eKtab
EN ع
سيدة الملكوت
Read free sample

سيدة الملكوت

by المثنى الشيخ عطية

Page 1
لا مكان
 
ها أنا مرة أخرى بين السماء والأرض، مرة أخرى أحلّق وحيداً في هاوية أفق مفتوح على عذاب تساؤلاتي·· الشمس بدأت تميل للغروب / هكذا أراها من نافذة الطائرة· غروب ساحر لكنه مخيف· يا إلهي· لقد أصبح الأمر حقيقة· لم يعد لعبة وقوف أمام نهر السين وظنّ أنه الفرات لمعاناة تجربة غياب العالم وتجلّي الداخل عارياً مثل وحش لاتخاذ قرار أمام لا خيار منفلت عن أي عقل·· لقد أصبح الأمر حقيقة، وها أنا مرة أخرى بين السماء والأرض أمام أفق مفتوح على هاوية اللامكان·
 
الطائرة تخرج بي من حدود باريس لتدخل آفاق عالم مجهول· يا إلهي· كم هذا مخيف· من منفى إلى منفى!!·
 
أنظر إلى الأسفل لأرى الأرض في ظلال هذا الغروب ولكن لا مكان· هاوية فقط· فم مفتوح فقط لابتلاعي· أحاول التراجع· أحاول إزاحة عيني عن فم الهاوية ولكن لا مفر· الهاوية فم جميل هائل الاتساع ويدعوني· الهاوية فم جذاب ولا مهرب من السقوط فيه··
 
أتخلى عن المقاومة· أسلم قياد نفسي لهذا اللاشيء الساحر والجذاب المفتوح·
 
يصمت هدير الطائرة· تتحرك الغيمات البرتقالية أمامي ببطء· أفقد وزن جسدي وأنسلخ شيئاً فشيئاً عنه عبر النافذة· أحلّق في المدى البرتقالي الطليق· وحيداً أحلق في هاوية ارتحالي·
 
أعتدل مرة أخرى في مقعدي· أنظر إلى السائحة الفنلندية في الصف القريب على يساري· أحس دون ريبة أنها تنظر إلي· أبتسم لها مطمئناً·· (كل شيء سيكون على ما يرام مثلما قلت لكِ في المطار، لن تسقط طائرة أنا فيها، وستهبطين في لارنكا بين أحضان صديقك بالضبط) تبتسم لي· تضحك وهي تستعيد جنوني في المطار عندما أخبرتها ذلك· لقد كانت خائفة واعتبرت أن تأخير الطائرة فأل سيء، وفكرتْ بإلغاء رحلتها·
 
- ربما كنت تخافين ركوب الطائرات فقط·
 
- نعم· لقد هبطت بي طائرة منذ سنتين هبوطاً اضطرارياً وكانت تجربة موت لا تنسى·
 
- هل سمعت بعائلة (السيد)؟
 
- لا وما ذلك؟
 
- أنا أحد أفراد هذه العائلة، واسمي هانيبال السيد·
Page 2
- أنا كارين، ولكن ما شأن عائلتك والطائرات؟!
 
- إن لعائلتي مزايا لدى الإله نسميها في بلادنا كرامات، وإحدى هذه الكرامات هي أننا نعرف بإشارات معينة موعد حلول منيتنا، وأنا أعرف أنني لن أموت بهذه الطائرة· هل أنت متأكدة أنك ستكونين على الرحلة نفسها؟·
 
- ها ها ها·· نعم··· إن هذا جنون، لكنني سأصدقك·
 
ألصق ظهري بالمقعد وأضغط زر التراجع· هذا أفضل· أشعر بالاسترخاء· أغمض عيني بهدوء، ويغيب صوت هدير الطائرة· أغرق في الأسود· شيئاً فشيئاً ينقلب الأسود إلى أسود، أسود حتى الغياب، وأرى نورا· يغيب كل شيء ويبقى وجه نورا الذي يقول لي: إنه قرارك هاني· نورا التي وضعتني مرة أخرى على الصراط عندما جئت إليها لأعرض لها المأزق الذي وصل إليه وجودي في باريس· قلت لها: هذا أنا نورا· ممزق بين خيارين·· من جهة أنا محبط وعاطل عن العمل في مدينة طاحنة مثل باريس، ولكن الفرنسيين على وشك منحي اللجوء السياسي· لدي حق العمل ولكن لا عمل في باريس· علي أن أصبر لكنني غير متعود على استدانة النقود من أحد· ومن جهة أخرى أنا أملك عقد عمل كمدير تحرير لمجلة نسائية محترمة في قبرص· هناك عمل لكن المستقبل مخيف، وقد أفقد فرصتي لدى الفرنسيين فلا أعود· هذا أنا، ممزق بين خيارين وعلي اتخاذ قرار بقائي أو مغادرتي دون تأجيل لأن فرصة العمل لن تنتظر·
 
أرى وجه نورا وهي تسألني إن كنت درست خياراتي جيداً· وأقول لها إنني أفضل البقاء ولكني أحس أنني أصبحت عبئاً على الجميع في باريس· لم أعد أستطيع الكتابة· لقد حجّرتني هذه المدينة· أرى وجه نورا الصامت، وأضيف: إنني لم أوضع في حياتي بمثل مطحنة هذا الخيار، أحس أنني ضائع وأريد ذريعة واحدة للبقاء· أقول لها أريد ذريعة واحدة للبقاء وأنا أريدها أن تطلب مني البقاء· أرى وجه نورا المحرج الموزع بين نارين وهي تقول لي: إنه قرارك هاني·
 
أرى وجه نورا وتدمع عيناي· نعم إنه قراري لكنني أردتك أن تطلبي مني البقاء نورا، ليتك طلبت مني البقاء وجنبتني رياح هذا الشقاء، ولكن هل كنت سأبقى لو طلبتِ ذلك!؟·· ألم يعنِ لي كلامك أنك تطلبين مني الرحيل، أم أنني فسّرته هكذا لأنني أريد الرحيل·· يا لشقائي فيك أيها الحب الذي لا يبدأ إلا لينتهي ولا ينتهي إلا ليبدأ·· يا لشقائي وأنا أحس أنني مثل جدي آدم على صراط تفاحته: (أنا أفهمك يا جدّ) أقول لجدي آدم مواسياً إياه وأنا عارٍ في أول خطوة لتعاسته على الأرض، يقول لي وهو يواسيني عارياً لكن بربطة عنق أنيقة في أول طيران لي في السماء: (إنني أفهمك يا صغيري)، ونضحك· يا لشقاء الرجال· لقد مهرنا أنفسنا بلعنة اختيار العذاب المعذبة التي لا تزول·· وأنا غادرت جنتي·
Page 3
أسمع هدير محركات الطائرة وأنا أفتح عيني· أعود لتلاشي روحي· أغمض عيني وأغرق شيئاً فشيئاً في سحابات السواد·· أتساءل معذباً هل كان قراري صائباً، ولماذا اتخذت مثل هذا القرار!؟ أي شيطان صوّر لي أن هذا هو باب الخلاص!؟ لماذا لم أترك نفسي تعارك وجه باريس الذي كان يحجّرني حتى النهاية!؟ لماذا نسيت استخدام أسلحتي ودروعي أمام جمالها الذي كان يحجّرني، ولماذا انسحبت هكذا ببساطة ولم أترك نفسي تنساح، تلتحم ولو بالموت في جسد هذه الميدوزا الخالصة الجمال حتى النهاية· ما الذي جعلني هكذا، قصير النفس وأنهي نهاياتي على صورة هذه النهاية··· لقد سمعت صوتاً يقول لي أن أرحل، نعم أستطيع القول إنني سمعت صوت فطرتي يقول لي أن أرحل، وانصعت له كما أفعل عادة حين أجد نفسي في مطحنة التناقضات، ولكن ما الذي يدريني أن هذا الصوت هو صوت فطرتي، وأن هذه التافهة باريس لم تستخدم صوتاً مخادعاً لهزيمتي··
 
(أيتها التافهة باريس) أقول ضاحكاً وأنا أتذكر هذا اللقب الذي يناديها به صديقي محمود تحبباً ولكي يحيّيها بترداده كلما صنعتْ باريس ما يعبر عن عظمتها· لقد ارتكبتِ إثم هزيمتي حين لعبتِ أيتها التافهة لعبتي في أسطرة حياتي···
 
قلت لرفيقي محمود الذي استضافني للسكن معه، وأنا أنظر اللون الأخضر في كأس الويسكي بالنعناع الذي يعده جيداً، حين سألني لماذا أمارس حياة الصياد بدلاً من إيجاد فتاة أرتبط بها، إنني أنتظر معجزة أن تكون نورا في باريس· وقبل أن يستنكر محمود الذي لا يرحم بأخلاقياته هذا التصرف مني، قلت له إنني أعلم أنها متزوجة الآن لكنني أوقفت حياتي على انتظار هذه المرأة منذ أن انتشر نبأ جنوني بحبها في حلب، دون أن أعرفها لمجرد أني رأيت غلاف مجلة من تصميمها، وأني أعيش هذا الحب كوهم لامرأة أختزل بها جميع النساء· أنا أعلم أنها تعيش حياتها مع زوجها وابنها في الكويت، لكن هواجسي تبقيها حية في داخلي وتقول لي أن أنتظر، وضحك محمود من شطحاتي، لكنه توجس شراً فذكاؤه ودراساته عن شتراوس لم تسمح له إلا أن يقول لي: للأساطير أساس واقعي فاحذر من نفسك· أنت تعيش الحياة مثل فيلم سينمائي، ولا تفرّق بين حياتك وكتاباتك· قال لي محمود وهو يشرح لي خوفه من شطح أسلوبي الشعري، بعيداً عن حقيقة الحياة، إن استمررتَ باستخدام الأسطورة في حياتي على هذه الصورة، قال لي ذلك وأضاف أنه يخاف علي من لوثة ضياع في طيراني تدخلني في ثقب أسود لا أعرف له مخرج، ويبدو أنني دخلت هذا الثقب دون أن أدري في لوثة ضياعي بأحلامي في أحضان هذه التافهة باريس، ولم أعد أستطيع الكتابة···
 
سألني محمود أن أحدد له أو لنفسي ماذا سأفعل بحياتي في باريس، وقلت له دون أن أفكر وكأنني أهذي: سوف أقتفي أثرها، أبحث عنها، هنا في داخلي، وفي تفاصيل جسد باريس، وهناك في الوطن، في ذاكرتي، وسوف أتم روايتي عنها· نعم· سأكتب روايتي عنها· وضحك محمود· من أين ستبدأ· سألني ساخراً وقاصداً: من اللوفر أم من بيغال!؟·· وقلت له ضاحكاً: لا فرق لكنني قد أبدأ بما هو حيّ أي من اللوفر·· نعم سأزور الموناليزا التي يطيب لك أن تشبهها بوحدة الكون· لكن لماذا لا أبدأ من السان دوني أو من بيغال، أو ربما من دوفين حيث يتحد حابل النساء بنابل الرجال· أو ربما من الوطن· من تلك النقطة البعيدة الحية عندما قابلتها· هناك في متحف حلب حيث نزلت من دمشق لزيارة معرض كمال في صالة المتحف· هناك في حجرة الملكة في متحف حلب حيث دخلت بالقوة نفسها التي سلبت إرادتي لدرجة أنني لم أفكر بالمقاومة، ولا بموعد افتتاح المعرض في الصالة المجاورة، ولا بأصدقائي المنتظرين· هناك حيث انحرفت يساراً في الرواق المعاكس لاتجاهي إلى الصالة، ودخلت الرواق المؤدي إلى حجرة الملكة دون أن أقرأ حتى لوحة النحاس، المكتوب عليها (مملكة ماري) فوق الحائط· الرواق الخالي إلا من صوت خطواتي المتردد على الرخام· الرواق المفضي إلى باب الحجرة أمامي· باب حجرة الملكة المفتوح أمامي تحت شلال ضوء ينصب عليه بغزارة من نافذة خلفية، ويلقي بمحتويات الحجرة في قدر النور والظلال··· هناك حيث وقفتُ في بقعة النور أمام الباب ووقف ظلي المنسفح خلفي في الرواق مرتبكاً أن يلحق بي· مرتبكاً ويمد يديه متشبثاً لمنعي من المضي باتجاه الجسد، الذي تجلّى أمامي وشدتني إليه قوة نبضه الحية· شدتني إليه دون أن أستطيع المقاومة·· هناك حيث تجلّت أمامي· الربة أمامي· حيّة هكذا أمامي، وتدعوني···
 
انفصلتُ عن ظلي ودخلت· خطوة خطوتان ووقفت· وقفت وكأن يداً تقول لي أن أقف·
Page 4
 وقفت وانحنيت دون أن أزيح نظراتي عنها· وقفت لأخلع نعلي الأيمن بهدوء ثم نعلي الأيسر بهدوء، ولأضعهما دونما صوت على العتبة، وأخطو حافياً· وقفت أمام الجسد الأسود الثابت أمامي· جسد الربة الحي· الربة التي أحسها هكذا بانتظاري، حية منذ ثلاثة آلاف سنة بانتظاري· الربة التي بانتظاري وتبتسم· الربة التي تبتسم لي بحنان مخيف···
 
نظرتُ وجه الربة· نظرت وجهها المتكشف كما مرآة لهوّة داخلي· نظرت وجهها القاسي الصلب الذي يمنحه لونه البازلتي الأسود الرقة والجلال· نظرت وجه الربة الذي هو وجه أمي عندما كانت صبية وحنونًا··
 
الجرة التي تمسك بها كفاها دعتني لأشرب ودفعتني إلى الدوران·· بطيئاً حولها· بطيئاً دون أن أزيح نظراتي عن عينيها اللتين تلاحقانني وتريانني حتى عندما أصير خلفها··
 
نظرت وجه الربة· وجهها الذي بدأ بالتغير والتشكل، وجوه نساء ميزت منهن وجه أمي ووجه جميلة، ووجه امرأة أحسست أني أعرفها دون أن أستطيع تحديد ذلك· امرأة لها وجه شجرة مشمش مزهرة بتويجات الربيع·
 
اقتربت من الجرة· اقتربت من فم الجرة الذي ينصب منه الماء بعذوبة وهدوء· وضعت شفتي على فم الجرة دون أن أستطيع إزاحة عيني عن عيني حاملتها التي تعرف ذلك وتبتسم··
 
تذوقت لون الماء الذي أراه في عينيها· تذوقت لون الزمرّد، لون العذوبة التي من نار وألم على شفتيّ، وأحسست مع دفق الملامسة بالرمح الذي يأخذ مكانه بهدوء في قلبي·
 
جلست لاهثاً، مسنداً رأسي إلى ركبتها ومحاطاً بالسكينة والشقاء· وأحسست بيدها تمر على شعري بحنان وتبعث فيّ الأمان·
 
نظرت فوقي· نظرت جديلة شعرها المضفور على شكل (حية) وأصبت بالذهول· (الحيّة) بدت أمامي حية للحظة· حية بعثت فيّ الرعب، غير أن ابتسامة ربتي أعادت إلي السلام· ابتسامة أمي وابتسامة وجه شجرة المشمش إياها التي غيبتني عن إدراك ما يحدث···
 
نعم· لماذا لا أبدأ من صالة المعارض في متحف حلب، التي لم تكن باردة مساء ذلك اليوم من نيسان حيث دخلت قادماً من حجرة الملكة، بخطوات شاردة وقميص مطرّز بقبة من الدانتيل أوحت للجميع بأنني قادم من زمن آخر، ودفعتهم للاندهاش·
 
كانت الصالة كما أحسست بها بعد أن استيقظت من شرودي، تشكل مؤتمراً بهيجاً غير مخطط له من قبل شباب اليسار الذين أتوا من مختلف المدن لتأكيد روح التضامن والمساندة، ولعقد لقاءات العمل السياسي أو الجماهيري المغلف بشرعية العمل الثقافي العادي تحت أعين سلطة تجسسية ترصد حتى حركة النمل·
 
القبلات والمصافحات المنداة بشوق الضائعين، الذين حولوا ماء سرابهم إلى ماء، أيقظت في روحي أجنحة طائر كنت قد كبلته بقسوة إلى أن أستبين خيطي في كبكوبة التساؤلات·
 
رأيت، وأنا أدخل، فراشة كبيرة لم أعرف كيف انبثقت متجاوزة إياي، وطائرة باتجاه الفتاة المأخوذة أمام لوحة عازف الناي، بمزماره الذي يرفع الموجودات حوله من أرض وأزهار ونباتات غريبة إلى مجاهل السماء·
Page 5
غاب عني الحشد الكبير الموزع في الصالة حول كمال ولوحاته، وتجلّت أمامي الفراشة واضحة وهي تبتعد قليلاً عن الفتاة، ثم ما تلبث أن تدور حولها؛ فتجعل عينيها وهما تتابعانها تومضان قبل أن تستقرا عليها وهي تأخذ مكانها فوق زهرة برية في اللوحة·
 
رأيت عيني سلام تتملصان من استلاب الفراشة الغريبة لهما، وتلتقيان بعيني كمال، تردّان على تحيته بابتسامة عريضة منداة جعلته يحمرّ خجلاً من انكشاف لعبته، ثم يرتد للحديث مع المعجبين حوله، وسمعت بوضوح غريب صوت كمال الذي لم يحرّك شفتيه بحرف يقول: (لقد وصلتها رسالتي) قبل أن ينتشلني معاذ من بقايا سرابات جنوني·
 
- لقد اشتقنا إليك يا رجل· كيف هي دمشقك؟·· قال لي وهو يسحبني في اتجاه لوحة قرويات يحصدن القمح تحت سياط أفق مشتعل بالنار، وأضاف··
 
- عندي لك مفاجأة ستذهلك، ولكن قبل ذلك قل لي، ما أخبار سيدة غلافك!؟
 
أصبت بالدهشة، وأحسست أن ثمة عاصفة تقترب لتهز حياتي· حاولت تمالك نفسي··
 
- أية سيدة وأي غلاف؟!·· قلت·
 
- غلاف مجلة (الآداب الأجنبية) قلت لي إنك مرتحل من حلب إلى دمشق لتتزوج مصممة لا تعرفها·· قال معاذ ذلك ببراءة الطفل وتخابثه، الذي يحمله في بريق عينيه وأسنانه الأمامية الجميلة المتباعدة، وومض في مخيلتي غلاف المجلة مثل برق لمع فجأة ليصيبني بالدوران·· انفتح الغلاف كاملاً أمامي وكأنما يفتح كوة على هوة مصيري· هاهي ذي مرة أخرى طفولة العالم بين يدي، شريط من الأخضر والأزرق والبني تتنافر ألوانه وتتآلف ببساطة انسياب ماء جدول· أخذني الماء وانساب بي بين جوانح غابات صنوبر تخفق، واستطعت أن أشم رائحة الصنوبر، وأن أصل إلى نقطة الهذيان / يا أمي خذيني الآن· ردّد الصوت داخلي وانفتح وجه الأفق أزرق مثل بحر أزرق يتموج بهدوء ويدعوني·
 
- ماذا جرى لك!؟·· ألمح في وجهك حالة الانجذاب نفسها التي رأيتها فيك عندما شاهدتَ الغلاف لأول مرة· قال معاذ ضاحكاً ومحاولاً انتشالي من غرقي، وحاولت بدوري التماسك· ضحكت·
 
- هل قلتُ لك· أنا· إنني ذاهب إلى دمشق لأتزوج امرأة لا أعرف منها سوى لوحة غلاف صممته!؟·
Page 6
- نعم· أنت قلت ذلك·
 
- وأنت صدقتني؟!·· قلت ساخراً·
 
- رغم ثقتي بمعجزاتك، لكن هذه المرة لن أصدقك·
 
- لقد ريحتني، ولماذا هذه المرة؟!·· قلت محاولاً اكتشاف ما يقلقني في تصرفه·
 
نظر معاذ حوله، وأشار إلي بعينيه إلى الفتاة الواقفة بعيداً، والمتأملة بانجذاب لوحة ضخمة أمامها·
 
- جميلة·· قلت هامساً بابتسامة أسى·
 
- ألا تريد رؤيتها؟·· قال معاذ، وأحسست أن طائراً يموت في داخلي ويزم صدري حتى الاختناق·
 
- ما رأيك أنت!؟·· قلت ضاحكاً وأنا أختنق بعبرة داخلي·
 
نظر معاذ باتجاه المجموعة التي تراقبني، ونظرت إليهم بدوري، وتسمرت عيناي·
 
التقت عيناي بعيني محسن، وهزّ رأسه مسلّماً وهززت رأسي· قالت عيناه بتشف: (اذهب إلى رؤيتها إن كنت تجرؤ على تجاوز خجلك) وردّت عيناي بسخرية على تحية عينيه:
 
(بإرادتي كان ذلك، وبإرادتي سيكون ذلك)
 
لاحظ معاذ التصميم الذي ومض في عيني بعد تحية عيني محسن·
 
- اذهب إليها، وسأذهب لأعد مفاجأتي لك، لكن كن حذراً· مازال رفاقك هنا مغتاظين من رحيلك ويشعرون أنك خدعتهم بهذا· قال معاذ بسعادة وهززت رأسي ضاحكاً بأسى:
 
- وماذا يريدون أكثر!؟ لقد تركت جميلة كما أرادوا·
 
- وحوّلتَ تنازلك السهل إلى ذنب في أعناقهم· هل تعرف معنى أن يقف شيوعي تحت ضغط العادات مع التخلف الديني وضد مبادئه· أنت جعلتهم يحسون بالخزي· وكانوا يريدونك أن تصارع وأن تخطئ كي يمتنوا بناء منظمة حلب وفقاً لتصوراتهم أو لعقدهم إذا أردت· لكن انظر هاني· أنا أيضاً مغتاظ من موقفك وجميلة وجميع من معك ومن ضدك، لكن ليس هذا هو وقت الحساب· اذهب لرؤيتها طالما أنت مصمم· قال معاذ ذلك تاركاً إياي في صراعي مع نفسي للحظة·
Page 7
تأملت الفتاة الغارقة في لوحة (رودو وروزي)، أسطورة بابلو نيرودا التي قرأناها سوية· جميلة الفتاة التي أعطت ظهرها لي· (روزي· الفلاحة· ابنة القياصرة· النهدان الوزونان· روزي الليلية الشعر، الزاهرة الفخذين· قرينة بريق قمر ينام· الصمت الملتف بعريه بين الأوراق) تقدمت باتجاه الفتاة الغارقة في تأملاتها، وتذكرت مقابلة أخيها الخاصة لي: لقد أردت مقابلتك دون أن يعلم أحد بهذا، وخاصة جميلة· لا أريد إحباطها· أنت تعلم هاني أنني عضو قيادي في حزب يؤمن بالتحام شعبنا دون أي تمييز أو اعتبار للدين أو الطائفة، كما تعلم أنك تستطيع تمزيق قرار فرعية الجامعة بانفصالك عن جميلة، ورميه بكامل الشرعية في وجوههم، إضافة إلى أنني لن أسمح لنفسي بالطلب منك أن تنصاع لهذا القرار· لقد أردت فقط أن أضعك بصورة وضع عائلتنا المحرجة أمام أولاد عمومتنا من السماح بخطف بناتها من مسلمين· إن بعض مسيحيي الجزيرة يقتلون أخواتهم أو بنات أعمامهم على هذه الفعلة· الأمر كما ترى معقد، ووالدنا تعرض إلى هذا من قبل وأجهد· سوف أؤكد لك هاني أنني أفضلك على جميع الرفاق، وأن القرار عائد إليك وإلى جميلة التي أرجو منك أن لا تعلمها بحديثنا·
 
تقدمت باتجاه جميلة· مررت بكمال الذي يتحدث مع مجموعة من الحشد· صافحته، وهنأته على معرضه· قلت له غامزاً: أحسدك على فراشاتك، وفهمني· ردّ ضاحكاً وغامزاً إياي: ستجد منها الكثير في لوحة رودو وروزي·
 
اقتربت من جميلة بهدوء دون أن تحس بي· حاذيتها وأحسّتْ هي أن أحداً بجانبها دون أن تلتفت· قرأتُ البطاقة الصغيرة التي وضعها كمال بجانب لوحته:
 
- (قالت إني خائفة) قلت ذلك وتسمرت جميلة في مكانها· مال وجهها الأبيض المستدير إلى الشحوب· نظرتْ إليّ مواربة، وأكملتُ قراءة البطاقة:
 
- (أحبك بكل هذا الخوف الجوفي
 
بكل أذى العقاب
 
إني أخاف شقائق النعمان
 
الساعية إلى النهش
 
والصاعقة التي تحضّر أفعالها
 
في شجرة البركان السرية
 
إني أخاف ضوءها الرهيب
 
أخاف نهارها الصافي المستحيل رماداً)
Page 8
نظرتْ جميلة بعينيها الصغيرتين البراقتين في عيني دون أن تتكلم، ونظرتُ في عينيها بعيني الحزينتين وأكملت:
 
- (فإلى أين نتجه ؟
 
ولماذا جئنا !؟)
 
- أنت تحفظ نيرودا عن ظهر قلب·· قالت وهي تبتسم لي· نعم لماذا جئت!؟·
 
مددت يدي مصافحاً فمدّت يدها بتردد، واحتضنتُ يدها·
 
- أظننا اتفقنا أن نكون صديقين·
 
- نعم·· قالت وسحبت يدها محذرة إياي· صديقين مراقبين· وضحكت·
 
- دعيهم يغتاظون· قلت وبان عليها الانزعاج·
 
- كالعادة· لا يهمك إلا أمر نفسك· هل فكرت بي!؟· قالت ونظرتُ إليها حزيناً·
 
- أنا آسف· سمعت أنك خطبت· كيف هو خطيبك؟··قلت وردّت علي بحزن وعتب:
 
- جيد· إنه من ديني·
 
شعرت بالحزن والأسى والضياع وأنا أتذكر آخر لقاء لنا عندما أخبرتها أن المنظمة قررت انفصالنا لأن أهلها يرفضون زواج مسيحية من مسلم، ولأن حبنا سوف يشرخ المنظمة باعتبار أن أهلها الشيوعيين لا يستطيعون مجابهة مجتمعهم المسيحي إذا تم خطفها من قبلي·
 
شعرت بالحزن وأنا أتذكر سؤالها المفجع لي: (وأنت ماذا قررت) !؟ وبالأسى وأنا أغرق في خزيي، وبالضياع وأنا أجيبها: لقد قررت الرحيل عن حلب·
 
نظرت في عينيها بحزن فلانت مشفقة علي·
 
- كيف هو حالك· كيف هي دمشق؟ هل وجدت فتاتك؟ قالت بابتسامة، وأصبت بالدهشة·· (يبدو أن معاذ نشر خبري على الملأ)
 
- فتاتي؟!·· قلت متصنعاً الدهشة·
 
- نعم· معاذ قال لي إنك ذاهب لتتزوج فتاة أعجبك غلافها·
 
- وصدّقتيه؟!·
Page 9
- ألا تفعلها؟! لقد قالوا لي إنك تراهن على فتيات وتربح الرهان·· قالت وهبط جليد العالم على نفسي· لمعت في ذاكرتي صورة عبد الواحد وهو يدفع ثمن العشاء بعد خسارته الرهان معي من أنني أستطيع إغواء الفتاة التي يلاحقها بثلاثة أيام فقط، واختلطت صورته بصورة ندى وأنا أودّعها قائلاً إنني لا أستطيع وعدها بأي ارتباط للزواج· نظرتُ إلى جميلة بعتاب بارد:
 
- لم يخبروك أنني أردت كسر دونجوانية عبد الواحد فقط·
 
- بإيذاء الفتاة! هل فكرت بالفتاة!؟·· قالت وكأنها تعني نفسها وخيم علي صمت كسير·
 
(هل هذا ما تفكرينه بي)!؟·· قالت لها عيناي· وأحسستُ بإحراجها من انكشاف عواطفها أمامي فأمسكتْ بيدي معتذرة·
 
- لا عليك هاني· أعرف أنك لست بهذا السوء· نحن أصدقاء· هل رأيت لوحة رودو وروزي· تأملها معي·· قالت وأحسست بالتوتر يزول· نظرتُ متأملاً اللوحة· متأملاً الكائنين المتحدين غير الملفوفين سوى بقوة عريهما الساطع في صدر اللوحة، أمام قوة ظلام عمياء يصعب استدراك مصدرها، تنبثق من الخلف والجوانب محاولة قذفهما خارج حركة موجودات الغابة الحانية· أحسست أن قوة العماء في انفلاتها الوحشي لا تفعل سوى شدهما بقوة أكبر بعضهما إلى بعض، في حالة اعتصار لكن مكابَرة وألم· لمع في ذاكرتي السيف الذي يحمله حارس بوابة النعيم خلف الكائنين الأبديين الفانيين / الرجل والمرأة· آدم وحواء مايكل أنجلو، لكنني لم أر أي أثر في وجهيهما للندم· كان ألم المعاناة الذي يحاول قصم ظهريهما يستحيل إلى عناد، وإلى حنو، وإلى التفاف أكثر لهما بعضهما ببعض، في حركة حماية أمام انفلات الهول·
 
تأملت وجه الرجل· إنه يشبه كمال، كما أنه يشبه معاذ، وأيضاً يشبهني·
 
شعرت بخلل حواسي، وأجبرني الخلل أن أنظر وجه المرأة في اللوحة· بمواربة في البداية، ثم بخشية ما لبثت أن استحالت خوفاً ثم إلى تحدٍّ دفعني إلى التحديق· لقد كانتْ هناك·· الربة بابتسامة عينيها الساخرتين القاسيتين والحانيتين بآن··
 
أصبت بالدوران، وكان على أحد ما أن ينتشلني من سرابات عذابي·
 
جاءني صوت معاذ مسّلماً على جميلة، محتضناً بيديه يدها، وضاحكاً لإغاظتي··
 
- (حمامة بيضاء تهدل) قال ضاحكاً وناظراً إلي بشقاوة الطفل الذي سرق تعبيري في وصف جميلة· ضحكت جميلة وضحكت أنا على أيام هناءتنا الماضية·
 
- سأقدم لك مفاجأتي مادمت عدت إلى صفاء روحك·· سوف تأتي الآن·
Page 10
نظرت بالاتجاه الذي أرادني أن أنظر إليه· نظرت إلى المرأة القادمة بخطوات رشيقة· المرأة الضاحكة بصفاء ماء جدول يجري· المرأة التي أسرتني تسريحة شعرها التي على شكل قوس من الحرير يحتضن وجهها· المرأة التي تملّيت مع اقترابها وجهها وأصبت بالذهول·· كان وجه شجرة المشمش إياه المزهر بتويجات الربيع· وجه الربة الذي ومض فجأة واختفى ليفتح أمامي كوة على هوة مصيري·· هاهي ذي طفولة العالم مرة أخرى بين يدي· شريط من الأخضر والأزرق والبني تتنافر ألوانه وتتآلف ببساطة انسياب ماء جدول··
 
أخذني الماء وانساب بي بين جوانح غابات صنوبر تخفق، واستطعت أن أشم رائحة الصنوبر، وأن أصل إلى نقطة الهذيان / يا أمي خذيني الآن·· ردّد الصوت داخلي وانفتح وجه الأفق·· أزرق مثل بحر أزرق يتموج بهدوء ويدعوني··
 
- نورا محمد علي· سيدة غلافك·· قال معاذ معرفاً إياها· ومددت يدي لمصافحتها·
 
- هانيبال السيد·· قال معاذ معرفاً بي· وأحسست بيدها تختلج في يدي مثل حمامة عصف بأجنحتها وميض البرق·· اتسعت عيناها من الدهشة واغرورقتا بالدمع·
 
- هاني!؟·· قالت نورا، وهبط عالم طفولتي أمامي·· تلك هما عيناها· غابتا طفولتي· البحيرتان اللتان اختطفتا قلبي الطفل منذ ثلاثة آلاف سنة وغابتا·
 
- نورا· أنت نورا· لصة المجلات·· قلت دامع العينين محاولاً انتشال نفسي من هول المفاجأة·
 
- وأنت هاني· الأناني·· قالت ضاحكة وشدت على يدي بكفها التي لم أعد أستطيع إفلاتها من يدي·
 
فوجئ معاذ الذي كان يهيئ نفسه لمفاجأتي·
 
- أنتما تعرفان بعضكما!!·· قال وردّت نورا معاتبة إياه:
 
- هل هذا هو الشاعر الذي هاجر إلى دمشق لكي يتزوجني من غلافي!؟ لماذا لم تقل لي إنه هاني· ياه·· منذ كم سنة لم أرك· عشرون· قالت متملية إياي· لم تزل كما أنت النحيف المعصعص·
 
- وأنت نورا محمد علي التي كانت تسرق مجلاتي· لماذا عبد الله· لم أعرف أنك الرسامة· قلت وضحكت نورا ملتفتة إلى الرجل الواقف المستغرب ما يدور بجانبها··
 
- إنه يوسف عبد الله· زوجي الذي أخذت اسمه للتوقيع على أعمالي، وليتني لم أفعل· قالت نورا ضاحكة ومقدمة إيانا لبعض·· هاني ابن خالتي نوّارة، صديقة أمي التي سميت باسمها· لقد حدثتك عنها·