الإهداء
إلى أبي
مقدمة
لم يشكل جمع النصوص والمقالات والشهادات التي كتبتها على فترات طويلة من حياتي هاجسًا ملحًّا لكي أنشرها في يوم من الأيام. ولم أكن أتوانى في رفض حتى الدعوات التي وجهها لي بعض الأصدقاء لنشر هذه النصوص والمقالات، التي نظرت لها دائمًا على أنها عمل هامشي يقع خارج دائرة الاهتمامات الحقيقية في مساري الأدبـي والكتابـي. غير أنه في الآونة الأخيرة، وأنا أحاول مراجعة الكثير من تلك النصوص التي كتبتها في الجرائد والمجلات الجزائرية والعربية، وجدت أنها على عكس ما ظننت، ليست عملاً هامشيًّا على الإطلاق، بل تشكل سيرتي الفكرية والأدبية على مدار السنوات التي كنت أكتب فيها روايات وقصصًا ونصوصًا، نُشر بعضها، ولم يقدر لبعضها الآخر أن يرى النور حتى الآن..
اعتبر نفسي كاتبًا عديم الرضا عما يكتب، وهذا كان في حد ذاته واحدًا من الأسباب الجوهرية في أنني استمررت في الكتابة، وخضت غمارها كما لو أنني أبحث عن ذلك الذي سيكتمل يومًا، وأنا مدرك أنه من الصعوبة بمكان أن يحدث الاكتمال، أو أنه عيّن المستحيل؛ فالأدب كما الحياة مليئة بالنقائض، ومبنية على النقصان، وتبقى الأحلام والآمال هي محفزات لنستمر، وليست هدفًا يتحقق في يوم من الأيام.
لقد قمت في هذا الكتاب بجمع بعض المقالات الفكرية التي تناولت قضايا محورية في الثقافة العربية، كالحداثة، والحرية، والمثقف، والاستبداد، والتاريخ، والربيع العربـي بكل روح نقدية. لم يكن الهدف مدح أو ذم هذه التجربة أو تلك، بقدر ما كان هاجسي أن أطرح الأسئلة على كل تلك الأحداث والوقائع، جديدها وقديمها؛ بغية فهم ما قد يستتر بين طبقاتها، فكثيرًا ما تحجب عنا الظواهر أعماقها الغامضة. وأظن من خلال ما كنت أكتبه أنني كنت أحاول النفاذ إلى ذلك المكان الممتلئ بالشقوق، والذي يستوجب مواجهته بكثير من الأسئلة، بحيث نتمكن من الحذر منه، حتى ونحن ننتسب له وندافع عنه.
كما جمعت بعضًا من مقالاتي في الأدب، والتي أعتبرها حميمياتي ككاتب في مساره الأدبـي، ذكرياتي في ما يتعلق بهذا السحر الغامض للكتاب، وبهذه النصوص الخالدة التي تتعلم منها أعمق ما في الوجود من معان ودلالات.
وبين هذا وذاك، كانت تعبر من شقوق النصوص ذكريات حول الحياة والحب، والأحلام التي تذهب أحيانًا مع زمنها الغابر، وتعود من جديد عبر استحضار أدبـي يمكنها من أن تصبح أشبه بالأطياف السعيدة.
هذا الكتاب على العموم يشكل مساري الفكري والأدبـي، بكل ما فيه من تعرجات وتمزقات، وتنويرات وتخيلات، وحقائق وأساطير، وبنايات شكلت في النهاية هويتي التي أنظر من خلالها إلى ذاتي والعالم.
إنه كتاب في الحب وفي الحياة، وفي الأدب والأسئلة، وطريق سلكته بشكوك كثيرة، وأوهام عديدة، وقصص غرام مبهجة، وأحزان لا تعد ولا تحصى.. أتمنى أن يجد طريقه إلى القراء، وأن يسعدوا به كما أسعدتني لحظات كتابته العسيرة، وليالي تدوينه المشوقة..
الجزائر في 20-03-2013
القسم الأول : في راهن الأسئلة وأسئلة الراهن
1- عن المثقف الذي يسقط.. عن المثقف الذي ينهض.
2- عن حيرة المثقف العربي.
3- أسئلة ليبيا.
4- لحظة الانفصال التاريخية بين الاستبداد والحرية.
5- الحداثة التي انتهت.. الحداثة التي لم تبدأ بعد.
6- العرب والفلسفة أو إشكال الإبداع الفلسفي.
7- عقلانية تنهزم لصالح لا عقلانيات تنتصر.
8- لماذا تاريخ العرب المحدثين هو تاريخ أحلامهم التي لم تتحقق؟
9- عن الشك والأمل.
10- من صدمة الحداثة إلى الحداثة المعطوبة.
11- التراث المتحرر والحداثة الخجولة.
12- علي حرب: الفكر المغاير.
عن المثقف الذي يسقط..عن المثقف الذي ينهض
فتحت الثورات الشعبية التي عرفتها كلٌّ من تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا ملفات كثيرة كانت أُغلقت، أو طُويت صفحاتها من زمن، أو لم تعد تخدش حياء الكتّاب والمثقفين العرب بوصفها تحوّلت معطى ثابتًا في الدول المعنية، حيث غطّى الاستبداد السياسي على قيم وأخلاقيات كثيرة كانت إلى وقت قريب ترمز إلى ما يمكن أن يمثّله المثقف من أهمية رمزية في تثبيت معاني تلك القيم والأخلاقيات.
وأهم تلك الملفات: مشاركة الكتّاب العرب أنفسهم في سياسة تلك الأنظمة، وتعاملهم معها على أنها أمر واقع لا يمكن الفكاك من سطوته، أو التخلص من قبضته. صحيح أن الاستثناءات ظلت دائمًا موجودة، وأن أغلب الكتّاب لم يتحول- إلا في حالات نادرة- إلى بوق دعائيّ لهذا النظام أو ذاك، لكن تمت تسوية العلاقة بطريقة أخرى، أو بطريقة ملتوية جعلت هذا الكاتب أو المفكر أو الأستاذ الجامعي قابلاً بالمشاركة غير النقدية، أي الدخول في تلك الوصاية، حتى لو تعارضت تلك المشاركة مع أبسط القناعات التي نتعلمها من الفكر الحر والثقافة التي نكتسبها على مر الزمان، أي: "الحرية النقدية".
الكثير يجد فرصة اليوم للنيل من المثقفين والكتّاب العرب، ونقد عطالتهم السلبية في عدم القيام بأي دور، وغيابهم المؤلم عن صفحة الثورات المشرقة التي عرفتها بلدانهم، أو دورهم الضعيف والمحدود، إن استثنينا بعض الأسماء التي انخرطت معنويًّا وجسديًّا في قلب معركة الحرية تلك، وهناك من يحمّلهم تلك الإخفاقات الشنيعة. الحق أن من الصعب في زنـزانة العتمة التي كان يعيشها الجميع- شعوبًا ونخبًا- المحاكمة الأخلاقية، حتى وإن بدت رمزيًّا ضرورية ليتحمل كل طرف مسؤوليته الفكرية. هي سهلة طبعًا بعدما "ظهر الحق وزهق الباطل"، من دون القيام بعملية حفرية في المسار التاريخي لتلك النخب التي واجهت في مرات كثيرة وحدها الاستبداد السياسي والعسكري، وكلّفها ذلك غاليًا من دون أن تجد من يسندها في رغباتها التحررية تلك من طرف تلك الشعوب التي تكفلت الأصوليات الدينية المتطرفة تخويفها من القيم الحداثية، بما فيها العلمانية والديمقراطيةوالحرية.
إذا حاولنا القيام بهذه السيرة الغائبة حتى الآن، فستكون حتمًا تحت عنوان: "سيرة المثقف العربـي من رفض الاستبداد إلى التعايش معه من دون نقد". حتى وإن استعمل النقد، فلم يكن الهدف منه تحرير الذات من عبوديتها، بقدر ما كان يوجَّه لصالح ذلك الاستبداد الذي كان يمنح هوامش للتنفيس النقدي عبر تلك القنوات الثقافية، كدليل على قدْر من الحريات يوفرها للنخبة كي تتأسف وتتأسى على الأوضاع التي تعيش بداخلها.
وما يلفت النظر أيضًا أن شراكة المثقف العربـي وقبوله بقواعد اللعبة في البداية، قاداه بعد سنوات إلى التساهل الشنيع مع الاستبداد والخضوع لسطوته بالفعل، وحتى تسخير القلم لخدمة وهمية عظمة تحتاج لتحليل نفسي جديد لكشف عقدها الداخلية. تكشف المقالات النقدية لكتّاب عرب من "النوع الثقيل" عن "أدب" ديكتاتور مثل القذافي، مدى الانحطاط الأخلاقي الذي وصلت إليه تلك النخبة التي ورّطت نفسها بعد سنوات من الرفض وعدم القبول في لعبة الخضوع، والاستسلام غير الذكي لأوهام أشخاص مرضى في الحكم كانوا مستعدين لشراء الثناء والمدح بأي ثمن من طرف "طليعة القوم" و"آخر قلاع الحرية" كما يسمّون أنفسهم عادة.
وقد أعاد ملحق ثقافي في الجزائر نشر بعض المقالات أو الدراسات لكتّاب وأساتذة جامعات جزائريين عن أدب القذافي وقصصه. يكتشف القارئ مدى ما بلغه الاستخفاف حقًّا بالعقول والمواقف، وتكفي قراءة العناوين حتى يصاب المرء بالخيبة. فهذا يبحث عن بيئة حقوق الأرض في قصص القذافي؛ لأنه- بحسبه- تجاوز المفهوم الكلاسيكي لحقوق الإنسان التي يُرعب بها الغرب الشرق، وطرح قضية حقوق الأرض. المضحك ربما هو ما تتعرض له الأرض الليبية الآن من حرق وتدمير وسلب، أما حقوق الإنسان فنعرف طبعًا كم يوليها هذا الزعيم أهمية كبيرة، ليس في خطابه ولكن في تصرفاته مع البشر الذين يراهم كالقمل والجرذان.
ينظر روائي جزائري في مدخله النقدي لتلك القصص للعلاقة الملتبسة بين القراءة والكتابة، فتشعر كما لو أنه سيباشر قراءة نقدية لواحد من النصوص الخطيرة في أدب القرن العشرين!
لقد هوّن الكثير من هذه المزالق بوصفها هنات يقع فيها الكاتب العربـي الذي استسلم لقدر الاستبداد، وتقبّله كحتمية لا مفر منها، ولا مجال لمحاربتها ما دامت تملك البطش والمال، ومن الأفضل الإفادة المادية بدل الحروب الاقتتالية مع جبهة لا ترحم ولا تشفق على أحد. غير أن هذا التهوين في حقيقته المخيفة يكشف عن بؤس من نوع آخر، وعن وضع ثقافي عربـي مزر للغاية، ولا يمكن من خلاله التأسيس لأي نظام ثقافي عربـي نقدي جديد، ينبني على أسس واضحة، ومعالم صارمة، وقيم نقدية بناءة.
ومنذ فترة غير طويلة، انجلت أوهام كثيرة عن كون الصفوة المثقفة هي الطريق الوحيد لقيادة التغيير، أو هي رمز كل تحول نحو عالم أفضل. انتهى المثقف بالصورة الرسولية، كما أخبرنا علي حرب في "أوهام النخبة"، التي كان يتصوره البعض عليها، وصار له ما له، وعليه ما عليه، ولم يعد أحد يحمّله ما لا يحتمل، فهو مثل غيره، له نقائصه ونقاط قوته. هو رمز عندما يختار أن يكون كذلك، فيتحمل مسؤولية تلك الرمزية التي يمنحها لنفسه، أو تُمنَح له عندما يقوم بدوره ولا يتواطأ مع الظلم والطغيان. وهو غير ذلك، عندما يصمت أو يغمض عينيه، أو يتلاشى في دوّامة الحياة العادية مثل غيره من الناس.
لا أحد صار يتوهم الآن أن المثقف هو صاحب الحقيقة أو حارسها الوحيد، أو هو من يملكها وحده، والقادر بثقافته وعدّته أن يكون القائد الطليعي للشعوب. ومع ذلك يجب القول أو التأكيد أن ما حدث في كل من تونس ومصر كان أيضًا من طرف مثقفين شباب ولدوا في بيئة مختلفة عن بيئة من سبقهم. بيئة سمتها العولمة والقرية الكونية. حتى لو عاشوا واقعيًّا تحت سطوة تلك الأنظمة المستبدة، فقد مكّنتهم أدوات العصر من أن يعيشوا كذلك في واقع مواز لذاك الواقع، يسمح بالحريات والحوار المتعدد، والتواصل عبر الإنترنت مع مختلف القارات، وظلت الحرية كمطمح ومتنفس، موجودة في حياتهم اليومية.
كان المثقف العربـي التقليدي- إن صحت التسمية- يضطر في غالب الأوقات إلى قول الحقيقة بكل حرية عندما يهجر بلده، أو ينفي نفسه في بلدان غربية، حتى يتواصل بشكل سليم وحر مع غيره في مختلف أنحاء العالم؛ لأن وسائل التواصل من إعلام مكتوب ومرئي كان يمنع عنه قولها في بيئته الأصلية، عكس ما سمحت به التكنولوجيا الحديثة للمثقفين الشباب بأن يكونوا أحرارًا في عالم افتراضي، صار واقعهم الحقيقي، وهو الذي مكّنهم في النهاية من نقل الحلم إلى الحقيقة، ومن شاشة الكومبيوتر إلى ساحة بورقيبة وميدان التحرير.
نحن الآن نشهد ولادة جديدة لمثقف جديد، مختلف كل الاختلاف عن سابقه. مثقف يقوم بدوره الطليعي بالارتباط مع شعبه، وهو نقي لأنه جديد، وهو حرّ لأنه شاب، وهو حالم لكنه واقعي، وهو مؤمن بأن أمامه مستقبلاً يجب أن يطمح إليه. على هؤلاء يعوّل التغيير الجدير بالاسم والذكر، التغيير الذي يعيد بناء منظومة القيم من جديد؛ فالثقافة لا يمكنها أن تبقى شعارًا نرفعه في السماء، وسلوكًا يتنافى مع ما نقوله. الثقافة- شأنها شأن الحرية- سلوك نختبر فيه ذواتنا يوميًّا، وحرية تجعل من الإنسان كائنًا يرفض التنازلات، ويحمي نفسه بالخيارات الصعبة التي تمنحه القدرة على الذهاب في حلمه إلى أبعد مدى ممكن.
عن ملحق النهار الثقافي 19/6/2011م
عن حيرة المثقف العربي
كأن هنالك لحظات في التاريخ يصعب أن تُضبط فيها عقارب الساعة جيدًا، فتسير كما اعتادت على أن تسير عليها، وأن نثق بها من دون أن نسائلها عن هذه الاعتيادية الطبيعية. لحظات في التاريخ لا تتوقف فيها عقارب الساعة عن الحركة، بل كأنما تختل، كأنما تتوقف ثم تتحرك، تتريث قليلاً لتلتقط أنفاسها ثم تسرع في الجري، فلا نعرف كيف تعمل؟ ماذا تفعل؟ من وراء هذا الذي يحدث لها؟ وأين الخلل بالضبط؟ إن كان ذلك خللاً بالفعل.
أتصور الأمر على هذا الشكل: المثقف العربـي الذي اعتاد على وضع محدد المعالم ومؤطر الرؤية، صار الآن في حالة اختلال، يمكن وصفها إيجابيًّا بأنها حيرة، وسلبيًّا بأنها عجز. ويمكن قراءة ذلك على أشكال مختلفة، ولكن يمكن اختصار ذلك كله في القول إنها مرحلة جديدة، يجد المثقف العربـي نفسه- بمختلف ألوانه وأطيافه وتياراته وحقول نظره واشتغاله- متورطًا في أسئلة مختلفة عن تلك التي طرحها على نفسه وبيئته من قبل.
لقد كان دفاع المثقفين سابقًا عن قيم الحرية والعدالة، ورفض الاستبداد، والدفاع عن حقوق الإنسان، وحرية التعبير والديمقراطية، وغيرها من اللافتات التي رفعتها أجيال متعاقبة من المثقفين والمفكرين العرب، في حين أنه يعيش الآن وجهًا لوجه مع امتحان تلك اللحظة السحرية التي فجرت صورة من الاستبداد، وفتحت صورًا جديدة له، أو هي كسرت سطوة الخوف وأعطته في الآن نفسه مشروعية جديدة تسبب فيها ما حدث في ليبيا وما يحدث في سوريا، فضلاً عن صعود الإسلاميين الذين فازوا في انتخابات بلدان عدة شهدت انفجار الثورات الشعبية (مصر، تونس، المغرب). فمن الصعب في أوقات متقلبة كهذه أن يجد المثقف معالم طريقه، فهو كغيره يتخبط في ضباب الرؤية وصعوبة تفسيرها، وهذا لا يعني غياب التصورات والاقتراحات والاجتهادات، بل الإحساس فقط بأن الأمور لم يعد يُنظر إليها بإطلاقية أو تعميمية كما كنا نفعل سابقًا مع مرحلة الاستبداد، حيث النقطة المشتركة واضحة في جميع البلدان العربية، وهي الظلم والجور والنيل من حرية الإنسان وكرامته. أما الآن فنحن نحاول أن نتبصر بتعددية الجغرافيات والأسئلة التي تطرحها كل منطقة على حدة، بل ربما تكون هذه هي النقطة الإيجابية في الوضع المتخلخل والملتبس؛ إذ يجب من الآن فصاعدا ألاّ نتحدث عن الإشكالات والتفسيرات نفسها، فنـزج بالكل في وحدة أليمة وتراجيدية تلغي المختلف وغير المشترك بين جميع بلدان المنطقة العربية.
لست أدري هل لا يزال لتسمية "مثقف" الإشراق الذي كانت تحمله سابقًا بتعدد التسميات التضخيمية، كالطليعة، والنخبة، وزبدة القوم، وحراس القيم…إلخ؟ الأكيد أنه لا يوجد مجتمع بدون نخب مثقفة تفكر وتطرح أسئلة، وتحاول أن تقترح تصورات وحلولاً وصياغات جديدة، فهذا أمر طبيعي لا تخلو منه الأمم المتقدمة التي رفعت سقف نخبوية شعوبها إلى أعلى مستوى، فما بالك بمجتمعات متخلفة مقهورة منذ عقود أو قرون، فهي أحوج ما تكون ربما لمن يفتح لها مغاليق الفهم، ويضعها في الصورة التي تنظر من خلالها إلى نفسها فترى جمالها وقبحها في الآن نفسه.
طبيعة اللحظة التي نعيشها هي التي تدفع إلى هذا التساؤل من جديد، وتضع المثقف العربـي في حيرة جديدة ومقلقة. فمن جهة، هناك تفاؤل كبير بتغير مدهش يحدث بسرعة، وقد أدهشنا كما أدهش العالم برمته. ومن جهة أخرى، هناك عسر في التحول، وضعف في قراءة ما سيأتي به الغد، فضلاً عن أخطار عنيفة وكثيرة تهدد المنطقة وتعصف بأحلام التغيير.
بين هذا وذاك يجد البعض أنفسهم مدعوين لتجذير ثقافة الحلم والأمل، والدفع بمجريات اللحظة إلى أقصى ثوريتها؛ حتى لا تتراجع إلى الوراء، أو تضعف حدة الشحنة التي خلقتها من أجل تحقيق نصرها الأخير على الاستبداد المخيف الذي جثم على صدرها عقودًا طويلة.
أسئلة ليبيا
عندما شاهدت من خلال بعض القنوات العربية والأجنبية ما سمّي بسقوط طرابلس في يد الثوار الليبيين وتحريرها من الطاغية، انتابني شعور مزدوج بالفرح والخوف. فبرغم التهليل الكبير لهذا النصر الذي حدث على واحد من أعرق الطغاة في هذه المنطقة، إلا إنه لم يكن واضحًا بما فيه الكفاية. اعتبر البعض المتابعة الإعلامية أنها تنتمي إلى الحرب الدعائية، أكثر من كونها إعلامًا يريد أن يعرض حقائق الوقائع، وهذا ذكّرنا بما قامت به "CNN" في حرب الخليج الأولى، حيث كان الانتصار إعلاميًّا قبل أن يكون واقعيًّا. برغم ذلك فرحت كثيرًا؛ فها هم الثوار يتقدمون نحو نصرهم النهائي، وها هي ليبيا تذهب نحو حريتها التي غابت عنها على مدار أربعة عقود من الزمن، عاشت من خلال صورة نمطية للديكتاتور الذي لخّصها فيه، وجعل نفسه ممثلها الأول والأخير، ففي وعينا ولا وعينا، ليبيا هي القذافي والقذافي هو ليبيا، ولا نستطيع تصور شيء آخر عن ليبيا غير ذلك.
لا أدري لماذا برغم أن ليبيا هي الجارة القريبة للجزائر، مسقطي، لم تنتبني أي رغبة لزيارتها، ولم أفعل ربما لإحساسي بأن بلدًا يحكمه شخص مثل القذافي منذ اثنين وأربعين عامًا لن أجد فيه ما يناسب قناعاتي، أو درجة حريتي التي أتطلبها في أي سفر أقوم به. ثم إن من زارها من الأصدقاء كان يعود بانطباع سيئ: "بلد غريب"!
صحيح أن الكثير من البلدان العربية الرازحة تحت الاستبداد تبدو غريبة لبعض الجزائريين الذين برغم أنهم يعانون هم أيضًا من حكم فاسد وغير مرغوب فيه، إلا إنهم ظلوا يتمتعون بحرية الكلام. فهم يقولون كل شيء يريدون قوله، ولم تستطع أي سلطة مهما كان بطشها حرمانهم هذا الحق الذي اكتسبوه ربما من خشونة رأس الجزائري، أو من تكلفة الدم الباهظة التي دفعها لنيل حريته عام 1962م أو من شبه ديمقراطيته في 1988م. لذا كانوا يشعرون بغرابة عندما يزورون بلدانًا عربية لا يستطيع المواطن فيها أن يتحدث بحرية كاملة مثلما يفعلون هم عن نظامهم وحاكميهم. وهذا ما كنت أفهمه طبعًا، فلقد شعرت بالشيء نفسه عند زيارتي الأولى لسوريا عام 1990م. فاجأتني من المطار لافتة كبيرة: "حافظ الأسد رئيسنا للأبد". مكثت أسبوعًا تحت طائلة الخوف من قبضة الذين شعرت أنهم يحرسون خطواتك لمجرد أنك صحافي أو كاتب، وتركت البلد غير آسف، مقررًا عدم العودة إليه، وبالفعل لم أعد. كنت أكره لو ذهبت ومارست السياحة عارفًا أن المئات يرزحون في سجون هذا النظام، فقط بسبب مواقفهم وآرائهم. كما كنت أرفض حتى مصافحة بعض الموظفين السوريين الذين يأتون إلى الجزائر ضمن وفود رسمية؛ شعورًا مني بما قد تكون لهم من مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن دخول مثقفين إلى السجن. طبعًا سوريا هي هذا وذاك، ومثلما يخضع البعض، يبقى الكثيرون متمردين، فنحبّهم ونحترمهم لهذا السبب.
أعود إلى ليبيا وتحرير طرابلس الذي أشاع فرحًا عامًّا بين الثوار الليبيين والعرب المدافعين عن حريتهم اليوم، إلى فرحتي أنا أيضًا. ذلك أن الخلاص من استبداد القذافي يفتح أفقًا جديدًا لهذا البلد الذي كان من المفروض أن يكون في مقدمة الدول المغاربية حداثةً وتطورًا، من حيث إمكاناته الكبيرة وعدد سكانه المحدود، لولا أن الديكتاتور كان آخر همّه تطوير شعبه ومنطقته، وبدلاً من الدخول في معارك حقيقية من أجل تنمية بلده، مارس السياسة بعتهه المعروف، وجنون عظمته المرضي.
كان الفرح نابعًا من العاطفة ومن الإحساس بأنها النهاية لمن يظنون أنفسهم فوق طائلة حكم التاريخ، كما تصرّف الحكّام العرب على مدار العقود الفائتة وهم يشعرون بأمان كبير، فقط لأنهم يقبضون على شعوبهم، ولأن الغرب في صفّهم ما داموا لا يتوانون عن بيع قضاياهم الوطنية والقومية مقابل الحصانة الغربية التي رُفعت عنهم اليوم، فتجردوا من أي قوة وبطش. ولعل هذا ما فهمه القذافي وهو يرى "حلف الناتو" يقف مع جبهة الثوار وليس مع جبهته هو، برغم ما كلّفته عودته إلى الواجهة الدولية من مال كبير لشراء سكينته وهدوء كرسيه وبقائه على العرش.
طبعًا انهزم القذافي في معقله طرابلس بطريقة مخادعة، حيث كان ينتظر الثوار من البر، فجاؤوه بمساعدة "حلف الأطلسي" من البحر. كما شن الإعلام هجومًا ساحقًا بترويج شائعات، منها القبض على أبناء القذافي وبخاصة سيف الإسلام، الأمر الذي جعل الهزيمة فاحشة وقاسية على من كان يسمّي خصومه الثوريين بالجرذان، ففر هاربًا ولم يبق له من مكان يمارس فيه سلطته الخشبية تلك، والصوتية بشكل خاص، فانتهى كجرذ متخفٍّ في مجاري المياه حتى لا تفتك به أيدي الثوار الذين لن يسامحوه، ليس على الاثنين والأربعين عامًا التي حكم فيها فحسب، ولكن أيضًا على الرغبة التدميرية التي أراد بها أن يطهر شعبه يوم خرج في أول تظاهرة ببنغازي.
إنها صورة مأساوية بالتأكيد، وتعبّر عن حجم الوضع المأساوي الذي تعرفه ليبيا منذ بداية انتفاضة الثوار المسلحين، وتدخل "حلف الأطلسي" كسند في المعركة. لا أحد يصدّق بالطبع أن هذا الحلف جاء من أجل عيون الليبيين أو لإنقاذ أرواحهم، برغم أن الشعارات هي نفسها التي استعملتها إدارة بوش عندما قررت قلب نظام الحكم في العراق وإطاحة الديكتاتور صدام حسين.
لا أحد سيلوم الليبيين طبعًا على هذا الخيار في الاستناد إلى قوة خارجية لإطاحة نظام كنظام القذافي؛ لأن البلد بلدهم ولا أحد سينصّب نفسه وصيًّا عليهم، ولكن من شأن هذه الخطوة أن تكلفهم غاليًا في السنوات اللاحقة، وقد تزرع البلبلة والشقاق في ما بينهم.
لقد راهن القذافي من جهته على هذه الخطوة، حتى وإن كانت السبب المباشر في دحره وهزيمته، وسيحاول أن يعطي مشروعية لقتال الغربيين والكفار، وإشعال نار الحرب القبلية وليس الأهلية بين مختلف القبائل الليبية، التي لا أظن أنها ستخرج بسهولة من غريزة الثأر القبلي في ما بينها، إلى وجود حركات جهادية متطرفة، مما قد يفتح الباب واسعًا لمخاوف كثيرة في المنطقة.
الاحتمال الوارد أن ليبيا لن تكون قوة عسكرية تهدد أحدًا في المستقبل، وهي ستدخل ضمن الدول الضعيفة عسكريًّا، وسيكون حكمها السياسي بالتأكيد مدنيًّا ومتعددًا، وستكون مناطق البترول آمنة بطبيعة الحال، والأفق الليبـي محكومًا بحماية أمن خارجي، ما سيعطي "حلف الأطلسي" دورًا كبيرًا في القيام بهذا الدور.
الاحتمال المرغوب فيه، هو إعادة بناء مجتمع منفتح ومتعدد وديمقراطي، يتأسس على قيم الحداثة والمواطنة، بحيث تستعيد الحياة الطبيعية مكانتها، فلا تكون السلطة الليبية الجديدة تحت وصاية الغرب، بل مستقلة بالفعل وعاملة على ترسيخ الحرية والعدالة والتطور.
سقوط القذافي لا يعني سقوط ليبيا بالتأكيد، لكن توجد إرادات كثيرة ستتصارع حتمًا، ونحن ننتظر أن يفوز الأكثر وطنية وحرية على الأكثر شرًّا وإجرامًا.
عن ملحق النهار الثقافي
جريدة النهار البيروتية 4/9/2011م