جنية الليل العاشقة
ليل ارتحل فيه القمر وأرخى سدوله المتهدّلة وخيم السكون المتعب، وأقفرت الشوارع إلاّ من بعض الخفافيش المتشرّدة، وخبت أضواء البيوت واعتمت النوافذ وبقيت خيوط النور تنبعث من المصابيح الكهربائية، فرسمت على أرض الشوارع الترابية دوائر ضوئية وزوايا معتمة . الوقت موغل في أعماق الليل النائم، وأنا أمشي وحيداً تتبعني صوت خطواتي الرتيبة، ولهاث أنفاسي المتقطعة الآتية من الداخل ...
شغلني حفيف ملابسي عن مخاوف الوحدة القابعة في جوف الظلام، وكتلة الأسرار الغامضة المتوارية تحت عباءة العتمة، التي تقفز فجأة بين أضلاع المارة والانفعالات المتمرّدة،
فينطلق خيالي ، يخترق الظلمة، يتوغل في زوايا الكهوف المسكونة بالغموض، وعالم الخطوط المتقاطعة المضطربة. تحجب العتمة معالمها فترقص في الهواء الفارغ المليء بالأشكال الغريبة القادمة من بعيد بلا رؤوس ولا أطراف، وأطراف بلا جذوع وبعضها يغرق في الأسفل ثم يتلاشى على جدران الكهوف القاتمة ... موتى ... جن .....إنس ..... ملائكة .... وكائنات مشبوهة جميعها تتحرك، وتلعب في فضاءات ملعب العالم الثاني، وتنشر أشلاؤها على الأرض الغموض، فتقفز بعيداً على صفحة السماء إشارة استفهام وتعجب تنقب عن معاني زائفة لا تحب أن تفصح عن نفسها .
أصوات أقدامي وهمس أنفاسي شغلتني، فوجدت نفسي فجأة وسط مقبرة القرية القديمة يخترقها الطريق الترابي، وتنصب على حاجبي شواهد القبور أمواتا ما زالوا يجدون فيها متسعاً من الزمان والمكان ...
قصص الأموات معلقة على الشواهد تحكي للريح حكايات مجهولة لم يسمع بها أحد، وربما لن يسمع ... وربما يتعب الأموات من قبورهم، فيخرجون في نزهة قصيرة يتجولون على جدران الزمن في بيوتهم أو قرب أسوار مدينتهم يفتشون عن أناس يخبرنهم شكواهم ولو كانت ميتة .
كنا صغار نتحلق حول جدي بشغف هائل، وهو يسرد علينا حكاية تثير الرعب القرف، وتجعل أفواهنا مفتوحة، وعيوننا معلقة بشفتيه اليابستين، وهي تتلفظ بالكلمات ببطء وهدوء: ( في اليوم التالي جاء يتفقد فقير والده وهو حزين وكئيب وما إن اقترب من القبر حتى رأى شبح الميت في كفنه مكفن على ظهر القبر .... خاف توقف ... انتصب الميت الكفن واقفاً فوقف معه شعر رأسه وابيضت لحيته وارتعدت فرائصه ركض هارباً بكل قوته يتلفت خلفه فيجد الكفن الميت وراءه .... ).
ضحكت بسخرية من حكاية جدي العجيبة، وكيف يجعل الأموات يملون من مرقدهم، ويجرون وراء أحياء أرهقتهم الحياة، وسيطر عليهم اليأس، فأخذوا يبحثون في المدافن عن الخوف مثير له نكهة مختلفة يهز أعماقهم وينسيهم همومهم .
لم يجد جدي البائس سوى الأموات يخيفنا بها ؟ ولو بحث بين الأحياء لوجدوا خوفاً أكبر ورعباً أشد وقهراً مأساوياً أوضح ...
لقد أصبحنا متعلمين لم نعد نؤمن بأوهام الجهلة وخرافات العجائز التي نسجت لكل خربة قديمة أسطورة ... ولكل زاوية متعة وسراً ورسموا على كل صخرة أو جدار متهدم جنية جميلة تتربع عليها باسترخاء ساحر وجسدها العاري يضيء تحت ضوء القمر، وتدلت عليه خصلات شعرها الطويل الناعم، وبيدها مشط عظمي أبيض تسحر به بغنج وشبق جني جذاب تترنم بأنشودة (أولوسية) فيسرع إليها كل من يمر بقربها يسح على شعرها ويعقد مرابط جدائلها ويداعب جسدها الملئ ثورة شهوة ... ثم ... ماذا بعد ؟.
كل من رأى جنية الليل أصيب بالهلع والفزع، وقام بهروب كبير بعضهم وصل بيته، واختبأ في الخزانة الجدارية وأغلقها عليه، وأخرون لم يصلوا بيوتهم ومنهم وجدوهم في العصفورية والجميع عقل لسانهم لأن الجنية لا تريدهم أ يذيعوا أسرارها ....
كل هذه الأفكار والخيالات تتحداني وتصارعني، وأنا وسط مساكنهم القابعة في جوف الأرض المثقلة، وشواهدها تتحلق حولي في رقصة أفريقية قديمة تنفض الغبار عن ذكريات أيام زمان المرعبة الجميلة ...
أين أنت يا جنية الليل الساحرة ؟ لم لا تعترضين طريقي ؟ لا عجبا فأنا لن أخاف كما فعل الآخرون سأستمتع إلى أنشودتك إلى النهاية، ولا أخاف على سفينتي أن تتكسر على صخرتك وأن أبقى وحيداً معك أتمتع بجسدك الذي يتلوى كالثعبان، وسأستغرب أن يهرب الآخرون في جبن مخزٍ، وأنت تحبين المسافرين في الليل وحدهم يتلهون بحل الألغاز الليلية الغامضة .
سبرت أغوار المقبرة الممتدة إلى عمق الظلام تفحصت الشواهد لأتأكد من أشباح الأموات، وأنها تقف وحيدة في مواجهة الريح، وعلمت أن حكايات جدي خرافات صاغتها عيون البشر لتخفف عن نفسها، وتبقى دائماً في مواجهة مستمرة مع الأسرار المجهولة.
استرخت أعصابي المتوترة وهدأت أنفاسي اللاهثة، وهدأت دقات قلبي، وبدأت أسمع من جديد طرقات خطواتي الرتيبة أكثر قوة، وشاغلت نفسي لأنسى جنيتي العارية ريثما أقطع الخطوات القليلة الباقية من أرض الألغاز.
انتصبت في نهاية الطريق أعمدة خشبية قديمة تتدلى منها مصابيح كهربائية ضعيفة الضوء، كهربائه ما زالت (110 ) فولت، وعند دائرة الضوء المرسومة عند أقدامه ستنتهي القصة ويظهر ظلك الممدد قربك يتحرك معك أينما اتجهت، وحفيف ملابسي أثارني سمعت صوتاً غريباً في ذلك الزمان والمكان المخيف توقفت أصخت السمع ... عاد شبح الجنية يداعبني من جديد، فربما يكون صوتها يناديني، وأنا في أعماقي أشعر برغبة جامحة أن تظهر لي جنية الليل، ولو لمرة في العمر فسيكون من الجدة الإثارة بحيث يستحق التجربة ....
عاد الصوت يناديني : واء .... ياء .... ربما طفل يبكي بصوت مكبوت رمته أيد آثمة خاطئة بين الأموات يستبقون مصيره المأسوي الحزن بين أحضان الشواهد الصامتة ...
وربما تكون جنيتي تناديني تغازلني ممن أعماق المقبرة، وكأنه تعلم أنني أجرؤ على اقتحامها.
صمتت أفكاري وتلاشت كل الخيالات وتدفق الدم حار في عروقي، وبدأت تتشكل بعض حبات العرق على جبيني ....
تعثرت خطواتي ... اضطربت.. شعرت وكأنها ترغمني على المواجهة ... خسرت القدرة على اقتحام أعماق الظلمة لاكتشاف أسرار مجهولة، وألفاظ غامضة... مسمراً على الضفة أتلفت حولي علّى أجد أحداً ما أستمد منه بعض الجرأة دون جدوى ...
لم أعد أستطيع أن أتصور ما سأجده وما سيحدث معي وكيف؟
فكم من رجل انجر وراء ألاعيبها المجنونة فلاحق سراب خيالها طوال الليل... فوجد في الصباح مرمياً على قارعة الطريق ما زال غارقاً في الحلم يصارع الجنية الفاتنة فتصرعه مرة ويصرعها أخرى حتى أنهكه التعب والنعاس .
بعد قليل شعرت بأن السر يدنو مني وأصبح الصوت بين يدي شعرت بالهلع الشديد عجزت عن الفرار في جبن واستسلام هائل، وفجأة مرت من أمامي قطة سوداء داكنة تتمشى بخطوات متثاقلة قادمة من أعماق أرض الألغاز ...
نظرت إليّ نظرة شذرة وتابعت سيرها باستخفاف وسخرية، وكأنها تقول ! ألحقني يا بطل ...
كنت دائماً في النهار أقسو على القطط مهما كان لونها، ولم تعد تتجرأ على الاقتراب من بيتنا ولكن يبدو أن الأمور تختلف قليلاً... قليلاً وتتبدل المفاهيم وتنعكس المواقف وتتغير القيم .. قال جدي: إن الجان تتزين بالقطط السوداء الداكنة، وعيناها حمر متطاولة تتوهج في الليل فإياكم يا أبنائي منها .. لم يعرف جدي أننا نحتاج إلى كثير من الشجاعة، ورباطة الجأش لنكتشف لون عينيها ....
ابتعدت القطة السوداء وحدها في العتمة ... اختفت مخاوفي، واطمأنت طرقات قلبي وسكنت أنفاسي وانتظمت خطواتي من جديد، وأنا أتحرك باتجاه عمود الكهرباء القريب لأخلص من آثار العتمة، وقد رسمت أضواؤه الخافتة بعض ملامح الزهو والإعجاب على وجهي لأنني استطعت أن أبقى إلى النهاية في تجربة مثيرة وجميلة ومخيفة..
التفت خلفي وأنا أفكر مجدداً بجنية الليل أتمنى أن تتحول القطة السوداء إلى جنية فاتنة ذات شعر ناعم طويل، وجسدها العاري يلمع في الظلام.. وتقرر أن تلاحقني لتكمل المشوار ...
وفي زاوية آخر الطريق تنتصب المصابيح الكهربائية قريباً من بيتنا الغارق بالعتمة، وتحت ضوءه الذي يرسم دائرة مغلقة ظهرت الضحكة المكبوتة على أطراف شفتي فقهقهت عالياً وتشابك خيالي مع خيال الجنية الساحرة في رقصة أفريقية غامضة الملامح مجهولة .
الجدة وحكايا القمر
صديقتي القابع في إحدى زوايا الغرفة ... انتبه فجأة مرعوباً كمن أصابته لوثة مفاجئة ... انتصب واقفاً مرعوباً متخذاً وضعية الرد أثر صفعته قوية تلقاها على خده...
تلك الصفعة لم يذق مثلها إلا من يد والده الخشنة التي كاد أن ينسى طعمها المر مع الزمن ..
ثار غضبه وغلى الدم في عروقه واحمر وجهه ولكنه لمن ير أحداً حوله في داخل الغرفة. يبدو أن العدو المجهول قد اختفى، فسرت في أوصاله رجفة خوف وغمره جو من الخشوع المقلق...
ضحكت وأنا أتخيل صديقي مرعوباً، مذعوراً يتلفّت حوله ويبحث عن هوية مفقودة دون جدوى، ثم يتوقف وينكمش حائراً، ثم يجلس مفكراً بعمق، وهو يهرش رأسه، ثم يسود الهدوء والصمت.
كان البدر يتلألأ في قبة السماء حسناً وجمالاً يشعّ ضياءً وأحلاماً، فتوهمت بعض الأحياء الوضيعة أنه النهار، فخرجت تتجول، وتلتمس لها ضحية تعسة الحظ.
رائحة الزيتون عبقت في أرجاء المكان فأنعشت الذاكرة، ونشطت الخيال، والطريق الترابي تمتد موغلة في العتمة تمرّ قرب تليلات ترابية، تتراقص على ضفتيه خيالات أشجار كالأشباح التي تحتفل بعرس زعيمتهم العانس على أنغام ساحرة، ونسمات ندية تداعب شفاه نجيمات الليل الحسناوات، وأجفانها تتراخى على الضفة الغافية، في أحضان اليأس والحلم الباهت.
أما صديقي ما زال يقدح الزناد ويحلّل الفكر ويركبه عسى أن يصل إلى نتيجة ما، وأنا ما أزال أضحك مشفقاً عليه لأن كلّ مقدماته لم توصله إلى نتيجة صحيحةٍ... عقلية عجيبة، ونمط فريد في التفكير يتسم بالذكاء والفطنة والعقلانية يضع مقدمات ليتوصل إلى نتائج وحلول منطقية خالية من الهلوسات تناسب مبادئه وقناعاته، كم كنت أحسده على هذه العقلانية الزائدة والجافة...؟. فلو قلت له إن جنية غازلته في غفلة عن حبيبها فلن يصدّق ذلك وسيرد: هذه خرافة غيبية وأوهام عارية .
القمر والليل والزيزفون وانفعالات صديقي المتوثبة جميعها طمست معالم الوحدة الموحشة في نفسي على أهداب الطريق. ضحكت نجمة من بعيد قائلة : لا تتعب نفسك في إقناعه بهذه الحقيقة الفاتنة، فعقله الواعي لن يرضاها.
جلس صديقي بعد جهد من التفكير وتناول كتابه أخيراً، وأخذ يقلّب صفحاته بحثاً عن رقم الصفحة التي أضاعها بعد صفعة السوء تلك ثم تابع القراءة وهو يتلفّت يمناً ويساراً بين الفينة والأخرى ، ثم غاص في السطور قليلاً ...
انتبهت فجأة إلى صورة القمر البعيد، فرأيت على وجهه صورة جدتي العجوز الجميلة بعصبتها السوداء ودقّتها الخفيفة، التي غطّت وجهها الريفي البسيط الذي يقطر قمحاً وخصباً عجيبة... كيف وصلت إلى القمر ؟ في مركبة أمريكية أم في مركبة سوفيتية، وهل كل الصالحات مستقرهن في القمر بعد الموت ؟
ابتسمت الجدة هامسة : هل نسيت يا بني ؟ ما كنت أحكيه لك عندما كنت صغيراً عن العجوز والقمر .... نعم .... نعم .... ياجدتي الغالية ما زلت أتذكرها وأذكر قسمات وجهك البسيطة تنقبض بحزن وترتعش شفتاك، وأنت تروين قصة الرجل الذي حمل أمه بعيداً ليضعها في منعزل بعيد، فأمضت فيه ليال وحيدة منبوذة قد أنهكتها الوحشة والغربة وطول السهر، وقسوة قلب ابنها وزوجته عليها.
لم تجد المرأة لها سميراً غير القمر الذي ملأ عليها حياتها المملة، وغربتها القاتلة فكانت تغني له كل يوم : ( يا قمر يا مسلي الحبايب بالليل عندي وبالنهار غايب )
سألتها : هل هذا هو نفس القمر يا جدتي ؟
أجابت : هل تعتقد أنه يوجد أكثر من قمر في هذا العالم ؟
الله يسامحك يا جدتي كم زرعت من خوف في أعماقنا بحكايات الجان وعفاريت الملك سليمان وشياطين مهووسة من الإنس والجان.
ضحكت الجدة الجميلة وقالت : ولكنها كانت حكايات جميلة يا حفيدي أليس كذلك ؟
قصة التوت الأحمر
تلك الليلة تحولت إلى أسطورة تناقلتها الأجيال ولا كتها ألسنة العجائز... حكاية مثيرة ارتسمت على شفاه الأطفال المتحلقين حول موقد الحطب في ليالي الشتاء الباردة غارقين في بحر من الدخان الأبيض، ثم تتحول الأسطورة إلى حلمٍ يدغدغ رؤوسهم كلما وضعوها على الوسائد .
تلك الليلة أرسل الآغا في قرية أم الغنم إلى والدي زاهية ليجهزنها ويعطرنها لتكون لائقة لنيل شرف الخدمة في القصر الرمادي المشهور في القرية خاصته.
جميعهن يعرفن حقيقة ما يحدث للفتات العذراء بعد ولوجها بباب القصر وفي غرفة سموها (غرفة فض البكارة ) كن يتندرن كثيراً بقصصهن عن العذاب والمتعة والخوف .
اختلط الألم بالفرح والحزن بالرضا والبهجة باليأس، وشعرت باليأس، وشعرت زاهية بالدوار والغثيان وغابت عن الدنيا في سبات عميق، وعندما أفاقت تقيأت ما بجوفها كله، وأحست أنها تهوي في بئر ضيق ليس له فرار، وتخيلت أن حبيبها {رحمو } سيأتي على حصان أبيض يخطفها بعيداً عن القرية والقصر والعالم .
كانا متحابين قبل أن يعيا هذه الحياة، وتعاهدا على الزواج وجرحا إصبعهما ووضعهما على بعضهما ليمتزج الدم في رباط مقدس إلى الأبد ...
كانت أمهما تنتحب بمرارة يائسة والأب يبكي في صمت بليغ، ورحمو لم يأت والعشاء يدنو أجله والترقب أخذ يبعث الاشمئزاز في النفوس.
في العتمة سار الموكب الجنائزي من قلب كهوف القنوط باتجاه القصر الرمادي ..
كانت زاهية جثة مرسومة تسير على الأرض تنظر خلف الأبواب ووراء النوافذ المغلقة والأضواء الباهتة، وفي الزوايا العتيقة علها تلمح ملامح رحمو لتودعه قبل أن تدخل المعبد وتصيح قرباناً للعذارى......
كان رحمو حزيناً خائفاً قانطاً ..... جباناً ... لا يملك سوى دمعه ... تضرعت زاهية إلى ساحرة المعبد أن تحوله إلى غوريلا عملاقة متوحشة تفترس الموكب وتمزقه إرباً ... إرباً وتحملها بعيداً إلى جوف الأدغال لتعيش مع الوحوش وتقتات أوراق الأشجار والأرانب والفئران ...
رحمو لم يأت على فرسه الأبيض ولم يصبح غوريلا مفترسة، والطريق يضيق والقصر بدت ملامح أشباحه تتراقص في طقوس وثنية لاستقبال العذراء الجميلة التي ستصبغ بلاط غرفة فض البكارة بالدماء الأرجوانية ثم تلملم سراويلها كامرأة، وتمضي إلى الزريبة تلعق بقايا قذارتها طوال الليل .
ثم تظهر ساحرات المعبد العجائز فيغسلن الغرفة ويغيرن الستائر والأغطية ويجهزون المعبد لاستقبال عذراء جديدة.
أقترب الموكب من طرف الغابة الشمالي ... كانت عينا زاهية مسمرتان إلى السماء تتضرع إلى إله السماء في صمت مميت... فجأة سمعت صرخة قادمة من أعماق الغابة رأت شبح رحمو كالعملاق الهائل منتصباً بين شجار الغابة بيده شعلة من نار وبالأخرى رمح طويل يقطر دماً .. دفقت الفرحة في أوصالها ... شعرت بالنشوة ... صرخت بكل قوتها ... ارتعب الموكب .. رفعت ثوبها الأبيض ونفرت إلى الغابة ... ركضت بكل وما تملك من عزيمة.
بدأت الذئاب تطاردها كانت ترى شبح رحمو يحثها على التوغل أكثر .... فأكثر
تعبت ... وقفت ... تابعت ... سقطت ... نهضت ... تعثرت.. ونوافذ غرفة فض البكارة تلهث وراءها ...
لم تدر من أين جاءتها هذه القوة الهائلة ... قادها شبح رحمو إلى تله التوت وسط الغابة تسلقتها بسرعة هائلة وبكل الإنهاك والخوف... وصلت القمة ارتمت في حصن ظلال شجرة التوت الضخمة ...
ظهرت أشباح الذئاب حولها حاصرتها بدأت تقترب منها، وتضيق عليها الخناق، وعيونها تقدح شرراً وبأيديهم السياط الطويلة...
أين أنت يا رحمو؟ لم اختفيت ....؟
ماذا سأفعل يا إلهي .....؟
ظهر شبح رحمو لها من جديد يبتسم مطمئناً ....أشار إليها أن تتبعه إلى جذع الشجرة .... توهج ......أضاء ..... انفتح فيه باب صغير دخله أمامها، وطلب منها اللحاق به بسرعة وبإيعاء شديد التفتت حولها رأت السياط مرفوعة تريد أن تهوي عليها، فقفزت بجسدها النحيل وراء رحمو أنطبق الباب خلفهما، والتمعت التلة ببرق يخطف الأبصار، ودوى الرعد بقصف هائل امتزج بصرخة زاهية الهائلة، فدوت في أعماق الغابة ، وتمرغت في السهول ، وهوت في الوديان ، وصعق أذناب الآغا الثلاثة وسقطوا صرعى تحت شجرة التوت، وسياطهم التفّت حول ساقها الضخمة .
القصة أثارتني وألهبت خيالي . كنت أكثر من الأسئلة وتجيب جدّتي عليها بكل ثقة ، نعم تلة التوت مازالت موجودة في منتصف الغابة، والشجرة قائمة كالنصب التذكاري على قمتها ، تطل على الطريق الضيق الوحيد الذي يخترق الغابة من الجنوب إلى السهل الشمالي، وتحتها تقبع ثلاث شواهد لقبور دارسة.
يقول كثير ممن وصل إلى هناك إنهم شاهدوا سياطاً جلدية ملتفة على جذع الشجرة باتجاه الأعلى ...
ذكر بعض الذين مروا بقرب التلة ليلاً أنهم رأوا شبحاً عملاقاً يحمل مشعلاً ورمحاً يقف تحت الشجرة كالحارس الروماني يحرس ذكرى حبيبة غابت في الزمن البعيد.
وقال البعض إنهم سمعوا صرخة ضجت لها الغابة، واهتزّت لها أركان القصر الرمادي الذي هجره اللآغا بعد سنوات من الحادثة خوفاً من شبح رحمو، وصرخة زاهية، وتحول القصر إلى خربة ومأوى للبوم، وأشباح الليل وعواء الذئاب .
عندما أصبحت شاباً اتخذت قراراً باختراق الغابة وإعادة التجربة، وفي ليلة مقمرة كتلك الليلة وقفت قرب جدران بيت خرب من اللبن والطين، قالوا: إنه كان بيت أهل زاهية الذين رحلوا بعدها، ولم يعرف عنهم أحد شيئاً .
مشيت من أمامه باتجاه القصر الرمادي المهجور، وفي الطريق ذاته الذي ما زال يحمل آثار ورائحة زاهية، وفي ذات النقطة تماماً قرب الغابة حيث هربت زاهية من الموكب الجنائزي . كان التاريخ يعيد نفسه.
نظرت باتجاه القصر فبدت أطلاله قابعة تحت ضوء القمر، ومن غرفة ما زالت جدرانها قائمة، انبعثت من نوافذها إشعاعات أضواء مختلفة الألوان والقوة، متقطعة كأنها تلهث من التعب. وفي اتجاه الغابة انتصبت أشجار كثيفة عملاقة كأنها جدار الصمت المقلق ، تتلوى كالأفاعي مع نسمات الليل، برز من خلالها شبح رحمو كالغوريلا يحمل في يمينه قمراً مكتملاً ورمحاً معقوفاً في يساره تتهاوى من رأسه بقع مدورة ومدببة من الدماء.
اخترقت جدار الصمت الصاخب، وتغلغلت إلى أعماق الغابة باتجاه تلة التوت وشبح رحمو يتقدمني في كل خطوة يهمس لي حكاية غافية منذ زمن في أحضان أم الغنم .....
وقفت أعلى التلة تحت شجرة التوت التي ما زالت عملاقة..... وصوت حفيف أغصانها وأوراقها يحكي قصة زاهية التي امتزجت بها، وسرت في عروقها على مر الزمن نمت منها ثمار جديدة مختلفة تحول من لونها الأبيض الشائب إلى اللون الأحمر الغامق كأنها مجبولة بالدم.
تلمست برقة وخشوع ساقها الهرم الذي جعدته السنون كأني كنت أبحث عن أثار مدخل إلى جوفها الصامت ... وبرزت على جسدها بقايا أسواطٍ جلدية مجدولةٍ حزمتها من الأسفل بشكل حلزوني نحو الأعلى ..... يثير الرهبة والتأمل ...
كل شيء كان يحكي القصة.. فتاة عالقة على جدران الزمن الأبدي ويردد صداها الشجر والتله، والتوت الأحمر، وشبح رحمو، وضوء القمر .