eKtab
EN ع
سرديات مقدسية - الشيخ ريحان
Read free sample

سرديات مقدسية - الشيخ ريحان

by أحمد غنيم

Page 1

الإهداء

إلى والدي ووالدتي رحمهما الله، وقد وهباني القدرة على الحياة زمنين مختلفين في عمر واحد.

Page 2

صورة من حروف وكلمات

ربما تتطابق بعض أحداث هذا السرد، وبعض أسماء الشخصيات أو الأماكن مع الواقع، إن هذا التطابق ليس صدفة، غير أن ما بين يديك هنا ليس سيرة ذاتية لأيِّ شخصية أو أسم ورَدَ فيه، ولا تسجيلاً تاريخياً للأحداث.

أنا أحب القدس وأتحيز لها، ولست حيادياً في حبها، أمشي في طرقاتها، أنظر إلى الناس وجدران البيوت، يكسوها الندى من خجل النوم في الصباح، وتعرق من كدِّ السعي في النهار، أشتمّ رائحة الياسمين وهي تُدلي جدائلها من خلف سناسل الحواكير، أداعب أوراق الدوالي وأقطف حبات الميس، أهيم على نفسي في الوديان، أنطر الحجارة الصغيرة بإصبعي النابزة من ثقب حذائي البالي، علَّي أتعثر بقطعة انتيكا أو أثر من حدوة حصان أو قطعة من سيف أو رمح لجنود الناصر سحبتها مياه الأمطار من تلال المكبر إلى الوديان السحيقة، أتشعبط التلال المحيطة بأسوار المدينة، وأهيم بشقائق النعمان المنثورة على مدى السناسل المتدرجة من قمة جبل الزيتون إلى أحضان البتول الناصرية، ألتقط روعة المدينة كأنني آلة تصوير، أكتب الصورة بحروف وكلمات، وأكسو عظام اللحظة لحماَ كي أُرجعَ الزمن إلى الخلق القديم، أميلُ إلى الكتابة الفوتوغرافية، وإلى قلب القاف ألفاً في عاميتي الكنعانية، فأسمع همس الصبايا توشوش الليل، تطربني موسيقى الباعة الجوالين، ويسحرني صوت الأذان، وأجراس الكنائس، وتثور في قلبي نار غاضبة، عندما يُقتل الطين، أنا لا أبحث في سرديتي هذه عن الموضوعية أو الإبداع، لست سوى فوتوغرافي يكبس على زر آلة التصوير، يوقف الزمن ليحتفظ بالصورة كما هي، أو يعود إلى مسودة فلمه القديم ليُرجع الزمن إلى حيث كان جميلا، لم تزيفه الألوان المُبهرة، تشغلني ذاكرة المكان، صُور أبي المتروكة في صندرة الوعي واللاوعي، ذاكرة المدينة، وذكريات الناس، أنفاس التاريخ التي تبثها جدران الأزقة وأرصفة الطرقات.

هنا في القدس، هنا، ربما يكون ما أقدمه في هذه السردية قد حدث فعلاً، وربما اختلط الواقع مع الخيال والهوى وأقوال الناس، لكن الحقيقي بما لا شك فيه في هذا العمل، هو ذاكرة المكان التي أُعيدَ تشكيلها كما كانت، بعد أن عبث بها القرصان.

قد تتضمن سرديتي هذه نثاراً من حكايا المدينة، وقد يختل الترابط أحيانا بين الأحداث، وربما اقتحم المشهد من لا تبدو له علاقة بموضوع الحكايات، غير أنني أنعف على صدر هذا البياض، نثاراً من سجل مدينة تقاطرت روحها على شاسع من زمن، وتداخلت أحداث كل حقبة على واسع من أمم وناس، تشابكت وتقطعت صلاتهم، حتى بدا نسْجُ حكايات المدينة بالشكل التقليدي للسرد الروائي، أقل من أن يحيط بتلك الحكايات، قد لا يكون ما بين أيديكم رواية بالمعنى التقليدي، ولستُ بوارد الجدل إلى أي شكل أدبي ينتمي هذا العمل، وعلى طريقة إدواردو كاليانو في ذاكرة النار، أنا أيضاً "لا أومن بالحدود التي تفصل بين الأجناس الأدبية استناداً لضباط جمارك الأدب".

من المؤكد أيضاً أنني لا أرغب بإعادة صياغة التاريخ، وإن كنت أعلم أن معظم كتب التاريخ لم ترو الحقيقة، لأنها غيبت الناس، فقد أرَّخَ القادة والحكام لأنفسهم، وأبعدوا الحقيقة إلى الظلمات، ربما كان هذا الجهد المتواضع فرصة لبقاء الناس العاديين في صدر المشهد، كما كانوا دائماً: بائعة الخضار، الفران، مصلح البوابير، المنجد، بائع الحليب، مشردي الطرقات، حراس المدينة، البلهاء، المجانين.

قد يبدو هذا العمل مكتظاً بالمقولات الفكرية والفلسفية أحياناً، ومسترسلاً في وصف الأماكن والمهن والعادات، وكأن أحدهم أراد أن يقول كل شيء مرة واحدة، الواقع أنني عرفت أشخاصاً أرادوا أن يتحدثوا، لكنهم لم يستطيعوا، ربما منعوا، ربما لم يتح لهم الحديث، ربما قالوا لكن أحداَ لم يسمعهم، أريد هنا أن أمكنهم من قول ما أردوا قوله دون خوف من حسيب أو ناقد أو رقيب. وأعرف أناساَ أحبوا القدس لكنهم لم يدخلوا إليها أبدا، ربما منعوا وربما لم يُتح لهم القدوم إليها، أو ربما جاءوا متأخرين، بعد أن غيَّر عبث الغريب في صورة المكان، فبدا كأنه ليس هو الذي عرفوه أو سمعوا عنه، أردت بهذا العمل أن أحمل القدس إلى كل هؤلاء كما كانت، وحيث كانوا أو حيث أحبوا أو أُرغموا أن يكونوا، وأن أعيد تشكيل ما غيّره الأعداء من معالم المدينة، أرضها وعمرانها، ناسها وأشجارها، طرقاتها، طيورها، فصولها، أمطارها، نسماتها، جبالها، وديانها، الناس، من ذهبوا ومن رحلوا، من هُزموا ومن صمدوا.

إنني أدرك أن البناء الدرامي في هذا العمل مختلف عن بعض أنواع الدرما، لأن المكان وهو القدس شَكَّلَ ركيزة هذا البناء، الذي يسعى لتقديم صورة وصفية متحركة للمكان، في تتداخله مع الزمن ضمن الأحداث وحركة الشخصيات الأساسية وتطورها والثانوية " الكومبارس " بلغة السينما ومدى ضرورتها ، كذلك مع الشخصيات التاريخية والرمزية المقتبسة، التي تم توظيفها في النص لتعميق الدلالة، وهذا التداخل بين الزمان والمكان " الزمكان " هو حالة دينامية متداخلة الأبعاد، لا فصل بحدود جامدة بين مكوناتها، سواء على مستوى الزمن بأبعاده الثلاتة الماضي الحاضر والمستقبل، أو المكان بأبعاده الثلاتة أيضا. إن النظريات الحديثة تَعْتبَر أنَّ كل ثانية وحيز، جزءٌ من الكون الواسع بأبعاده المتعددة، وهناك نظريات أخرى أسقط بعضها المكان من عناصر الرواية واكتفى بالزمن وعاءاً تاماً لكل عناصر الرواية، بينما بعض أخر رفض الأقرار بوجود شكل محدد للرواية، لعل محاولتي في هذا العمل كانت، اقتحام المسافة الفاصلة بين مفهوم الرواية ومفهوم الحكاية الذي لم يترسخ بعد، وفي المسافة بين الفشل والنجاح يكفي دائما شرف المحاولة.

قد تكون مهمة الفن أو الأدب أن يصنع من الغموض لحظة الدهشة، التي تفتح على مدى لحظات الوعد، ألف احتمال للفرح أو الحزن، للخيبة أو الأمل، للقوة أو العجز، أو أن تكشف عن لوحة الكون سحر الجمال وروعة التماهي والاختلاف، غير أن مهمتي هنا كانت أن أفك طلاسم الغموض الذي غيب الوعد، وأنضو عن الدهشة خداع الحبكات المسبوكة بإبداع الكتاب والرواة، لأن الدراما المحبوكة عن قصد إن لم تحاكي الواقع ليست سوى خداع للعقل والبصر، لن تجد هنا سوى حقيقة واحدةٍ القدس في رابعة نهارها الدائم للأبد.

أكتبُ من عالم الأمر، قبلَ أن تَحلَّ الروح في حيّزها الفاني، وقبلَ انسياب الوجود إلى وعاءِ الكون، وقبل أن يبرأ الله الحياة، حينها لمْ يَكنْ للمادة شكل، ولم تَكنْ الفكرة قد سكنت حدَّ الوعي، والروحُ في تلك اللحظةِ كلٌّ متحررٌ من علةِ الحيّزِ والزمنِ وصفةِ الشيء، أجبتُ بلى، على جَلَلِ السؤال، ثم شَغَلَ هَبَائي في العَدَمِ استفهامية أين، المبنية لمفعول فيه تَعَلَّقَ بخبرٍ لمبتدأ لم يأتِ بعد، ولم يكن هَبَاءُ العدمِ قد اتسع لسؤال متى، فتلك استفهام الساكن على محلِّ الفرضِ من الأمر الآتي في كن فيكون.

وأين، سؤال همَّ اللاشيء المنثور على أسرار جينات اللامحسوس من الخلق ومن أمر ربي، أكتبُ من قبل الوعي ومن حُلمي، أني أحلمُ بأين الممتدة من حدِّ الأمرِ إلى حدِّ الخلد، تلك هي حيّز وجودي، قدسي مدينتي وبيتي وروحي الباقية فيها إلى أبد الدهر.

Page 3

أحلامٌ صغيرةٌ

رأى باب المرقد يُفتح، ظنَّ للوهلةِ الأولى أنَّ أحد المُكلَفين برعاية المقام قد انتهى من عمله وهَمَّ خارجا، تلوى النور من سراج المقام وتموَّج في رذاذ تسلل من صير الباب، فاحت رائحة زكية وأُعبق الزقاق بفنعٍ وطيب، فجأة رآى شيخاً عَطَرَّدُ[1] القامة، مضمخ بالمسك، يعتمر عمامة بيضاء، أبلج الوجه، وديع المظهر دون إخلال بهيبة الهيئة والقوام، ذو عينان سوداوان براقتان، يرتدي جلباباً داكنًا فضفاضاً، وعباءة خضراء امتدت إلى القدمين، عبَرَ من نقطة ما تحت قوس الضياء، متحرراً من علة الزمن، كأنه يَهْدَجُ[2] فوق جسد التاريخ، .

بَغَتَتْ الدهشة عمر فبَغَمَ من هول المفاجأة، اندفع إلى الخلف بشكل عفوي، أحسَّ بقشعريرة اعترت جسده، ارتجفت يداه، اتسع جفنا عينيه، شحب وجهه، بدا مَشْدوها كمن صبت عليه لعنة الأبد، حملقَ بالرجل وبَهَتْ، أحس بخوف شديد، أضعف قدرته على التفكير السليم، ما عاد يدري أخترمة[3] سكته أم هترمة، تمتم بشفتين مرتعشتين.

- دستور، بسم الله الرحمن الرحيم، يا لطيف.... يا لطيف الألطاف نجنا مما نخاف، سلام قولا من رب رحيم، سلام يا أسيادنا... سلام، ما عاد عمر يقوى على التنفس، كاد يُغمى عليه من هول المفاجأة، دَرْدَبَ[4] إلى الخلف، غير أن الشيخ دنا منه بفحجةٍ واحدة، شعر عمر بيدٍ تربت على كتفه، وعيون متقدة تحملق به، تبدلت ملامح وجهه، بينما ظلّ الشيخ هادئ القسمات.

- بسم الله الذي لا يفات ولا يلات[5]، قابض الأرض والسموات، وجابر العثرات، والسلام على عبد الله حاضر البيت، اللهم بارك عبدك ضيف مقامنا هذا، واستر عورته وأجبر حوبته وآمن روعته، ما بك يا بنيَّ، واهِي الجأش، ترفُ عينيك ويرتعد جسدك؟ هل بك دَوَش[6] أو رَصَد[7] أو وَصَب[8]؟ هل أصابك مكروه أو شر لا قدر الله؟

سأل الشيخ بنفس هادئة وقلب عطوف، بينما هَلَجَ عمر بصوت متهدج مرتعد ولهجة مقدسية.

- "مين... بسم الله... بسم الله..... بس كيف.... ليش...".

- ما بك يا رجل لماذا تفقفق وتفطفط[9]، ألم تعرفني أنا جارك الشيخ ريحان؟

- بلى عرفتك يا سيدنا، عرفتك، "بس..... يعني... مش أنت....كيف .. يعني بقصد أنه يا سيدنا شو طلعك من القبر، مش أنت ميت من أيام سيدنا عمر بن الخطاب، كيف أنت..... طلعت هون! ...... دستور ....دستور[10]، يا الله يا لطيف اجعل البلا خفيف.

الله أكبر.....الله أكبر... إنه صوتُ الشيخِ خليل الأنصاري يَنْسابُ عذباً جميلاً عبرَ الأزقةِ الضيقة، يَدْخلُ إلى شبابيكِ البيوتِ ومَشْرَبياتها، وما إن يُلامس أسماعَ النائمين لطيفاً مطمئناً خاشعا، حتى تَسْمَعَ في الأنحاءِ وقْعَ أقدام وقباقيب وخرير مياه، وتمتمات خافتة تَذكرُ اسم الله، تَرِقُ المدينةُ وتحنو للنداء بيوتها وطُرقاتها وحِجارة الجدران، إنه أذانُ فجرٍ جديد، يبعثُ الحياةَ في عروقِ الشوارعِ والأزقة، فيتنفسُ الصبحُ ويفيضُ الناسُ جموعاً إلى المسجدِ الأقصى من كلِّ أوبٍ وحارة، مكبرين مسبحين في جلال هادئ لا تعكره إلا قَهْقَهَات بعض جنودٍ انتشروا في غيرِ زِقاقٍ هنا وهناك.

ما إن سَمِعَتْ صوتَ أقدامه وقرقعات دلات الحليب بين يديه، حتى تنبهت أعصابها وارتخت عضلاتها وحنَّت نُخامياتها وحرَّكت ذيلها وقوائمها الخلفية وتمايل ضرعها، اقتربَ منها نظرَ إلى عينيها، رَمَشَتْ بهدوء وهزَّت رأسها، حنَّنَ عليها، هَنَّدَها ومَسَّدَ على جسدها، جاء بكرسيه ذي الأقدام الثلاث القصيرة إلى بائنِ الضرع، بسْمَلَ وأضاف، ما شاء الله، غَسلَ ضِرع المَوْشِيَّةَ[11] بماءٍ فاتر، ثم نَشَّفَه بقطعةِ قماشٍ طاهرة، دلَّكه قليلا، تَهَدَّلَ الضرع بين يديه، وتَدلَتْ حلمات القوان[12] إلى أسفل، فركها بنعومة، وقبضَ برفق وشدَّ إلى الأسفل، رشقة أولى من كل حلمة في إناء أسود، نظرَ إلى ما في الإناء من رشقات حليب أولى، تأكد من نقائه وصحته، بدَّلَ الإناء بسطلٍ من التوتياء، ثم ضفَّ[13] باقي أبقاره وغَسَقَ[14] حليبها في دلاتٍ كبيرة مطمئنا راضيا.

Page 4

يدركُ عمر بائع الحليب، ابن الخامسة والعشرين حولاً، أن تحنينه على بقراته الخمس لا يزيد من وفرة حليبهن فقط، وإنما يمنحه شعورا بالرضا والراحة، ذلك لعلاقة ودٍّ مميّزة بينه وبينهن بعد طول عشرةٍ ولقاء، فهو يعرف كل واحدة منهن، ورغم ميله إلى الكسل والنوم تحت شجرة التين نهارا، فإنه ما أهملَ بقراته يوماً وما ضَنَّ عليهنَّ جُهد أو رعاية، بل منحهن دائما حُبه ورعايته واهتمامه، هنَّ صديقاته اللاتي يبثهن شجونه ويشكو لهن متاعبه، هنَّ سلواه وأنيسات فجره ونهاره، يُميّزُ حركات كل بقرة، فيعرف ما يُرضيها وما يُزعجها، يُدرك معنى أن تميل برأسها أو تهش بذيلها، معنى أن ترفع قوائمها أو تحرك جفونها، يراقب اهتزاز جسدها ونبضات قلبها، فيعرف إن تضايقت من حرٍّ أو ارتعشت من برد، إن تألمت من مرض أو انتعشت من وافر صحة، إن خارت من جوعٍ ومن عطشٍ أو هنئت من طعام أو شراب، إن حزنت من وحدة أو أنست برفقة، يشعرُ أنها تُحنّن عليه كما يُحنّن عليها، ما إن يفكَ ذيلها المربوط إلى رجلها الخلفية ويُنهى حلبها ويلامس ضرعها مودعاً إلى بقرة أخرى، حتى تُحرك ذيلها فيلامس جسده تحية فرح ورضا هادئ.

نهضَ عمر حاملاً كرسيه القصير، نظرَ إلى عيني الموشية، رمشَ الجفن ثانية، وضعَ يديّه على حَجَبَتيه، فردَ قامته وقد انتهى من حلبِ بقراته الخمس، ثم دنا من الخَوَّار[15] بحذر، فرغم ما يكنّه من ودٍّ له فإن طبع القرهب[16] الحاد لا يترك مكاناً للهزل معه، شدَّه من قرنه، تنبهت مجساته عافط ونَفَطَ[17] وخار، نفلَ عمر ربطة من البرسيم رفده بها، وتمتم حمداً لله، ثم نادى بصوت خافت على زوجته هدى، طالبا منها أن توقظ أختيه فاطمة ونرجس لتحضير مؤن العلف والقش والبرسيم، نفضَ يديه، تقدمَ إلى حيث الحوض قُرب شجرة التين، خرير ماء تساقط من الدَّلْوِ المعلق على سارية بين رافعين من خشب الزيتون، قاما فوق راعوفة [18] البئر، سحبَ عمر إليه الحبل، مالَ بالدَّلْو على مرفقيه، انسابت صفحات الأيام، لم تكن تقلبات الزمن وصور الوجوه المتبدلة والأيدي الممتدة إلى الماء ذات مغزى مختلف، أنفاس حياة لافحة قادمة من بعيد، ترَجَّلَ فرسان أطلّوا من جبلِ المكبرِ والمشارف، افترشوا الأزقةَ والطرقات، قالَ الفاروق، جاوزتَ قِبْلَتهم يا كعب، التفتَ إلى الخلف، أزالَ بيده أوساخاً من زمن مُلتبس، فردَ عباءته، أتموا الصفوف وسدوا الفرج، صلى الفجر حاضراً في المسجد الأقصى.

طرقٌ خفيفٌ على الأبواب، أيقظَ صغار الحي، فتحوا أبواب الفجر، مدّوا كسرولاتهم[19]، سكبَ فيها من حنايا الروح حُباً ومن دلاته حليباً طازجاً دافئا. صوت المؤذن وطرقات بائع الحليب، ساعتا المنبه الوحيدتان للناس في البلدة القديمة، لكل حارة موعد يقظة، وشارة صبح وبائع حليب.

ما إن نسخَ الظلُّ شامسه قُرب حوض الماء وألقى الفَيْءُ بساطه تحت شجرة التين حتى استلقى عمر بجسمه النحيف، ووجهه النحيل ذي اللحية العارضة، والبشرة الداكنة، هناك في دعة وصفاء، كدأبه صباح كل يوم بعد أن عاد من صلاة الفجر وانتهى من توزيع الحليب، ثنى ذراعه، توَّسَدها تثاءب، مطَّ قدميه بتثاقل وخمول، غفي لهُلْجهِ[20] وأحلامه المعتادة على صوتِ بابور الكاز، وقرقعة خفيفة لحللٍ تستقُ بالأرض بين يدي أخته فاطمة، كان عمر يحلمُ بغمام أبيض، وأبقار تهيم وسطَ سماءٍ ذات ضروع كبيرة، وزخات حليب تتهافت من أهداب الغيم وتَتَرقرقُ على وجهه ناعمة رقيقة، أفاق من غفوته، رفعَ يده بتكاسل، مسحَ وجهه، فتحَ عينيه، نظرَ حوله، ما زالت أمه تجلس إلى الرحى تَحكُ بحجر بعضَ الَحلُوءِ[21] وتطحنُ بعضه ثم تَدَّحَشه في مُكْحُلَتِها لتعالج رَمَداً في عينيها وعوار القذى عن عيون الصغار، صكَّ عمر أسنانه وحرك شفتيه، عادَ وغفا من جديد، قلَّبَ ساعات النهارِ، وعندَ السَّراةِ أفاقَ من تَهَوُّمِه[22] ونهضَ متثاقلا، أقتربَ من البئرِ مالَ بالدَّلْو قليلا، سنَّ الماءَ على وجه، انبعثتْ رائحةُ قدحةِ الثومِ بالسمن البلدي والكزبرةِ الجافة، قبضَ حفنة أرز من الحلةِ ازْدَرَدها على عجل، بينما كانت أخته نرجس تفرد طبلية الطعام عند حوض الماء، وتتذمر بسرها من أبناء أخيها، كيف بعثروا أعواد الملوخية في حوش البيت بعد أن كدَّت في شطفه وتنظيفه منذ الصباح، تناول طعامَ الغداء مع أسرته مبكرًا بعد صلاة الظهر على دأب أهلِ القدس، قَنْفَشَ كمه مسحَ بها على شفتيه بعد أن هَبَرَ ما في القدر، أخبرته أُمه أن السقا غابَ عن موعد الماء، فنفد بئر البيت أو كاد، أكثر ما يزعج عمر إحضار الماء من أبيار الحرم الشريف، أو بير أيوب، وعين أم الدرج في سلوان، أو سبيل باب السلسلة أو الواد والتي تزود المدينة بالماء من برك سليمان عبر قنوات تحتية من جنوب غرب البلدة القديمة، ليس أشق على عمر من تلك المهمة، التي تتطلب حملَ تنكتين موصولتين إلى حبلين يتدليان من طرفي رافع من خشب البلوط الغليظ على كتفَيِه، ثم صعود درجات عقبة دير العدس والشيخ ريحان ذهاباً وإياباً حتى تكتفي البئر، لذا أجَّلَ المهمة ليوم أخر، علَّ السقا الذي يخدم الموسرين من أهلِ القدسِ، يأتي ويُفرطُ في سقاءِ البئر ويكفيه شرَّ هذه المهمةِ القاسية، استلقى عمر من جديد في ظلِّ التينة الباسقة، عادِ إلى شخيره البطيء وأحلامه الصغيرة، دقتْ أجراسُ كنيسةِ دير اللاتين، نهضَ إلى دلو الماء، مَتَحَهُ[23] وصبَّ بعض ما فيه على رأسه، ثم نفض رأسه ليطرد عن وجهه بعض قطرات الماء المنساب وبعض من وسوسات قيْلُولَته المُزْمِنة، فردَ جسمه ورفعَ وجهه نحو السماء، بَدَتْ صافية زرقاء إلا أنها نيسانية لا تخلو من بعض غيمات سابحة في ملك الله، قدّرَ أنها قد تُبدلُ حالها دون إنذار، لذا تناول سترة الكتان المعلقة على مسمار خلف باب غرفته الخشبي، نَهَرَ على زوجته هدى كي تُنظف باحة البيت حتى لا تزعج نرجس بما تركت خلفها من أثار الطبخ ثم خرج من البيت، مرَّ بمقامِ الشيخ ريحان، سلَّم على ساكن المقام، واصل طريقه قريبا من دير العدس إلى باب الغوانمة، دَنتْ برتقالة العصرِ من وسادتها فوقَ حي الشرف، مدَّتْ خيوطَ نورها البرتقالي على صفحة القبة الذهبية، تلوّنت وجنة الأفقِ وزهت، ارتفعَ صوتُ الأذان، مدَّ يديه توضأ من مياه بركة النارنج عند سبيل قايتباي قربَ بابِ السلسلة، انسابتْ صفحاتُ الأيام، لم تكن تقلباتُ الزمنِ وصور الوجوه المتبدلة والأيدي الممتدة إلى الماء ذاتَ مغزى مختلف، أصطفَ رجالٌ من أجنادِ الشامِ على جانبي نهر من ماء وخضرة وتلال، عَلَّقَ شداد بن الأوس[24] بيرقاً على ساريةِ البئر، استوى عبادة ابن الصامت[25] للناس في مجلسِ قضائه اليومي، صلى العصرَ حاضراً، قضى ما تبقى من نهار جوال في أحياءِ المدينة، اقتربتْ حبةُ البرتقال من مرقد نومها وفرشتْ سجادةً من حمرةٍ ناعسةٍ على تلالٍ بعيدةٍ خلفَ الأسوارِ وعلى أكْنَانٍ[26] ضمَّها الأفقُ وحَضَنَتها الغاباتُ الخضراء، وشيئا فشيئا أرخى الظلامُ جُفونَه وارتدتْ المدينةُ حلةَ المساء.

جلسَ عمر إلى كرسي من القشِ في مقهى الباسطي قربَ الهوسبيس السويسري، كان المقهى مكتظا بالسامرين، أخذَ رشفةً بصوتٍ مرتفعٍ من فنجانِ قهوةٍ على طربيزةٍ صغيرةٍ أمامه، أربكَ الراوي وخلخلَ انسياب الرواية، رفعَ أبو وهيب خيزرانته وحملقَ في وجهه بغضب شديد، تمايلتْ كوفياتٌ واهتزتْ طرابيشٌ على الرؤوس، تَدارَءَ القومُ وعجتْ أجواءُ المكان برائحةِ التتن، نهضَ الأسدُ الكرار، والبطل المغوار الذي شاعَ ذكره في الأقطار، أقسمَ أن ينقطعَ عن اللهو والشراب، وأن يعتزل النساء والديار، طوال ليله والنهار، امتشقَ المهلهلُ سيْفَه البتار، نادى في تغلب يا دمَ كليب، فأرهبَ القبائلَ والأمصار، صرخَ في جمعٍ من قومه والأنصار، " انهضوا من سباتِ الذلِ إلى ثأركم، لا أصلحَ الله منا من يصالحهم حتى يصالح ذئب المعزِ راعيها " .

عادَ إلى أهْيل بيته، قريباً من مقام الشيخ ريحان، عند مفترق الطريق الواصل بين عقبة خضير وباب العامود، تُطلُ بوابةُ البيتِ الخشبيةِ إلى فِرْسَاخٍ من الأرض، يتفرعُ منه طريق زقاق يؤدي إلى ديرِ العدسِ من جهة، وإلى طريقِ الوادِ من الجهةِ الأخرى، تَعْبر من البوابةِ إلى حوشِ مستطيل، عند طرفه الأيمن شجرة تين فارعة بأوراقها الكثيفة وأغصانها الباسقة، فرشت ظلَّها فوقَ حوضِ ماءٍ دائري كَتِنَتْ شقوقُ حجارته عن بعض طحالب وأزهار خضراء، ينساب فيه ماء فرات من مِيزابان يتصل ببئر يقوم فوقه رافعان وعارض من خشب الزيتون، يتدلى منه الحبل الموثوق إلى دلوٍّ من كاوتشوك أسود في جراب البئر، ومن يسار البئر شجرة جُميز تمدُّ أطنابها على طيَّات البيتِ لكنها بَدَتْ شاحبةَ الأوراقِ ذابلة، وإلى الجهة الأخرى جدار من الحجارة المنقوشة المظللة بأغصان مدادة عجوز، تدلت أوراقها على ثلاثة أبوابٍ خشبية، تفصلُ بين كلِّ واحدٍ منها نافذة من زجاجٍ براق ملون، تعكسُ ضوءاً خافتاً ينسابُ مثل الماء من قنديل زيت معلق على الجدار المقابل، الذي تتوسطه نافذة غرفة أخرى وضعَ عند طرفها كوزاً تَعَرقَ بالماء، وإلى جواره زير من الفخار.

ألقى عمر تحيةَ المساءِ على أمهِ وأختيه، اللواتي رقدنَّ من تعبِ يومٍ شاق، في غرفة إلى جوار مخزن المؤن والعلف، أطلَّ بنظرةٍ إلى يخورِ البقرِ في الواجهةِ المقابلةِ لبوابةِ الحوش، حيث يربعُ هناك خوار وخمس بقراتٍ دِرابٍ وعِرابٍ وفِراشٍ وقهدٍ[27] رضيع، وبِضْع عنزاتٍ ساجسيةٍ وشاميةٍ نفضنَّ بين فينةٍ وأخرى بذيولهنَّ قوراصَ البعوضِ والبق، أشعلَ عمر بعضاً من الروثِ الناشف، فنفر قِرْقِسُ[28] الليل وجِرْجِسه، دخلَ عمر إلى غرفته، ألقى نفسه بضع دقائق إلى فراشٍ فوقَ حصيرٍ من القصب، ضمَّ أطفاله عادل وصابر وربى، قبَّلَهم مدَّ الغطاء فوقَ أجسادهم الطرية ونهض، خلعَ ثوبه ودسَّ نفسه بهدوء من تحتِ غطاء ثقيل إلى جوار زوجته وغطَّ في نومٍ عميق.

Page 5

حكاية البئر

للبئرِ أن تستقبلَ الصباح بفرح، فهي على موعدٍ مع غيداءها وملاكهِا الجميل، ببشرةٍ فاتحةِ السمرةِ وجديلتين دَجُوجِتين[29] تدلتا على أكتاف الصبا، ينعكسُ وجه فاطمة على صفحةِ الماء يزاحمُ قرصَ الشمسِ بنورِ نجمتين كحيلتين وأنفٍ دقيق، أنزلَتْ فاطمةُ الدلو إلى البئرِ وئيدا ثم شدَّت الحبل برفقٍ فارتفعَ الماءُ ولامسَ بنانها الناعم، مالَتْ قليلاً بالدلو، دفعته إلى حوضٍ ضاقَ صبراً من طول الانتظار، وأتبعتْ دلواً بآخر، عَبَّتْ حتى دَسِقَ[30] الحوضُ وتمَوّجَ الماءُ ونضا عن وجه مَهَاةٍ وحشيةٍ تَدَلَتْ غدائُرها وعانقتْ بلورةَ النهار، بَجَّتا[31] في باجٍ شعّاع من براءةٍ غازلَتْ من صفوِها صفاءَ السماء، عشرون عاماً والبئر جزء من الحكاية وأسرارها، تُحبُ فاطمةُ البئرَ والدلوَّ والشعرَ وخريرَ الماء، وقمرا يُسافر إلى كلِّ الدنيا، ثم يعودُ إليها وفي حوضِ البيتِ ينام، فاضَ الحوضُ ومِيزابانُ القلبِ أو كادا، وشحَّ ماءُ البئرِ أو كاد، وما بين هذا وذاك زمن من وصلٍ وفصلٍ ووداد، انتشلَتْ فاطمةُ الماءَ وجادَتْ به على وردِ الحوشِ وشجرةِ التين والمدادةِ العجوز، ولها أن تجودَ ما شاءَتْ الروحُ حُبَّاً وماءًا، ولها أن تفلتَ أنفاسها ليَعِبَ منها الوردُ ويَتَضوَّع ويَفحْ عبيره في الأرجاء.

لم تنسَ فاطمة أن تملأَ مشاربَ البقرات بعد أن ضُفت، نادت كلَّ أفراخ القن فأتتها تحني الرأس ثم ترفع عينيها نحو سيدة البئر، وتدّْعو باري الكون لساقيتها، أكملَتْ فاطمةُ توزيعَ العلفِ والبرسيمِ في مواضعها، وقبل أن يَشْدُو الحسوني للصباحِ عادَتْ إلى البئرِ ودلو الماء، غسلَتْ كفيها، فَتَحَتْ للروحِ فضاءاً لتُحلقَ مستلقيةً تحتَ التينةِ تَرقبُ ميلادَ يومٍ جديد، لم تتعب ولم تمل من تقلبِ السنين على وعدها الذي غاب، كانت تعلمُ أنَّ الانتظارَ سيطول، وأنَّ من لا يعرفُ أنَّ في الحياةِ إجبار لا يعرف الحياة نفسها، لكنها لم تستسلم عندما هَتَتْ الدنيا دهاكلها وأثقال من البلاء على صدرها، قررَتْ أنْ تصبرَ وتكافح، لأنَّ الصبرَ دونَ الكفاح عجز واستكانة، لم تذهب سنوات الدراسة سدى، تمكنَتْ من إقناعِ والدها قبلَ أنْ يسقطَ شهيداً في ثورة البراق بأنَّ الدراسةَ في مدرسةِ الراهباتِ في حارةِ النصارى ثم في كليةِ البناتِ في القدس، ليست حِكراً على بناتِ الأغنياءِ والعائلاتِ الكبيرةِ من الطبقةِ العليا فقط، بلْ إنَّ ابنةَ بائعِ الحليبِ يُمكنها أنْ تتعلم، وأنْ تتفوق أيضا، وأنَّ التعليمَ لنْ يمنعها من واجباتِها في الأسرةِ من حلبٍ للبقراتِ وإطعامٍ الدجاجِ وكلِّ مسؤولياتِ الفتاة، بل إنَّ العلمَ قد وسعَ أُفقها، ورفعَ من شأنِ وقيمةِ العملِ لديها، وساعدها على نبذِ الوهمِ والجهل، وأنارَ لها السبيلَ لتكونَ أهلاً بما كلَّفها الله به من عبادةٍ وعمل، كان ما اختارته فاطمة، وتمكَنَتْ من تحقيقه أشْبَه بالمستحيل على فتاةٍ في زمنها، إلا قلةً من طبقةٍ خاصة، بالتأكيد أنَّ عائلتها لمْ تكنْ منها، لقد آمنَ الناسُ حينها أنَّ البيتَ هو كلّ عالمِ الفتاة، فيه تُولد وفيه تَكْبر وفيه تموت، ولا تخرج منه إلا لضرورة قصوى، وإن فعلَتْ، فذلك قبل أن تبلغَ الحيضَ وبرفقةِ الكبارِ من النساء، لزيارةِ أهلٍ أو جيران على مقربةٍ من البيت، تكون الفتاةُ الصغيرة قد لبَسَتْ عَبْعَبَ[32] النساءِ الكبيرات، مما فُضْفِضَ من اللباسِ والغطاء.

دَرّسَتْ فاطمةُ الآدابَ واللغةَ الانجليزية، لكنها عشقت الرسم وكتب التاريخ وقصائدَ أبي القاسم وإيليا والمتنبي، وربّما حَسَدَتْ في سِرِها ماري الصفوري على هيامِ إبراهيم طوقان بها، وكتَبَتْ للبئرِ ودلو الماءِ وحجارةِ الطرقات، ولحباتِ السمسمِ في لقمةِ زعتر، ولفارسها الجامحْ مثلَ نشيدِ الحرب، كانت تُخفي ما تكتب في صندرةٍ بعيد عن الأيدي والعيون، آمَنَتْ أنَّ زمناً سوف يأتي تتفجر فيه الكلمات ينابيع من تحتِ الصخور، ما تَعِبَتْ منَ الانتظار، يعلمُ جميع من في البيتِ أنها تنتظر وعداً هو حُلمها ومصدر إلهامها وحيويتها وبرق النور في عينيها، تعودَ أفراد عائلتها على هذا الوعد، وتقبلوا هذا الانتظار، بلْ واحترموه، ربّما لا يعرف أحد غيرها من يسكن هذا الوعد أو يشغلُ ذاكَ القلب، لكنهم تقبلوه، لذلك ردَّتْ أمها وردَّ أَخِيها منْ تقدمَ لطلبها دون أنْ يُعرضاها لسؤالٍ قد يجرحُ صورةَ الوعد، أو يُشككُ بجدوى الانتظار، كان ذلك استجابة لوصية والدها الشهيد، الذي طلبَ من ابنهِ أنْ يُحْسِنَ إليها وأنْ يحترمَ خيارها ما دامتْ تُقيم واجبها وتلزم دينها وتحترم قيم أهلها ومجتمعها. فاطمة المعلمة في مدرسة المعارف، صاحبة الوجه الملائكي والشخصية القوية، المتعاونة المحبة للآخرين، حازت على حبِّ واحترامِ كلِّ من عرفها، وإنْ بدا غريباً على بعضِ أبناءِ الحي وبعضِ الجاراتِ كثير مما كانت تقومُ به من أعمال، كانتْ تكافحُ لإقناعِ أهالي الحي من نساءٍ ورجالٍ، أنْ يوافقوا على إرسالِ بناتهم إلى المدرسة، رغم مشقة ذلك على الكثيرين بسبب من الفقر والفاقة والعادات، لذا جعلت من ساحة البيت وظلِّ التينة حلقة لتدريس فتيات الحي وبعض الكبار من نسائه، أحيانا تعامل أبناء الحي معها كأنها أحد رجالهم، كانت صاحبة رأي ومشورة، أحبَّها الناسُ، وكنت تسمعهم يقولون هكذا قالت الست فاطمة، فتاة الحي، معلمة المدرسة، ابنة بائع الحليب، مصدر فخر الحي واعتزازه، أحبَّها أهلُ البيتِ وزملاء الدرس وأهل المدينة وتمناها الكثيرون، لكن قلبها تمنى فشقي العقل والجسم في مناه.

سعَتْ فاطمة دائماً لتضييق الفجوةِ بينها وبين أختها التوأم نرجس، ريحانة البيت التي يتضوع المكان بعطرها دون أن يلتفت أحد لوجودها، تمتعت بفطنة فطريه وطَبْعٍ لطيف، لكنها لم تنلْ حظَّها من التعليم ومن الحياة مثل أختها، كانت كغالبية بنات المدينة تلزم البيت الذي هو كل عالمها، فيه ولدت نرجس وفيه تحيا وكانت مقتنعة أنها فيه أو في بيت زوجها ستموت، حاولت فاطمة أن تشركها في حلقات الدرس، لكنها لم تنجح، لم تعرف نرجس من الدنيا إلا حدود البيت، ومن الرجال إلا أباها وأخاها، وبعض الصبية الذين يحضرون إلى البيت لشراء الحليب، لم تذهب يوماً إلى مدرسة ولا حتى إلى كُتاب، كانت ساعد أبيها ثم أخيها وأمها في البيت، ريحانة البيت، تصلي الفجر منفردةً، وتبدأ بكنس البيت وشطفه ولا تسمح لأحد بالحركة حتى تجف الأرض، نرجس رغم طبعها اللطيف، مسرسبة حتى الهوس، تغسل الملابس، خاصة البيضاء منها بالشبة، تدعكها بيدها عدة مرات بقوة حتى يزهو لونها، ثم تصعد بها عشرين درجة على سلم خشبي إلى السطح، تنشرها هناك في وجه الشمس، ترفض نشر الغسيل بحوش الدار، تقول أن أطفال البيت يعرضوه للاتساخ، والحقيقة كما تقول فاطمة أن نرجس تريد أن تزهو بغسيلها النظيف أمام الجارات، فهي تطرب عندما تسمع إطراء إحداهن على همتها ونشاطها وبهاء ألوان غسيلها، فاطمة تعتبر جهد نرجس الزائد وسرسبتها نوعاً من إثبات الذات أكثر منه وسواس قهري، مقابل إنجاز الست فاطمة وإطراء الناس على وعيها وقوة شخصيتها.

ما إن تنتهي نرجس من الشطف والغسيل وخُمامَةِ البيت، تتفرغ لترتيب غُرف النوم وركن الفرش وطيَّ الُلحف الحرامات على غَرَّها وتصفيفها بعضاً فوق بعض بالركسةِ بترتيب لافت للانتباه، وإذا وضعت الوسادة البيضاء ذات الأستك الأحمر والشرشف الأبيض على السرير الوحيد في غرفة أمها، فإنها لا تسمح لأحدٍ لمسه أو الجلوس عليه، حتى أن الجارات الزائرات لأمها يتعجبن من إبداع عائلة يضم بيتها يخورا للبقر وأفراخا وبطاً وبعض عنزات وشجرة تين تسقط أوراقها وتجذب القوارض والحشرات، كيف تتمكن تلك العائلة من جعل هذا الحيِّز المكتظ بالحياة بحوشه وغرفه ويخوره نظيفاً على مدار الساعة، تَفْغو[33] في جنباته روائح حياة مفعمة بالأحياء مع روائح من العطر والبخور المنعش، كل ذلك بفضل ست البيت نرجس، أما الطبخ رغم مهارتها به فإنها تركته بعد استشهاد والدها لأمها أو لهدى زوجة أخيها لأنها لم تُطق أن تسمع إطراء على طبخها غير الذي قاله والدها "نرجس ست الستات وست البنات". تُحب نرجس أن تُعين أخاها في حلب البقرات، التي تألفها كما تألف عمر، وترمش بجفونها ترحيبا ورضاء بقدومها كما تفعل مع أخيها، لم يسلبها كدَّ السنوات جمالها الفاتن، وربما أنها لم تدرك في زحمة عملها في البيت، كم هي بارعة الجمال، ذات وجه بيضاوي وسمرة براقة وأنف دقيق، كانت ترفع رأسها بحركة خفيفة يمينا لترتفع خصلات الشعر الدَجُوجِيّ عن عينيها السمراوات المحاطة بمحار من البياض يوقظ قمر الانتظار، لم تكن تقل فطنة وذكاء عن أختها فاطمة، لكن انتظارها لم يكن وعداً، بل قدر للغياب والعزلة، نرجس لا تحب الوعود، لأنها تأتي من بعض الجارات أو الأقرباء وعداً لا تعرف شكله أو طبعه أو هواه، والأدهى أنها لا تتمكن من رسم صورة له في ذهنها، وإن حلمت به ذات مرة فإن وجهه غالباً ما يكون مظللاً بالنور، ربّما لكونه وعداً تنتظر أن يضيء ليل صباها المظلم، أو ربّما أنها غير قادرة على تصور شكل هذا الوعد، لأنها لم ترَ من الرجال إلا أبيها وأخيها.

نرجس وردة البيت المنزوية خلف جدار العيب والممنوع، التي يصعب رؤيتها وتمييز وجودها في ظلِّ زمنٍ مكدس بالعرق والجهد والتعب، إنها رغم إبداعاتها الكثيرة كست بيت ناجحة، لكنها منطوية على ذاتها، تسرق من الزمن لحظات قليلة لتخلو إلى نفسها، تحلم بفارس يعبر كالبرق من تحت كوفيات بيضاء، ووجوه كثيفة دون ملامح، يخمشُ صرة الأفق، ثم سرعان ما يغيب الحلم وتعود للزمن المرصوص بالأعمال وربّما الإهمال من الآخرين، لا تذكر أن كان لها رأى بشيء غير أعمال البيت ونظافته وترتيبه، لا تذكر أن أحداً سألها أمراً في شأن الحياة، أو حتى في شأن يخصها، ولم تعرف كلمة لا إلا في تشهدها، تتذمر بسرها، وتغضب بسرها وتضحك وتفرح بسرها، ومن شدة قربها تكاد تُحجب عن ما حولها، ليس لأن والدها كان متزمتا، بل هو المجتمع بقيوده وعاداته وتقاليده، مجتمع الرجال الذي سجن المرأة، وأخفى خلف قضبان سجنها ضعفه وانكساره أمام روحها الجميلة، كان والد نرجس حنوناً محباً، كلما أقبلت لتقبل يده ضم رأسها إلى صدره بحنان، وقبَّل وجنتها وقال: لكِ الرضا يا ابنتي رضا ربي ورضا قلبي، ودعا الله دائما أن يُحنّن عليها ويوفقها مع ابن حلال يسترها ويكرمها، هذا أقصى ما استطاع رجل في عصره أن يتخطى من قيود المجتمع من أجل ابنتيه، من بادرت فحجزت لنفسها مقعداً مبكرا في قاطرة التَحَضر، ومن سكنت فلم يشعر أحد أبدا بعزلتها ولا بألمها، تلك طبيعة الحياة لكل فتاة في ذلك العصر، كنّ وقدر العزلة والغياب في تلازم لا انفصام فيه.

ربّما اعتقد الجميع أن داخل نرجس راكدا، لكن قلبها يخفق ويحلم بفارس الجمرات يلتهم تفاح الصبا ويجتاح أعماق الجسد ويبعث جيوشا من النمل تحت جلدها الطري، فتضم كفيها إلى صدرها، وتشد ساقيها إلى بعضهما بقوة، وتنفض رأسها تخلصاً من ذاك الشعور، وتحمر وجنتاها خجلاً، تتلفت حولها خائفة مرتجفة خشية أن يطلَّ أحد ممن في البيت على مكنون الرغبة ورجفة السؤال.

كانت نرجس أحياناً تغار من فاطمة وتحسدها على حظها في الحياة، فهي تخرج كل يوم من البيت، تبدل ثوبها البيتي بآخر للحياة، تحدثت الجارات عن جمالها وعن علمها وعن رأيها، وكثيراً ما تمنتها بعض النسوة زوجة لأحد أبنائهن، وإن عبَّرنَ أحيانا عن خشية من أمنيتهن تلك، لأن الزواج بفتاة بمواصفات فاطمة أمر لم يجرب في مثل تلك الأحياء، ولم تعرف طبيعته من قبل، كانت فاطمة مصدر الإلهام الخفي لكل ما هو جميل في ذهن نرجس، كانت تحبها وتحسدها وتخشاها، لكنها غالباً ما كانت تغار منها، كانت تؤمن أن حالتها هي القاعدة وأن فاطمة هي الاستثناء، بل الانحناء الحاد نحو الاستثناء، ورغم غيرتها الشديدة منها، لم ترغب يوماً أن تكون مثلها، فهي لا تعرف تماماً ماذا يعني مثلها، ولا تذكر كيف درأت فاطمة خباء التواري والعادات واقتحمت جدار الصمت والمألوف وقفزت إلى حيث المختلف والغريب، هي لا تعرف بمقياس الأفضل، هل قدرها هو الأفضل، أم خيار فاطمة ووعدها السحري المجنون، كثيراً ما شعرت بخفقان قلب فاطمة وهي نائمة إلى فراش بجوارها، كانت تشعر بيدها تسحب من تحت الغطاء تَمْسَح عن خدها دموعاً ساخنة، وأحياناً كانت تسمع منها بعض تمتمات عفوية، كأنها توشوش الليل أو تناجي وعدها الغريب، لكن نرجس لا تعلم كثيراً عن هذا الوعد، وما الذي يجعل الانتظار حاراً ومؤلماً وجميلاً إلى هذا الحد.

Page 6

مجد الشيخ ريحان سيد أولياء المدينة

رتيبةً تسير حياتكم لأنكم لم تعرفوا مجد، ولم يسلبكم شعره المخضب بالجلَّنار[34]، ووجهه الوردي الذي قبلته العصافير، فنمشت وجنتيه، كيف للقلب أن يخفق دافئا وليس تُوقد فيه رجفة الرغبة ونار الاشتياق، وبلا مجد هل تكون الدنيا إلا لحظة للسهو تعبر ليس تعرفها الأماني ولا تحاكيها الأغنيات، لماذا لم تعرفوا مجد، وقد سافرت أنا في ربيع عينيه، وما تعبت خطاي، لماذا لم تسمعوا همس الأحلام توشوش الليل وطرقات القدس وتبكي حين يغالبها الوجد وتسأل، أما عاد مجد، خَطَّـتْ سيدة الحكاية كلماتها في دفتر صغير، و"نونست" ضوء المصباح وغالبت جفونها المتعبة.

مميّزاً ليس لحمرة وجنتيه، وندى الصبح على جبينه ودَماثَة خلقه وحسب، بل للصبا المتوقد فرحا وحُبا للأرض وللناس، حنونا مثل جُدران المدينة، تعانق بعضها وتحضن الأهل والأحباب، ناعماً مثل نداء الفجر، طيبا كحبات العنب وجامحا مثل رياح كانون إن جدَّ النزال، منذ صغره تعود أن يحضر كل مساء إلى مقام الشيخ ريحان، سيده الذي ما رآه يوماً، لكنه آمن دائما أنه حارس الأحلام التي لم تولد، ما بخل مجد يوماً على المقام وسيده بزيت أو شموع، أضاء عتمة المغارة الصغيرة من فتحة نافذة عند الجدار الأيمن لبوابة المقام الخضراء، الذي يقع في البلدة القديمة من القدس، عند مدخل زقاق ضيق في حي يحمل اسم سيد المقام، محاذيا لوسط الجهة الشمالية لبوابة الغوانمة، إحدى بوابات الحرم الشريف، التي تصل طريق الآلام مع عقبة الراهبات، حيث أعلى درجات تتوسط دير العدس وراهبات الوردية، صعودا إلى اليسار بضع درجات أخرى، تعبر إلى زقاق ضيق، من تحت بناء حجري قديم على شكل قوس يمتدُّ حتى نهاية البناء المسقوف، تُطل من أعلى واجهته الأمامية شبابيك البيوت والمشربيات الخشبية، إلى يمينها نوافذ الطابق العلوي للمقام، يقع تحته باب لمغارة معتمة صغيرة، يقوم فيها ضريح الشيخ بحلته الخضراء، يُفضي الزقاق إلى مفترق يصل عقبة الميلوية وحارة السعدية مع الشيخ ريحان، تتواصل البيوت يحضن بعضها بعضاً، حجر يحتضن حجراً، ونافذة تهامس أخرى وسطح يسامر سطحا، وقبة تمتدُ إلى أخرى، ومقام يناجي مقاما، حتى تلتف المدينة على نفسها وتتشابك حاراتها وأسواقها، أحياءها وأمواتها، ماضيها وحاضرها، بعضها يحتوي بعضاً، تتداخل أحياؤها كأنها نسيج كائن أسطوري.

هنا كل شيء عزيز، كل شيء نفيس وذو قيمة، البيوت والحجارة والجدران، ذاكرة مجبولة بالقداسة والأحلام وتراتيل الأنبياء، هنا تدوم الدهشة وتُومض مفاجئات الانبهار، هنا يذوي العادي وتتفتت رتابة الصيرورة، وتفشخ الروعة ناصية الحضارات، فتفيض روح المكان المُطهمة بالقداسة وتتجلى القدرة الإلهية مع عظمة الإبداع الإنساني في غُبارِق المعمار الذي يُعَبِرُ عن صفاء روحي فريد، هنا حيَّز يتسع لأكثر من زمن في آن معا، هنا يحيا التاريخ داخل الناس ويحيا الناس داخل التاريخ الذي تُشتم أنفاسه في كل زاوية وزقاق، هنا أزقة ضيقة لا يتسرب منها الماضي من زمن إلى زمن آخر بشكل تام، هنا تحمل المدينة بين جنباتها وأضلاعها الماضي بكل أحداثه التي كفنها وقبرها في صدر الأرض، وأنشأ شواهدها على السطح بعداً أخر للحاضر، هنا تَدْلَحُ الحضارات حكاياتها على وجه الحجارة والناس، هنا لا يولي الزمن ولا يطوي أيامه بل يرسم على جباه المدينة صورة لواقع خالد، هنا تخاطبك روح المكان التي تنسل إليك من عبق صوفي عتيق، وتَسْبَحُ في فضاء المدينة جزر من نجوم تتلألأ في الغامق، فيمور النور وتتنزل الملائكة والروح فيها، ترتل فيغمر صوتها تلال الحلم وشفاه الهواء، هنا يُسبح لجلال الخالق كل شيء، الناس والحصى وحبات القمح واليمام، هنا ليس لك أن تمشي إلا خاشعاً وئيد الخطى، لأن أقدامك تحطُّ على فَدَّاد[35] من القوم وعلى أديم من العالمين، هنا قد يشيخ الناس وتتبدل الوجوه، لكن المدينة تبقى في شبابها القديم، متحفاً مأهولاً ليس في جنبات الأرض له مثيل، هنا القدس طاهرة الاسم في دلالة معناه تنزهت عن كل عيب ونقيصة، هنا مدينة حية تنفث روحها على مدى الزمن، من بدايات بعيدة ليس تنتهي.

قد يبدو لمن هو غير عارف بالمكان أن مدينة يتكدس فيها الألم والفقر والبؤس في الطرقات، وينخر الإهمال عمرانها، ويعشعش الفُدْس والَهبُورُ[36] في حنايا أزقتها، ليست جديرة بامتلاك آيات الجمال، وقد يعتقد البعض أن الحديث عن ذلك الجمال ما هو إلا هوس عاشق انصهرت روحه في روح المدينة، فبات لا يرى جمالاً يوازي جمالها، لكن أهوالاً من واقع ثقيل عبر عهود ممتدة، جثمت على صدر المدينة، غير أنها لم تمنع بعث النضارة في وجهها الشاحب من لحظاتٍ هوت بها عن قمة مجدٍ طَحْطَحه[37] الجهل والعجز والخذلان.

دنا كعادته هادئ الخطى من نافذة المقام، أشعلَ شمعة مال بها، انسابت قطرات بلورية لزجة، ثبّتَ شمعته على بلاط النافذة، ترنح نور الشمعة مع أنفاسه الساخنة، مدَّ يده إلى سراج قرب الباب ملأه زيتاً فتلألأ نور خافت في أرجاء المكان، كشفَ عن مرقد ساكنه ذي الحلة الخضراء والشاهد المغطى بعمامة بيضاء، للوهلة الأولى يُخيل للناظر أن الشيخ قد استلقى في مجلسه وسط الحجرة معتمراً عمامته متوسدا وجهه المستدير بكف يده، وقد تلألأ جبينه الأَبْلَج[38] وبانت قسمات وجهه الهادئة، وربما اعتقد الناظر إلى الضريح أن الشيخ يغفو في دعة وسكينة بعد جهاد يوم طويل.

أطلَّ مجد إلى نافذة المقام، تمتم بفاتحة الكتاب همساً، كي لا يؤرق نوم الشيخ الجليل، تملكه شعور بالرهبة وهو يرى النور يترنح هادئاً كأنه يداعب عمامة الشيخ بجلال وخشوع صامت، شعرَ بحرارة تسري في عروقه، هو الخوف حينا والحب والتبرك والإجلال حيناً آخر، كان يعلم أن عدداً من أبناء الحي يُحضرون الزيت والشموع للمقام المبارك قبل أن يَدْلَهِم الليل، لكنه أحسَّ دائما أنه مختلف عن الآخرين، شيء ما يربطه بهذا المكان، ليس ما تعوده الناس من رغبة بالتبرك وزيارة المقام وحسب، شيء ما يشدّه إلى هنا، كأن قوة عظيمة تربطهما معا، ربما التبس عليه تفسير ذاك الشعور أو فهم معناه، شيء ما يدفعه دوماً إلى هنا، أحبَّ مجد الحي والزقاق وسيد المكان، وأحياناً كان يصعب عليه فهم الفرق بين الشيخ وبين المقام، وأغلب الظن أنه كان مقتنعا أنهما شيء واحد، وأنهما كانا هنا دائما.

يظن كثير من سكان الحي وبعض أهالي القدس أن الشيخ الصالح الذي جاء إلى المدينة مع الفاتحين في عهد الخليفة عمر، رضي الله عنه، كثيراً ما كان يخرج من مقامه، خاصة أيام الخميس من كلِّ أسبوع، يتجول في أنحاء الحي والمدينة، وربّما يدخل إلى أحد البيوت يجالس أهله ويأنس بهم بعض الوقت، ثم يخرج دون أن يُحَدِث أحد، وما إن يشعر أحد من سكان الحي بالشيخ الزائر، حتى تسمع صوت البسملة والتمتمات الوجلة، وربّما أشعل البعض نوعا معينا من البخور المفضل للضيف المبارك، منذ مدة طويلة انقطع خروج الشيخ من مقامه، وما عاد الناس يذكرون أنهم شاهدوه يتجول في أنحاء المدينة، أو أنه زار بيوتهم، إلا أن الجدات ما برحن في ليالي القدس المُدْلَهِمَّة الماطرة يروين قصة الشيخ الجوال لأحفادهن، خاصة عندما يجلسون إلى كوانين الدق ذات الجمرات المُلْتَهِبَة، التي يداعب وهجها عيون الأطفال وينشط خيالهم، فيُحلقون في فضاءات بعيدة، يرسمون في أذهانهم صورة للشيخ بملابسه الغريبة وعمامته البيضاء، وربما تخيلوه يقف أمامهم، أو أنه يفتح أبواب البيت ويدخل إليهم، ومع أن الأطفال والناس عامة في القدس قد ألِفوا حكاية الشيخ حتى أصبحت والشيخ جزءاً منهم، إلا أن رهبة المقام وهيبته بقيتا في قلوب الناس دائماً.

آبَ عمر عائداً إلى طيَّه في ضوء قمر أوشك على الرحيل، تابع أبو وهيب السرد ولوّحَ بخيزرانته فألهب أسماع الحاضرين، بدا الزقاق حُلما، تفتحت شجرة الجميز، خيال مشربيات النوافذ وستائرها عبثت بها نسمات ريح لطيفة، انعكست صورتها على جدار الطريق، سبح الله وشكر فضله ونعمته عليه وعلى عائلته بما منَّ عليهم من رزق، أشعل بعضا من روث ناشف وطوى ليله حتى بزغ فجر جديد، قام وصلى وهزت أبقاره ذيولها أنساً، ثم حملَ عمر دُليَّ الحليب وانطلق إلى زبائنه مع دُغُنَّة[39] نهاره الجديد، يمَمَ شطر مقام الشيخ ريحان، قرأ فاتحة الكتاب، رفعَ يده تحية، السلام على ساكن المقام، قال، وأغلب ظنه أن الشيخ انتهى من صلاةِ فجره، وتوسَّدَ كفه وغفي من جديد، كان في ذهن عمر أن يصل إلى بيوت زبائنه سريعاً، حتى يُسلِمَ لهم حليبا طازجا دافئا ولبناً ظلِيما، انطلق مهرولا يُسبح وُيتمتم باسم الله الرزاق الكريم، رأى باب المرقد يُفتح، ظنَّ للوهلةِ الأولى أنَّ أحد المُكلَفين برعاية المقام قد انتهى من عمله وهَمَّ خارجا، تلوى النور من سراج المقام وتموَّج في رذاذ تسلل من صير الباب، أُعبق الزقاق بفنعٍ وطيب، فجأة رآى شيخاً عَطَرَّدُ القامة، مضمخ بالمسك، يعتمر عمامة بيضاء، أبلج الوجه، وديع المظهر دون اخلال بهيبة الهيئة والقوام، ذو عينان سوداوان براقتان، يرتدي جلباباً داكنًا فضفاضاً، وعباءة خضراء امتدت إلى القدمين، عبَرَ من نقطة ما تحت قوس الضياء، متحرراً من علة الزمن، كأنه يَهْدَجُ[40] فوق جسد التاريخ، .

تجاهل الشيخ خوف عمر وهلعه، بدا كأنه يُكمل حديثاً متصلاً سابقاً ومعلوماً.

Page 7

- أين هو، أما وجدتموه بعد؟

- "مين يا سيدنا، مين بتقصد، مين"؟... سأل عمر بصوت مرتعش.

- هلا هدأت يا رجل وأخبرتني هل وجدتم مجد.

- "مين مجد يا سيدنا، ما بعرف عن مين بتحكي"؟.

- مجد يا رجل ابن جارك الشيخ نامق[41]، لقد أطالَ غيابه عني، منذ زمن طويل لمْ يُحضر لي زيتاً ولا شمعاً، وما عاد زارني في ليل أو نهار، وما عُدت رأيته في الجوار ولا الديار، أين ذهب مجد يا ولدي؟

- "مجد...مجد...آه... عرفت مين تقصد"، توفي والده الشيخ نامق منذ عدة سنوات، وما عدنا رأينا مجد بالحي بعد عزاء والده، يقال أن الإنجليز خطفوه ويقول آخرون أن اليهود قتلوه، "أقصد يعنى أنه استشهد".

- أن يكون مجد شهيداً، فهذا ما يُجل، لكنه لم ينل شهادته بعد، فما زال أمامه درب ووعد، لو كان مجد بين الشهداء لعلمت أنا بذلك يا ولدي، لأننا نحن أولياء المدينة نحتفي بشهداء بيت المقدس لحظة صعودهم.

- "نعم.. نعم، أنت أدرى، وإلا كيف يعني، تمتم عمر باستسلام.

- ماذا تقول، بماذا تهمس أنا لا أفهمك، تراك تفطفط من جديد، قال الشيخ.

- "قصدي... يعني...."، يقول البعض إن مجد هاجر إلى ألمانيا، وأصبح ثرياً جداً، وما عاد يذكر القدس، ويقول آخرون إنه سافر إلى أمريكا، وهذه بلاد بعيدة ربما أنك لم تسمع بها، يقال إن مجد انشغل باللهو والخمر والنساء والعياذ بالله.

ضاق الشيخ ذرعاً بما سمع، أمسك بتلابيب عمر، شدَّه إليه، وقال:

- يا هذا لا تَفْتَأت[42] على الفتى، ليس ما تقوله صحيحاً، إنه مجد يا رجل، أنت لا تعرف مجد، سيد فتيان المدينة وأميرها الأحمر، إنه الزيت الذي يضيء ظلام القلوب، والوعد الذي ظلّ حيا يوم غاب الأمل عن العيون، سيف الرباط، حامل اللواء، وحارس أحلام المدينة، العاشق العابد التقي الورع، الساجد القائم المجاهد، أنت لا تعرف مجد أيها الرجل، فمثله ما كان يوماً ليهون أو يضعف أو يُفرط بالأمانة، لا غُربة الدار إن حلت، ولا المال ولا النساء، ولا ملذات الحياة وملهياتها ستأخذه من إيمانه ومن قدره العظيم، هو حي في الشجر والحجر والبشر، إنه في مكان ما، أبحثوا عنه ولا بد ستجدونه، وكلما عجلتم بعودته، دفعتم ظلام الليل عني وعنكم، أتفهم ما أقول، عليكم أن تجدوه، وأن تعودوا به لبيت المقدس، وإن لم تفعلوا، فأنذروا بظلام يدوم وخراب يحوم.

ثم مدَّ الشيخ يده إلى بهو مرقده المجلل بالعتمة والظلام، وجاء بذبالة يتخافت نورها من غير زيت أو سراج، ألقى بها إلى عمر وقال بصوت تهدج كأنه يأتي من غور عميق:

- يا عمر أريدك أن تكون عذيري من الوحدة، ونصيري من الغياب، وعوني على الظلمة والخطوب، خُذ إليك ذبالتي هذه قبل أن يجف زيتها وتذويها الريح وابحث عن مُوقد ناري، وأهلَ مرقدي وعماري، قل له إن للشيخ ريحان عتباً شديداً، لأنك منذ مدة طويلة لم تُحضر له زيتاً ولا شموعاً، قل له منذ زمن لم يتلألأ في مرقدي سوى شحيح من نور وضياء، ثم دَهَمَنا الليل وغيبنا الظلام، أنظر إلى نافذتي وقناديلي، جفَّ زيتها وغاب نورها بينما أضاء في غير مكان، ما فتئ الناس في سهوهم عنا حتى ضعف وِدّهم وكادَ يَنْضَبُ عطاؤهم، لقد وهنَ عزمهم وما عادوا وبَهَؤُوا[43] بهذا المقام، وأخذهم اللهو عنا، وألقوا بنا إلى ماضي الكتب المكدسة، جعلونا سيراً بالية، ولولا ذاكرة المكان، لغيبنا النسيان، فما عاد القوم وهلّوا، ولا شدّوا الرحال وحلّوا، أنطوى الواحد منهم في هذه الدنيا على نفسه، ليس يرى فيها إلا ظله.

انهض بنيَّ وذبالتي هذه، أسرج جواد الهمة، انفض عنك رتيب العيش، أقرع أبواب الأمة، ابحث عن وعدنا وعهدنا ومجدنا، قل لهم مضى على الغياب زمن طويل، وبيت المقدس اليوم في كرب عظيم، إننا في الجوار نسمع دبيب أقدام غريبة، تعيث فسادا في المكان، قم بنيَّ استنهض الناس ولا ترنُ للنعاس، اصرخ في عار العروش وذلّ الجيوش، من أغمدوا السيوف وغادروا الصفوف، وتخلوا عن الواجب والمهمة، قُل للقادة والسادة والمتكئين على الوسادة: عار وأي عار أن تترك ساحات الوغى والثغور، عار أن تختبئ جحافل الإمارة خلف أطفال الحجارة، قل لهم منذ زمن لا أسمع إلا مطارق ثقيلة، تدق أحجار المدينة، تهدم البيوت على الرؤوس، وتقتل البشر وتقلع الشجر وتسدّ الطرق على العباد، منذ زمن لا أرى إلا كاسيات عاريات يتجولن في الجوار يتضاحكن ويرطن بلغة غربية، لم أفهمها قط، منذ زمن وأنا أشاهد أُناساً غرباء، يمرون أمام مرقدي دون سلام، ما من فاتحة تُقرأ، وما من دُعاء، ما من زيت وما من ضياء، منذ زمن أسمع نفخ بوق، ونعيب بوم، كأن البيوت في الجوار قد بدلت أهلها، وغيرت نهلها وركنت لسهلها، اذهب لمجد قُل له: ما عاد الشيخ يطيق صبراً، وهو يرى بيوتاً للخير تهدم، وبيوتاً للخراب تقام، قل له لم يعد الغياب مقبولاً ولم يعد الصمت مفهوماً، قُل له إنني وبيت المقدس والناس وطالعه على ميعاد.

ودون أن ينتظر الشيخ تعقيبا أو إجابة، خطا تحت قوس يذوي من ضياء، عائدا من حيث جاء، ثم ران الصمت في المكان، وغاب الشيخ في ظلام المقام.

Page 8
أبوابٌ موصدة
 
طبول كشافة دير اللاتين وصنجات الرواد راقصت أسماع المشاهدين الذين اصطفوا على جانبي الطريق من بواكير الصباح، انتشر باعة الشعبيات والزلابية والهريسة وشعر البنات وبيض الخميس الملون في ساحة الأسود الواسعة أمام بوابة الحرم الشريف، وانبعثت رائحة شواء اللحم من الكوانين والبسطات قريبا من حمام ستنا مريم، وجال باعة شراب الورد والعرق سوس والخروب بأجراسهم اليدوية وأباريقهم وأكوازهم الكبيرة المحمولة على الظهور، بخراخيشها التي تداعب أسماع المارة.
 
من قدرون الواد الذي تمتزج به رائحة الحياة والموت، ونضرة الورد المتفتح مع صفرة الأشواك، هنا حيث ما زالت خطى الأنبياء طرية فوق مِيداء الطريق ومِيتاؤه[44]، وأجواء المكان تعبق بأنفاس ملائكة طاهرة وروائح مسك لا يذوي مهما زاحمه في الحيز نتن من ريح يهوذا أو مرجوس الشياطين، هنا حيث يتعايش الماضي والحاضر في تداخل فريد على طرفي الزمن والمكان، تُطلُ الكنائس العريقة والأديرة القديمة من خياشيم التلال، وتنتشر المدارس ومساطب العلم تحت ظلال المساجد وفي جلابيب أروقتها، وتمتدُّ بيوت الناس على سطحات التلال المحيطة بالمدينة، ويحفر الوادي قبور لغزاة كثيرين.
 
يتكئ أصحاب البسطات على حواف التاريخ، يفرشون قدور الزاد وولائم الرحمة، ويفردون قلوبهم بساطا لضيوف المدينة، من أعلى التلة عند أقدام الباب الذهبي حيث يرقد على طيب من الثرى عبادة بن الصامت ويستفيء ظلّ الفتح شداد بن أوس، إلى تلة يسوع وعتبات قبور الأخشيد في طريق المجاهدين، ومن صلاحية الناصر لدين الله ودير العذراء عبر طريق الآلام إلى مرمى عباءة بن الخطاب قرب كنيسة القيامة، يمرعُ الناس وتتابع أنفاسهم وتتعالى أصوات باعة البليلا والكعك بالعجوة والسمسمية، ويفوح الزمن برائحة القداسة والبخور، ويهبش الحاضر من وعاء ماضيه فتبدو المدينة أوسع من حدِّ أسوارها وأكثر اكتظاظا من نشور لحظتها، وأعمق وعياً وتنوعاً ممن تصارعوا عليها، تمتدُّ إلى رئات الحضارات وإلى صدور الناس، إلى الفلاحات القادمات من سريس وبيت محسير وقطنة وأبو غوش وعين كارم ودير ياسين واللطرون وأم طوبا وكفر عقب وشرفات والسواحرة، يَحْضرن مع عبق الليمون وطيبات الحقول وأنفاس التاريخ تمور وتشدُّ ساعداً إلى ساعد، في سلسلة متتابعة تُسوّر المدينة وتحفظ جلال حضارتها الكونية ورسالتها الإنسانية من مقت أسطورة الوهم وعنصريتها الخبيثة.
 
يستمر توافد الناس من أنحاء المدينة والقرى المجاورة، يصعدون تلَّة اليوسفية وباب الرحمة، يتدفقون في شرايين الشوارع من جبل التين إلى مرقد القبر المقدس. أمهات بغطاء رؤوسهن البيضاء وبراقعهن السوداء يحملن أطفالهن على صدورهن أو أكتافهن، وصبيان بأقدامهم الحافية وسراويلهم البالية، شباب وكهول بقنابيزهم وكوفياتهم البيضاء وعباءاتهم المطرزة، شخصيات رسمية بثيابٍ مميزة بأناقتها وياقاتها البيضاء، رجال بطرابيشهم الحمراء، وقسيسين ورهبان، جاؤوا للاحتفال بأحد الشعانين.
 
يُطلُّ موكب الفرسان من أعلى الجبل، يتقدمهم فارس بملامح جندي من القرون الوسطى، يمتطي فرساً كهرمانياً[45]، يتبعه في صفين متوازيين أحد عشر فارساً على جياد شقراء، يتوسطهم فارس على حصان أبيض، يحمل راية المدينة، بينما يرفع باقي الفرسان رايات وشارات الطوائف والكنائس والمدارس، يليهم قارعوا الطبول الكبيرة المربوطة إلى الأكتاف والأجساد التي تميل إلى الخلف من وزر الأحمال، ومن ورائهم تتوافد زرافات الفرق الكشفية للمدارس والأديرة، صورة من ذاكرة المدينة وثقافتها المتنوعة المتداخلة لا تطرد قيمة فيها قيمة أُخرى.
 
كان يعلم أنها ستمرُّ من هناك، بقي أبو جريس وقد دَلَّهَهُ العشق واقفا طيلة ساعات منذ الصباح الباكر، مرت مواكب كنائس وأديرة القدس وبيت لحم تباعا، وفود من أصحاب النيافة مطارنة وبطاركة وارشميندرات ورهبان وراهبات، بقَلاسِيهم وياقاتهم البيضاء وأثوابهم السوداء الممتدة إلى أقدامهم، نزلوا من جبل الزيتون، مَرّوا بوادي الموت والحياة، ثم صعدوا إلى طريق الآلام عبر باب الأسباط، يتقدمهم قادة مشاة الكشافة بزيهم الكاكي وأربطة العنق الموشحة بخيوط ملونة، والمرابط البيضاء العريضة حول أعلى القدمين فوق الأحذية الجلدية السوداء، وبعصيهم الطويلة المزينة بالنقوش والخزف، يدورونها بأيديهم بمهارة، ثم يلقون بها إلى الأعلى على نغمات القِرب وموسيقى المارشات والفرق النحاسية، تشخص عيون الجموع إلى العصا التي يطوِّحها الهواء حتى تتلقفها أيدي القادة بمهارة عالية، يلوحون بها على جَوشهم ذات اليمين وذات اليسار، بينما وجوههم مثبتة النظر إلى منصة كبار الضيوف على تلٍّ ترابي قرب باب حطة، وفجأة تهتف حناجر الجموع، تُحيي النازل بجلال من بيت التين نحو الأسوار، متمثلا وقار وتواضع من آبى أن يعبر المدينة ممتطيا ظهر حرب أو حصان، وجاء على آتانه الصغير تعبيرا عن رسالة المحبة والسلام، قُرعت أجراس الكنائس وصَدَعَتْ الحناجر بالصلوات، ثم عَلَتْ أصوات الجموع ترحب بمواكب الوافدين إلى المدينة.
 
ظلّ أبو جريس ثابتاً في مكانه أمام باب الصلاحية، قرب حمام ستنا مريم، يتدافع بجسده حيناً وبيديه حينا مع بعض الصبية والشباب ليمنع أجسادهم من أن تحجب الرؤية ومسيرة عيد الفصح عن عينيه، وكلما دُفع إلى الخلف قليلا، تأفف ورفع جسده منتصبا على رؤوس أصابعه بأقصى ما يستطيع، كان يخشى أن تمرَّ ماري بَغْتَةً ولا تلمحها عيناه.
Page 9

فجأة تقدمت مجموعة راهبات دير اللاتين، يسرن على طول صفين متقابلين يتقدمهن المطران سمعان، رآها تعبر من تحت أقواس البوابة الكبيرة، في الصف المقابل لجهته تماماً، بَغْثاء[46] الوجه بَدْرَة العين، نحيلة الجسد، تحمل بيدها سعفة نخيل، وتنشد والجموع مزامير الشعانين، وكلما اقتربت تصاعدت نبضات قلبه وهُيئ له أنها تهرع إليه، تسارعت أنفاسه دفع جسمه بكل قوة، ارتفع على أطراف أقدامه أقصى ما استطاع، كاد يهتف باسمها، تدفق كل ما في الكون من لهب إلى صدره، كأن الحياة فارت وأطلقت لظاها من دُجى الوجد في لحظة واحدة، تقدم في الحيِّز المكتظ خطوة أخرى، لهج[47] باسمها، لكن ماري مرت بسرعة خاطفة مثل ملائكة الفصح، وزعت هدايا العيد نظراتٍ من عيونها الساحرة على جموع الحاضرين، رآها بجلال ردائها الأسود وقلنسوتها البيضاء، وصدرها المطوق بياقة بيضاء تمتد إلى أسفل الرداء، التفتت نحوه، فَرَدَتْ شفتيها حتى غمازات الوجنتين، برقت عينيها، بدا له أنها ابتسمت، دفع بعضاً من حشدٍّ أمامه بقوة، حاول التقدم لكن الحشد دفعه إلى الخلف من جديد، هل فرَدتْ شفتيها حتى غمازات الوجنتين، هل ابتسمت حقاً، قلبها خارج منطقة الاستقبال البشري، قالت له أمه، لم تعد ماري تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تشاركه اللهو إلى جوار شجرة السرو في ساحات الدير، منذ عاد في إجازة دراسية من جامعته في لندن، حاول أن يراها، لكنه لم يتمكن، قيل له إنها في عبادة خليوية منذ تسعين يوماً على قمة جبل التجربة في دير القرنطل قرب مدينة أريحا، مرّت ثلاث سنوات لم يرَ ماري، توقع أن تزور أمه في سبت النور مع والدتها كما تعودت دائما، لكنها لم تفعل، لذا بدا المشهد عزيزاً عند بوابة الصلاحية.

- عليك أن تنساها وتُحرر قلبك من ذنب التعلق بمن ليس إلى سبيله رباط، تلك أبواب موصدة، دونها الخطيئة والذنوب يا أنطون، قالت أمه.

أطلّ من نافذة غرفته ومن دِيماس[48] غربته على ضفة نهر التايمز، هفَّت نسمات هواء داعبت خُضارب الماء، تيار هواء لفحَ وجهه فأستنشق رذاذا من ضباب رطب، غشي أجواء المكان وقلبه المَهموم، لكنه لم يحجب عنه مرأى النهر وجسر البرج الذي تجللَّ بوشاح من بياض شفاف منذ أعلاه الملك ادوارد، مدَّ أبو جريس أطراف لحظه حتى لامست بحنان صدر اليابس المُضَبْئَك[49] على جنبات الماء، وتدفقت نبضات الزمن برناتها العالية من أعلى برج الساعة على الطرف الجنوبي لمبنى البرلمان لتنصت لصخبها جنبات الأرض خلف بحار بعيدة، لمح عجوزاً يجلس إلى مقعد بجوار حانوت للعصائر والكتب على الرصيف المقابل، بدا هادئا بارد النظرة كأنه لا يُحدق في مكان محدد، أو كأنه لا ينتظر شيئاً، ربما طوى سنوات عمره مع عمل رتيب في إدارة حكومية، منحني الظهر منكباً على ملفاته يُمحصها من خلف نظارته الغليظة، أو أنه جلس إلى ضفة النهر بعد سنوات من الكدِّ في أحد مصانع الإنتاج الحربي، وربّما كان عائدا من إحدى المستعمرات البريطانية البعيدة، هَرَّتْ ذاكرة أبو جريس ودَلَحَتْ ما فيها على صفحة الماء، صورة والده جالساً إلى كرسي من القش أمام راهبات الوردية ، بعد سنوات من الكدِّ في مطحنة القمح في طريق الواد، صافي القلب والسيرة، لم يعمل في مصنع حربي، وليس عائدا من إحدى المستعمرات البعيدة، كانت نظراته حنونة تلحظ المارة، وربّما تحصي خطى العابرين إلى طريق الآلام.

ليس بعيداً من الرجل العجوز قرب النهر، وقف شاب ببزة عسكرية إلى جوار فتاة تطاير شعرها الأشقر على ظهرها، بينما طوَّق الشاب بذراعه كتفها بحنان، كانا يحدقان بمركب كبير يمخر النهر، فيتموج الماء الهارب خلفه عن رغوة بيضاء، تتابعه عيون أطفال وعجائز من نوافذ البيوت وبعض الجالسين تحت مظلات المقاهي والأكشاك الصغيرة، عله يحمل لبعضهم نسمة من كيمبل أو قنديل من اكسفورد أو نفحات عشق من حبيب في ريدنغ، يصبها إلى الشرق في رطانزة عند بحر الشمال، كان الجو باردا بعض الشيء، ضم الشاب الفتاة إلى صدره، لا بد أنها أحست بدفء أضلاعه الملتهبة من الانتظار، مَسَحَ أبو جريس بيده على صدره، لسعته لفحة برد مفاجئ، ضمَّ يديه على فراغ صدره، لم تفلح نار الشوق الملتهبة داخل قلبه في تدفئة أضلاعه العارية، أحس بقهر الوحدة ووحشة الغربة، حدَّق بالعاشقين على ضفة النهر، بدا أن الشاب يتحدث إلى فتاته بفخر لافت، لعله يُوَدِّعُها للذهاب إلى بلد بعيد، أو عله كان عائد من الحرب في الهند أو شمال أفريقيا، أو ربّما حملته نفس السفينة التي جاءت بأبي جريس من ميناء حيفا بفلسطين قبل ثلاث سنوات، ومَخَرتْ بحار وأهوال وحملت من موانئ كثيرة جنود متعبين.

عاد الشاب وضمَّ فتاته إلى صدره من جديد، بدا أنه يَهْمِسُ في أذنها، لعله يبثها أشواقا خبأها تحت جمر سنوات الغربة الموحشة، أو لعله يُسرُّ لها بعضا من مغامراته في فلسطين، ربّما يحدثها عن صبيّةٍ اعترض طريقها في أحد شوارع يافا أو أحد أزقة القدس، لعله يحدثها عن تعليمات الجنرال الجديد هناك، أو عن الرجال ذوي الكوفيات الذين تتشابه سحناتهم تحتها، حتى أنه لا يكاد يُفرق بينهم وهم يعبرون الحواجز العسكرية في طرقات البلدة القديمة، أسندَّ الشاب وفتاته ظهريهما إلى سياج من الحديد على ضفة النهر، نظرا إلى الأفق المجلل بالضباب، ثم فجأة التفتا ناحية النافذة البعيدة، بدا أن الشاب يشير بيده، ارتعدت فرائض أبو جريس، لعلَّ هذا الجندي القادم من فلسطين يُشير إليه، أو لعله يقول لها إنَّه لمحَ هذا الفتى المختبئ خلفَ النافذة البعيدة قريباً من باب العامود، لم يكن يرتدي كوفية كالآخرين، لكن سحنته لا تختلف عنهم.

أطلق المركب صافرة الوصول، تَزاحم الناس على ضفة النهر، لعلهم قادمون في نزهة من لوندس، أو عائدون إلى المرسى قبل أن يفيض النهر من كيمبل، أو يهبط القلب مع الجرف ونزعة السطوة عند وادي النهر في طانزة، دقت أجراس الساعة واصطف الحراس على بوابات الحلم وأسوار القصر الملكي، لم يعد أبو جريس يرى العاشقين، فعاد عن نافذته إلى هياضِ قلبه ووحشة غرفته الباردة وإلى كتبه ودفاتره الملقاة في كل مكان، على طاولة المكتب، وعلى أرض الغرفة، ها هو عطيل[50] يُطل من تحت قبعة كاسيو[51]، يخاتله المنديل، تلفظ ديدمونة[52] انفاساً طاهرة، وهناك إلى جوار المدفئة ينكمش دافيد كوبرفيلد[53] مرتعشاً من البرد، بسترته البالية، وجبينه الملطخ بالسخام، وتستلقي جنية بيرسي[54] على السجادة الخمرية الداكنة في وسط الغرفة ساخرة من كوميديا دانتي، وعلى كرسي هزاز مضطرب يجلس سيد الغثيان[55]، يتلصص على العابرين من خلف الجدار، وتُطل الكلمات من معطف سارتر على حيَّز واحد لزمنين منفصلين، ويبقى التخيل حالة الانفعال المثير في وجودية ولسون[56] ودهشته واغترابه من رتابة العادي وعادية اليومي والرتيب.

مدَّ أبو جريس يده إلى فنجان القهوة، ما زالت دافئة طيبة، لكنها ليست مثل قهوة أمه التي تحرص على شرائها من مطحنة إزحيمان عند فم السوق في باب خان الزيت، تصر على أبو السعيد أن يضع كمشة كبيرة من الهال، يبتسم أبو السعيد، وتلقى أم انطون ما تريد، لتناول القهوة مع أمه طقوس مختلفة، فهي تأتي بإسكملة صغيرة ذات ثلاثة قوائم، تجلس إلى دوشك في شرفة البيت المطلة على قبة الصخرة المُشَرَفَة، تتكئ إلى جاعد ماعز أسود، تُشعل فتيلاً من القطن المرنخ بالسبيرتو في موقد البريستو الصغير، ترفع بكرجاً نحاسياً من على صينية مزخرفة تضم ثلاثة فناجين نحاسية، تضعه فوق النار الهادئة، وما إن يغلي الماء تضيف إليه نصف ملعقة من السكر وملعقتين ونصف من القهوة بالهال، ثم تنتظر برهة وما أن تفور القهوة تصب قليلاً منها في أحد الفناجين، ترفع يدها بخفة لتضع البكرج على النار من جديد، ثم تصب قليلاً في الفنجان الآخر، وتعيد البكرج مرة أخرى إلى النار، وعندما تفور تسكبها في الفناجين الثلاث، يلفُ أبو أنطون سيجارتين من الهيشة، أحضرها له صديقه أبو عصام من يعبد، يُناول أم أنطون واحدة بعد أن يُشعلها من طرف القطن المشتعل بلهب أزرق، تسحب نفساً عميقاً تنظر إلى أبو جريس، لا تأخذ عنّا عادة التدخين يا انطون، تقول وهي تحدق بسحابة من دخان تتلوى أمام وجهها، ثم تبدأ بحديث لا يتوقف عن البدوية بائعة اللبن المخيض التي تأتي من البعيد قريباً من الخان الأحمر، وعن مُصلح البوابير، وعن أبو جورج الذي لا يكف عن الشجار مع زوجته، وعن الحاج بدوي غوشة صاحب الحانوت المجاور الذي تجد في حانوته كل شيء إلا ما تريد، وعن ماري وراهبات الدير، وعن حارس الكنيسة الذي يطارد أطفال الحي المزعجين، وبائع الحليب الذي لا يتأخر دقيقة عن موعد الصباح.

أخذ أبو جريس رشفة من فنجانه، سحب من سيجارته نفساً عميقاً، اعتذر بسره لأمه لأنه خالف وصيتها، تنهد، نظرَ إلى أوراقه المبعثرة وإلى منفضة سجائره المليئة بالأعقاب، إلى زق الكُمْتَةِ الذي أحضره له الأب سمعان من اللطرون، ثم إلى كراكيبه الكثيرة في غرفة عزلته في لندن، هذا دفتر يومياته منذ كان تلميذاً في مدرسة الترسنطة في القدس، يحضر صديقه وعد في كل صفحاته، كان وعد يُحب مطاردة الفراشات الملونه لكنه يكره القبض عليها، هو يعرف أن وعد هو اسمه في شهادة الميلاد، لكن العائلة وأبناء الحي ينادونه باسم آخر، وعد لا يكف عن الابتسام، ولا يكف عن الكلام، يتلألأ وجهه المنمش في صفحات الدفتر، يشعرُ أبو جريس ببرودة تجتاح أنحاء جسده، كأنها برد القبور، يوقد نار مدفئة إلى يسار رفوف الكتب، يتوسط أحد تلك الرفوف صورة أمه وأبيه بالإكليل، إلى جوارها زجاجة من زيت الزيتون مقفلة بقطعة من الفلين، عزَّ عليه فتحها منذ جاء إلى لندن، تحيطها بعض حصوات أتى بها من جرنٍ بجوار كنيسة القيامة، ومن على الجدار تَدّلَت قلادة من خشب الزيتون، أهدته إياها أمه في الجمعة الحزينة قبل العاصفة يتوسطها صليب من خشب البلوط، ورثه أبوه عن جده انطون، وعلى طاولة في بَهْوِ الغرفة مجسم من العاج للطفلِ أمام المذود، وذبالة يترنح نورها في بنورة من غير سراج ليس يذكر من جاء بها إليه، بدا له أن روحه المعلقة بين روكنتان وانسيلموس مثل غرفته موحشة وتعجُ بالكراكيب.

عاد إلى النافذة، لا أثر للعاشقين، أخذهم المدى المجهول، الذي يأخذ الكثيرين ممن يمرون في جنبات الغربة، ولا تبقى لهم ذكرى، أرخى الليل جفونه على ضفة النهر، أحسَّ أبو جريس بوحشة واغتراب، حركَ شفتيه المتيبستين، لا رغبة له لقراءة أو دراسة، بل لا رغبة له في شيء، أخذه الحنين والشوق لماري، للقدس، لأمه لأبيه، لطرقات بائع الحليب على بوابة البيت كل صباح، لصوت أبو جورج يصرخ على زوجته العجوز، لبقالة أبو بدوي التي لا تجد بها ما تريد، ماذا أفعل هنا قال لنفسه، ربما ليس هناك بدٌّ من الدراسة، لماذا ليس هناك من بد؟ لما عاد ذاك الجندي من حربه إلى فتاته الشقراء قرب النهر، ماذا أفعل أنا هنا قال لنفسه، ماذا يفعل ذاك الجندي في فلسطين؟ لماذا يحارب الإنجليز في بلاد بعيدة؟ لماذا أجيّء أنا للدراسة في بلاد الضباب الكثيف؟ أليست القدس أولى بوجودي بها الآن؟ ماذا كان يهمس الجندي لفتاته قرب النهر؟ هل عاد من فلسطين حقاً؟ أهي معركته تلك التي هناك؟ أم أنها معركتي أنا؟ حربي أنا، روحي، كراكيبي التي أحملها معي، أمي، ماري، وصليب جدي وقلادة الجمعة الحزينة، وذبالة يترنح نورها في بنورة من غير سراج آه لو أذكر من جاء بها إليّ؟

"طوبى للحزانى الآن، لأنهم سيتعزون" (متى 5:4 ).

كانت ليلة طويلة موحشة، قضاها إلى جوار نافذة غرفته في دير العدس، ليس سوى الخمر والتحفز للقاء ماري مهما كانت الصعاب، سأراها وأحدثها بما يغمر القلب من شوق وحنين قال لنفسه، لن أتردد، ولن أخشى الخطيئة التي تخشاها أمي، يمكن لماري أن تُعيد قطع المسافة التي خطتها بالاتجاه المعاكس، ثم بعد ذلك ما من خطيئة ولا يحزنون، عندما شدني الشوق إلى القدس، قطعتُ المسافة بينها وبين لندن بالاتجاه المعاكس، لا شكَّ أن الأمر أكثر سهولة مما يبدو لوالدتي، قال لنفسه وهو يتجرع كأساً من النبيذ، قضى ليله بين وجه ماري وقباب القدس التي تُشرف عليها نافذة غرفته الصغيرة، بدا له أن ماري والقدس مثيلتا روحه.

دمْلَكَ كفه وصب ملء الراح من عطر الزنبق الذي اشتراه من سوق العطارين، قال له أبو صالح العطار: اغمر كفيك بهذا العطر وافرك بقوة وجهك والذراعين، سيهف الزنبق ويذهب برائحة النبيذ التي تنز من جلدك يا أبا جريس، نفخ على ظاهر كفه واشتمها ليتأكد أن الرائحة المجنونة تلاشت، " ربِّ أعطني ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم المرأة الخاطئة" اقترب من الشماس عند بوابة الدير، ألقى تحية الصباح، تنفس الصعداء ليس سوى رائحة الزنبق، يمكنني الذهاب إلى عملي مطمئناً، قال لنفسه، يُعرّفه العاملون في إحدى القنصليات الأجنبية في القدس بالسائق انطون التلحمي[57]، حيث تعود أن يعمل في إجازاته الصيفية، بينما يكنيه أهل القدس بأبي جريس، وما من جريس، هو حلم طالما انتظر أن يكون واقعاً، هل يأتي الفرح يوماَ عروساً تمسح تعب الغربة، وتُبرد نار الوحدة وتُضمد جرح الأيام.

كان في طريقه إلى عمله في حي الشماعة قرب باب الخليل، مرَّ بجوار مقام الشيخ ريحان، تمتم بسره السلام على ساكن المقام، ما كاد يرفع رأسه حتى رأى رجلا مُلقى على الأرض أمام البوابة الخضراء، عرفه على الفور إنه عمر بائع الحليب، لا بد أن الرجل تعثرت قدمه فسقط أرضاً قال لنفسه، اقترب منه، قال بصوت خافت، فهو يدرك أنه ما زال في حضرة الشيخ ذي الهيبة والوقار، باسم الرب تحميك العذراء، ماذا جرى لك أيها الجار العزيز، رفعَ عمر رأسه ولم يكن قد استيقظ تماماً من هول الصدمة، فما زال صوت الشيخ يطنُّ في أُذنيه، قال وهو يفرك عينيه بيديه كأنه يستيقظ من حلمٍ مزعج.

- صباح الخير يا أبا جريس، لقد تعثرت قدمي وسقطت أرضاً.

- لا بأس عليك.... سلَّمك الرب، المهم أنك بخير، أما الحليب فعوضك على الله، دعني أساعدك، انهض باسم الرب.

أمْسَكَ عمر بيد أبي جريس وأسند جسمه إليه، ثم نظر من حوله كأنه يبحث عن شيء ما، مدَّ يده إلى نافذة المقام جاءت بيضاء من غير سوء، مشيا حتى عبرا الزقاق باتجاه بيت عمر، قرع أبو جريس الباب فتحت الست فاطمة، وما كادت ترى أخاها مستنداً إلى كتف أبي جريس حتى صرخت بصوت مرتعش:

- خير، ماذا حدث لأخي.

- بأمر الله يا ست فاطمة هو بخير، لا تخافي، ما شاء الله، مثل الحصان، يبدو أنه تعثر وسقط على الأرض.

نظر عمر إلى أخته طمأنها ببعض كلمات، التفت إلى أبي جريس، شكره ودعاه لتناول طعام الإفطار، اعتذر الرجل وعاد إلى طريقه.

بدا عمر شارد الذهن، لم يستلقِ تحت شجرة التين، لم يغفُ، ولم يستمتع بأحلامه البسيطة كعادته، يكاد لا يصدق ما رأى وما سمع فجر هذا اليوم، هل حقا خرج له الشيخ ريحان... بشحمه ولحمه، يجب أن لا أُطلع أحداً على ما حدث، قال لنفسه، سيظنّ الناس أني أهذي، بل ربما ظنّْوا أني جُننت، لكن ماذا علي أن أفعل، وهل سيتركني الشيخ لحالي، وقد طلب مني أن أبحث له عن مجده الذي ضاع، أين سأبحث عنه وأين سأجد هذا المجد .... ولماذا أنا لماذا أنا يا شيخ ريحان، وهل أستطيع، وماذا لو كان مجد هذا خارج البلاد فعلا، كيف أبحث عنه هناك، وأنا الذي لم يغادر القدس يوما، ثم إن استطعت، كيف لي أن أعود به، هل يعبر مجد من حدود؟ هل حدث هذا يوماً، ثم ماذا لو كان ميتاً... لا..لا كما قال الشيخ، لو كان ميتا لعلم أولياء المدينة، الأموات كالأحياء يلتقون، وربما يتحادثون ويتسامرون، من يدري، إذاً ما العمل وماذا علي أن افعل، أي مجد هذا الذي سأبحث عنه، وقد غادر أهله الحي منذ زمن بعيد، وما عادَ لهم وجود، لا يعرف أحد أين ذهبوا، توفي الشيخ نامق ومجد ولده الوحيد، من سوف أسأل، ثم إن مجد هذا اختفى بصورة مفاجئة، ولا أحد يعرف أين ذهب، إذاً ما العمل، من أين أبدأ، وهل أبدأ، أم أنسى كل ما حدث وأعود إلى حياتي كأن شيئاً لم يكن؟ أجل.. أجل... ربّما كُنت أهذي، بل ربّما جُننت فعلا، وما من شيخ، وما من مجد وما من مقام، ربّما أن كل ذلك وهم....، يا إلهي رأسي يكاد يتفجر، أكاد أجن، آه...آه... ماذا عن الحليب، ماذا عن الزبائن، لعنة الله على... كدتُ أنسى نفسي،... لولا أبا جريس لبقيت طريح الأرض حتى أفاق الناس، يجب عليَّ أن أذهب بالحليب لزبائني، تأخرت على الصغار وسوف يُوبخني الكبار.

هكذا حدّث عمر نفسه قبل أن يطلب من زوجته أن تُحضر له دلة حليب أخرى، كانت زوجته هدى في تلك اللحظة، تطارد طفلها الصغير صابر، الذي خطف بيضة من تحت الدجاج ووضعها تحت السرير ثم وضع عليها وسادة ولحافاً وغطاها بطنجرة، أرادها أن تفقس له كتكوتاً صغيراً فوراً، صرخت الزوجة، عليك به يا عمر لقد خطف البيض، وقبل أن يجيبها عمر، تقدمت أم عمر بوجهها الأجعد وبنيتها القوية وشعرها الأبيض، وعيونها الصافية التي يُطل منها بريق حزين ونظرة تدل على بساطة وحكمة، ومسحة من جمال لم تطوِها السنين، تقدمت منهما وقد لاحظت شرود ذهن ابنها عمر، سألته:

- خير إن شاء الله يا ولدي، لماذا عُدت متكئاً على أبا جريس.

- خير.... يا أمي، ليس من شر، تعثرت قدمي ووقعت أرضاً.

- دعني أدعك رجلك بزيت الزيتون لن تشعر بأي ألم بعد ذلك.

- لا تقلقي يا أمي لا اشعر بأي ألم، أنا بخير.

أدارت الأم ظهرها وقد اطمأنت على ولدها، أمسكت بيد الطفل صابر برفق، طلبت منه أن يُعيد البيضة إلى مكانها تحت الدجاجة، وقالت:

- يا ستي، علشان تفقس البيضة وتصير كتكوت، لازم تبقى تحت الدجاجة وقت كافي، إذا أخذتها من تحت الدجاجة يا ستي عمرها ما بتصير كتكوت، فلكل مخلوق رسالة، ولكل شيء أوان وحضن ومكان .

قال عمر وكأنه يُكلم نفسه، وقد أنصت إلى كلام أمه:

لكل مخلوق رسالة، ولكل رسالة أوان. انتبهت الزوجة لحال زوجها، وثيابه التي بللها الحليب، وشرود ذهنه وتمتماته، سألته عن حاله وملابسه المبتله بالحليب، زجرها قائلاً:

- يا امرأة ألم تسمعي؟ لقد وقعت أرضاً.

ثم طلب منها أن تُجهز دلة حليب أخرى على عجل بدل الذي أريق على الأرض، وحتى لا يطول انتظار زبائنه، حملَ الدلة وخرج من البيت متفادياً المرور بجوار مقام الشيخ ريحان، أخذ طريقا آخر من الناحية الخلفية للزقاق مقابل دير العدس، حتى لا يجد نفسه مرة أخرى أمام الشيخ الذي نفد صبره وهو يبحث عن مجده الضائع.

Page 10

عيون العتمة

تصحو المدينة كعادتها على مهلٍ قدسي كسول، لكنها سرعان ما تعج بالحياة، هواء نيسان هَفَّاف بارد في الصباح، لكنه لطيف في النهار، يتصاعد في الأنحاء عبق دخان خفيف لحطب الكينا الممزوج بطعم السمسم، رائحة الكعك المخبوز آتية من فُرن أبي رباح في عقبة درويش، هنا لا معنى لنهار خال من كعكة بالسمسم تُوحد فئات المدينة على مائدة الإفطار، فقراءها وأغنياءها.

استيقظ عيسى صبي الفرن باكراً جهَّز بيت النار بينما ما زال الليل يلف جسد المدينة، كان أبو رباح قد أدى صلاة الفجر حاضرا بالمسجد الأقصى وعاد إلى فرنه، خلع قُمبازه عن قميص من المنصوري الكالح وشمر ساعد العمل، أحكم ربط دكة شرواله الأسود الفضفاض، نزل إلى جورة بيت النار، تناول الكناسة ذات الشراشيب الطويلة، غمرها بالماء من حوض صغير إلى يساره، ثم دفعها مرة تلو أخرى، حركها فوق الأرضية الساخنة من طرف إلى آخر حتى تأكد من نظافة مرقد العيش، إلتفت إلى يمينه، تناول كمشة من طحين نثرها فوق بلاطة الرق، ضرب كفا بكف ونثر كمشة من السمسم فوق الطحين، إرتشف بعض الماء الطاهر من إناء أمامه، بخه فوق نثار السمسم وَرَقَّ بخفة قطعة من العجين المكوّر، دوّرها بعناية ثم وضعها فوق كفة الزانة الخشبية المستندة بذراعها إلى طرف الجورة الخلفي، رَقَّ قطعة أخرى من العجين المكوّر وبخ فوقها الماء، وضعها فوق الزانة وأتبعها بثالثة ثم رابعة، رفع الزانة، دسّها داخل بيت النار وسحبها وهو يميل بحافتها ناحية الجمر المشتعل بمهارة، فانزلقت كعكات السمسم صفاً فوق البلاط الساخن، وسرعان ما تنفست ونفخت صدورها، دسَّ أبو رباح كف الزانة من تحتها، رفعها بخفة بعيدا عن وهج الفود[58] مبدلاً صف بصف، احمرت وجنات الكعك، سحبه خارج بيت النار وألقى كعكة تلو أخرى في طرحة طويلة من خلفه.

وقبل أن تمدَّ خيوط النور ضياءها على بوابة الفرن، كان عيسى وعدد من باعة الكعك قد صفوا الكعك بطرحاتهم وانتشروا في أحياء المدينة، تصدحُ حناجرهم بلكنة مقدسية: "كعيك سخون" مع مدِّ الياء بكلمة كعك ومدِّ الواو بكلمة سخون بشكل مميَّز، قال عيسى لأحد زبائنه من زوار المدينة: تذوق هذا الكعك بالسمسم أيها السيد، لأنك لن تجده في أي مكان آخر، إنه واحد من أسرار القدس الكثيرة، مهما حاول الناس تقليد صناعته خارج القدس، وإن استخدموا نفس المكونات فلن يحصلوا على المذاق نفسه.

عند يسار المدخل الشمالي لباب خان الزيت من ناحية باب العامود، ألقى عمر تحية الصباح على عيسى صبي الفرن بائع الكعك، وتناول على عجل كعكة بالزعتر المملح ثم واصل طريقه نحو دكان أبي فؤاد الهدمي بائع الأجبان عند مدخل السوق بجوار جامع الشوربجي، سلمه دلة حليب كبيرة، وأكمل طريقه إلى السوق كعادته، ناول أبا جمال شاور بائع المشهيات عند مفرق حارة النصارى دلة حليب أخرى وتابع سيره، بدأ الصبح يفرد جدائله الذهبية في الأنحاء وبدأت الفلاحات القادمات من القرى المجاورة بأثوابهن المطرزة البديعة وشالاتهن البيضاء الملائكية الساحرة، ينتشرن في غير مكان من السوق، كُنَّ يحملنّ على رؤوسهنّ أسفاط الخضروات والفاكهة التي عملن في زراعتها موسماً كاملاً، وسهرن ليالي ليحضرنها إلى السوق طازجة شهية، فردت أم ناصر القادمة من قرية قطنّة شمال غرب القدس سفط الباذنجان الأسود، إلى جوارها افترشت أم جعفر القادمة من قرية سلوان بسفط البقدونس والنعناع والفجل البلدي الأرض، نهرهما أبو وليد البيتوني بائع الخضار، وطلب منهما أن تأخذا زاوية الطريق حتى لا تسدا بأسفاطهن بوابة دكانه مقابل معصرة اللداوي، لا يشغل بال المرأتين سوى إرضاء أبي الوليد بكش الذباب عن بضاعته كما عن بضاعتهن كي تخففا من وطأة المنافسة التي يشعر بها تجاههما. أما أكبر هم أم ناصر فكان كيف توفر من مدخول أسفاطها تلك بعد أن تلبي طلبات صغارها الثمانية، بعض النقود وتُحَرِّز عليها، حتى يعود ولدها ناصر في إجازة الصيف من الدراسة في الأزهر الشريف ويحمل معه عند رجوعه إلى هناك الزيت والزعتر والقطين، وأمنيات أمه وأهل بلدته، والنقود التي صَمَّدتها له والدته لعام دراسي كامل. وما كان هم أم جعفر مختلفا سوى أنها كانت قد فقدت إحدى عينيها وهي تذود عن زوجها، عندما دهم جند التاج البريطاني بيتها في سلوان عشية أحداث النبي موسى.

شيئاً فشيئاً بدأت الحوانيت تفتح أبوابها وبدأ السوق يعج بالناس، تعالت أصوات الباعة تندح بسيمفونية السوق اليومية، تنادي للباذنجان البتيري وريحاوي أبو نملة يا موز، وخليلي يا عنب، يافاوي يا برتقال، وحمرة يا خدود الست.

لم يشعر عمر بجمال هذا الصباح، وهو يطبعُ على وجه المدينة لوحة لمجد الحياة تدب في كل مكان، توافد الناس من كافة أبواب المدينة وحاراتها، نساء بأثوابهن المطرزة بهية الألوان، رجالاً بكوفيات بيضاء وقنابيز الروزا والعباءات المدندشة من أطرافها بخيوط ذهبية، وآخرين بجلابيب مرتوقة وأثواب ومُسوح بالية، وبعضاً من سادة وأعيان المدينة بطرابيشهم الحمراء ومنشاتهم البيضاء تفح منها روائح العطر وندح العيش بينما يتدافع من حولهم أطفال بأقدامهم الحافية، وسراويلهم المرقعة ودشاديشهم وصدورهم العارية أحيانا وابتسامة شفاههم الموصولة إلى قلوب بريئة.

ما زال الندى رطبا نئيشَ النتح[59] على حجارة الطرقات، هنا إلى اليمين معصرة الحاج حلمي الطزيز، وإيقاع أقدام تراقص لزيج الكسبة ورائحة السمسم، وهناك رائحة الزعتر والتوابل تتضوع من دكان العم شنار الغاضب على الدوام من العرب والانجليز واليهود وباقي الأنام، وثغاء شياه وأخرى معلقة على الكلابات في ملحمة بن يحيى، صاحب البسمة التي لا تزول، وعربات تحمل ما لذ وطاب من فاكهة وخضروات، صواني البُرمة والبقلاوة والكنافة في صدر الطريق، وبائع العوامة والزلابيه يحمل بيمينه ملعقة صغيرة وتقبض يساره عجينته البيضاء الطرية، يحرك يديه كأنهما تتراقصان مع رذاذ الزيت الساخن المتطاير من القدر الكبير، كرنفال مقدسي، هو متعة الحياة التي تعوَّدها عمر، لكنه اليوم لا يشعر بروعة هذا المشهد الخلاب لنشوة الحياة تدب في السوق، كان مأسوراً بما شاهد وسمع من الشيخ ريحان، طفا على سطح أفكاره أن يزور كل أولياء المدينة، الشيخ مكي، والقرمي والشيخ حسن، عله يتأكد أنهم نائمون في مقاماتهم، لا يخرجون منها ولا يحدثون المارة عن أمجادهم الضائعة، عاد أدراجه مروراً بعقبة الشيخ ريحان ومقامه من جديد، أراد أن يواجه خوفه وضعفه وحيرته القاتلة، تقدم بخطى متسارعة، اقترب من بوابة المقام، قرأ الفاتحة وقال السلام على ساكن المقام، جهَّز نفسه لكل طارئ، وأغلب ظنه أن الشيخ سيرد عليه السلام، أحسَّ بثقل اللحظة، ساد صمت عميق، أبطأ الخطى علَّ الشيخ يفتح الباب ويأتيه من تحت خط الضياء بصوته الذي يفهق ستار الزمن، إنتظرَ برهة من وقت... ما من طلَّة ولا صوت ولا إجابة، لا مكان في حيِّز واحد لزمنين في آن معاً، واصل سيره باتجاه عقبة شداد، ماراً بالحوانيت وأفران الحطب والبيوت المتلاصقة بحجارتها القديمة ونوافذها المطلة على الطريق، كان يسمع أحياناً صوت طفل يُلقي عليه السلام، وأحيانا يقف مع أحدهم لتبادل أطراف الحديث، حرص على أن يُلقي التحية على كل من يلقى في طريقه حتى لا يظنّ الناس به الظنون، وصل إلى مفترق يهبط بزقاق ذي درجات طويلة من عقبة شداد إلى باب حطة، عند منتصف الدرج توقف أمام مقام الشيخ حسن، سلَّم على ساكن المقام، أشعل عند النافذة شمعة صغيره، قرأَ بسره فاتحة الكتاب، قال لنفسه: سامحك الله يا شيخ ريحان، ألا ترى كيف ينام الشيخ حسن في مقامه بسلام، لا يتجول في الطرقات ولا يزور البيوت ولا يُحدثُ المارة، لم نسمع من أحدٍ يوماً أنه اعترض طريقه، أو طلبَ زيتاً أو شموع، قال في سره لا حول ولا قوة إلا بالله. تابع سيره شمالاً باتجاه عقبة حب رومان، وفجأة سمع صوتاً ينادي:

- عمر.... يا عمر، أقبل إليَّ، أين أنت يا رجل؟