوي باحتقار: طلبك بالالتحاق بالصحيفة مرفوض قطعاً؛ وبصراحة أنا أنصحك بالأعمال الحرة وأنتم فالحون في مثل هذه الأعمال، سوق الخضار فرصة جيدة لشاب مثلك وكذلك سيارات الأجرة، لقد أطلقوا برامج أخيراً لسعودة تلك الوظائف، أطلق بعدها ضحكة ثورية مجلجلة كتلك التي يطلقها أصحاب الأدوار الشريرة في المسلسلات المصرية.
امتدت يد خالد نحو لوحة اسمه /قاسم هاشم الإسكندراني/ فانحنى ذلك الثور بعدما اندفعت نحوه تلك اللوحة في قطعة زجاجية فاخرة وتناثرت في المكتب فانطلقت صرخاته "يا همجي يا حمار يا جزمه............................. طلعوه برا".
قذف به رجال الأمن خارج مبنى الصحيفة، نظر نظرة شاب في العشرين من عمره، كان يعي قبل نصف ساعة أن ذلك المبنى مناراً للمجتمع، سلطة يحكى عن أهميتها في سياسات الدول والدول الديموقراطية بالأخص، كان يؤكد أن مبنى مثل هذا إنما هو تجسيد لسياسة البلد الشهيرة (سياسة الباب المفتوح)، سيكون حافلاً ومحتفلاً بأفكار الشباب ومتسعاً للإبحار، بحر فيه نغرق ونصطاد ونلهو ونتعلم، نستطيع من خلاله سلمياً أن نثبت الذات ونثبت العدالة، أن نسلط أضواءنا على الفاسدين، لا أن تسلط علينا الأعين وقليل من الأنظمة وكثير من الأعراف، تقيدنا بعيداً عن المروج الواسعة وتدفعنا نحو الحظيرة النتنة الضيقة.
أي قيم دخل بها ذلك الشاب المبنى، وأي مبادئ تعلم عند الخروج، وأي روح هي قبل دخوله، وأي مسخ هو الآن، كان في طريق العودة إلى الفندق يسأل نفسه سؤالاً واحداً لماذا؟
ازدادت عينه إصراراً على نبذ دموع القلب، كأنه تعود أسلوب النبذ متجاهلاً بذلك انكسار الرجال، هو أعظم الانكسارات وأشدها خطراً. أخذ يتسلى بشريط الذكريات فهو يعتقد أن الإنسان مجنون بلا ذكريات وبلا روح، روح الإنسان هي أخلاقه وقيمه وذكرياته هي أيامه، حاكم كل ذلك عدو جنونه عقله.
أحس بحرارة هل هي غليان جوفه أم حرارة شمس الظهيرة؟ شمس ذلك الصباح طاغية في دفئها قاسية في حرارتها، واضحة في حضورها المبهج ورحيلها الحزين، يحبها الناس والبسطاء كثيراً ويكرهها الأغنياء.
حسناً! حسناً! كان يقول إن أمه تذكره بالشمس، هو يراهما كل صباح في نفس الوقت حتى إنه قال لها ذات يوم إنها تكره الشمس عند الشروق حين تصرخ لتوقظه في هلع حنون، وفي لهجة جنوبية صرفة طريفة: "قوموا بقعا تصوعكم شرقت الشمس"، يردد ولا يزال يردد بعض الكلمات دون معنى، بل يملأ بها فراغات جمله دون معرفة (بقعا) (تصوعكم) أشياء غريبة كانت تخطر في باله تلك اللحظات.
سأل موظف الاستقبال: أريد أن أخلي غرفتي في الحال؟
فرد بكل همة: "حاضر سعاتك اللي تأمر بيه".
تناول الصحيفة اليومية في بهو الفندق الصغير، وأخذ يقرأ إحدى المقالات التي عنونها صاحبها بـ "عين الحقيقة"، قرأ المقال كاملاً. يصرخ في داخله "كذب... كذب..".
في ثورة غضب الإنسان يصرخ، في قمة فرحه يصرخ أيضاً، وحينما يولد وحينما يموت يصرخون عليه، وآباء يصرخون فينا، صراخنا تعبير مجازي فطري لمشاعر إنسانية كثيرة ومختلفة نجسدها أحياناً بالصمت أو الكتابة أو الحديث أو الغناء، أثناء تموّج هذه الفكرة انبعث صوت يعرفه من مذياع مكتب الاستقبال في سلطنة:
Page 2
"اسأل روحك... اسأل قلبك
قبل ما تسأل إيه غيرني
أنا غيرني عذابي في حبك
بعد ما كان أملي مصبرني
غدرك بيه أثّر فيه
وتغيرت شويه شويه
وتغيرت مش بيديه
وبديت أطوي حنيني إليك
وأكره ضعفي وصبري عليك
واخترت ابعد وعرفت اعند
حتى الهجر قدرت عليه
شوف شوف القسوة بتعمل إيه".
انتشى وأخذ يردد مطلعها في زهو يشوبه ألم ولذة وحزن، تداخلت المشاعر في فوضى وتواصل مسلسل الذكريات وعادت به مخيلته شهوراً قبل ذلك اليوم.
حينها توقف ذلك الجنوبي بحزم أهل الجنوب، توقف عملية الكلام عن العزف، نشط سلوك النظر فملأ فضاء تلك الجبال المحيطة، شجرة العرعر اليتيمة، سهول تهامة السحيقة، ألحاناً غريبة عما اعتاد سماعها من هذين العاشقين، فلتتشحي بالسواد ولتذكريه ولتمطري يا سماء واغسلي عارهما، إن قريته لا تغفر ذلك له لكنها تغفر أن ينقض ذلك الشيخ الهرم على فتيات القرية الواحدة تلو الأخرى، فالبقاء للأقوى، سلمى.. وأي أرض وطأتها قدميك. يتذكر ذلك الجبل حينما تطلعت عيناها البريئتان الشقيتان في تحد، حتى أسقط عليهما صخرة من إحدى جوانبه. قال لها حينها وهي في أحضانه كطائر إن صخرة ذلك الجبل هي دمعته، لطالما تمنى لو أنه مثلنا ليعشقها، فابتسمت ابتسامتها المغرورة لتكشف دقة أسنانها الظريف الشهي. كانت تفاخر بأصولها التركية الممتدة قروناً مضت، ويشهد بذلك بياض جسدها الشاهق وصدرها الصغير تزينه رمانتان واقفتان في كبرياء، وتقلص خصر وكأنه قطع ثلج عذبة اقتطفتها من أعالي تلك الجبال، كان يرتوي حين يلقاها من عسل عينيها وتفاح خدودها، كانت في قمة الأدب وسلطانة دلع بنات زمانها، تتمايل ولكن بثقة وتسحر ولكن بعقل. كانا على طرفي نقيض في كل شيء ولكنهما أحبا كل شيء، يتذكر مراسم صلحهما الغريبة حينها كانا يلصقان أطراف سبابتيهما ثم يقبل كل منهما سبابته معلنين رجوع المياه إلى مجاريها، كانت إذا أرادت همست وإذا غنت عذبت وإذا فرحت تراقصت الطيور حولهما في ذلك الوادي وإذا غضبت صغر أمامها كطفل بريء حتى تبتسم ويقيما نفس المراسم، يتذكر جدالهما في اختيار أسماء أبنائهما وعددهم ومكان بيتهما حتى عدد قبلاته الأولى على الجسد الطاهر وأماكنها.
لعن ليلة زفافها كل الحياة وجميع التقاليد وهمجية العادات، رجا الرب أن تتحقق الدعوات فينام تلك الليلة نوم أهل الكهف أو أن تتملكه الشجاعة ملقياً بنفسه على سفوح تلك الجبال، فقد تكون "أرحم عليّ" من أي شيء آخر وهي من شهدت كل شيء منذ البداية، حينها تتصدر أخبار انتحاره هذه الصحيفة، ومعه أزمة معاناته النفسية في كل صحف البلد، بعد سلمى نسي الحب، تشوه مفهوم القلب، دفن كل المشاعر.
أخذت كوكب الشرق تشدو مرة أخرى:
"أنا ما نسيت الحب وعهده ولا أيامه ولا لياليه
أما إن كان على الحب لوحده من غير هجرك أهلاً بيه أهلاً بيه
دنا لوعني هواك وأنا عشان أنساك
أنا حيرني هواك وأنا عشان أنساك
ببعد عن كل مكان رحتو ولو مره معاه
وأغرب من أقرب ناس يعرفوا قصتي وياه
وأغير أي كلام يجيب سيرة ذكراه".
قطع خيالاته موظف الاستقبال ذو ملامح الرجل الطيب بتودد: ممكن أن أسألك سؤالاً يا أستاذ؟
ردد بفرح غامض أثاره من تلك الأجواء المصرية: تفضل، تفضل.
- يا باشا ولا مؤاخذة يعني، اللي يشوف سعاتك في الصباح منور وباين على وجهك فرحان واللي يشوفك دلوقتي ما يعرفك أيه في حاجة مضايقتك؟!
لا يسترجع الذكريات كثيراً ولكنه يتذكر ذلك المقهى بالقرب من عمارة الملكة في جدة القديمة، جلسا متقابلين هو ومصطفى بعد دعوته لخالد للعشاء، أبناء النيل يقدرون العيش والملح ويكرهون الجوع الكافر، تحدثا كثيراً تلك الليلة حتى ملّ المكان من حديثهما، نحب الغرباء لأننا نحملهم مهمة حفظ أسرارنا أو نشرها، هكذا يخيل له.
Page 3
"هنا في المدن العظمى، جحيم الأفكار السامية، حيث تتهرأ كل عاطفة شريفة، هنا مقام الرذائل والشهوات! إن الذي يجري في عروق المدينة إنما هو دم فاسد! فابصق على المدن الكبيرة لأنها مزبلة تتراكم فيها الأقذار، ابصق على مدن النفوس الضعيفة، والصدور الضيقة، والعيون الحاسدة، مدن الطامعين، والوقحين والفجار والتجار المعربدين، المدن التي يتكدس فيها من يأكلهم سوس الفساد، ابصق على هذه المدن، وعد أدراجك".
نيتشه

2

جدة عروس البحر الأحمر، عاصمة السعودية الاقتصادية ودرتها السياحية ترتدي كل ليلة من فساتين الزمن ما يناسبها، فهي الساحرة وهي العجوز وهي الفتنة وهي القبيحة وهي الجمال أحياناً وأحياناً القذارة، تسحر أفئدة زائريها عن نتانة كواليسها.
يمتد عمرها التاريخي ثلاثة آلاف سنة، قال الرواة إن الأم حواء دفنت فيها وأنه وجدت مقبرة باسمها في منطقة القشلة، وسكنها الصيادون ثم الجاهليون القدماء. ثم تتابعت الدول الإسلامية المتتابعة (أموية، عباسية، أيوبية، مماليك، عثمانيون، أشراف). أهلها أهل شجاعة تصدوا لغارات الأساطيل البرتغالية والقراصنة الهولنديين وثاروا ضد حكامها المفسدين، وهم أهل تجارة عريقة أيضاً. منها آلاف البيوت التجارية المؤثرة إلى وقتنا الحاضر ومنها انطلق العديد من القوافل والأساطيل حول العالم. قال عنها الرحالة الفارسي ناصر خاسرو في العام 1050م "كانت مدينة كثيرة الخيرات مزدهرة بالتجارة باسقة العمران وأسواقها نظيفة وجيدة وعدد سكانها لا يزيد عن خمسة آلاف نسمة".
قام حسين الكردي الحاكم المملوكي بأوامر من آخر سلاطين مصر المماليك قانصوه الغوري ببناء السور القديم ممتداً بما يقارب الكيلومتر، زوده بالعديد من القلاع والأبراج والمدافع، وله بابان من جهة مكة وآخر من جهة المدينة ثم فتحت أبواب شريف وجديد والبنط والمغاربة وصريف والنافعة والبابور والطابية ثم أخيراً باب الصبة، حتى تم هدم السور بعد خمسة قرون في العام 1947.
في بدايات القرن الرابع عشر الميلادي حاصرت الأساطيل البرتغالية بقيادة لوبو وارس جدة، لكي تستولي عليها باعتبارها من أهم الموانئ المطلة على البحر، لكن الحامية العثمانية تصدت لهم بقيادة سليمان باشا.
تضم جدة القديمة حارات أربع شهيرة والتي لا تزال إلى اليوم تزخر بعبق روحاني عظيم تجده في أزقتها وشوارعها وقصور كبرائها ودور الصعاليك، في مساجدها وكتاتيبها ومقاهيها وساحاتها ومدارسها، حارة الشام كانت أرقى الحارات كما هي عادة الشمال في الطبيعة، حارة اليمن وسكنها حضارمة اليمن التجار حيث يرتمي في إجلال دار آل نصيف، المتحف الآن، وغرباً حارة البحارة والصيادية حارة البحر وسكنها آل رضوان، وأخيراً حارة المظلوم وفيها مسجد الشافعي، وللأخيرة قصص تروى، فالمظلوم قيل إنه ابن أحد الأشراف، وقيل ابن أحد الملوك المتأخرين، ولكن الراجح أنه شخص يدعى عبد الرحمن البرزنجي، أحد علماء المدينة المنورة اتهم زوراً وظلماً في زمن جهالات الحكومة العثمانية وموتها في مطلع القرن العشرين، حكم عليه من غير محاكمة شنقاً، وفي ذلك اليوم تجمع العديد في ساحة حارة المظلوم، سال دمه على الساحة مشكلاً كلمة (مظلوم)، تناقل الناس تلك الحادثة يومها حتى وصل صداها عنان السماء. هناك في إستانبول حيث يرقد السلطان في قصره الأوروبي، استدعي حاكم جدة وشلة الحكم الفاسدة من أغوات ومعاونين، وتشاء الأقدار مرة أخرى أن تغرق السفينة التي أقلتهم في منطقة تسمى (بركة فرعون) حيث غرق فرعون وجيشه.
بتوقيع اتفاقية 1925 بين الملك عبد العزيز آل سعود والشريف علي بن الحسين واتفاقية جدة 1927 بين الملك أيضاً وبين الإنجليز، دخلت جدة عصراً جديداً احتوت من خلاله نشأة الدولة السعودية الحديثة، حيث كانت مقراً شبه رسمي لها، ومنها رسخت العديد من الاتفاقيات والقرارات، وضمت أيضاً العديد من السفارات والإدارات الحكومية المركزية، كل هذا حثّ ملايين الأشخاص على الهجرة والاستقرار فيها خلال القرن الماضي.
كل هذا التاريخ في جعبة رجل ما، في بدايات السبعينيات الميلادية من تلك الحقبة ظهرت فجأة نحو السطح شخصية كانت غارقة في الغموض، تشع حولها رهبة جامحة، يستمد صاحبها كل ذلك من منصبه المرموق في مديرية الأمن العام في جدة، كان يدعى منصور عبد العزيز، يقارب الأربعين من العمر، أقرب إلى الطول منه إلى القصر، تكسوه ملامح رجولية لا تخلو من الوسامة، وبرونزية جسد مشدود جذّاب يبرز آثار مجهود سنيّ ماضيه، يتحدث بلغة محببة تميل إلى الحجازية أو المصرية ومقتطفات من لهجة أهل نجد، كان شديد العناية بنفسه متردداً على أرقى صالونات الحلاقة التي أخذت تنتشر في مظهرها الذي نراه اليوم. وعلى الرغم من ثقافة المجتمع الضحلة تلك الأيام وثقافة العسكريين بصفة خاصة إلا أنه أوجد لنفسه الحظوة في هذا المجال، من خلال اطّلاعه على العديد من مناهل الفكر الحجازي تلك الأيام وعما تصدره القاهرة خاصة وبيروت والعراق.
اتخذ منصور من البغدادية سكناً له، حين كانت أولى الضواحي التي تمردت على السور، حينما أسسها أول ساكنيها عائلة البغدادي، ثم تواصل الاتساع من عشرين بيتاً إلى مسافات تجاوزت ستة كيلومترات مربعة، انقسمت إلى قسم غربي يطل بسحره على بحيرة الأربعين وتمساحها الخطير، وهو الجزء الأروع والأحدث بقصوره وساحاته وكنائسه ومباني الحكومة التي لا تزال تشهد بأرستقراطية أيام مضت، وقسم شرقي سكنه العديد من شباب الأسر الغنية داخل السور فأوجدوا لهم مناخ حياة بعيداً عن عيون آبائهم وحديث أمهاتهم.
كانت البغدادية تعيش فلسفة ثقافية منفتحة إلى حد ما، ومثالاً جيداً لما يدور في خلد التيارات المتداخلة، من قوميين عرب وشيوعيين وإسلاميين متعنتين وإسلاميين متوسطيين وناصريين وبعثيين ومتحررين وعلمانيين وجماعات تؤيد الحكومة آنذاك وآخرين يعارضون وكثيرين يقفون على الحياد، تجدها في صالونات أغنياء البلد الجدد كل حسب توجهاته وميوله ومن خلال حديث العامة وصحف الشارع المحظورة وسجالات الكثير من الأدباء ومنهم أبناء البغدادية في صحف الدولة المراقبة.
كان لتبخّر الحلم العربي بالوحدة، ونكسة الجيوش العربية ثم نكسة شعوبها فيما بعد منذ العام 1967م الأثر الكبير في رسم أيديولوجيا الفكر العربي وبالتالي فكر الحجاز والسعودية في تلك الحقبة، كان وعلى الرغم من النشاط فتور وبكثير من الحماسة تجد الخنوع وانقلبت نشوة وحب الستينيات كرهاً في بداية السبعينيات الميلادية.
منصور أحد هؤلاء، يبدأ يومه في المديرية فيؤديه بصرامة ودقة وعنف أحياناً، وكأنه يرتدي قناعاً مغايراً لما يتفاعل داخله، وكان يعتقد أن بدائية المجتمع وجهله تريحه حينما تعرض عليه القضايا فتضحكه في تفاهتها وظرفها، فهذا يسبّ عبد الناصر والآخر يشتكيه، وهذا يريد سرقة سيارة جاره المتطفل ولكنه لا يعلم كيف يقودها فيبيعها ـ وبكل بساطة ـ من أحد البدو مقابل بقرة وقطعة سجاد شيرازي، وتبكيه في مأساتها حينما تطل عليه امرأة في هلع فطري مولولة عذاب زوجها لها، أو حين تكشف عن عصابة الاستعباد والرق للجاليات الإفريقية بعد تحريم الرق بقرار ملكي أصدره الملك سعود في عهده.
كانت ثورات الدول في العالم تروق للكثير حينها وتداعب عقولهم وعواطفهم، في آن واحد، مصر وليبيا والعراق وسوريا واليمن ولبنان والجزائر والمغرب ودول الاتحاد الروسي الاشتراكية وحركات التحرر المدني الأميركية ودول أميركا الجنوبية وحتى الصين ودول الشرق الأقصى تناولت مشروب الثورة بنكهات متعددة، ولكن بهدف واحد بلا شك، القليل منهم حقق جزءاً منه وهو تحقيق العدالة لكل أفراد الشعب، ولكن العدالة كمال والكمال لا يتحقق قطعاً ولكننا دوماً نفني حياتنا نحو تحقيقه.
منصور بعزوبيته الفريدة كان مثار إعجاب وميزة له، ملكة النحل تختار من الخلية من يروق لها، وهو كان كذلك، في فترة بسيطة من قدومه إلى جدة كوّن لنفسه علاقات مع الجنس الآخر من قمة الهرم الاجتماعي حتى بؤساء الشارع فارتبط اسمه في عصاري سيدات التجار المخملي وأمسياتهم وبنات مسؤولي الدولة الكبار وزوجات كثير من الموظفين سمعوا به أو رأوه وبنات الليل أجدن فيما بينهن قصص سهرات حمراء مفبركة وحقيقية معه.
بدأت الشائعات تحوم حوله، وهي تنشأ ولا تتوقف ولكنها تزداد شراهة، كلما ازداد الغموض، ومنصور بشخصيته غامض يميل إلى السكوت منه إلى الكلام. في أحد الأيام وبينما يهم منصور بمغادرة المديرية ليبدأ إجازة نهاية الأسبوع استأذنه مدير مكتبه بوجود شخص يريد مقابلته فتردد قليلاً ثم أمره أن يدخله:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
Page 4
وقف منصور مندهشاً: وعليكم السلام يا أهلاً ويا مرحبا أبو فيصل منورة جدة.
- منورة جدة بأهلها كيف حالك يا منصور؟
- بخير توقعت أنك نسيتني فالحياة تعذب من يحبها وأنا أكرهها ولكنني لا زلت أتعذب أليست تلك حكمتك؟
- ذاكرتك كما هي نشيطة ملهمة كما هي صورتك لم تتغير منذ عشر سنوات.
- هل ما زلت في أمن الرياض؟
- حسناً لقد تركت العمل العسكري منذ سنتين وبلا رجعة، فالعسكري يعمل أشياء يكرهها دائماً وأنا الحمد لله أحب الحياة كما كنت أردد فوجدت أن العسكرية تعارض حب الحياة وتوصلت أن أقدم استقالتي مشفوعة بأسباب طبية لتبرير قرار الاستقالة وها أنذا أمامك أعيش حياتي بكل ما فيها...
- قطع كلامه منصور: في أي وزارة التحقت إذاً؟
- وزارة العقارات هههههه.
- ها أسمع أن سوق العقارات بدأت تجتذب العديد من الناس من التجار والمغامرين.
- بيني وبينك أصدقك القول. البلد مقبل على طفرة أساسها العقارات ولسوف يأتي هذا اليوم قريباً.
- سوف أصدقك إذا أتيت معي للبيت لنتناول طعام الغداء سوياً.
- اعذرني يا صديقي فمواعيد أحم أحم! رجال الأعمال مثلي دقيقة ولكنني أعدك أن آتيك هذا المساء.
- حسناً أنا أسكن في البغدادية اسأل أي شخص هناك سيرشدك إلى بيتي.
- أي شخص! لما هل أصبحت مشهوراً إلى هذه الدرجة!؟
- إلى حد ما، فقط حاول الليلة وستعرف هذا بنفسك.
- حسناً إلى اللقاء.
- لا تتأخر إلى اللقاء.
وفي المساء، أعد منصور العدة للاحتفال بصديق العمر أبو فيصل، تحدث إلى زعرور العبد صاحب محل الأدوات الموسيقية وملك العود ليحيي تلك الأمسية، جاره السيد حسين جمجوم الثلاثيني الرحال وقد استغرب وجوده في جدة فهو دائم التنقل حول العالم على الرغم من تدهور تجارته التي يزعم هو توسعها، ابن العمدة مروان الذي كان شرهاً في أكله وشربه ونسائه وبذخ ملابسه وحديثه بدرجة مفرطة ومضحكة، وزميله الملازم تركي القادم للتو من الرياض، وما أن اقتربت الساعة من الثامنة مساءً حتى تكامل العقد، العديد من أصحاب منصور وقد تأهبوا لاستقبال صديقه، أملوا أن يخرجوا بنور يبدد ظلام منصور، ويعرفوا هذا الغريب المحبوب المرهوب في نفس الوقت، فقد تآلفت النفوس على الحذر معه والخوف منه، رغم تبسطه وتواضعه، ولكنهم يرون في ذلك تمسكن المسكين لا تواضع المسالمين.
اقترب أبو فيصل من إحدى وكالات الأقمشة سائلاً عن منزل منصور، نظر إليه البائع وقد أبدل ابتسامة التاجر المصطنعة بابتسامة ارتباك، يشير بالتفصيل وموضحاً له ما قد يجده في طريقه، همّ بالانصراف، يلتفت إليه في ريبة، انطلق أبو فيصل وقد أخذ الشك منه مأخذه، ينادي أحد الباعة المتجولين بجودة بضاعته بلهجة صنعانية قحة جذبت أبو فيصل لشراء بعض قطع صوفية منه ثم بادره بالسؤال عن منصور فرد عليه في براءة:
- صاحب البذلة!
- نعم أتعرفه؟
- ومن لا يعرفه الله يخلي الحكومة!
- ماذا تعرف عنه؟
- والله أعرف أنه رجل مثله مثلي ولكنه مخيف!
- لماذا؟
- الكل يحذر منه!
- أتعرف أين يسكن؟
- نعم هناك زقاق البحر اعبر من خلاله حتى تجد مسجداً كبيراً ثم تقدم باتجاه الشمال حتى تجد بيته منعزلاً يحيط به سور بلون أخضر.
وفعلاً كان البيت منعزلاً حديث البنيان، بدور واحد وقد أحاط به سور أخضر مغاير لعادة الجداويين في تبييض بيوتهم، بدا له أن أحداً يراقب خطواته كلما شارف على الوصول. أخذ يتلفت حوله ويتوقف بسرعة لعله يمنع شكوكه تلك التي اعتقد أنها ستنتهي بمجرد وصوله إلى باب صديقه، طرقه حتى انقطع الصوت والصدى في الحي، وكأن ساكنيه يراقبونه حتى سمع خطوات خلف الباب، يد أخرى تحرك ضبة الباب.

"الناس يخافون أن تظهر سوءاتهم.. لكنهم ببساطة يخرجون لمشاهدة سوءات غيرهم ويتلذذون بذلك المشهد".
عبده خال
Page 5
3

تقارب الساعة الرابعة فجراً في أحد شوارع جدة، (نيويورك العربية) لا تعرف النوم وإن أغلقت أسواقها ومراكز الترفيه. تتسلل من تحت الغطاء وتداعب آذان السهارى موسيقى صاخبة تارة وآسرة تارة أخرى، يصل شباب تلك المدينة ليلها بصباحها، ملحمة واحدة تروي لهم بطولات وتأوهات، مشاكل وصولات، ودعوات تشق عباب السماء رجاءً، ومشاهد تدمع عيون الملائكة أسى، وأحاديث تملأ الكون صدى، وأحلام تحرث بحرها ووعود تكتب شهادة ميلادها ثم تدفن نفسها. يفخرون أن نمط ليلهم يمضي هكذا، لا يرون للنوم ليلاً رهبته المعتادة، ولا يحمّلون سكون الليل وزر تخيلاتهم اللذيذة، ولا آهات صرخاتهم اليتيمة، حتى تستقبلهم جامعاتهم ومدارسهم ووجوه رؤسائهم في تلقائية، وقد بلغوا قمة نشاطهم في أولى ساعات صباحهم ثم لا يلبثون أن يسدلوا ستار النشاط الساعة 10 صباحاً وتبدأ المسرحية "قوم غسل وجهك". "إطلع يا زفت نام في بيت أمك لا تنام عندي". "يا كلب تعال اجلس قدامي تحت عيني". "شخص ما يبصق على آخر لأنه نائم في حضرة العلم والمعلم".
في الجامعة العتيقة الكبيرة الوحيدة تقريباً في جدة، كان بسام عبد المحسن العامر أحد الطلاب من أكبر العائلات في المنطقة، ينطلق بسيارته الفارهة كل صباح من أحد القصور في أحد الأحياء الفخمة في شمال المدينة، نحو الجامعة في الجنوب متخذاً الطريق الشرقي السريع سبيلاً للذهاب والعودة، كان يسلي نفسه بالذهاب للجامعة، فهو ينظر إلى الشهادة الجامعية رتوشاً لتجمل سمعته، لتحسن من مظهر رئيس مجلس الإدارة القادم، وأيضاً وسيلة عملية للوصول إلى أغراض أخرى، يخبئها تحت ابتساماته المتعددة والمثيرة.
بسام شاب في مقتبل العشرين، مثال جيد لأبناء أبناء الطفرة، والده عصامي بنى ثروته بعد قدومه من أميركا، مبتعث من قبل الحكومة السعودية في بداية الثمانينيات الميلادية، حاصلاً على الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا، ابتدأ حياته العملية في مجال العقود والاستشارات القانونية، تهيئة لآلاف الشركات المتلهفة لدخول السوق السعودية الشرهة البكر قانونياً؛ واستقطب العديد من المحامين العرب وافتتح العديد من مكاتب المحاماة في أنحاء السعودية، حتى ارتبط اسمه بالمهنة، وأصبح خلال سنوات قليلة من أكبر رجال الأعمال في هذا المجال؛ وأخذ يبحر بعلاقاته كالأخطبوط في مجال الماركات والوكالات من اتصالات وأغذية وتموين ومستلزمات الصناعة والطب وخبطات العقارات وحتى حقوق إصدار للعديد من المجلات العالمية بنسخ عربية، وامتد نشاطه مشاركاً في عدة مجالس إدارة لشركات أخرى وعشرات الجمعيات والمراكز.
تزوج عبد المحسن أثناء سنوات دراسته في أميركا بزميلة له في نفس جامعته تدعى كريستينا، بالرغم من معارضة أهلها وكذلك بالطبع أهله بعد ذلك لكن الزواج حصل، واستمر فأنجبت له بنتين وولداً هم على التوالي: سارة وجوري وبسام، ومضت بعد سنوات الحميمية الأولى سنوات المصالح بين الزوجين، هو بانشغاله بل انغماسه في توسعه المطرد، وهي في متابعة حوارات وموضات وسهرات سيدات الأعمال، وخصوصاً سلسلة مشاغل السيدات الراقية التي أطلقت عليها اسمها بعد إسلامها نسرين الجميلة.
قبل سنوات، وفي إحدى ليالي الخميس، توقفت سيارة فارهة انبعثت منها موسيقى غربية كلاسيكية، وجلس خلف المقود فتى في السادسة عشرة من عمره، أخذ يقلب ناظريه ويتلفت في يقظة نحو مرتادي الشارع المظلم المهجور، وكلما مضت الدقائق ازداد خفقان قلبه الصغير، وتراقصت يداه الصغيرتان كلما عبث بجهاز التسجيل، دقت الساعة معلنة دخول ليلة أخرى ويوم آخر وبدا له أن للأيام صراخاً كصراخنا حين مولدنا، وأخذ يفقد الأمل وترددت أفكار غريبة وأخرى لذيذة دفعته وهي الأقوى ليمرر يديه نحو عنقوده الصغير أيضاً، راودته نفسه بالرجوع من حيث أتى أدار محرك السيارة، جالت عيناه العسليتان في المكان مستطلعاً وتقدم قليلاً ثم انطلق.
ما أن بدأت خدمة الإنترنت تعلن عن نفسها في السعودية في منتصف التسعينيات حتى عدت للكثيرين ترفاً محضاً، فمن يجرؤ على دفع أسعار ساعاتها النارية التي تفوق 10 دولارات للساعة الواحدة، ولكن بتقادم الخدمة وانتشار التقنية تهاوت أسعارها، وازداد مرتادو المنتديات واستقطبت وبكثافة العديد من مرتادي الشارع المنغلق، فعُدّت متنفساً للبعض ومصدر ترفيه وانطلاق وإبداع وأشياء أخرى لكثيرين. كان اطلاعك على الشبكة مظهر حضارة وتقدم وحداثة، وأحياناً كفراً باعتبار أنه اختراع غربي قذر اخترعه المتآمرون لتدمير الأمة في أعز ما تملك وهم شبابها وفتياتها. كان الأغنياء أوائل المحتفلين بتلك التقنية فوفروها لأبنائهم بداعي المعرفة والاطلاع ودواعٍ مخفية للمباهاة والمجاراة. كانت المدارس مراكز تعلم، كما هو المعتاد ولكن لتعلم أروع المواقع وأكثرها إباحية. ثارت نفوس وتكشفت أغطية، وانفتحت عيون وبكت قلوب، وكانت أمواج تعلو وأمواج تتلاطم وتغير شواطئ طالما اعتادت الهدوء والدعة والانكسار.
كان بسام وسيماً، أو بمعايير أكثر دقة آية في الحسن، بجسده الأبيض النحيل وعينيه الرائعتين، كعيني أمه الأنجلوسكسونية. شعر يخامره لون أحمر داكن يشع كلما سلطت الأضواء، أو الشموع عليه، وأسنان صغيرة دائمة الإغراء، وشفاه رقيقة يزمها ليظهر غمازتيه اللتين أعلنتا يوسفية بسام، وملامح دقيقة تزداد رونقاً وجذباً كلما نضجت رجولة تنتظم في جمال صارخ نحو الأطراف.
في مدرسته أثار إعجاب العديد من معلميه وأقرانه ومستخدمي المدرسة، كان الأول في كل شيء برغبته أو بدوافع يجهلها، أو يتجاهلها في الحقيقة، كان يشعر بحرارة الأجساد خلفه، عند اقترابها منه في أماكن الازدحام سواء أوقات الحضور أو الإفطار أو الانصراف، وأي مناسبة أخرى تستغل للاقتراب من جسده.
Page 6
لا يعلم من كان وراء منهجية التعليم في تقدم الوسيمين من الطلاب الصفوف الأمامية في الفصول الدراسية وغيرهم (الشواكيش) في آخرها. كان معمل الحاسوب ثورة علمية حقيقة في مدرسة بسام، منه رأى الفحولة تشده من حيث لا يدري، انتشار الأشرطة الإباحية المثلية التي تصور حياة المثليين الهانئة، وقد احتضن بعضهم صديقه وتلاصقت الشفاه والأيادي والأرجل، وحتى ضحكاتهم من فرط السعادة واللذة، كان كل هذا يحرك نشوة الجنس في مواضع مختلفة من تلك الأجساد الصغيرة، لا يلحظها أحد باستثناء قدامى الطلاب أو المعلمين وحينها تحيك العناكب الشباك لفرائسها، حتى تقع وترتفع الرايات الحمراء، معلنة احتفال المدرسة بميلاد مثلي جديد في شوارعنا.
كانت أروقة المدرسة وبهوها وفصولها ومكاتب معلميها ومعاملها ومسرحها المغلق ذو الستائر الحمراء مسرحاً للروايات المثيرة المتداولة، لا تخلو من أفكار المراهقة الحالمة، يزداد اشتعالها بدلائل استجابة الأطراف الأضعف للأقوى بإشارات متعارف عليها وكلمات كانت دستوراً للمثليين في الرفض أو الإيجاب أو حتى الانتظار، تختلف باختلاف الجيل والمجتمع، ولكن الجميع متفقون على انتشار بروتوكولاتها في أوساط المراهقين، بعيداً - وبكل أمانة وموثوقية - عن الأسرة وحرصها ونظرتها وفلسفتها، وأشد بعداً عن رجال الدين طبعاً.
في السنة الأولى الجامعية طلب أحد الأساتذة مقالاً حراً يكتب فيه الطلاب ما تخبئه صدورهم وما أثار عقولهم بعيداً عن تقليديته المعتادة باختيار المقالات الجافة عن الصدق والأمانة والتاريخ والشجاعة ليشير أنه الأستاذ المساعد المتحضر المؤمن بشيء طارئ بدأ الاهتمام به يدعى الحوار، أمسك بسام قلمه وانزوى وبدأ يكتب وهو يتلفت، الموضوع سري إلى حد ما.
فن المثلية لعب في الممنوع، يشتهيه كثير من الأشخاص في السعودية، إما هواية أو احترافاً فالأحكام العامة والإسلامية تحرّم اللواط وتجرّمه وتستنكره ولا تستسيغ حدوثه، وأحياناً لا تتوقع حدوثه، ولكن أوهام الممنوع الخطير المهلك تنتشر انتشار النار في الهشيم، فلا يكاد يخرج من قصصه أحد شبان المدرسة أو الحي أو القرية ومراهقيهم وتندفع بهم فطرة الشهوة نحو بعضهم البعض، لتحرق تلك الطاقات ولتهدر الكثير من أفلام أحلام اليقظة المروية.
تتوعد الحكومة جميع هؤلاء بقوانينها بالقتل لارتكابهم فعلاً مشيناً، خالفوا فيه الفطرة وابتعدوا فيه عن طريق التفريغ الصحيحة عن طريق الزواج والزواج فقط، وتعلن بين الفينة والأخرى إقدام المدعو فلان على فعل الفاحشة المشينة بعلان، فيقتل الفاعل والمفعول فيه وتموت القضية، ولكن نيران الآخرين لا تخمد.
يصحب السائق الآسيوي بساماً وشقيقتيه كل صباح إلى المدرسة، ثم يبدأ رحلته المعتادة بالذهاب إلى إحدى الشقق المستأجرة من قبل أصدقائه، يعيش حياته قبل مجيئه إلى البلد، علاقات مع أشخاص يواعدهم كل مساء جمعة في أحد المجمعات الشهيرة وسط البلد. وإذا أراد أن يكسب اللقاء طعمه الخاص، لا يمنعه إلا الذهاب إلى بار الشقة حتى يغرق قلبه من نبيذ وطني، عرق الشعب، ليعيد له أجواء وطنه. اعتاد الأصدقاء تردد البعض وتغطية وجوههم بعمائمهم لحظة دخولهم الشقة، لا يبقى بعد دخولهم إحدى الغرف إلا غطاء الفراش، ليبرهن أن فلسفة الحياء لم تزل وتلك بعض آثارها تمضي ساعات وأياماً على ديدن السائق، حتى تتسع دائرة معارفه ويرى من خلال الشقة تضارب أفعال وأقوال، وتضاد ما يسمع وما يرى، وانكشاف الحقائق وسقوط أوراق التوت، يعم شره وتحتقر نظرة الخير في عينه.
أثناء المساء جلس السائق وحيداً في غرفته يسترجع تفاصيل ذكريات آخر فرسانه، استبد به الشبق وبلغت به الإثارة مبلغها وأخذ يطوف حول نفسه وحول الحمى، ويراودها للذهاب إلى الشقة فلن يلحظ أحد من الأسرة غيابه، غادر الغرفة وسار خلال حديقة القصر العامرة، فرأى بساماً يعوم في المسبح وقد لمع بياضاً وإشراقا وبلوغاً أيضاً، فهو يخطو للتو سنته الرابعة عشرة، بهرته جرأة شهوته، ولكنها طمأنينة عقله هي التي دفعته، إنه مجتمع يتشدق بالقيم في زمن الرذيلة. تسلل نحو المسبح مبتسماً ومتشجعاً ببراءة، انتهى الطفل الصغير من عبثه وفرحه، وامتدت يد السائق لتجفف بلل جسد بسام، وحينها بدأ الثعلب قصته الرائعة ناصحاً الحمل الوديع بالذهاب معه إلى غرفته، لمشاهدة التلفاز معاً، ولم يتردد فهذا جوزيف السائق الذي يوصل العائلة إلى أي مكان تريده، والأب لا يراه ولا يعرفه إلا أيام الجمعة.
فرحت العين الصغيرة بمشاهدة البرنامج الكرتوني، ولكنها اندهشت ببرنامج آخر تبعه يبتسم فيه الأبطال وقد تعروا تماماً، ثم ما لبث أن انفجر الطفل الصغير إثارةً، حين تسللت يد السائق نحو عنقوده الصغير.

"رفسة من فرس، تركت في جبيني شجاً، وعلّمت القلب أن يحترس".
أمل دنقل
Page 7
4

حدق الطبيب في وجه ذلك الخمسيني، أجواء صامتة قاتلة، يعد دقات ساعته وارد (صليب)، أهداها له العم مسعود حين عمل عنده قبل ثلاثين عاماً، وكأنها ملايين الأعوام، أعاد نظرة الأطباء التفحصية نحو أوراق أمامه، امتدت يده تحرث جبينه، بدأت نظرات ارتباك تنتشر في المكان، حاول ولكن بوضوح أن يدافع بابتسامة باهتة، ثم بدأ موسم الكلام، الكلام المؤثر، حيث يكون للحروف صدى، وللجمل قوة، وللأفكار معنى:
- عزيزي صالح لا أريد أن أخوفك وفي الوقت نفسه أريد أن أصارحك القول إن حالة مثل حالتك مستعصية، كما تشير التقارير المخبرية وفحوصات الأشعة المقطعية وصور الرنين المغناطيسي أن السرطان خبيث وهو في طوره الأخير نتج بالطبع عن ما كنت تعانيه من تليف كبدي، المثير في الموضوع أن نشوء الالتهاب المسبب للسرطان لم يستغرق سوى أقل من سنة كما تثبت تقارير المستشفى.
بدأ صالح في الغليان حتى أحس الكون بانفعالات جوفه، وشطط عقله ودهشة عينيه، انكسر أبو اليتيمة، لم يكن يعي حينها لغة الطبيب الذي استمر مسلسله الدرامي المبكي في حلقته الثانية:
- أخي صالح، أنت رجل مؤمن أريد إخبارك أن استفحال السرطان أدى إلى وصوله الآن إلى مراحل متأخرة فعلاً، متأخرة جداً، وإن كنت حسن الطالع فإنك ستعيش بضعة أيام أو أسابيع في أحسن الأحوال.
أخذ صالح يردد أناشيد أمه وصويحباتها في صباحات أيام طفولته وكأنه عاد طفلاً فاقداً أحاسيس الرجولة، حتى خفت روحه وذهبت ذكرياته كلما ازداد صوته ونشيجه، أعاد الأناشيد مرات ومرات نزل السهول، سقى البلاد، رعى الأغنام، اختلس بعض الفاكهة وهو ينشد في زهو، عبث المرض بالذاكرة، احتضن الطبيب وصرخ، وكأنه البركان "وأين أتركها ومن سيرعاها؟؟".
وأغمي عليه.
بعد ساعات من تلك الإغماءة، استيقظ صالح وقد تملكه الذهول للتو وكأن كابوساً لعيناً قد حل به، وخلف صداعاً اعتاد عليه في أيامه الأخيرة، أخبرته الممرضة بما حدث فازداد ذهولاً، حسناً فلقد كان كابوسه اللعين حقيقة مرة.
تطلعت نحوه ساعته الصليب وكأنها تقول:
- يا صاحبي والله إنك خير مثال لاسمك، أتذكرني حين تقلدتني قبل ثلاثين عاماً، كنت فتية أرمز للغنى والأرستقراطية، لا أخفيك كنت أكره عمك أو من كنت تعمل عنده، حينما أطل بوجهه المتجعد عليّ في أحد الأسواق ودخل المحل وأخذني معه، كنت أريد فتى مثلك يحنو عليّ حين يراني وأرى العالم وروداً معه، أتعلم أن أختاً لي قد اشتراها أميركي، كان ذات صيف يزور صديقته الأوروبية، ومنذ ذلك الوقت كنت أحسدها، كانت تغمض عينيها في حياء كلما تبادلوا القبل والأحضان، كم كنت آه آه، كنت فعلاً مراهقة تلك الأيام، ولكنك أذهلتني دوماً، كنت الفارس العربي الذي كنت أسمع عنه، كلما تراءت فكرة العرب في أذهاننا، فلا تترجل، وبربك أين بهجتك؟ هل تخاف الموت أيها الشجاع؟ أرجوك فأنت بطلي، عرفتني صبية وتمرّغت في جنان حياتك المثيرة المحبة، هل أطربك بأبيات شاعرك الأثير؟ أواه ومن يعرفه أيها الجنوبي الصعلوك غيرك أنت؟ احم احم!
في اليوم الذي أموت فيه
ستمر جنازتي
لكن لا تظن أن قلبي سيبقى على الأرض
فلا تبكي ولا تترحم عليّ "آه كم هو مريع"
ستقع في فخ الشيطان للأسف إنه مريع
لا تبكي على قبري قائلاً: "وآسفاه رحل"
فإنه لي زمن اللقاء البهيج
ولا تقل وداعاً حينما أوضع في القبر
فهو ستار للرحمة الأبدية
أنت رأيت النزول فانظر الآن إلى الصعود
هل الغروب خطير على الشمس والقمر
إنه يبدو لك غروب ولكنه شروق
والكفن سجن لكنه يعني الحرية
أي بذرة سقطت على الأرض ولم تنمو هناك؟
فلماذا تشك في القدر، أن الإنسان بذرة؟
وأي دلو أتى فلم يمتلئ من الحوض؟
فلماذا تخشى روح يوسف هذه البئر؟
أغلق فمك والآن افتحها في ذلك العالم
كي يغدو لتسبيحك صوت
من حيث لامكان.
Page 8
أعلم أنني زدتك أحزاناً فأنت رجل قدره الأحزان، اعتدت أن تنطلق أفراحك من قيعان آلامك، أن تقطف ثمار سعادتك من حقول كآبتك، انهض جاداً، هناك فتاة رقيقة كرقة أيامي في شبابك تنتظرك.
تقدم نحو مركز الاستقبال في ذلك المستشفى الحكومي العتيد منهياً إجراءات الخروج، خرج وكاد يسقط عدة مرات من شدة الإعياء، قهره المرض واستبد به السرطان، فقد أرطالاً من وزنه ولكن ذاكرته أثقلته كثيراً حتى طغت عليه، تارة يهذي رغماً عنه بأيام خلت، وتارة تتسلل الحروف دموعاً تسقي وجنتيه القاحلتين.
تهادى بخطوات واثقة في شارع المستشفى حتى تقدم نحوه أحد الأشخاص سائلاً:
- أتريد أن أقلك يا شيخ؟
- فرد بحزن: إلى أين؟ إلى بيتي؟ وماذا أقول لها؟
- إلى آخر العالم إذا أردت. وقد أحس أن البؤس رجل أمامه.
- إنني ذاهب إلى هناك لا محالة.
أمسك بيديه وقد كاد يسقط، فاندفع شخص آخر يساعدهما حتى انطلقا بالسيارة، وأخذ يهذي للغريب بقصص متداخلة كهذيان المجانين. تتقاذف اللاعنات، يتخلل الصمت خلال البوح، حتى اقترب من منزل أشار إليه في إحدى حارات جدة القديمة، مردداً عبارات الاستجداء لذلك الشهم بتشريفه، وردود الاعتذار، ينظر سائق التاكسي نحو الرجل، وإحساس بالدفء يجذبه، أراد أن يعرف قصة الرجل البائس، فهو يعيش بالقرب منه.
منزل شعبي يحوي ثلاث غرف، واحدة له وأخرى لابنته الوحيدة وثالثة لضيوفه وضيوفها، تكاد تسكن البساطة بيتهم، تشاركهم الجدران المتصدعة، تظهر في كل شيء من سجاد غرفة الضيوف التقليدي وجلسته العربية إلى بساطي النوم الأرضيين، والمطبخ الصغير ذو الأطعمة اللذيذة، وبيت الخلاء العربي، إلى بهو المنزل الذي يستقبلك ماتور (1) الماء فيه بصوته الشادي معلناً قرع طبول حرب المياه في المدينة.
تقدمت الفتاة بلهفة نحو أبيها:
- أبي أين كنت؟ لقد أعددت لك أكلتك ومفاجأة أخرى سوف تفرحك.
- الأب وقد بدأت أساريره بالانفراج: حسناً أخبريني بالمفاجأة لعلها تفرحنا قبل...
- سألته الفتاة: قبل ماذا؟
- قبل العشاء.
- حسناً لقد أخبرتني صديقتي أنني حصلت على مرتبة الشرف الأولى في الكلية وأخيراً انتهيت...
كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير، لم تقتله ولكنها جعلته يتألم، ظهر لألمه صوت وأنين صارخ، وكادت وجنتاه أن تسقى مجدداً، تدارك كل هذا، وبحديث الأبوة الطاغي حناناً في مواقف كهذه باركها، أمر الفتاة أن تعد الطعام حتى يستعد، ذهب إلى الحمام ثم أخذ كعادته في فرحه وغضبه يعيد مراجعة نفسه وترتيب أوراقه هناك، انتعش بالماء وبدفء الحمام قليلاً ثم خرج، أخذت العصفورة تغرد في دعة وقد بلغ بها الفرح مبلغه، ولِمَ لا وقد حققت هدفها وأمل الأب الذي انتظره منذ سنين بشهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من كلية البنات المحلية، وأرضت غرورها بمرتبة الشرف الأولى لتبرهن لصديقاتها فلسفتها التي ظلت تجادلهم في أحقية المجتهد وليس غيره بأفضل الأشياء، قصة قديمة في مدرستها جعلتها تبني فلسفتها تلك، الإنسان حياته طفولته.
كان الأب كل الدنيا لتلك الفتاة، لم تعرف سواه أحداً ولم تحدث رجالاً غيره، باستثناء سائق الباص المسن ومرات تكاد تنسى رجالاً آخرين لا تذكرهم أو تحاول جهدها أن تنساهم، بالرغم من وسطية الأب دينياً إلا أن حياء الفتاة طاغ على مناحي كثيرة من شخصيتها، هي وبالرغم من لطافة حديثها وطرافته وجاذبيته إلا أنها تنير خديها الحمراوين عندما تحرجها إحدى زميلاتها أو معلماتها، لا تحتمل أن تكون في مواجهة مع الآخر أياً كان، وإذا حصل فإنها تفترس عينيها فتنزف دموعاً تكسب وجهها الطاهر صفاء وبراءة. شخص واحد حل عقدة حبها أخيراً واستوطن بسلام في قلبها.
نورة متوسطة الجمال، شعر أسود فاحم ينسدل كالشلال طولاً وغزارة، ليشهدنا أن للبياض معنى، شفاه مكتنزة تزينها بأحمر الشفاه بخفة ليظهر ملامح الإبداع البسيط، عينان واسعتان مثيرتان أحاطتهما بكحل قد اندثرت عادة استخدامه بين الفتيات، ولكنها تقليدية الأب في تعليمها وسائل الزينة وهي صغيرة يتيمة، ولا تزال متمسكة بالكحل، نقرة تتوسط ذقنها الأملس، رسم الرب جسدها، طالما استحسن البروز تمرداً، وعندما يراد له التقلص فهو يتكور في انسيابية، يظهر عقدها اللؤلؤي الأبيض دائماً في حال الصمت أو الحديث، تبهر الأشياء حولها بابتسامتها الجذابة، تهتم بنفسها بقدر المستطاع، وكم كانت سعيدة عندما ذهبت مع إحدى صديقاتها إلى الكوافير لأول مرة للتأهب لزفافها، محل الكوافير الأشهر، (نسرين الجميلة)، كانت مثارة فعلاً، فهذه اللبنانية هي السيدة الأولى هناك، تتحدث بدون تكلف، عن أمور تعتبرها نورة مخلة، لا تستطيع أن تتخيل حدوثها، وإن كانت بين سيدات فقط، أخرى قد نزعت عن جسدها الممتلئ كل ما أثقله من ملابس وحلي، أخذت تحادث رجلاً بالهاتف في خبث، حتى انتهت العاملات الآسيويات من عمليات نزع شعرها، كانت ترى أن حياء تلك السيدة نزع مع شعرها، تذكرت حديث إحدى معلماتها، أن الفتاة التي تنزع ملابسها خارج منزلها ولأي سبب فهي داعرة فاجرة.
إنها النقود حسناً، لم تفتها لوحة الأسعار لتقلص الرتوش إلى حدود نقودها القليلة، اقتصرت الكوافير - وقد بدأت التأفف بعد محاولات لزيادة المبلغ - على الشعر وماكياج خفيف، فأموال الجميلات والقبيحات حولها تتساقط، وتزداد كلما أثارت اقتراحات الكوافيرات شغاف قلوبهن بذلك الشعار "دعنا نغيرك واستمتع بالحياة".
كان الأب معتاداً أن يحكي لابنته مواقفه اليومية في سرد تطرب له كل أذن، بأسلوب الحكواتي المندثر فيحول مقابلته مع صديق له إلى لقاء عظيم، وكأنه أثر في تكوين العلاقات الإنسانية، وشجار مر به في أحد الأزقة إلى حرب بسوسية أثارت غبار المدينة كاملة، وكثيراً ما أثرت تلك الحكايات في حياة الفتاة وطريقة تفكيرها، حتى أصبحت مرهفة لا تعرف لعراك الأيام مكاناً في عالمها الدافئ، أراد أن يخبرها الحياة في صورته هو، فالأيام لا تخبئ أحداً.
في تلك الليلة أنصتت الفتاة، ليبدأ الأب قصته حينها توقفت كلماته، تلعثمت حروفه وأخذ لسانه الثقيل يتحرك، دافعاً صراخ الآلام وذكرى الأيام ثم بدأ يروي القصة.

"الذكاء مشكلة.. والتفكير مرض".
ديستوفيسكي
Page 9
5

- تبدو لي مثقفاً!
- نظر إليه مصطفى بخبث: لماذا؟
- حديثك وأسلوبك ونظرتك للحياة وللأحياء كذلك.
- مشكلتنا أننا لا نحاول أن نفهم أن الثقافة أسلوب حياة، الثقافة تمارس ولا تدّعى.
- كل إناء بما فيه ينضح.
- أحياناً نستعير آنية الآخرين كما يستعيرها الفقراء في مناسباتهم.
- هل تكره الفقراء؟
- أكره الفقر.
مصطفى، رفيق المقهى مكتشف خالد، مصري الجنسية فلسطيني الأصل من عرب 48 من مدينة الناصرة الفلسطينية الشمالية، التي تعتبر مدينة مقدسة في الفكر اليهودي في قصص ارض الميعاد، وفي الإنجيل ببشارة الملاك جبرائيل للسيدة مريم العذراء بولادة عيسى المسيح. أخذت اسمها من نصارى المسيح الذين نصروه. وعلى الرغم من حملات العبرية في المنطقة إلا أن اسمها لم يزل ولم يتغير.
هو ابن أحمد تحسين الشيخ، أحد صاغة المدينة الأوائل وأحد أعيان المدينة القديمة، كان أيضاً من كبار سماسرة العقارات، يبذل جهده في إغواء أهل القرى الفقراء لشراء مزارعهم ومنازلهم الخربة بمبالغ مرتفعة جداً، كانت فلسطين البسطاء قد سمعت عن هؤلاء السماسرة، عن غبائهم في تسابقهم لشراء المزارع والأديرة وأراضي المشاع، يتفانى بعضهم في التفاوض أثناء البيع، وأي وطن باعوا، وأي ثمن قبضوا. شعر أحمد تحسين تغير اللهجة من الود إلى الاحتقار، ومن الرجاء إلى الأمر، أوجس في نفسه رعباً من العميل الألماني الذي يتردد لمقابلته بين حين وآخر، تارة يحدث نفسه بوجوب كسب ود هذا العميل الذي يكسبه أضعافاً في كل ما يبتاعه منه، وتارة يشعر أيضاً بغباء هذا الإفرنجي، فيا طيور الغباء غردي لحن فلسطين المتواكل وأشعلي نيران الحروب في العرب وحولهم.
بعد هذه الحادثة وبعد عدة سنوات انطلقت سفينة من بيروت، تحمل على ظهرها رجلاً في منتصف العقد الخامس من عمره، طربوش أحمر وأناقة مفرطة. اتجهت السفينة نحو مصر الملوك آنذاك، وما كادت تطأ قدماه أرض الإسكندرية حتى أخذ يحث السير نحو القاهرة وفتح محلاً للذهب هناك.
في العام 1948 أعلنت الدولة الإسرائيلية على ثراء السهول والجبال والشواطئ والمدن والقرى التي بيعت، لتكتمل بعدها فصول مسرحية الغباء الهزلية، غير التاريخ مجرى أحداثه وفجأة وجد العرب أنفسهم وحيدين، وقد جزأتهم الحدود لأول مرة في مواجهة حقيقية مع أصدقائهم الإنجليز والفرنسيين والروس والأميركان، وقد اقتسموا الكعك العثماني بعد الحرب العالمية الثانية، استبد بهم الجوع، بدأ اللعاب بالسيلان، مزق الخبز العربي، تصدرت المنطقة أخبار العالم وأثرت وتأثرت بسياساته بعد غياب تجاوز قروناً مضت في ظل دولة المماليك والدولة العثمانية ومنتدبي الأخيرة المستبدين في سنين الضعف والموت.
تزوج المصري أحمد بعد النكبة بعامين، طليقة أحد الأمراء، سكنا ضاحية الزمالك ومرت بهما سنون الخمسينيات العاصفة، من حسن حظ أحمد أنه يكره السياسة، فهي بزعمه تقتل من يعشقها وتعذب من يتعاطاها، السياسة تقتل حس التاجر. لم يكن يبجل الملك وحاشيته كما بجلها آخرون كثيرون، ولم يعبد فرقة 23 يوليو/تموز وعبد الناصر كما عبدها كثيرون، كان رجلاً بين الاهتمام واللامبالاه في نواحٍ كثيرة من حياته وعلاقاته، بعد ست سنوات أنجبا ناصرة نسبها هو إلى مسقط رأسه الذي أيقن أنه فقده وبكل أسى للأبد وهي إلى الزعيم عبد الناصر في سنين قمته وأنجبت مصطفى في بداية الستينيات.
بعد سنة من ولادة مصطفى اتهم والده بارتباطه بالحزب الشيوعي المحظور، كانت الوشاية من أشخاص دفعتهم غيرتهم من سطوع نجم هذا الفلسطيني الغريب الذي لم يتحمل عذابات المعتقل فعقره المرض بعد أيام من دخوله حتى مات حرقة وغيظاً.
- أحسن الله عزاءك، والبقية في حياتك.
- حياتك الباقية بعد أربعين سنة أتيت لتعزيني؟
- أيام العربي حزينة، يعشق المجد وينثره، ويشدو العز شعراً وهو غارق في وحول الذل والهوان.
- أحياناً تروقني أنفته وشكيمته فهي مدعاة للفخر بخصلة عربية جيدة.
- حسناً والرقص الشرقي؟
- بعد أن تطلع إليه مرتادو المقهى مستغرقاً في ضحك هستيري: هل جننت وما دخل ما نتحدث عنه والرقص الشرقي؟
- لا أدري فكرة طرأت فجأة، ولكن ألا يحق لنا. إننا مخترعو الرقص الشرقي الذي عجزت شقراوات الغرب عن تذليل خصورهن له، لتموج ودقة فتياتنا، فهو خصلة عربية أخرى نفخر أننا الأوائل فيها وسنظل كذلك.
- لا أدري إن كنت هازئاً أو جاداً ولكنني تذكرت حادثة أخبرتني بها والدتي في صغري.
Page 10
- تحدث فليلتنا طويلة.
- كانت محلات أبي العامرة قبل الثورة - وقد فقد كثيراً منها بعدها - تتشرف بأعيان القاهرة والمدن المجاورة لها لشراء بضاعة أبي الواصلة للتو من أرقى متاجر الصاغة والجواهر في لندن وجنيف وباريس. كان يستقبلهم أبي بلهجته الهجين، التي تميل إلى العربية الفصحى فيعتقدون أنه من الخواجات، عقدة الأجنبي، يقيناً أننا ما زلنا نفرط بثقتنا في تعاملنا مع الغربيين. في إحدى الأمسيات دخلت سيدة فصرخ أبي مرحباً ومهللاً. جلست تلك السيدة في صدر المحل وأخذ يعرض أمامها أروع ما يحويه محله ويتودد إليها بكبرياء ويقدم عروضه وكأنها هدايا حتى راقها عقد تتوسطه لؤلؤة صافية فأخذته وهمست عند خروجها مبتسمةً كهمس أحد عمال المحل في محادثته لأمي.
- أتعلم من تلك السيدة؟
- لا بالطبع لم أكن موجوداً حينها.
- تحية كاريوكا.
- آه! سمعت عنها.
الكل يعرف عنها جانبها المضيء كرائدة الرقص الشرقي في مصر ولكنها في جانبها المظلم السري سياسية بعضويتها في العديد من النخب الشيوعية وأشهرها تنظيم حدتو (2). كانت بشخصيتها الكاريزمية تجذب الناس حولها كالمغناطيس ومن ضمنهم أبي حتى أثرت بفكرها على حياديته وهذا ما كانت تعتقد أمي أنه السبب الرئيس لدخول أبي السجن.
عاش مصطفى يتيماً، وتربى في ظل زوج والدته، حتى كبر والتحق بجامعة القاهرة كلية الحقوق، وتخرج منها في منتصف الثمانينيات، حينها عمل هو وأربعة من زملائه بفتح مكتب للمحاماة. يشعر أن كل إنسان يأتيه هلوعاً حقيراً هو ناتج لفساد المجتمع، عقوق أفراده لأخلاقهم، خوفهم مما يمارسونه وما يمارس عليهم هو سبب تلك اللهفة وهذه الحقارة، فلسفته تتغير كل يوم في إيقاعية سريعة تواكب مناخ العالم المنطلق بسرعة، لا يهم، إلى القمة أو إلى الهاوية، مبادئ في حياته تغيرت، وأفكار جدية طرأت، وفي كل قضية جديدة كان يدخل إنسان ويخرج آخر.
بنى خلال سنوات عمله سمعة جيدة وثروة لا بأس بها، يتمتع بكاريزما تدفع كل من يتعامل معه إلى أن يثق فيه، والثقة مهمة في أعمال المحاماة. كان في بدايات عمله يبحث في قضايا الأغنياء وكبار التجار وموظفي الدولة الكبار، فهم لا يلتزمون بعقود الدفاع المالية بل تزداد بهم العلاقات والاحترام وبالمحصلة أتعابه كمحام مرموق.
- هل أنت متزوج؟
- كنت سابقاً، من إحدى قريبات أمي تزوجتها بعيد تخرجي من الجامعة.
- وأين هي الآن؟
- لا أعلم لقد افترقنا منذ وقت طويل، لا أريد أن أغير مزاجك بحديث المتزوجين ولكننا وصلنا كحال كثير من المطلقين، هي تريد وأنا لا أريد وهي تغار وأنا لا أهتم وهكذا.
- ولم تزل أعزب أم عاودت الكرة؟
- أصدقك القول، للحياة جمال أخاذ وأنت رجل مطلق، فالكل يشاركك حياتك في حنان ولكنها جحيم قاتل للمرأة لا أحد يشاركها إلا رغبة في امتلاك جسدها المتحرر من عقدة البكارة.
- هل تعادي المرأة؟
- هل أجيبك الإجابة الدبلوماسية الكريهة؟ حسناً المرأة هي الأم وهي الأخت والخالة والعمة والزوجة والحبيبة والدادة أم هاني. هاهاهاهاها...
تدهورت حياته الاجتماعية كضريبة وجب دفعها كمطلق مشهور في مجتمع شرقي تقليدي، سمعته تلك ومكانته الاجتماعية كمحام يقرب من محامي الصفوف الأولى في القاهرة تجذب نحوه الجنس الناعم بشدة، يرون فيه الرجل المناسب بكماله العمري نضجاً واستقراره المادي. كان يغرق نفسه في اجتهاد يتجاوز ما يتطلبه عمله خصوصاً بعد استقلاله بمكتب خاص به عن زملائه. يملأ القضايا بالحجج المسكتة والأدلة الدامغة التي كانت تعلن ميلادها كلما ازدادت حلكة الليالي واحمرار العيون وسواد القهوة. يسيطر عليه النوم في مكتبه لتوقظه السكرتيرة صباح اليوم التالي وقد توسد إحدى كنبات مكتبه. يجد في ذلك بعداً عن أفكار تساوره منذ انفصاله عن زوجته، يتخيلها كأحلام تراوده ووساوس أرهقته جيئة وذهاباً يرى فيها شيخاً برداء أبيض يتأمله تارة صامتاً أو مبتسماً وقليلاً من الضحك الساخر، أي مصير سيلقى، أراد أن يتمرد، جينات الأب المهاجر تظهر.

"كل شيء تفقده، تكسب شيئاً آخر مكانه، وكل شيء تكتسبه، تكون قد افتقدت شيئاً ما".
رالف امبرسون