Page 1
مقدّمةٌ
إذا ما انتشرت ثقافةُ الكذبِ وعمّتْ في مجتمعٍ فهي المقدّمةُ الأكيدةُ لبدءِ زوالِ حضارةِ المجتمعِ عن مسرحِ الوجودِ الفكريِّ الفاعلِ المؤثّرِ للبشريّةِ. للأسفِ الشديدِ يعيشُ العالَمُ حاليّاً عصراً فيهِ يفلحُ أهلُ الكذبِ أكثرَ بكثيرٍ مما لو كانوا صادقينَ مع أنفسِهم ومعَ الغيرِ. الكذبُ رذيلةٌ يجبُ العملُ على الحدِّ من تفاقمِها، بل والتخلّصِ منها ما أمكنَ. حاليّاً تجري الأعمالُ المتصلةُ برذيلةِ الكذبِ تحتَ أسماءَ وعناوينٍ برّاقةٍ في مجالِ الإعلامِ والتّسويقِ والتّنافسِ وبدافعِ الإمساكِ بزمامِ الأمورِ والمبادراتِ.
الطبيعةُ والحياةُ والزّمنُ جميعاً لا ينطلي عليها الكذبُ. لا بل إنَّ الطبيعةَ هي ألدُّ أعداءِ الكذبِ وهي الكاشفةُ الحقيقيّةُ لزيفِ الأمورِ وخداعِها. يبدأُ الكذبُ بأنْ يكونَ على النّفسِ وهذا أكثرُ أنواعِ الأعمالِ غباءَ، ثم ينتقلُ ليكونَ على الآخرينَ وذلكَ أكثرُ أنواعِ الأفعالِ جسارةً وعدوانيّةً وقبحاً. في النهايةِ تجتمعُ حصيلةُ الكذبِ على النّفسِ والآخرينَ لتودي بالأفرادِ والمجتمعاتِ والأممِ والحضاراتِ. بأيديها وأعمالِها وأفعالِها تذهبُ هذهِ الفئاتُ البشريّةُ إلى هاويةِ الاضمحلالِ والانقراضِ، غيرَ مأسوفٍ عليها وتُذكَرُ في كتبِ التّاريخِ والسّيرةِ على أنّها حلّتْ بها لعناتٌ مستحَقّةٌ.
كذبُ الجاهلِ قد يبرّرُهُ جهلُهُ، وكذبُ الفقيرِ قد يبرّرُهُ فقرُهُ وحاجتُهُ، وكذبُ الضعيفِ قد يبرّرُهُ ضعفُهُ وعوَزُهُ، وكذبُ المتخلّفِ عقليّاً وجسديّاً قد يبرّرُهُ تخلّفُهُ. في الطرفِ النقيضِ ما الذي يبرّرُ كذبَ المتعلّمِ والغنيِّ والقويِّ والقادرِ المتحكّمِ عقليّاً وجسديّاً؟!. من المفارقاتِ العصريّةِ أنَّ المتعلّمَ والغنيَّ والقويَّ والكاملَ عقليّاً يمارسونَ الكذبَ والتزويرَ والتلفيقَ والنّفاقَ أكثرَ من أضدادِهم من الجهلاءِ والفقراءِ والضعفاءِ والقاصرينَ عقليّاً وجسديّاً. اللهمَّ إلا من ثلّةٍ من البشرِ الصّالحينَ والأولياءِ والمرسَلينَ والمصلِحينَ والزّاهديَنَ والقانعينَ هنا أو هناكَ عبرَ التاريخِ إلا أنَّ جلَّ أفرادِ طبقاتِ المجتمعِ المختلفةِ يمارسونَ الكذبَ بحدّةٍ متفاوتةٍ وحسبَ الضّرورةِ وبناءاً على ما تقتضيهِ الحاجةُ.
الحالُ مع أعمالِ التّأليفِ والطّباعةِ والنّشرِ والتّوزيعِ والتسويقِ خاصّةً في البلدانِ النّاميةِ، وربّما النّاميةِ حصراً، هي امتدادٌ لدوّامةِ ثقافةِ الكذبِ التي تغرقُ فيها المجتمعاتُ المتخلّفةُ اجتماعيّاً واقتصاديّاً وتربويّاً وتعليميّاً وإداريّاً وتنظيميّاً. في ذلكَ يجبُ على المرءِ أنْ لا يغترَّ بأشكالِ وأقوالِ وتصرّفاتِ ووعودِ النّاشرينَ، التي في معظمِها جوفاءُ خرقاءُ وتعجُّ بالصّفاقةِ ونقصِ احترامِ ذكاءِ وحفظِ حقوقِ الغيرِ. على المرءِ الذي يتمتّعُ بالحدِّ الأدنى من الحكمةِ والعقلانيّةِ ومحاولةِ الحفاظِ على حقوقهِ وماءِ وجههِ أنْ يذهبَ إلى أبعدَ من ذلكَ، وبكثيرٍ على الأرجحِ!. على السلطةِ الرسميّةِ الرّشيدةِ أنْ تتدخّلَ بحزمٍ كافٍ في أمورِ الكتابةِ والطّباعةِ والنّشرِ والتوزيعِ والتسويقِ بشكلٍ يقلّلُ الآثارَ المشينةَ لثقافةِ الكذبِ المستشريةِ. بمعنىً آخرَ يجبُ على الحكومةِ فرضُ أمرٍ واقعٍ يستلزمُ وضعَ عقدِ اتفاقٍ بينَ الكاتبِ والنّاشرِ يخوضُ في كافّةِ التفاصيلِ الأساسيّةِ والفرعيّةِ العامّةِ والدّقيقةِ. عقدٌ "اجتماعيٌّ" يحفظُ حقوقَ كافّةِ الأطرافِ ويرحمُهم من أنفسِهم لأجلِ أنفسِهم، ولا يسمحُ لشياطينِ التفاصيلِ من السيطرةِ والتحكّمِ بالأوضاعِ؛ يكونُ ذلكَ منذُ الدّقيقةِ الأولى لتسليمِ المخطوطةِ للنّشرِ وحتى بيعِ آخرِ نسخةٍ من الإصداراتِ. ذلكَ أسوةً أو تأسّياً بما وصلت إليهِ الحالُ في دورِ النّشرِ في العالَمِ المتحضّرِ شمالاً وغرباً، لكنْ ليسَ شرقاً وجنوباً.
ككاتبٍ ومؤلِّفٍ حديثٍ في مجالِ الكتابةِ باللغةِ العربيّةِ عانيتُ الأمرّيْنِ على مدى أكثرَ من نصفِ عقدٍ من السّنينِ. لا يزالُ هذا الأمرُ يسيراً! مقارنةً مع غيرِيَ ممّن نموا وترعرعوا وقضوْا نحبَهم في الكتابةِ، إمّا فيها أو من الجوعِ والمرضِ لضعفِ المردودِ الماديِّ وتفاقمِ سوءِ الطّالعِ فيها. في هذهِ الأطروحةِ ودَدْتُ لو يستفيدُ الكتّابُ والنّاشرونَ والقرّاءُ والمسئولونَ وعامّةُ النّاسِ من هذهِ التجربةِ التي وإنْ وُضِعتْ على شكلِ روايةٍ قصصيّةٍ تجنّباً لإحراجِ البعضِ، أو الإحراجِ من البعضِ، إلا أنّها حقيقيّةٌ حتّى نخاعِ العظمِ. من المعروفِ أنّهُ في المجتمعاتِ العربيّةِ الحاليّةِ لا يرغبُ المسئولونَ برؤيةِ نصٍّ أدبيٍّ تحليليٍّ واقعيٍّ يضعُ النّقاطَ على الحروفِ ويسمّي الأمورَ والأسماءَ بمسمّياتِها. لذلكَ ينامُ اللصُّ أو الكذّابُ أو السّارقُ أو النصّابُ أو الملعونُ، كلٌّ قريرَ العينِ حينَ يرى أنَّ اسمَهُ وسمعتَهُ وشرفَهُ يحميها جميعاً جمعٌ عرمرمٌ من الجيشِ والشرطةِ والأمنِ السريِّ والعلنيِّ، والدّستورِ والقانونِ والعُرفِ الاجتماعيِّ فوقَ كلِّ هذا وذاكَ.
بتاتاً وأبداً وقَطعاً وعلى الإطلاقِ، لا أتمنّى لغيرِيَ الولوجَ في هكذا مصاعبَ ومتاعبَ وأهوالٍ وكوارثَ على الصحّةِ والأعصابِ والحياةِ الحسنةِ والمصيرِ في الدّنيا والآخرةِ. آملُ أنْ يتّسعَ صدرُ من تنطبقُ عليهِ هذهِ الأوصافُ المسرودةُ وأنْ يعملَ على إصلاحِ الأمورِ، من أجلِ نفسهِ أوّلاً وثانياً وثالثاً ... إلى ما قبلَ أخيراً. اللغةُ والثقافةُ والحضارةُ العربيّةُ والإسلاميّةُ بحاجةٍ ماسّةٍ من الجميعِ إلى وقفةٍ صادقةٍ مع النّفسِ والآخرينَ قبلَ أنْ يضيعَ زمامُ الأمورِ ويصبحَ غيرَ قابلٍ للاستردادِ، وعلى الإطلاقِ.
المؤلِّفُ
Page 2
تجارةُ الخزعبلاتِ
توجدُ في العالَمِ العربيِّ المعاصرِ العشراتُ من دورِ الطباعةِ والنشرِ والتوزيعِ وتتركّزُ في جلِّها في العواصمِ السياسيةِ والتجاريةِ. تتخصّصُ دورُ النشرِ العربيةُ في نشرِ وتوزيعِ مختلفِ منشوراتِ الموادِ من علميةٍ وأدبيةٍ وفنيةٍ وتجاريةٍ وزراعيةٍ وصناعيةٍ وتقنيةٍ وحاسوبٍ .... لكنَّ الموادَ الفكريةَ الأكثرَ تركيزاً عليها وبشكلٍ شبهِ مطلقٍ هي تلكَ الأدبيةُ. يعودُ ذلكَ إلى التخلّفِ المزمنِ الذي يصيبُ القدراتِ العلميةَ والصناعيةَ والتقنيةَ العربيةَ. حتى في المجالاتِ الأدبيةِ والفنيةِ هنالكَ جنوحٌ واضحٌ نحوَ الترجمةِ شبهِ الحرفيةِ عن مختلفِ اللغاتِ والثقافاتِ الأخرى، وإيلاجِها بطريقةٍ أو بأخرى في جسدِ اللغةِ والثقافةِ العربيةِ ومجتمعاتِها. بسببِ المعيقاتِ والقيودِ والمحدِّداتِ والحواجزِ والأسوارِ والموانعِ الموضوعةِ في دروبِ الكتّابِ والمؤلفينَ والناشرينَ العربِ أصبحَ من الأسهلِ والأسرعِ والأضمنِ والأكثرِ أمناً وأماناً اللجوءُ إلى مؤلَّفٍ أجنبيٍّ وترجمتُهُ حرفياً، مع بعضِ التصرفِ بما يناسبُ ظروفَ البلدِ والمجتمعِ العربيّيْنِ.
يضيفُ القرّاءُ العربُ عبئاً على كاهلِ المؤلِّفينَ والناشرينَ العربِ لقلةِ وتناقصِ أعدادِهم وضعفِهم في القراءةِ، وتبعاً لذلكَ في قوّتِهم الشرائيةِ. ذلكَ ما يجعلُ سوقَ الكتابِ العربيِّ يهبطُ أكثرَ باتجاهِ الحضيضِ ويجعلُ الناشرَ والمؤلّفَ العربيينِ لا ينفكّانِ يندبانِ حظيْهما في اختيارِ كلٍّ منهما مهنتَهُ وحياتَهُ معتمدتينِ على سوقِ الكتابِ العربيِّ. من جانبهِ القارئُ باللغةِ العربيةِ اليومَ يواجهُ معضلةً قديمةً جديدةً مؤسفةً ألا وهيَ فقدانُ الكتابِ العربيِّ المادةَ المفيدةَ أو الدسمةَ التي يودُّ القارئُ أو المتعلمُ الحصولَ عليها بأسرعِ الطرقِ وأقلِّها تكلفةً. يعودُ السببُ في تدني مستوى الكتابِ العربيِّ إلى توجّهِ أجهزةِ التربيةِ والتعليمِ في مؤسّساتِ العالمِ العربيِّ الأكاديميةِ والفنيةِ والتطبيقيةِ إلى اعتمادِ التدريسِ باللغاتِ الأخرى وتركِ اللغةِ العربيةِ تواجهُ مصيراً مجهولاً بل قاتماً وقاتلاً. الكاتبُ أو المؤلِّفُ العربيُّ كثيراً ما يلجأُ إلى التكرارِ المملِّ للأفكارِ واقتباسِ الأفكارِ الجديدةِ والاستحواذِ عليها كما لو كانَ هو السبّاقَ إليها؛ ذلكَ ما يمكنُ أنْ يُعرفَ بالسرقاتِ العلميةِ والفكريةِ والذهنيةِ التي تحصلُ بشكلٍ روتينيٍّ حتى باتت تبدو عاديّةَ الحدوثِ. باتَ السوقُ الفكريُّ العربيُّ في وضعٍ لا يحسدُ عليهِ داخلياً وخارجياً وأوجبَ ذلكَ القيامَ بحركةٍ أو عمليةٍ ثوريةٍ طويلةٍ مضنيةٍ لإنقاذِ الموقفِ قبلَ فواتِ كلِّ أوانٍ على اللغةِ والثقافةِ العربيتيْنِ وأنصارَيْهما. من الواجبِ أنْ تهدفَ العمليةُ الثوريةُ المتكاملةُ هذهِ إلى تحسينِ وضعِ الكاتبِ والكتابِ والناشرِ والقارئِ، كلُّها في النهايةِ تؤدّي إلى استرجاعِ الاعتبارِ للمادةِ الفكريّةِ والثقافيّةِ العربيّةِ المكتوبةِ أو المقروءةِ. يبدو الأمرُ من قبيلِ شبهِ المستحيلِ، بل المستحيلِ بعينهِ، في ظلِّ سيادةِ التخبّطِ والفوضى والتخلّفِ والفسادِ الإداريِّ والتعليميِّ والتنظيميِّ. هذا إضافةً إلى الهجمةِ الثقافيّةِ الخارجيّةِ الشرسةِ والغزوِ الفكريِّ الخارجيِّ المحدقِ الذي من الصعبِ أنْ ينجوَ منهما أحدٌ.
هنا نودُّ التركيزَ على أمرٍ أقلَّ اتساعاً وتفرعاً ألا وهي الحالةُ العامةُ السائدةُ لدى دورِ النشرِ العربيةِ وعن مساهمتِها في بثِّ الروحِ الأصيلةِ في الفكرِ والوعيِ والإبداعِ والعلمِ والفلسفةِ، وحتى التقنيةِ الحديثةِ، العربيِّ والعربيةِ لكلٍّ منها. كغيرِها من معضلاتِ الحياةِ العامةِ المزمنةِ في العالَمِ العربيِّ يبدو الأمرُ أقربَ إلى المهزلةِ أو العبثيةِ منهُ إلى النجاحِ في إنتاجِ ونشرِ فكرٍ خلاقٍ أو إبداعيٍّ أصيلٍ. يمكنُ تصويرُ الوضعِ العامِّ بالحرِجِ جداً لما يجري في بيئاتِ دورِ نشرِ الكتبِ الناطقةِ باللغةِ العربيةِ. في هذا الاتجاهِ يمكنُ ربطُ الأمورِ على شكلِ نقاطٍ بمجموعةٍ من الظروفِ والوقائعِ والحيثيّاتِ والشروطِ الميدانيةِ التي يجبُ على الكاتبِ أو المؤلِّفِ العربيِّ توخّيها أو حتى المرورُ بها قبلَ ولوجهِ في مسيرةِ التأليفِ الشاقةِ، والتي بدت للكثيرينَ ممن دخلوا فيها غايةً في الفشلِ والعبثيةِ العميقةِ. هذهِ الشروطُ والظروفُ الموضوعيةُ تحدثُ في جلِّها في سياقِ عمليةِ التأليفِ والكتابةِ والطباعةِ والنشرِ والتوزيعِ. في النهايةِ تهدفُ الرؤيةُ هذهِ إلى محاولةِ خلقِ بيئةٍ حيويةٍ مثمرةٍ ومريحةٍ لمكوناتِ السوقِ الفكريةِ الإنتاجيةِ ألا وهيَ الكاتبُ والناشرُ والقارئُ. هذهِ الشروطُ والظروفُ يمكنُ تلخيصُ قسمٍ منها على النحوِ التالي :
• يُفضَّلُ أنْ يكونَ المؤلِّفُ صغيرَ السنِّ مقبِلاً على الحياةِ والمستقبَلِ لإفساحِ المجالِ أمامَهُ أو أمامَها لاستيعابِ التجاربِ مع السوقِ أولاً بأولٍ والتغلبِ عليها بما تحتاجُ إليهِ من وقتٍ لا مفرَّ أنْ يكونَ طويلاً. ذلكَ شأنٌ عالَميٌّ لكنّهُ يأخذُ منحىً أكثرَ عمقاً وحساسيّةً في حالِ الدّولِ الناميةِ.
• أنْ يكونَ المؤلِّفُ، من ذكرٍ أو أنثىً، سليمَ القلبِ والجهازِ العصبيِّ قويَّ جهازِ المناعةِ ومستعداً للتضحيةِ بالكثيرِ مادياً ومعنوياً ونفسياً مقابلَ القليلِ من الريعِ والمردودِ الماديِّ والمعنويِّ. تلكَ مواصفاتٌ عادةً أو غالباً ما يتمتّعُ بها من هم في سنِّ الشبابِ أو في سنٍّ أقلَّ كثيراً من سنِّ اليأسِ في الإنتاجِ الفكريِّ والعقليِّ الإبداعيِّ. في هذا السياقِ الصحيِّ والطبيِّ يمكنُ اللجوءُ حتى إلى إجراءِ فحوصٍ وتجاربَ باستخدامِ جهازِ الطردِ المركزيِّ على الكتّابِ والمؤلِّفينَ، المخصّصِ للطيارينَ الحربيينَ وروّادِ الفضاءِ، يوضعُ فيهِ الكاتبُ أو المؤلِّفُ المرشّحُ لقياسِ قدرتهِ على البقاءِ طويلاً في ظروفٍ نفسيةٍ ومعنويةٍ قاسيةٍ.
Page 3
• بعدَ ولوجهِ في عمليةِ التأليفِ والإنتاجِ والتعاملِ مع سوقِ الكِتابِ من المستحسنِ أنْ يُجريَ الكاتبُ فحوصاً دوريةً لأجهزةِ البنكرياسِ المتحكِّمِ بإنتاجِ هرمونِ الأنسولينِ المسئولِ عن تنظيمِ مستوى السكّرِ في الدّمِ. إذا ما توفّرت لديهِ بعضُ الإيراداتِ الماليةِ! على الكاتبِ أنْ يفحصَ وبشكلٍ دوريٍّ مستوى الكولسترولِ وضغطِ الدمِ وهشاشةِ العظامِ ... إلخٌ إلخٌ إلخٌ. على الكاتبِ أنْ يتأكّدَ أنْ لا يأتيَ من جهةِ أيٍّ مما ذُكرَ أعلاهُ ما يمكنُ أنْ يتطوّرَ نحوَ الأسوأِ، ويحوّلَ حياتَهُ أو حياتَها إلى شبهِ جحيمٍ نفسيٍّ ومعنويٍّ وبدنيٍّ، بفعلِ الدخولِ في عمليةِ التأليفِ والإنتاجِ الفكريِّ التي تمتازُ برفعِ جلِّ مستوياتِ الأعراضِ والأمراضِ المذكورةِ أعلاهُ وغيرِها في جسدهِ.
• أن يكونَ الكاتبُ أو المؤلِّفُ ذا باعٍ طويلٍ في الصبرِ وطولِ البالِ والمكابدةِ والمعاناةِ، بشكلٍ خَلقيٍّ وراثيٍّ أو مكتسَبٍ إنْ أمكنَ لهُ ذلكَ. في ذلكَ يمكنُ لذلكَ الشخصِ أنْ يلجأَ إلى قراءةِ كتبِ سيرةِ الأنبياءِ والصالحينَ والمناضلينَ العنيدينَ، ومن الأنبياءِ مثلاً أيّوبُ ولوطُ نفسيهما عليهما السلامُ، ويحاولَ الاستفادةَ من منهاجِ حياتِهم كما وردَ في كتبِ السّيرةِ.
• أنْ يكونَ لدى الكاتبِ أو المؤلِّفِ مصدرٌ ماديٌّ أو ماليٌّ آخرَ وفيراً وشديدَ الاستقلاليةِ عن الفكرِ والكتابةِ والتأليفِ والتعاملِ مع دورِ النشرِ العربيةِ. معظمُ دورِ النشرِ العربيةِ تعاني ماليّاً إلى درجةِ الإفلاسِ غيرِ المعلَنِ وتشترطُ على المؤلِّفِ دفعَ مبلغٍ عالٍ عدّاً ونقداً مقابلَ الشروعِ في التعاملِ مع المخطوطاتِ المقدَّمةِ والمرشّحةِ للنّشرِ. وفرةُ المالِ لدى الكاتبِ تحفظُ لهُ كرامتَهُ وتقيهِ من شرِّ الوقوعِ في متاهاتِ انتظارِ الرزقِ من السوقِ الفكريِّ إذا ما يضطرُّ للبحثِ عن بديلٍ مشرِّفٍ لهُ ولأسرتهِ وعائلتهِ الكبيرةِ!، قد لا يجدُهُ بسهولةٍ. في العقدِ الأولِ من بدءِ كتابتهِ وقبولهِ في دورِ النشرِ على الكاتبِ أنْ لا يأملَ كثيراً حتى في لعقِ إصبعهِ الصغيرِ من ريعِ بيعِ مؤلَّفاتهِ، هذا مع التفاؤلِ المفرطِ. على المؤلِّفِ المتحمِّسِ أنْ يعيَ أنَّ هنالكَ كثيرينَ من الكتّابِ والمؤلِّفينَ ممن ماتوا جوعاً أو برداً أو حرّاً أو من الابتلاءِ بمرضٍ عُضالٍ بالقربِ من قارعاتِ الطرقِ؛ لم يتمكَّنْ هؤلاءِ من زيارةِ عيادةِ طبيبٍ قد تكونُ مجاورةً لهم في الحيِّ. في ذلكَ يمكنُ وضعُ اللومِ على الكاتبِ نفسهِ والناشرِ والقارئِ والمجتمعِ المحيطِ والمسئولينَ الحكوميينَ، واللهُ تعالى أعلمُ بالنسبةِ المئويةِ للّومِ والمسئوليّةِ المخصّصةِ لكلٍّ منهم. في السّياقِ المادّيِّ والماليِّ نفسهِ هنالكَ من الكتّابِ المحافظينَ عقائديّاً أصلاً من تخلّى عن مواقفهِ المحافِظةِ واضطرَّ للكتابةِ بشكلٍ إيجابيٍّ في شئونِ الدعارةِ مثلاً وجوازِ العملِ فيها والتعاملِ معها، وحتى بطريقةٍ أدبيةٍ جذابةٍ. عادةً ما يجري ذلكَ تحتَ وابلٍ من الضّغوطِ الماليّةِ والمعنويّةِ والنفسيّةِ طويلةِ الأجلِ وحينَ لا يجدُ هؤلاءِ الكتّابُ بُدّاً حتى من اللجوءِ إلى مجتمعاتٍ أخرى تُعتبرُ فيها الدعارةُ وجهاً مشروعاً للحياةِ وكسبِ الرزقِ.
• على الكاتبِ والناشرِ العربيّيْنِ أنْ يلتزِما بالخطوطِ العريضةِ والحمراءِ والقيودِ والحدودِ والمحدِّداتِ وأنْ لا يتعدّيانِها إلى الطرفِ الآخرِ، من الخطِّ المرسومِ، شديدِ الخطورةِ عليهما. ذلكَ يدخلُ في عدادِ الحفاظِ على الكاتبِ والناشرِ من الوقوعِِ في قبضاتِ رجالِ الأمنِ الأشاوسِ المختارينَ بعنايةٍ والمؤدّيةِ بعدَ القبضِ عليهما بسهولةٍ إلى السجنِ، أو التعرضِ لمضايقاتِ المجتمعِ والمحيطِ والبيئةِ البشريةِ العامّةِ؛ وربما يؤدي الأمرُ بأيٍّ منهما أو كليهما إلى اللجوءِ إلى بلدٍ آخرَ هرباً بجلدهِ وحياتهِ وماءِ وجههِ.
• أنْ لا يأملَ الكاتبُ كثيراً من دخولهِ سوقَ الكتبِ العربيةِ، وأنْ يضعَ في اعتبارهِ أنَّ ذهابَهُ إلى السوقِ الفكريِّ العربيِّ ليسَ نزهةً. حالُ الكاتبِ في الواقعِ كمن يدخلُ إلى غرفةِ عنايةٍ فائقةٍ لمريضٍ في حالةٍ شديدةِ الحرجِ. ربما يعودُ ذلكَ إلى القيودِ والشروطِ المفروضةِ على حريةِ الفكرِ والإبداعِ والنقدِ وإبداءِ الرأيِ الآخرِ خاصةً إذا ما كانَ معارضاً أو معاكساً. في جانبٍ آخرَ لا يقلُّ أهميّةً يعودُ اضمحلالُ سوقِ الكتابِ العربيِّ إلى تلاهي المسئولينَ وروّادِ المجتمعِ بزخرفةِ حياتِهم وبيوتِهم بالمنتجاتِ المستورَدةِ الماديةِ والفكريةِ والمعنويةِ. أقلُّ من 0،1%ِ (عُشرٍ بالمائةِ) من تعدادِ أهلِ المجتمعِ العربيِّ قارئونَ جيدونَ أو حتى مهتمّونَ بقراءةِ الكتبِ العربيةِ في الوقتِ المعاصرِ. في الشارعِ العربيِّ العريضِ من الندرةِ بمكانٍ حتى أنْ تجدَ شخصاً يعرفُ كاتباً أو مؤلِّفاً عريقاً حديثاً أو معاصراً مثل "توفيق الحكيم" و"نجيب محفوظ" وغيرِهم قد قرأَ لهؤلاءِ بعضاً من مؤلَّفاتِهم الكثيرةِ. في أغلبِ الأحيانِ أتتْ معرفةُ المؤلِّفِ أو الكاتبِ عن طريقِ وسيلةٍ إعلاميةٍ أو من معلِّمِ المدرسةِ. ذلكَ ما يفسِّرُ حدوثَ اختراقاتٍ يائسةٍ أو حتى انتحاريةٍ بين الفينةِ والأخرى من بعضِ الكتّابِ للمحدِّداتِ الفكريةِ التقليديةِ والدخولِ في متاهاتِ التعارضِ مع الفكرِ الأيديولوجيِّ (الفكرولوجيِّ) والسياسيِّ، واستفهامِ المعتقداتِ السائدةِ بشكلٍ نشازٍ واستفزازيٍّ للبعضِ. يضطرُّ هؤلاءِ الكتّابُ إلى الاقتداءِ بِـ"سلمان رشدي" مثلاً لجلبِ انتباهِ القرّاءِ والجماهيرِ لهم عنوةً وعن سبقِ إصرارٍ.
Page 4
• بسببِ تعسِ حالةِ المتعلّمينَ والمثقّفينَ والقارئينَ العربِ وتلاهيهم وإهمالِهم للغتِهم وثقافتِهم وتوانيهم عن تنميةِ وتشجيعِ الفكرِ الإبداعيِّ العربيِّ باتَ على الكاتبِ الجديدِ في المجتمعِ العربيِّ أنْ يتوخّى كتابةَ النصوصِ الأدبيةِ بشكلٍ قصيرٍ وبإيجازٍ شديدٍ قدْرَ الاستطاعةِ. لم تعدْ لدى الناشرِ والقارئِ العربيّينِ القدرةُ على التحمّلِ والصبرِ لقراءةِ مادّةٍ طويلةٍ مكتوبةٍ بلغةِ الضّادِ. تبعاً لذلكَ انجرفتْ جموعُ القارئينَ والمبدعينَ والفنانينَ العربُ بالاتجاهِ في التعاملِ مع أمورِ الحياةِ إلى اللغاتِ وطرقِ الحياةِ الأجنبيةِ لأنَّها في نظرِهم أقربُ إلى الترفِ والاسترخاءِ الفكريِّ والسهولةِ في تلقّي نواتجِ الإبداعِ العلميِّ والأدبيِّ والفنيِّ والتقنيِّ العالميِّ. لم تتطوّرْ كتبُ المكتبةِ العربيةِ في الفكرِ والإبداعِ كثيراً عن مستوى الرازيِّ والخوارزميِّ والفارابيِّ والكِنْديِّ وابنِ المقفعِ والجاحظِ وأبي العلاءِ المعريِّ وغيرِهم الذينَ ظهروا ولمعوا قبلَ مئاتِ السنينِ. ذلكَ مقارنةً مع المكتبةِ الأجنبيةِ التي نقلت المؤلَّفاتُ فيها مسرحَ الحياةِ العامّةِ والخيالِ الفكريِّ بسهولةٍ ومنطقيةٍ وحتى واقعيةٍ إلى كواكبَ وأقمارٍ بل ومجرّاتٍ وأبراجٍ فلكيةٍ أخرى.
• على الكاتبِ أنْ يتوقعَ أيَّ شيءٍ سلبيٍّ من جانبِ دورِ النشرِ، مثلاً من جهةِ الردِّ البطيءِ أو التجاهلِ الكاملِ كما لو لم يكنْ هنالكَ كاتبٌ أعطى دارَ النشرِ ثمرةَ جهودِ سنينٍ طويلةٍ من عمرهِ وعملهِ وسهرهِ الليالي. بعدَ شهورٍ بل سنينٍ من الانتظارِ يغدو الأمرُ عاديّاً في أنْ لا يتلقّى الكاتبُ جواباً صريحاً ولو خجولاً بعضَ الشيءِ بشأنِ مخطوطةٍ قدّمَها للناشرِ في سبيلِ نشرِها. من غيرِ المستبعدِ على الإطلاقِ أنْ تكونَ اللجنةُ الموكّلةُ بالبتِّ في أمرِ نشرِ المخطوطةِ المقدَّمةِ، وغالباً ما تتكونُ اللجنةُ من الناشرِ صاحبِ الدارِ نفسهِ، لم تفتحْ غلافَ المخطوطةِ ولم ترَ الصفحةَ الأولى أو حتى المقدِّمةَ أو العنوانَ. في العالَمِ العربيِّ الحديثِ كثيرةٌ هي الأمورُ العبثيةُ وما الطباعةُ والنشرُ والتوزيعُ وتقاسمُ الريعِ إلا جزءُ عاديُّ منها. في ذلكَ تقعُ جلُّ المسئوليةِ على إدارةِ دارِ النشرِ التي غالباً ما توصفُ بالموقّرةِ الغرّاءِ في المراسلاتِ. لم يتوصلْ الناشرُ العربيُّ بعدُ إلى فكرةٍ مفادُها أنَّ وقتَ المؤلِّفِ ليسَ مُلكاً لهُ ولا تَحِقُّ لهُ إضاعةُ أو هدرُ أو التصرّفُ بدقيقةٍ إضافيةٍ واحدةٍ منهُ؛ هذا إذا ما أردنا تجنّبَ الحديثِ عن أسابيعَ وشهورٍ وسنينٍ من الانتظارِ اللا-مجدي لردٍّ من دارِ نشرٍ قد تبدو مرموقةً في نظرِ البعضِ أو حتّى الكثيرينَ. هنالكَ من المؤلِّفينَ من قضوْا نحبَهم وهم في انتظارِ ردٍّ من دارِ نشرٍ عربيةٍ بشأنِ مؤلَّفٍ وقعَ بأيدي "لجانِها" المقرِّرةِ أو الرافضةِ لنشرِ الكتابِ.
• إذا ما نجحَ كاتبٌ عربيٌّ في نشرِ مادّةٍ فكريةٍ في بلدهِ على شكلِ كتابٍ مطبوعٍ عليهِ أنْ يصنعَ لكتابهِ أجنحةً خفيّةً تكتنفُ الكتابَ وتحملُهُ وتمكّنُهُ من التسلّلِ إلى دورِ بيعِ كتبٍ أو المكتباتِ العامةِ في الدولِ العربيةِ الأخرى. ما يُسمحُ بنشرهِ وتداولهِ في دولةٍ عربيةٍ على الأرجحِ أنْ لا يكونَ الأمرَ ذاتَهُ في دولةٍ عربيةٍ أخرى مهما تكنْ الأخيرةُ قريبةً جغرافيّاً وفكريّاً وتاريخيّاً وحتى في نمطِ نظامِ حكمِها السياسيِّ. جلُّ الأنظمةِ السياسيةِ والمجتمعاتِ العربيةِ، لكن ليس على حدٍّ سواءَ، لا تزالُ تخشى ما قد يكونُ وُضِعَ بينَ جلدتيْنِ على شكلِ كتابٍ مطبوعٍ يمكنُ اقتناؤُهُ أو تداولُهُ بسهولةٍ. قد يكونُ ما في ذلكَ الكتابِ شرارةً تودي بالنظامِ السياسيِّ أو ببعضِ معتقداتِ وأركانِ كينونةِ ذلكَ المجتمعِ. بسببِ ذلكَ تكثرُ في المكتباتِ والمعارضِ الدوريةِ العربيةِ للكتابِ نفسُ الكتبِ المتداولةِ أو المؤلَّفةِ منذُ عشراتِ ومئاتِ السنينِ. تلكَ الكتبُ قد تمَّ التأكّدُ بأنَّ مفعولَها باتَ مثلَ مفعولِ الغازِ الخاملِ، لا تضرُّ ولا تنفعُ!.
• أنْ لا يفاجَأَ كاتبٌ في دارِ نشرٍ إذا ما رأى مديرَ الدّارِ أو صاحبَها يطلُّ على الجماهيرِ عبرَ وسيلةٍ إعلاميةٍ مرموقةٍ أو في مدوَّنةٍ في شبكةِ الإنترنتْ يخبرُ المشاهدينَ والسامعينَ لتلكَ الوسيلةِ الإعلاميّةِ أنَّ دارَ نشرهِ بلغتْ مرحلةً متقدمةً. يزعمُ ذلكَ الناشرُ أنهُ قد تمَّ لهُ ذلكَ بفضلِ جهودهِ ومثابرتهِ وحنكتهِ وصبرهِ وتعبِ أفرادِ أسرتهِ وسهرِهم على سيرِ الأمورِ وتقدّمِها، وليسَ بسببِ ضحكهِ المتواصلِ على لحى وذقونِ من لجأَ للنشرِ في دارهِ للنشرِ طوعاً أو كرهاً. لا يتردّدُ ذلكَ الناشرُ من تقديمِ نفسهِ كعرّابٍ أو أبٍ إلهيٍّ نزيهٍ في علاقتهِ مع الكاتبِ والقارئِ والمجتمعِ عموماً. ينسى أو يتناسى الناشرُ أنهُ قدْ تمَّ لهُ ذلكَ التقدّمُ المزعومُ أو الحقيقيُّ بفضلِ جهودِ وعرقِ ودماءِ وآهاتِ وويلاتِ عشراتِ الكتّابِ والمؤلِّفينَ الذين أضاعوا حياتَهم في سبيلِ الوصولِ إلى مجتمعِ القرّاءِ عن طريقِ دارِ نشرهِ ولو في آخرِ يومٍ من أعمارِهم.
Page 5
• في السياقِ ذاتهِ المذكورِ في البندِ السابقِ أو الأخيرِ على المؤلِّفِ أو الكاتبِ الذي يعاني الأمرّينِ في إبداعهِ أنْ لا يفاجأَ عندَما يرى صورةً لناشرٍ فيها يطلُّ على البشرِ بملابسِ النومِ من خلالِ إحدى النوافذِ أو الشرفاتِ من شبهِ قصرٍ أو "فيللا" كبيرةٍ يأوي إليها. غالباً ما يحتسي الناشرُ فنجانَ قهوةٍ أو قدَحاً من الشايِ أو الشوكولاته الساخنةِ من يدِ خادمةٍ لديهِ أو حتى من يدِ زوجتهِ مذكّراً بعهودِ البرجوازيةِ الكلاسيكيةِ القديمةِ البائدةِ. على الكاتبِ صاحبِ الأمعاءِ الخاليةِ والخاويةِ أنْ لا يُفاجأَ حينَ يعلمُ أنَّ لدى أولادِ الناشرِ وبناتهِ أسطولاً أو رتلاً معتبَراً من سياراتِ المرسيدسِ واللاند-كروزرِ والبي إم دبليو تنطلقُ من مرآبِ سياراتهِ الكبيرِ الخاصِّ. تقومُ على العنايةِ برتلِ السياراتِ أعلاهُ مجموعةٌ من الخدمِ والحشمِ وملحقاتِ هذا وذاكَ. هذا في الوقتِ الذي لا ينفكُّ الناشرُ يندبُ حظَّهُ مع الكتّابِ والقرّاءِ والسوقِ الضعيفِ والمسئولينَ الذينَ لم يقدّروهُ حقَّ قدرهِ؛ حتى لو كانَ ذلكَ الناشرُ للتوِّ حاصلاً على جائزةِ ترضيةٍ أو مكافأةٍ تشجيعيّةٍ سخيّةٍ من أحدِ المسئولينَ الباحثينَ عن الأضواءِ الرخيصةِ المسلّطةِ عليهِ أثناءَ تسليمهِ لتلكَ الجائزةِ.
• بسببِ طبيعةِ المجتمعِ العربيِّ المحافظةِ وذاتِ العقليةِ التي تميلُ إلى التقوقعِ القبليِّ والحزبيِّ والاجتماعيِّ وتكوينِ المافياتِ والعصاباتِ ومراكزِ القوى النفعيّةِ المصلحيّةِ الضيّقةِ فإنَّ كثيراً من دورِ النشرِ واتحاداتِ الكتّابِ والأدباءِ العربيةِ أصبحتْ مثل شركاتٍ محدودةٍ تخصُّ فئةً معينّةً من البشرِ. أصبحتْ تلكَ المؤسساتُ محدودةً بعددِ أفرادِها والصبغةِ التي تسيطرُ عليها وطبيعةِ وعددِ الكاتبينَ والمؤلِّفينَ الذينَ يمكنُ قبولُهم فيها. هنالكَ الكثيرةُ من دورِ النشرِ العربيةِ من باتتْ رهينةً مرهونةً بأيدي حفنةٍ من المنتفعينَ بها ويأتيهم رزقُهم عن طريقِ مؤسّسةٍ ملتزمةٍ أو شخصيةٍ سياسيةٍ أو إداريةٍ أو ماليةٍ أو اجتماعيةٍ أو قبليةٍ مرموقةٍ. شأنُ هؤلاءِ في ذلك شأنُ عبدٍ، أو قابلٍ للاستعبادِ، أو مستجيرٍ دخلَ بيتَ سيدٍ حرٍّ كبيرٍ كريمٍ فهو أيْ الدّاخلُ المستجيرُ يشعرُ بالأمنِ الماليِّ والغذائيِّ والوظيفيِّ والمعنويِّ والنفسيِّ طالَما بقيَ في كنفِ تلكَ الشخصيةِ الحرةِ المرموقةِ الكريمةِ. على مثلِ تلكَ المؤسّساتِ تمكنُ قراءةُ الفاتحةِ أو يجوزُ إسداءُ السلامِ النهائيِّ الأخيرِ.
• في العالَمِ العربيِّ الآنَ وربّما بدأتْ منذُ وقتٍ لا بأسَ بقِدَمهِ هنالكَ دورُ النّشرِ المسيَّسةُ أو الملتزمةُ باتجاهاتٍ فكرولوجيّةٍ وسياسيّةٍ معيّنةٍ. الالتزامُ هنا يميلُ إلى أو يعتمدُ على الدينِ والطائفةِ والمذهبِ والعرقِ والشوفينيّةِ (التعصّبُ الإقليميُّ الوطنيُّ) وبدرجةٍ أقلَّ القبليّةِ!. على الكاتبِ المغفّلِ أو الغافلِ أو المستغفَلِ أنْ لا يفاجأَ بدارِ نشرٍ تعاملُهُ بشكلٍ يثيرُ الشّعورَ بالغرابةِ والاستغرابِ دونَ أسبابٍ أو حتّى مبرّراتٍ وجيهةٍ واضحةٍ. على ذلكَ الكاتبِ أنْ لا يُفاجأَ برائحةِ "سمكةٍ عفنةٍ!" تطلُّ عليهِ من جوانبِ وزوايا بعضِ دورِ النّشرِ القديمةِ والحديثةِ هذهِ. هنالكَ دافعٌ أو حافزٌ غيرُ مُعلَنٍ في نفوسِ مالكي وأصحابِ دورِ النّشرِ والأطقمِ العاملةِ الملحقَةِ بهم. لا غرابةَ في سكرتيرِ أو سكرتيرةِ دارِ نشرٍ أو مبيعاتٍ إذا ما تصرّفا بشكلٍ لا يليقُ بالأدبِ الاجتماعيِّ الرفيعِ والذّوقِ الشخصيِّ العالي. أغلبُ الظنِّ أنَّ هؤلاءِ يريدونَ إخبارَ الكاتبِ بالاختفاءِ عن ناظرِ دارِ النّشرِ أو كما يقولُ التعبيرُ العامّيُّ البائسُ "يريدونَ أنْ يحلئولو (يحلقوا لهُ) على النّاشفِ".
Page 6
لضيقِ الوقتِ والمكانِ وضعفِ القدراتِ لا يمكنُ الدخولُ في شياطينِ تفاصيلِ شئونِ دورِ الطباعةِ والنشرِ والتوزيعِ العربيةِ؛ لكلِّ أمرٍ أو قضيّةٍ أو حتى دوّامةٍ في هذا الشأنِ تفاصيلُهُ أو تفاصيلُها الخاصةُ واللهُ تعالى أعلمُ بالخفايا والأسرارِ الجيّدةِ الطيّبةِ والخبيثةِ. لكنّنا نقولُ أخيراً في هذهِ الأطروحةِ الناقدةِ الناقمةِ أنَّ حالةً بائسةً كالموصوفةِ هنا حولَ الكتابةِ والتأليفِ والطباعةِ والنشرِ والتوزيعِ لم تحرّكْ ساكناً واحداً لدى المسئولينَ الموكّلينَ القيّمينَ والقوّامينَ لفعلِ أيِّ شيءِ بالخيرِ يُذكَرُ لترتيبِ وتنظيمِ الأمورِ وتصحيحِ المواقفِ. حتى التسعيرةُ الثابتةُ الواضحةُ على الكتبِ والمطبوعاتِ والتي من شأنِها أنْ تعطيَ الكتابَ بعضَ قدْرهِ على الأقلِّ وتحافظَ على "كرامتهِ ومؤلِّفهِ" لم تجدْ طريقَها بعدُ إلى سوقِ بيعِ وتداولِ الكتابِ العربيِّ، أسوةً بنظيرهِ الغربيِّ أو حتى الشرقيِّ الحديثِ. لا يزالُ الكتابُ العربيُّ يتلوّى ويتمرّغُ بغلافٍ ممسوخٍ بلا ثمنٍ محدّدٍ في ترابِ ورمالِ وأوحالِ شوارعِ المدنِ العربيةِ في مواجهةٍ يوميةٍ مع أشعةِ الشمسِ وحرارةِ ورطوبةِ الأجواءِ؛ من شأنِ الأخيرةِ أيْ العواملِ الجويةِ والبيئيةِ أنْ تفقدَهُ بريقَهُ ولمعانَهُ وقوّةَ جاذبيتهِ خلالَ بضعِ ساعاتٍ من ظهورهِ عليها.
المسئولونَ عن تطويرِ الثقافةِ والمطبوعاتِ والكتبِ واللغةِ العربيّةِ لا يستطيعونَ أنْ يخصّصوا جزءاً يسيراً من وقتِهم لتنظيمِ أمورِ الطباعةِ والنشرِ والتوزيعِ وحفظِ حقوقِ وماءِ وجهِ وكرامةِ وسلاسةِ حياةِ جميعِ أطرافِ الكتابةِ والنشرِ في العالَمِ العربيِّ. على الحريصينَ على تلكَ الحقوقِ أنْ يدرسوا الموضوعَ من الألفِ إلى الياءِ وأنْ يستفيدوا من القوانينِ السائدةِ في الدولِ والمجتمعاتِ المتقدّمةِ عليهم، في الغربِ وبعضِ الشرقِ. ذلكَ ما يحفظُ القارئَ من نزواتِ الكتّابِ والناشرينَ ويحفظُ حقوقَ الكاتبِ عندَ الناشرِ وحقوقَ الناشرِ عندَ الكاتبِ، وأخيراً حقوقَ الناشرِ والكاتبِ عندَ القارئِ المستهلِكِ. ذلكَ بدلَ الاستمرارِ في حالةِ الفوضى والعبثيةِ والاعتمادِ على ما يُعرفُ بالضميرِ وحلفِ الأيْمانِ التي تصبحُ جميعاً رخيصةً عندَ أوّلِ بريقٍ للعملةِ النقديةِ المستعمَلةِ.
ما سبقَ أعلاهُ أربعةَ عشرةَ نقطةً وحيثيّةً وشرطاً من شروطٍ أخرى قد تكونُ الأخيرةُ غيرُ المذكورةِ أكثرَ شؤماً وفداحةً في شئونِ التفكيرِ والطباعةِ والنشرِ والتوزيعِ العربيةِ. تلكَ النقاطُ وغيرُها قد تؤدّي بالكاتبِ والمفكّرِ والقارئِ وأخيراً وليس آخراً بالناشرِ العربيِّ أنْ يعضّوا بنواجذِهم بشدّةٍ على أصابعِهم عشراتِ المرّاتِ يومياً. العضُّ الشديدُ بالنواجذِ على الأطرافِ هنا يكونُ على ذلكَ الحظِّ العاثرِ الذي أدّى بهم إلى الوقوعِ في براثنِ الفكرِ المنتجِ والطباعةِ ومحاولةِ التوزيعِ والنشرِ والتسويقِ!، إذا ما يصحُّ التعبيرُ بعدَ أنْ أضحى ذلكَ الوضعُ المأساويُّ واقعاً. في الوقتِ ذاتهِ هذهِ "وصفةٌ قويّةٌ" تصلحُ لاستمرارِ اضمحلالِ الإبداعِ والثقافةِ والفكرِ والإنتاجِ العلميِّ والتقنيِّ، العربيِّ لكلٍّ منها. المسئولونَ الأكاديميونَ والإداريّونَ والسياسيونَ العربُ، بتوافقٍ مكمِّلٍ! مع مكوّناتِ سوقِ الطباعةِ والنشرِ والتوزيعِ، مُلامونَ على تحويلِ السوقِ العربيِّ للكتابِ والفكرِ إلى سوقِ فوضىً وعبثيّةٍ وخزعبلاتٍ بألوانٍ وأشكالٍ مختلفةٍ لكنْ محدودةٍ. يحدثُ هذا بعدَ اقترافِ جريمةِ الإقصاءِ الفاضحِ للّغةِ العربيةِ للولوجِ في ميادينِ الصناعةِ والزراعةِ والتجارةِ والإدارةِ والعلومِ المختلفةِ والتقنيةِ القديمةِ والحديثةِ. الآنَ وعلى أيدي الشّركاتِ "التعليميّةِ الثقافيّةِ" تتعرّضُ اللغةُ العربيّةُ إلى جريمةِ الإقصاءِ عن مسارحِ الموادِّ الأدبيةِ واللغويّةِ والدينيّةِ، وحتّى الإسلاميّةِ. ماذا بقيَ للّغةِ العربيّةِ من شيءٍ حديثٍ أو حتّى قديمٍ كلاسيكيٍّ تزدهرُ بهِ؟!. ذلكَ حقيقةً ما يجعلُ كيانَ الأمّةِ الذاتيِّ الداخليِّ، أو ما يُعرفُ بالجبهةِ الداخليةِ الأساسيّةِ الفكريّةِ والثقافيّةِ، في حالةٍ من الاهتزازِ والقابليّةِ للهزيمةِ وحتى الاجتثاثِ من قِبلِ أيّةِ قوّةٍ غازيَةٍ معاديَةٍ عادةً ما توصفُ الأخيرةُ بأنّها غاشمةٌ طاغيةٌ عابثةٌ طامعةٌ.
Page 7
قصّةُ دارِ "الفخامةُ للنّشرِ"
بلغَ الكتابُ العربيُّ في السوقِ مرحلةَ الإشباعِ "السّلبيِّ" المحليِّ في فرعٍ واحدٍ من فروعِ الكتابةِ، الكتابُ الأدبيُّ باللغةِ العربيّةِ المحكيّةِ والفُصحى "الصمّاءِ". المقصودُ بالصمّاءِ هنا هيَ غيرُ المُشَكّلةِ وخاصّةً على الحروفِ الأخيرةِ من الكلماتِ أو المفرداتِ، القادرةِ على إظهارِ اللباقةِ والجمالِ والخواصِّ والمميّزاتِ المتميّزةِ الفريدةِ للّغةِ العربيّةِ الفصحى. تشكيلُ الأحرفِ وخاصّةً أواخرِ الكلماتِ في اللغةِ العربيّةِ ينقلُها من الصّيغةِ المحليّةِ الضيّقةِ إلى الشّكلِ العالَميِّ المفتوحِ لها والقابلِ للتّطويرِ واستيعابِ المعاني الجديدةِ. مثلاً لا حصراً فالكتابُ العربيُّ في كافّةِ فروعِ الطبِّ مفقودٌ. كيفَ لا يكونُ الأمرُ إلا كذلكَ والطبيبُ والباحثُ في الطبِّ العربيّانِ قد تخلّيا عن لغتهِما حتّى أمامَ المريضِ والزّائرِ للأخيرِ في سريرهِ بشكل هزليٍّ ومأساويٍّ خطيرٍ، في آنٍ معاً!؟. يتغنّى الطبيبُ العربيُّ أمامَ نفسهِ وأولادهِ وأهلِ عائلتهِ الكبيرةِ وعشيرتهِ وقبيلتهِ بركوبِ موجةِ الخواجاتِ في التعبيرِ اللغويِّ في الشئونِ والأمورِ الطبيّةِ تاركاً اللغةَ العربيّةَ تذوي وتخيبُ وتخوي أمامَ رياحِ الزّمنِ العاتيةِ والثّقافاتِ الغازيَةِ. ومِن الأطبّاءِ مَنْ إذا ما ووجِهَ بتلكَ الحقيقةِ المؤلمةِ، بل المخزيةِ، حتّى "يتمنطقَ" بمبرّرٍ مفادُهُ أنْ لا ضيرَ أنْ يتعلّمَ الإنسانُ من بحرِ اللغاتِ الأخرى ما يريدُهُ. يتعامى هؤلاءِ عن حقيقةِ كارثةٍ واقعةٍ لا محالةَ باللغةِ العربيّةِ تؤدّي إلى استثنائِها بشكلٍ تامٍّ من كافّةِ المراجعِ المختصّةِ بالعلومِ الطبيّةِ والإنتاجِ الطبيِّ الأصليِّ الأصيلِ باللغةِ العربيّةِ.
الأمرُ ينسحبُ على علومِ الصّيدلةِ وكافّةِ فروعِ الهندسةِ والعلومِ الطبيعيّةِ الأخرى. حتّى علمُ الرياضيّاتِ والجبرِ بالذّاتِ الذي بذلَ قدامى المسلمينَ جهوداً معتبَرةً من أجلِ ابتكارهِ وتطويرهِ يخلو من أيِّ رمزٍ يدلُّ على أنّ العربَ كانوا فيهِ هناكَ يوماً ما. فروعُ القانونِ والإدارةِ العامّةِ والخاصّةِ باللغةِ العربيّةِ أصابَها القحطُ والمَحْلُ وأصبحتْ رفوفُ الكتبِ العربيّةِ في المكتباتِ ومحلاتِ بيعِ الكتبِ مثلَ قاعٍ صفصفٍ تذروهُ رياحُ العولمةِ والغزوِ الثقافيِّ العاتيةِ. كتبُ التاريخِ والجغرافيا باللغةِ العربيةِ أصبحتْ بقدرةٍ قادرٍ لا تنطقُ بمادّةٍ فيها الحدُّ الأدنى من الدّسمِ الفكريِّ المُغذّي والممتعِ للقارئِ والباحثِ والدارسِ. نتيجةَ عقودٍ من الهجومِ الاستعماريِّ الثّقافيِّ الشّرسِ أصيبتْ العقليّةُ العربيّةُ المبدِعةُ باللغةِ العربيّةِ بِـ"الخَصْيِ الذهنيِّ والعُقمِ" المزمنيْنِ. شعبيّاً حدثَ انجرافٌ هائلٌ باتجاهِ تعلّمِ اللغاتِ الأجنبيّةِ فيهِ استُنْفِدَتْ بل استُنزِفتْ جهودٌ وطنيّةٌ وأموالٌ وممتلكاتٌ ضخمةٌ في سبيلِ نشرِ اللغاتِ والثّقافاتِ الأجنبيّةِ وتعزيزِها. عمليّاً تمَّ قطعُ رأسِ العالَمِ العربيِّ المُبدعِ والمُبتكرِ والمُنتِجِ والمفكِّرِ بالعربيّةِ من مستوى المرحلةِ الثّانويّةِ العامّةِ فما فوقَ. اليومَ يحلو لزعيمٍ أو مسئولٍ عربيٍّ رفيعِ المستوى الإداريِّ، لكنْ شبهِ أمّيٍّ لغويّاً وسياسيّاً، ويُشرِّفُهُ أنْ يقصَّ شريطاً فيهِ يَفتتحُ مؤسّسةً ثقافيّةً أو تعليميّةً تحملُ اسماً وعنواناً جدُّ عدائيّيْنِ لوجودِ وكيانِ وكينونةِ اللغةِ والثّقافةِ العربيّتيْنِ؛ يحدثُ ذلكَ بتباهٍ وتفاخرٍ علناً وعلى رؤوسِ الأشهادِ من وسائلِ الإعلامِ المحليّةِ والعالميّةِ. في تلكَ المؤسّساتِ "الموجّهةِ ثقافيّاً" يعملُ الغرباءُ والمحليّونَ يداً بيدٍ على اقتلاعِ اللغةِ العربيّةِ المجيدةِ من العقولِ الباطنيّةِ للنّاطقينَ الأصليّينَ بها.
أدّى حرمانُ العربيِّ من التفكيرِ والإنتاجِ والإبداعِ والابتكارِ بلغتهِ الأصلِ، العربيّةِ، إلى الحيلولةِ بينَ العربِ ومقوّماتِ التقنيةِ الحديثةِ وتِبعاً لذلكَ مقوّماتِ الاستقلالِ والحريّةِ. البنيةُ الأساسيّةُ أو التحتيّةُ للصناعةِ والتقنيةِ العربيّةِ واهيةٌ، عدا عن كونِها معدومةً؛ لا باللغةِ العربيّةِ ولا بالمستوردَةِ أو المفروضةِ من الخارجِ بالأحرى. المهندسونَ والتقنيّونَ العربُ لا يقدرونَ على صناعةِ أعوادِ ثقابٍ لإيقادِ المواقدِ أو أفرانِ الغازِ، ولا يقدرونَ على إنتاجِ حتّى لُفافاتِ قطنٍ صغيرةٍ معقّمةٍ طبيّاً يمسحُ العربيُّ بها تجويفَ أذنهِ الوسطى بعدَ استحمامهِ. العربيُّ الحديثُ في وادٍ وكلُّ طرقِ ووسائلِ إنتاجِ أدواتِ وآلاتِ وموادِّ التقنيةِ القديمةِ والحديثةِ والمتجدِّدةِ في وادٍ آخرَ بعيدٍ. هذا في الوقتِ الذي فيهِ العربيُّ قادرٌ على شراءِ أو استيرادِ سيّارةٍ فخمةٍ أو طائرةٍ حربيّةٍ أو مدنيّةٍ متقدّمةٍ مجهّزةٍ بآخرِ ما توصّلتْ إليهِ التقنيةُ الحديثةُ. في استوديوهاتِ وسائلِ الإعلامِ العربيّةِ المرئيّةِ لا يخجلُ المذيعُ (أو المذيعةُ) العربيُّ (أو العربيّةُ) على ذقنهِ (أو ذقنِها) من الظّهورِ أمامَ المشاهدينَ العربِ وفوقَ رأسهِ (أو رأسِها) وحولَهُ (أو حولَها) معدّاتُ تصويرٍ وبثٍّ ومراقبةٍ وضبطٍ ليسَ للعربِ فيها حتّى ولو بمثقالِ ذرّةٍ خيراً. أكبرُ ضحيّةٍ لظهورِ الدّولِ الصناعيّةِ الأربعِ، أو الخمسِ أو الستِّ أو السّبعِ، العملاقةِ هو العالَمُ العربيُّ الذي باتت كلُّ مواردهِ الطبيعيّةِ والبشريّةِ الفكريّةِ والإستراتيجيّةِ الضخمةِ تُباعُ في سوقِ النّخاسةِ الدوليّةِ. قادَ الزّعماءُ العربُ شعوبَهم بشكلٍ شديدِ التخلّفِ نحوَ بيتِ طاعةِ التبعيّةِ المقيتةِ للخواجاتِ. حتّى تحافظَ تلكَ الزّعاماتُ على مقاعدِها والشّعوبُ على قوتِ يومِها تضطرُّ الآنَ لبيعِ المقدّراتِ والأوطانِ والمؤسّساتِ والتخلّي عن المقدّساتِ والمبادئِ والثّوابتِ بشكلٍ لا يقبلُهُ أيُّ ذي حِجرٍ.
Page 8
وحدَها وقفتْ اللغةُ العربيةُ المجيدةُ في معارضِ الكتابِ العربيّةِ المحليّةِ والدوليّةِ مثلَ تمثالٍ قديمٍ. أصابَ الصدأُ والتآكلُ والعفنُ ذلكَ التّمثالَ وباتت تحيطُ بهِ مجموعةٌ من الكتبِ من نوعِ النادبةِ للحظِّ والناطقةِ بالخزعبلاتِ. تظهرُ أغلفةُ تلكَ الكتبِ بديكوراتٍ وزخارفَ لجلبِ انتباهِ المغفّلينَ، أو ما تبقّى من المهتمّينَ بشأنِ اللغةِ العربيّةِ الذينَ باتوا يعدّونَ على الأصابعِ في كافّةِ أرجاءِ الوطنِ والعالَمِ العربيّيْنِ. لم يستحِ المتعلّمُ العربيُّ من نفسهِ ولم يعدْ في خلوتهِ إلى ضميرهِ الوطنيِّ والقوميِّ والإنسانيِّ محاولاً فعلَ شيءٍ لإعادةِ ما يمكنُ من اعتبارٍ للّغةِ العربيّةِ المجيدةِ. مَعارضُ ومحلاتُ بيعِ الكتبِ العربيّةِ الدوليّةِ والمحليّةِ باللغةِ العربيّةِ خلتْ بشكلٍ شبهِ تامٍّ مطلَقٍ من زوّارِها القارئينَ من الأطبّاءِ والمهندسينَ والعلماءِ والكتّابِ والمفكّرينَ العربِ. في ذلكَ لا يسعُنا إلا أنْ نقولَ هنيئاً لدورِ النشرِ الأجنبيةِ عبرَ العالَمِ مثلَ دورِ نشرِ "Penguin،McGraw Hill، Oxford، John Wiley، Addison Wisely، Prentice Hall ...."؛ ملأتْ إصداراتُ دورِ النشرِ هذهِ أمخاخَ ورفوفَ مكتباتِ الطبقةِ المتعلّمةِ والمثقّفةِ والمفكِّرةِ العربيّةِ.
في ديسمبر كانونِ أوّلِ عامَ 2006ِ، وبعدَ سنينٍ من العملِ شبهِ اليوميِّ خاصّةً في الصّباحِ الباكرِ بينَ السّاعةِ الثّالثةِ أو الرابعةِ والثّامنةِ صباحاً، كنتُ قد انتهيتُ من كتابةِ ثلاثةِ مخطوطاتٍ على أشكالِ رواياتٍ مبنيّةٍ على قصصٍ وتجاربَ جدُّ حقيقيّةٍ. تكادُ الرّواياتُ تصبحُ وثائقيّةً بامتيازٍ بالرّغمِ من تحويلِها إلى قصصيّةٍ عن طريقِ استعمالِ الحيواناتِ فيها كشخصيّاتٍ رئيسيّةٍ أو شبهِ رئيسيّةٍ مساعِدةٍ. بسببِ حالةِ التقصيرِ حيالَ الإبداعِ والإنتاجِ والابتكارِ الفكريِّ والتقنيِّ باللغةِ العربيّةِ باتتْ هنالكَ فجوةٌ فكريّةٌ واسعةٌ عميقةٌ فارغةٌ تؤدّي بالكاتبِ إلى الرجوعِ إلى البيئةِ الأصلِ لتقديمِ عملٍ ما، أصيلٍ متأصّلٍ معبِّرٍ عن الحالِ. في هذا الاتجاهِ لم يبقَ للعربيِّ من شيءٍ يستعملُهُ لخوضِ غمارِ حروبِ التحدّي والتّنافسِ مع الآخرينَ سوى الحمارِ والبغلِ والجملِ والحصانِ، وبدرجةٍ أقلَّ الكلابِ والحيواناتِ الأخرى. المثيرُ في الأمرِ أنَّ تلكَ المنهجيّاتِ والأفكارَ المستفيدةَ من بيئةِ الحيواناتِ تنجحُ إلى حدٍّ بعيدٍ في وضعِ توصيفٍ وتشخيصٍ لما يجري من مشاكلَ في حالِ الدّولِ النّاميةِ عموماً والعربيّةِ خصوصاً. شخصيّاً فالاستعانةُ بالحيواناتِ في التأليفِ يضيفُ راحةً نفسيّةً لديَّ ككاتبٍ ويعطيني قدْراً من الحريّةِ في التعبيرِ ووصفِ الأمورِ، وربّما وضعِ النقاطِ على الحروفِ وتسميةِ الأشياءِ بمسمّياتِها. ينتجُ عن تلكَ المنهجيّةِ التقليديّةِ القديمةِ في عرضِ القضايا المطروحةِ استقراءٌ لأفكارِ وخواطرِ تلكَ الحيواناتِ وإيماءاتِها واستنباطٌ لعقولِها واستنطاقٌ لألسنتِها، بالطّريقةِ التي يراها الكاتبُ مناسِبةً!. بالإضافةِ إلى استعمالِ الحيواناتِ للحومِها وجهودِها ومزايا التسليةِ والترفيهِ فيها يمكنُ استعمالُها بنجاحٍ! في التفكيرِ وحتّى الإبداعِ الفكريِّ الهادفِ.
في غمرةِ البحثِ عن ناشرٍ يتمتّعُ بالحدِّ الأدنى على الأقلِّ من الاعتبارِ والصّدقِ والأمانةِ، والشّجاعةِ الفكريّةِ إذا ما جازَ التعبيرُ، كان لا بدَّ من عملِ أيِّ شيءٍ. ها قد مضى على بعضِ مؤلّفاتِيَ تنتظرُ النّشرَ حواليْ السّنةَ ونيّفٍ ولم يطرقْ بابِيَ صديقٌ أو مندوبٌ لدارِ نشرٍ أو كاتبٌ مخضرمٌ ذو خبرةٍ في مجالِ التعاملِ مع النّاشرينَ أو مراسلٌ لصحيفةٍ أو مجلّةٍ. عليَّ أنْ أقومَ بخطوةٍ ما مهما تكنْ خبطَ عشواءَ. ذاتَ يومٍ علمتُ من وسائلِ الإعلامِ المحليِّ أنَّ هنالكَ معرضاً للكتابِ سيُقامُ في مكانٍ قريبٍ نسبيّاً من مكانِ إقامتِيَ الدّائمةِ في غربتِيَ عن مسقطِ رأسِيَ. انتظرتُ بفارغِ الصّبرِ حدوثَ ذلكَ المعرضِ حيثُ هنالكَ حظوظٌ وفُرصٌ كثيرةٌ وفيرةٌ للّقاءِ بأكبرِ عددٍ ممكنٍ من النّاشرينَ عن كثبٍ ووجهاً لوجهٍ.
شددتُ الرّحالَ إلى ذلكَ المكانِ وعزمتُ البحثَ في معرضِ الكتابِ المُقامِ عن دارِ نشرٍ لا مانعَ أنْ أضعَ فيها كلَّ "بيضاتِيَ" الفكريّةِ. بعدَ عدّةِ أيّامٍ من البحثِ المضني وبالذّاتِ في آخرِ يومٍ من أيّامِ المعرضِ، والعارضونَ يجمّعونَ أمتعتَهم للرّحيلِ، قابلتُ شابّاً لطيفاً كانَ يجلسُ على طاولةٍ بدا فيها مثلَ موظّفِ استعلاماتٍ. جلسَ ذلكَ الشّابُّ خلفَ طاولةٍ صغيرةٍ أقربَ للاستعمالِ في مقهىً على استعمالِها لأمورٍ أكاديميّةٍ. ما أنْ عرَفَ ذلكَ الشّابُّ بوضعِيَ الميئوسِ منهُ حتّى اقترحَ عليَّ على الفورِ عنواناً لدارِ نشرٍ اعتقدَ أنّها قد تكونُ الحلَّ الكافيَ الشّافيَ للمعضلةِ، وتقريباً لا غيرَ تلكَ الدّارِ!. اشتملَ العنوانُ الذي حصلتُ عليهِ، وعلى عجالةٍ، على رقمِ هاتفٍ أرضيٍّ واسمِ شخصٍ موكّلٍ جيّداً للتعاملِ مع هكذا قضايا، حسبَ اعتقادِ وإصرارِ وتأكيدِ ذلكَ الشّابِ. وَصَفَ الشابُّ اللطيفُ القضيّةَ بالسهلةِ وأنّه لا داعيَ للقلقِ بأيِّ شيءٍ يختصُّ بشئونِ النشرِ ومعرفةِ واحترامِ القانونِ والتفنّنِ في تطبيقِ الذّوقِ العامِّ في التعاملِ مع الآخرينَ. ملخّصُ القولِ السّريعِ، وحسبَ رأيِ ذلكَ الشّابِّ اللطيفِ فإنّهُ "لا تسألْ إلا من كانَ بالأمرِ خبيراً" وأنَّ فرصةَ اللحظةِ الأخيرةِ في البحثِ عن حلٍّ لنشرِ مخطوطاتِيَ ستنجحُ!.
Page 9
في الأسبوعِ التالي من حينهِ أجريتُ مكالمةً هاتفيّةً مع دارِ النشرِ المقترَحةِ، دارُ "الفخامةُ للنّشرِ". صادفتُ هنالكَ موظّفاً أخبرني بدورهِ على الهاتفِ أنَّ ما عليَّ إلا أنْ أرسلَ مخطوطاتِيَ بالبريدِ العاديِّ أو مع شخصٍ صديقٍ مؤتَمَنٍ قادمٍ إلى تلكَ المدينةِ، متوسّطةِ البعدِ عن مكانِ إقامتِيَ. سُرِرتُ كثيراً بما سمعتُهُ على الهاتفِ وعلى الفورِ أرسلتُ تلكَ المخطوطاتِ في ظرْفٍ بريديِّ كبيرٍ إلى ذلك العنوانِ، عن طريقِ صديقٍ جدُّ مؤتَمَنٍ على أيِّ شيءٍ مهما غلا سعرُهُ وعظُمتْ قيمتُهُ المعنويّةُ والماديّةُ. بدورهِ قامَ صديقِيَ بتوصيلِ المخطوطاتِ إلى مكتبِ المسئولِ في دارِ "الفخامةُ للنّشرِ"، وبشكلٍ لا يدعُ اعتباراً لأيِّ شكٍّ لديَّ. مضتْ حواليْ العشرةِ أيّامٍ لم أتلقَّ فيها إشعاراً رسميّاً من دارِ النّشرِ بأنَّ تلكَ المخطوطاتِ قد وصلت وعن ماذا يدورُ في دارِ النشرِ بشأنِها!؟؛ الإشعارُ هنا عن طريقِ الهاتفِ الأرضيِّ أو المحمولِ أو الفاكسِ أو بالبريدِ العاديِّ أو الإلكترونيِّ. قلتُ في نفسِي أنّها مجرّد صفةٍ أساسيّةٍ لمؤسّسةٍ عربيّةٍ أو في دولِ العالَمِ الثالثِ أو النّامي بشكلٍ عامٍّ. ذلكَ الروتينُ والبطءُ في الردِّ وتلكَ اللامبالاةُ جزءٌ لا يتجزّأُ من تصرّفاتِ مؤسّساتِ العالَمِ الثّالثِ. هذهِ المنهجيّةُ البائسةُ تُبقي الأوطانَ والشّعوبَ بحاجةٍ ماسّةٍ لكنْ مشروعةٍ! لمساعداتٍ خارجيّةٍ مشروطةٍ مكلِفةٍ على الخزينةِ العامّةِ والهويّةِ والشخصيّةِ والثّقافةِ والمبادئِ والثوابتِ والعقائدِ والمعتقداتِ.
بدأتُ بإجراءِ مكالماتٍ هاتفيّةٍ دوريّةٍ مع دارِ "الفخامةُ للنّشرِ" أستعلمُ فيها عن الأحوالِ هناكَ وعن أيِّ عملٍ مقترَحٍ أو ضروريٍّ يجبُ عليَّ القيامُ بهِ. الموظّفُ ويدعى "عَلْمان الكاسي" على الطرفِ الآخرِ من الخطِّ الهاتفيِّ تولّى أمرَ التعاملِ معِيَ، على الهاتفِ حتّى الآنَ. في المكالمةِ الأولى سألني السيّدُ "الكاسي" عن اسمِيَ والمخطوطاتِ التي أتحدّثُ عنها!؟. أعطيتُهُ اسمِيَ الكاملَ وعنوانِيَ وسردتُ لهُ أسماءَ المخطوطاتِ المرسلةِ مسجّلةً على قرصٍ مدمَجٍ، وهي نفسُها على ورقِ طباعةٍ. أخبرني السيّدُ "الكاسي" أنّهُ سيبتُّ في الأمرِ مع الموظّفينَ في الدّارِ وأنّهُ سيردُّ لِيَ الجوابَ لاحقاً. في ذلكَ نِمْتُ على وعدٍ من صوتِ رَجُلٍ، أو ذَكَرٍ!، على الطّرفِ الآخرِ من خطِّ الهاتفِ. لم يفِ السيّدُ "الكاسي" بوعدهِ بعدَ انتظارِ أكثرَ من أسبوعٍ من جانبِيَ.
قلِقاً على حالِ ومصيرِ المخطوطاتِ أعدتُ الاتصالَ بعدَ أسبوعٍ تقريباً من آخرِ اتصالٍ. في المكالمةِ سألني السيّدُ "الكاسي" عن اسمِيَ والكتبِ والمخطوطاتِ التي يعنيني أمرُها!؟ حينَ أعدتُ الكرّةَ كما حصلَ قبلَ ذلكَ أيْ في المرّةِ الأولى. أخبرني السيّدُ "الكاسي" أنَّ الموظّفَ المناطَ بهِ التعاملَ مع هكذا قضايا غيرُ موجودٍ في حينهِ. عاودتُ الاتصالَ بعدَ حواليْ العشرةِ أيّامٍ وكرّرتُ للسيّدِ "الكاسي" اسمِيَ وعنوانِيَ وأسماءَ مخطوطاتِيَ المرسَلةَ. أخيراً أخبرني السيّدُ "الكاسي" أنَّ تلكَ المخطوطاتِ قد وصلت! لدارِ "الفخامةُ للنّشرِ". كانَ ذلكَ الإخبارُ الأكيدُ أو التأكيدُ عن تسلّمِ تلكَ المخطوطاتِ بعد حواليْ الشهريْنِ من تسليمِ المخطوطاتِ لدارِ "الفخامةُ للنّشرِ". في المكالمةِ تمَّ التأكيدُ على أنَّ المخطوطاتِ قد وصلتْ إلى أيادٍ أمينةٍ، ولا داعيَ للقلقِ بشأنِ الخطواتِ التي تلي.
اطمأنَّ قلبِيَ على وهنٍ ومضضٍ، لكنَّ شعوراً بعدمِ الراحةِ من تلكَ الجهةِ ظلَّ ينتابُني، فطريّاً لا ذكائيّاً عصريّاً. اتصلتُ بأصدقاءَ لِيَ كانتْ لَهم معرفةٌ وتجربةٌ وعملٌ في دارِ "الفخامةُ للنّشرِ"، ومنهم من استجابَ لِيَ وقامَ باتصالاتٍ مع دارِ النّشرِ تخصُّ ذلكَ الشأنَ، وعلى طريقتهِ الخاصّةِ!؟. من الردودِ الصّديقةِ من كانَ من الدفءِ والوعدِ شبهِ الصادقِ لدرجةٍ أنّني حصلتُ على رقمِ هاتفٍ نقّالٍ خاصٍّ لإحدى الكاتباتِ المبدعاتِ الملتزماتِ بالكتابةِ والنشرِ دوريّاً في دارِ "الفخامةُ للنّشرِ". شعرتُ ببعضِ النشوةِ وظننتُ أنَّ في الطريقِ الطويلِ إلى النشرِ قد أحصلُ على اختصاراتٍ مهمّةٍ، مما سيوفّرُ بعضَ الوقتِ ويعوّضُ ما ضاعَ. لكنَّ تلكَ الكاتبةَ اللامعةَ وبعدَ وقتٍ قصيرٍ من بدءِ المشوارِ أصبحت تُظهِرُ صعوبةً في التواصلِ معِيَ. كانَ ذلكَ تارةً بعدمِ الردِّ على المكالماتِ وأخرى بتجاهلِ موضوعِ المساعدةِ في سرعةِ البتِّ بإمكانيّةِ النشرِ وحتى تعريفِيَ بالإداريينَ ذوي الشأنِ والفاعليّةِ في دارِ "الفخامةُ للنّشرِ". قلتُ في نفسِيَ "يا ولداً! أنتَ صغيرٌ في الكتابةِ مبتدِئٌ وعليكَ أنْ تكفَّ عن التسلّقِ على أكتافِ المشاهيرِ، مهما كانوا يصغرونَكَ أو يكبرونَكَ سنّاً". أضفتُ لنفسِيَ أنَّ "هؤلاءِ تعبوا كثيراً وصبروا طويلاً حتى وصلوا إلى تلكَ المراتبِ لتأتِيَ أنت وتلتهمَ تلكَ الإنجازاتِ مثلَ الجرذِ الجشعِ أو الكلبِ الضائعِ الجائعِ!". الحياةُ بحاجةٍ إلى قليلٍ من الذوقِ، أضفتُ لنفسِيَ قائلاً أحياناً وهامساً مناجياً أحياناً أخرى.
Page 10
مضت أربعةُ أشهرٍ منذُ إرسالِ المخطوطاتِ ولم يأتِني ردٌّ يشرحُ لِيَ ويطلبُ منّيَ ماذا أفعلُ؛ أأُصحّحُ في النّصوصِ المكتوبةِ، أأُضيفُ شيئاً إليها، أأَحذفُ عباراتٍ منها، أو أيعتذرونَ لِيَ عن النشرِ في دارِ "الفخامةُ للنّشرِ" الغرّاءِ!؟. بعدَ أربعةِ أشهرٍ من الانتظارِ والترقّبِ والتحسّبِ سألتُهم على الهاتفِ، ولعدّةِ مرّاتٍ، إذا ما كان من الضروريِّ حضورِيَ إلى دارِ "الفخامةُ للنّشرِ" والتشرّفِ بتناولِ فنجانٍ من القهوةِ أو كأسٍ من الشايِ بمعيّتِهم المهيبةِ!؟، هذا ليسَ مزاحاً أو تهكّماً أو "تطنّزاً" عليهم!. كانَ الجوابُ بشكلٍ ضمنيٍّ وأحياناً مباشرٍ، لا لا لا. في كلِّ مرّةٍ أعودُ إلى نفسِيَ وأصحابِيَ وزملائِيَ للحصولِ على تفسيرٍ مقنعٍ لما يجري. الأصدقاءُ ينصحوني بالتريّثِ وفي نظرِهم كلّما طالت مدّةُ الانتظارِ كلّما اقتربَ موعدُ الحسمِ النهائيِّ أو ما يُعرَفُ بالفرَجِ. الحسمُ النهائيُّ والحالُ هذهِ باتجاهِ النشرِ إذ أنَّ طولَ الانتظارِ سيشكّلُ عاملَ ضغطٍ نفسيّاً وذوقيّاً وأخلاقيّاً على الطرفِ الآخرِ؛ لكنْ حقيقةً لم يكنْ هنالكَ وجودٌ لكلِّ ما ذُكِرَ أعلاهُ من عواملَ. على العكسِ من ذلكَ كانَ هنالكَ فراغٌ شبهُ مطلقٍ في الحياءِ والأخلاقِ والذوقِ والإحساسِ العامِّ النّبيلِ.
بعدَ محاولاتٍ يائسةٍ عديدةٍ تمَّ تقديمي إلى ركنٍ مهمٍّ من أركانِ النشرِ في الدارِ، مديرُ عامٌّ وهو الذي سيساعدُ! بشكلٍ حاسمٍ في تقريرِ مصيرِ النشرِ. السيدُ "عبدُالصبّارِ النّطعيُّ" لهُ نبرةُ صوتٍ قويّةٌ يَعدُ بدورهِ بالنظرِ جديّاً في النشرِ، وبأقصى سرعةٍ ممكنةٍ لديه!. كانَ الصوتُ والوعدُ يبدوانِ حقيقيّيْنِ لدرجةِ أنّني في تلكَ الليلةِ لم أستطعْ النّومَ بسببِ حالةِ التهيّجِ العصبيِّ الذي أصابَ فكرِيَ وأعصابِيَ ودغدغَ خيالِيَ وأحلامِيَ. بعضُ الرواياتِ أو المخطوطاتِ صرفتُ عليها أكثرَ من سنتيْنِ من العمرِ والعملِ خاصّةً في الصّباحِ الباكرِ حيثُ نشاطُ الدّماغِ في باكورةِ الذّروةِ الإبداعيّةِ وذلكَ ما قد يرشّحُها لنيلِ جوائزَ، قلتُ في نفسِيَ. أقسمتُ لنفسِيَ إنْ يتمَّ ذلكَ التّكريمُ الجائزةُ فلن أتردّدَ في تقاسمِ الجائزةِ "الخيالِ!" مع السيّدِ "النّطعيِّ" نفسهِ. في تلكَ الليلةِ والأسابيعِ القليلةِ التي تلت كانَ شبحُ السيّدِ "النّطعيِّ" مثلَ ملاكٍ يزورني وينبّهُني من نومِيَ أحياناً قائلاً "ها أنا النّطعيُّ فارسُ أحلامِكَ يا هذا في الطباعةِ والنشرِ والتوزيعِ، كلُّ القضايا باتت محلولةً ولا داعيَ للقلقِ على الإطلاقِ!".
طالَ الزمنُ مرّةً أخرى أسابيعَ طويلةً إضافيّةً وأجريتُ مكالمةً هاتفيّةً إلى هاتفِ السيّدِ "النّطعيِّ" المحمولِ وفوجئتُ بأنّهُ لم يقمْ بعملِ أيِّ شيءٍ على أرضِ الواقعِ باتجاهِ الطباعةِ والنشرِ. زعمَ السيّدُ "النّطعيُّ" ومعهُ الشخصيّةُ الأولى في الاتصالِ السيّدُ "الكاسي" أنَّ المخطوطاتِ بأيدي لجانِ القراءةِ والتحكيمِ والقرارِ النهائيِّ. هؤلاءِ أعضاءُ اللجانِ بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الوقتِ للتأكّدِ من أنَّ ليسَ هنالكَ من كلمةٍ أو جملةٍ أو عبارةٍ أو فكرةٍ قد تنالُ من شخصٍ خاصّةً إذا ما كانَ الأخيرُ في موقعٍ معتبَرٍ في عالَمِ الإدارةِ والفكرِ والسياسةِ والفكرولوجيّةِ العربيةِ والدوليّةِ. السؤالُ المتكرّرُ في بدايةِ كلِّ مرّةٍ في الاتّصالِ هو "ما اسمُكً وماذا تودُّ عملَهُ!؟". في غضونِ ذلكَ ذهبَ السيّدُ "الكاسي" في إجازةٍ قصيرةٍ، أو هكذا قيلَ، وبقي التعاملُ فقط مع السيّدِ "النّطعيِّ" ممكناً. اختيرَ السيّدُ "النّطعيُّ" لتلكَ المهمّةِ كما يبدو لأنَّ لديهِ طريقةً دبلوماسيّةً اجتماعيّةً لطيفةً لكنْ مضنيةً للتخلّصِ من الآخرينَ؛ لاحتواءِ ردِّ فعلِ الكاتبِ أو المؤلِّفِ خاصّةً إذا ما كانت لدى الأخيرِ قدرةٌ على إبداءِ النقدِ اللاذعِ المؤثّرِ أو الثّورةِ أحياناً. أكثرَ من ذلكَ فإنَّ التمويلَ لاستمرارِ دارِ "الفخامةُ للنّشرِ" في العملِ والبقاءِ قد يعتمدُ على مقالةٍ ناقدةٍ لتلكَ التصرّفاتِ المقيتةِ قد تصلُ لهذا المسئولِ المموّلِ أو ذاكَ، عن طريقِ وسيلةٍ إعلاميّةٍ محليّةٍ.
في خضمِّ الظنونِ والخيالِ المشئومِ كانَ لا بدَّ من القيامِ بزيارةٍ ميدانيّةٍ لدارِ النشرِ والاطّلاعِ عن كثبٍ عمّا يجري هناكَ. شددتُ الرحالَ مع صديقٍ لِيَ وهممت بالذهابِ إلى تلكَ المدينةِ التي تأوي دارَ "الفخامةُ للنّشرِ". بعدَ بحثٍ في جوانبِ البنايةِ التي تضمُّ مكاتبَ دارِ "الفخامةُ للنّشرِ" الرئيسيّةَ وصلنا الاثنانِ إلى الشقّةِ التي تُعتبرُ مركزَ الإدارةِ الرئيسيِّ. في المخيّلةِ السّابقةِ لتلكَ الزّيارةِ كانت هنالكَ مكاتبُ وقاعةٌ كبيرةٌ ومكتبةٌ ورفوفٌ تحوي منشوراتِ دارِ "الفخامةُ للنّشرِ" تلكَ، وصاحباتِها وأصحابِها من دورِ النّشرِ الأخرى. كانَ هنالكَ تخيّلٌ سابقٌ بنشاطٍ فكريٍّ يشابهُ الدخولَ إلى خليّةِ نحلٍ أو نملٍ فيها الكتّابُ والشعراءُ والأدباءُ والعلماءُ والمفكّرونَ يقومونَ بأنشطةٍ تذكّرُ بسوقِ عكاظٍ في الحجازِ أو شارعِ المتنبي في بغدادَ أو "دوّارِ الزمنِ" في نيويوركِ. لكنَّ المكانَ خلا من أيٍّ من هؤلاءِ ولم يكنْ في المكانِ إلا السيّدُ "الكاسي" ومراسلٌ خادمٌ، يعملُ الأخيرُ في المكتبِ لتحضيرِ الشايِ والقهوةِ والمشروباتِ الخفيفةِ والماءِ والشطائرِ ومآربَ أخرى. في واقعِ الأمرِ ودونَ مبالغةٍ في القولِ بدا المراسلُ الخادمُ أكثرَ نشاطاً اجتماعيّاً وفكريّاً وثقافيّاً حضوريّاً من السيّدِ "الكاسي" نفسهِ.