eKtab
EN ع
تأملات بقدرة خلق الله في مخلوقاته
Read free sample

تأملات بقدرة خلق الله في مخلوقاته

by محمد ضيف الله العويرات

Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
مقدمة:
 
في هذا العصر الذي أصبحت فيه التكنولوجيا تنتشر انتشارا سريعا وواسعا، مما زاد من انتشار العلوم في شتى الميادين العلمية، في البر والبحر والجو، و في أعماق الكون والبحار، الذي دفع كثيرا من العلماء للبحث والتنقيب في أسرار كل ما يقع تحت حواسهم، من أصغر شيء في المادة الذرة وأسرارها ، إلى الكون الواسع وما يحوي من أسرار، أبهرت كثيرا من العلماء وقادت الكثيرين منهم إلى معرفة أعظم من في الوجود، الخالق رب كل شيء ومليكه وتوحيده وخشيته.
 
قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (سورة فاطر28).
 
*فكم من علماء في الطب،عندما تعمقوا في أسرار خلق الإنسان، حتى شرحوا كل جزء من أجزاء جسده، تحت أفضل أنواع التكنولوجيا الطبية، ولم يكتفوا بذلك، بل ذهبوا إلى أعماق جسد الإنسان، وهو تحت أجهزة طبية متطورة ، وصنعوا أجزاء صناعية لتحل محل الأعضاء الأصلية في جسد الإنسان، وبدؤوا بزراعة أعضاء من جسد إلى جسد آخر، وأصبحت زراعة القلب مع تطور العلوم أمرا ليس ببعيد عن كثيرا من أطباء العالم، وتفننوا بأنواع التخدير الذي يجعل الإنسان جسدا لا يوجد فيه أي نوع من أنواع الحس، حتى أصبح علما بمفرده لأهميته لإجراء العمليات الجراحية.
 
وقد سهلت التكنولوجيا دراسة مراحل خلق الإنسان في بطن أمه، وكانت المفاجأة أنهم لم يجدوا أي تعارض بين ما جاء به القرآن وما توصلوا له بعد جهد منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا، إذ أن الله عز وجل ذكرها في القرآن الكريم قبل اختراع المجهر أو أي وسيلة من وسائل التشريح، مما دفع كثيرين منهم إلى أن تنطق كل خلية من خلايا أجسادهم، إن لهذا الكون ربا يعبد، وإن هذا القرآن كلام الله الذي لا يدانيه أي شك، وعلموا أن هذا الإنسان لم يخلق عبثا ولم يترك سدى بل هو خليفة الله في الأرض.
 
قال تعالى :( وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون * فَوَرَبِّ السَّمَاء الأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ) ( سورة الذاريات 21)
 
* وكم من علماء في علوم الأرض عندما درسوا الأرض وما تحوي من أسرار، في جبالها، وأعماقها، وبحارها، وسهولها، وأنهارها، وزلازلها، وبراكينها، وليلها، ونهارها، وغلافها الجوي وما يحوي من أسرار حيرت العقول، فقالت لهم: إن ورائي خالق عظيم ليس كمثله شيء، علموا حقا أن هذا خلق لم يأتِ عبثا بل من رب يعبد.
 
* وكم من علماء عندما درسوا علوم الأحياء بعد اختراع المجهر الإلكتروني، وتعرفوا على أسرار بعض الكائنات الحية وخاصة الدقيقة منها التي أبهرت العقول، حتى أحصوا أكثر من (1800) نوع من الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش فقط في الهواء.
 
أما التربة الخصبة فيقول عنها أحد علمائها: إن الغرام الواحد منها يحتوي على بضع مليارات من الكائنات الحية المجهرية، وتنقسم إلى آلاف من الأجناس، وكل جنس له طريقة تكاثره الخاصة به وعالمه ، وان بعضها يتكاثر بسرعة كبيرة جدا حيث ولو تركنا ستة آلاف ميكروب تتكاثر بدون أن تموت تحتاج فقط إلى اثنا عشر ساعة لتكون عدد من الميكروبات يساوي عدد سكان الأرض البالغ ستة مليارات تقريبا .
 
أما اكتشاف عالم الفيروسات قد كشف الغطاء عن خلق صغير في حجمه كبير في أثره على استمرارية الحياة على كوكب الأرض ، حتى حير العقول في عجائبه هذا المخلوق الصغير في حجمه ، الذي لم يتم كشف الغطاء عنه إلا بعد اختراع المجهر الالكتروني ، وبعد تكبيره إلى مليون ضعف حتى استطاعوا رؤيته ، ويقول العلماء : أن ميكروب واحد يستطيع أن يحتوي على عشرة آلاف من الفيروسات ، وتنقسم إلى أنواع كثيرة ، لتكون مسئولة عن كثير من الأمراض التي فتكت في ملايين من البشر على مر الزمن ، حتى في الهند وحدها من فيروس الأنفلونزا كانت حصيلة ضحاياه عام 1905)ميلادي) أكثر من مئة مليون ضحية ، وافريقية تدفع ثلاثة ملايين ضحية كل عام لفيروس الملا ريا يموت منهم مليونين ، أما فيروس القرن العشرين الايدز الذي بعد أن غزى أكثر من ( 40 مليون ) ضحية وقف الطب أمامه حيران ، استحق أن يكون اسمه في القرن العشرين سلاح الدمار الشامل .
Page 2
أما عالم الحشرات في تنوعه وأسراره فقد حيّر العقول، حتى استطاعوا أن يحصوا أكثر من مليون نوع، ومنها ما يجتمع ليشكل مملكة منفردة في قوانينها، وأنظمتها، وإدارتها المنظمة تنظيما دقيقا؛ كاد يتفوق على البشر لا يأتي إلا من حكيم عليم، وازدادوا إبهارا عندما درسوا هذا العالم واكتشفوا أن بعضها قد سُخّر من خالقه ليقوم بأعمال على هذه الأرض يعجز عنها أعظم علماء الأرض، وعسل النحل الذي لا يخفى على أحد تفوق على كل عقاقير العالم في مقاومة كثير من الأمراض التي تقوم تلك الحشرة -الصغيرة بحجمها، الكبيرة بعطائها- بتصنيعه بكل دقة ليقول لسان حالها: إن ورائي عظمة العظيم الخالق جلّ جلاله الذي هداني، فسبحان الله العظيم، فهل تستطيع قوة في العالم بأسره بأن تصنع عسلا مثل عسل النحل؟ علموا حقا أن وراء هذا الخلق قدرة العزيز الرحيم.
 
قال تعالى :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَاب وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ )[سورة فاطر 27-28]
 
ومنها ما يعيش في الهواء وتحت التربة أو فوقها حتى في الصحاري القاحلة لا تخلوا من هذا العالم الكبير فقد درسوا بعض هذه الحشرات في تلك الصحاري الخالية من كل مقومات الحياة حسب ما يبدوا لهم ، حتى تفاجئوا بان الخالق قد سخر لتلك الحشرات وغيرها من أنواع الحياة الأخرى في تلك الصحاري القاحلة ، رياح تهب من فوق غابات وبحار لتنقل هذه الرياح الغذاء والماء إلى هذه الصحاري لتؤمن لسكانها مقومات حياتها لتستمر بإذن الله جل الله وتقدس في علاه
 
ولقد جعل الخالق بعض هذه الحشرات أن تقف في مواجهة الرياح المحملة بالرطوبة لتقوم أجسادها بامتصاص الرطوبة من الهواء وتكثفها وتحولها إلى ماء وتشربه لتستمر حياتها في هذه الصحاري القاحلة.
 
قال تعالى (وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت 60]
 
قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [سورة هود6]
 
لتكون رسالة ربانية إلى كل من يقول (لا الله إلا الله محمد رسول الله )أن الخالق يخلق خلقه ويتكفل برزقه أين ما يكون وعلى أي حال يكون ، وان الذي يرزق الحوت الأزرق الذي يزيد وزنه عن (150) طن في ظلمات البحر كيف لا يرزق خليفته ( الإنسان ) في الأرض الذي لا يتجوز وزنه (70) كيلوغرام ؟
 
قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) [ فاطر4]
 
* وكم من علماء في علوم الفلك ، عندما تعمقوا في دراسة الكون ، وهُيّئت لدراستهم الجهود الجبارة والأموال الهائلة، حتى صنعوا أفضل أنواع تكنولوجيا غزو الفضاء، من مركبات فضائية، وتلسكوبات فلكية، الثابت منها والمتحرك في أعماق الفضاء، بلغت كلفة تلسكوب فلكي واحد ما يزيد على خمسة عشر مليار من الدولارات، وجردوا أكثر من (400) ألف عالم في مختلف التخصصات العلمية، وأكثر من (120) مليار من الدولارات، في إرسال أول مركبة فضائية إلى سطح القمر، حتى أصبحت زيارة القمر أمرا غير بعيد على عالم الإنس، مما سهل عليهم اكتشاف مزيد من غموض هذا الكون وما يحوي من أسرار مبهرة، ثم ازدادت مع تطور تكنولوجيا غزو الفضاء عندما شاهدوا أعماق الكون، ومجراته، وسدمه، وشهبه، والثقوب السوداء، والنجوم بأنواعها، بخاصة النجوم التي لا ترى إلا في التلسكوبات التي تستقبل الأشعة تحت الحمراء والتي تسمى النجوم البنية، مما جعل العلماء لا ينظرون إلى هذا الكون بأنه كون مرئي فقط؛ بل كون مرئي وآخر أضعاف أضعافه غير مرئي إلا في أجهزة فلكية خاصة، علموا حقا أن هذه السماوات والأرض لم تخلق عبثا، ولكنها خلقت لتكون كتاب الله المنظور، لتقود كل المتأملين في عالم الكون لتعترف كل ذرة من ذرات أجسادهم أن لهذا الكون ربا يعبد.
Page 3
قال تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوا لاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) [سورة الأنبياء 16 -18]
 
قال تعالى : (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) [ سورة آل عمران 18-20]
 
قال تعالى:( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثلِهِ مَدَدا) [ سورة الكهف 109 ]
 
قال تعالى ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [ سورة لقمان 27-28]
 
لقد فاضت دموع العشق مني حديثا كان علوي النــداءِ
 
فحلّقَ في ربـوع الأفلاك حتـى أهاج العالم الأعلى بكائي
 
وبما أن العلم يقود إلى الإيمان لقد أمرنا الله بالعلم والبحث في أسراره ، والتأمل ماذا في السماوات والأرض من آيات ، لتكون براهين عظيمة على وحدانية رب هذا الكون ، وتعظيمه وحده وترك كل من هم دونه وتشبث بكل طريق يقود له وحده لتكون النهاية في جنات الله عند مليك مقتدر ، والنجاة من نار حامية أعذنا الله منها وكل طريق يقود إليها .
 
قال تعالى ( قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) [ سورة العنكبوت 20]
 
قال تعالى :(قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ) [ سورة يونس 101]
 
• ومن خلال هذا الموضوع ( تأملات بقدرة الله في مخلوقاته ) سنقف بقدر ما نستطيع ، وبأسلوب بعيد عن التعقيد قدر الإمكان ، ونستعين بمعية الله ، ثم بأفضل المراجع العلمية لعلماء مسلمين موحدين لله، عند بعض آيات الله في هذا الكون عسى أن تكون سببا لتسليم أنفسنا إلى إرادة الله ، وزيادة إيماننا، وتقريبنا من خالقنا ، وتجديد العهد معه ، وإنها للحظات سعيدة ، وأوقات جميلة ومثمرة، يوم لا ينفع إلا ما قدمناه في هذه الحياة ، من الأعمال الصالحات لتلك الأيام ؛ أيام الله التي لا بد عنها.
 
قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحا فَمُلاقِيهِ ) [سورة الانشقاق 6]
 
قال تعالى: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدا* لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدا ) [سورة مريم 93- 95).
 
وبعد فراق هذه الحياة ورؤية أحق الحق الموت الذي لا بد عنه وترك الدنيا ومتاعها الغرور، نأمل من العظيم جل وتقدس في علاه أن يجعلنا من الفائزين الفوز العظيم الذي لا يقارن بأي فوز في النجاة من نار الله الحامية ، ودخول جنات الله التي وعد بها عباده الصالحين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
 
قال تعالى ( كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) [سورة آل عمران 185].
 
قال تعالى ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُود * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) [ سورة ق 31-35]
 
قال تعالى( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا) [الكهف 107-108]
 
قال تعالى : ( مثل الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَار مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُه وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيما فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ ) ( سورة محمد 1)
Page 4
وقفة تأمل مع الأرقام
 
قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [سورة يونس 5].
 
* الرقم مليون من الأرقام الكبيرة، ولكي نتصور هذا الرقم لو تم عد مليون رقم، واستغرق عد كل رقم ثانية واحدة، سنحتاج إلى (11.5) يوما لإكمال عد المليون.
 
* ولو تم وضع مليون قطعة خشبية، سماكة كل واحد منها سنتيمتر بجانب بعضها، لكون مسافة عشرة كيلومترات .
 
* أما المليار الذي يسمى أيضا (بليون)، فهو عبارة عن مليون مضروب في ألف، وهذا يعني بأننا نحتاج إلى (31.5) عاما حتى نستطيع عد المليار، إذا اعتبرنا بأن السنة (365) يوما .
 
* أما لو تم وضع الأخشاب التي سماكة كل لوح منها سنتيمترا واحدا لكون مسافة (10.000) كيلومتر، وهذه المسافة تعادل ربع محيط الأرض تقريبا، أي أنه لو تم وضع أربع مليارات من الألواح الخشبية التي سماكة كل واحد منها سنتمترا واحدا، لكانت المسافة تعادل محيط الأرض البالغ (40.000) كيلو متر تقريبا .
 
* أما الضوء لو دار حول الكرة الأرضية، فإنه يدور سبع مرات ونصف حول الكرة الأرضية خلال الثانية الواحدة من الزمن، لأن سرعة الضوء كبيرة جدا حيث تصل إلى (300) ألف كيلو متر في الثانية الواحدة .
 
* ولو فرضنا بأن سيارة تسير بسرعة (100) كيلومتر في الساعة فإنها تحتاج إلى (125) يوما دون توقف، كي تقطع المسافة التي يقطعها الضوء في الثانية الواحدة.
 
* والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء بسرعته الكبيرة جدا البالغة (300) ألف كيلومتر بكل ثانية خلال العام الواحد* إن المسافات في عالم الكون شاسعة جدا، لا تستطيع أي قياسات مستخدمة بين الناس على الأرض: الكيلومتر، والميل مثلا التعبير بسهولة عن هذه المسافات الشاسعة، لذا كانت أفضل وسيلة للتعبير عن هذه المسافات بين النجوم والمجرات واتساع الكون وأقطار المجرات هي ...( السنة الضوئية ).
 
* المسافة التي يقطعها الضوء خلال أربع سنوات ونصف السنة تساوي المسافة بين أقرب النجوم لأرضنا التي نعيش عليها، وكيف لو تصورنا هذه المسافة ونحن نعبر عنها مثلا بالكيلومترات، سنحصل على أرقام كبيرة جدا، ليس من السهل أن تستطيع عقولنا إدراكها.
 
* ولو تصورنا سيارة تسير بسرعة (100) كيلومتر في الساعة، لاستغرقت من الوقت (10.800.000) من السنوات كي تقطع المسافة التي يقطعها الضوء خلال عام كامل، البالغة (9.5) مليون مليون كيلومتر تقريبا.
 
قال تعالى : (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْما أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ) [سورة المؤمنين 113_114 ]
Page 5
وقفة تأمل في تاريخنا الماضي
 
الحفل بالأمجاد والمكارم
 
* نريد أن نلقي نظرة سريعة في تاريخنا الماضي الحافل بالأمجاد والمكارم ، المليء برجال تشربت قلوبهم حلاوة الإيمان ، ووجب علينا تخليد أسمائهم في قلوبنا ، وأن نكتبها بماء الذهب في أوراقنا ، فقد زادهم الله عزة في الدنيا، ووعدهم بالفوز الذي لا يقارن بأي فوز في تلك الأيام أيام الله التي لا بد عنها.
 
قال تعالى:(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ) [ سورة الأحزاب 23]
 
قال تعالى ( كَانُواْ قَلِيلا مّن اللّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ ) [ سورة الذاريات 17 -19]
 
* من جعل أبا بكر الصديق رضي الله عنه القائل: (عرفت ربي بربي ولولا ربي لم اعرف ربي ) وكان من أكثر الناس تأمل وتفكر بعظمة الله ولقد خاطب خالقه عما يدور في صدره بهذه الأبيات من الشعر:
 
فيك يا قرة العين غدا الفكر كليلا كلما تقرب إليك الفكر شبرا فر ميلا
 
وكلما خطر في بالك والله خلاف ذلك .
 
و كان من أكثر الناس أموالا في زمنه ، وكان يملك ألف ألف أوقية من الذهب يتبرع بكل ماله في سبيل الله ، وعندما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟ قال أبقيت لهم الله ورسوله، وفي يوم من الأيام فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه صديقه أبا بكر، فلما دخل عليه وجده ينتظر ثوبه الوحيد الذي كان قد غسله حتى يجف ويلبسه ويذهب إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما شاهده الرسول صلى الله عليه وسلم أحضر ثوبا من بيته، وألبسه لأبي بكر ليحضر إلى مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنزل جبريل عليه السلام من السماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبس ثوبا مثل ثوب أبي بكر إكراما له، ويقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام يقرئ صاحبك السلام ، فقل له إن الله راضٍ عنك، فهل أنت راضٍ عنه.
 
حتى قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم : (لو وزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر ) .
 
وعندما جاءت الساعة التي لا بد عنها ساعة فراق الدنيا وكان على فراش الموت فقالت له عائشة رضي الله عنها بما نكفنك يا أبتاه ؟
 
فقال لها في ثوبي هذا الذي كنت أصلي به خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : رضي الله عنها يا أبتاه انه قد بلي ألا نشتري لك كفنا جديد ؟ فقال لها : يا عائشة إن الحي أولى بالجديد من الميت .
Page 6
* من جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة المسلمين - الذي كانت جيوشه تهز عرش هرقل ملك الروم، وكسرى ملك الفرس - يذهب بنفسه لا يوجد معه أحد إلا خادمه، وكانوا يتناوبون على الدابة حتى وصل القدس- ولم ينس عدله وزهده الذي اشتهر به حتى مع خادمه- ليستلم مفاتيح القدس في زمن أمجاد المسلمين عندما فتحها خلال خلافته رضي الله عنه دون قتال، وكان شرطهم بأن يسلموا مفاتيح القدس إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعندما أشير عليه بأن يلبس ثوبا جديدا بدل ثوبه المرقع قال كلمته الشهيرة:
 
" نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا عزة بغير الإسلام أذلنا الله ".
 
وعندما جهز جيش المسلمين البالغ ثلاثون ألف مقاتل لفتح بلاد فارس اختار قائد من العشر المبشرين بالجنة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما أجمعين ، فكانت وصيته عند وداعه . بسم الله وعلى بركة رسول الله يا سعد بن أبي وقاص ، لا يغرنك انك خال الرسول الله وصاحبه ، فان الناس في ذات الله شريفهم ووضعهم سواء يتفاضلون بالعافية ، ويدركون ما عند الله بالطاعة .
 
يا سعد أوصيك ومن معك بتقوى الله ، فأننا إذا عصينا الله تساوينا مع عدونا في المعصية وزاد علينا في العدد فهزمنا ، يا سعد أنا لا أخشى على الجيش من عدوه إنما أخشى على الجيش من ذنوبه سر على بركة الله يا سعد .
 
* من جعل عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: والله لم أكشف امرأة في الجاهلية ولا في الإسلام، ولا تغنيت، ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي منذ أن بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
وكان لا بنظر إلى ما منٌ الله عليه من أموال كثيرة ، نظرة من أحب الدنيا وغاب فكره عن لقاءه مع خالقه ، ولكنه استخدم هذه الأموال في كل ما يرضي الله ورسوله ، حتى جهز بنفسه جيش كامل
 
( جيش العسرة ) حتى بشرى من سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ، بأعظم جائزة التي منى كل تقي ، ومن عرف الله علم انه له رب يستحق أن يكون الله يعبد ، وان يطاع ولا يعصى ، حتى فاز بجنات الله لا فيها نصب ولا لغوب .
 
وكان يتصف بأجمل الأخلاق التي فقدها كثير من الناس في زمننا هذا، إلا من رحم الله وما أحوجنا إليه ، ( الحياء).
 
و في يوم من الأيام دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وطرف رجله صلى الله عليه وسلم مكشوف ، ثم دخل عمر رضي الله عنه ، وعندما دخل عثمان رضي الله عنه غطى رسول الله صلى الله عليه وسلم فورا رجله ، وعندما سألته عائشة رضي الله عنها عن هذا الموقف ، قال صلى الله عليه وسلم: كيف لا استحي من رجل تستحي منه الملائكة من شدة حيائه.
 
* من جعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه القائل : من أمضى يومه في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد بناه ، أو حمد حصله ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه .
 
إذا تمتعت في معصية فان المتعة تزول ويبقى آثامها ، وان تعبت من الإحسان فان التعب يزول ويبقى أجره .
 
* من جعل عمر بن عبد العزيز خليفة المسلمين ، الذي كان يحكم مشارق الأرض ومغاربها، لم يدفعه هذا السلطان للتكبر على خلق الله ونسيان ذلك اللقاء الذي لا بد عنه ، لقاءه مع خالقه ، لقد تذكر أن فوقه رب عظيم سلطانه محيط بكل ذرة من ذرات الوجود؛ فخر له ساجدا باكيا، حتى كان يبكي خشية من الجليل في معظم أوقاته فيخرج الدم بدل الدموع من شدة بكائه وخوفه من خالقه .
 
وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعا ) [سورة الإسراء 109 ]) قال تعالى
 
وعندما كان على فراش الموت ، دخلت عليه زوجته فاطمة الوفية الأمينة الزاهدة وهو على فراش الموت في السكرات ، فقال لها يا فاطمة اخرجي الآن فاني أرى خلق غريبا ذو أجنحة لم أرهم مثنى وثلاث ورباع ، اخرجي فان الروح تزف لأنها ستصل إلى خالقها الأعظم ، ستكون في ضيافة الرحمن ، وكان عمر وهو في ساعة الاحتضار كان يرتل آية عظيمة في كتاب الله المجيد ختم بها سجل حياته.
 
قولة تعالى (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) [سورة القصص 83]
Page 7
قال تعالى: (يَعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ *الّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ * ادْخُلُواْ الْجَنّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذّ الأعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنّةُ الّتِيَ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مّنْهَا تَأْكُلُونَ ) [سورة: الزخرف - الأية: 68 - 75].
 
لقد فارق الحياة بعد أن سجل التاريخ بماء من ذهب خليفة للمسلمين فريد من نوعه وكان في زهرة شبابه بعمر أربعين عام ، وكانت مدة خلافته ثلاثين شهرا فقط ووصلت خيول المجهدين في عهده إلى أبواب باريس غربا والى الصين شرقا لنشر دين الله في الأرض ، وكان يحكم اسبانيا والبرتغال .
 
أما أمواله التي كانت عنده عند وفاته ثمانية عشر دينار، كفن منها بأربعة ، ووزع الباقي على أولاده ، وكان عنده احد عشر ولد ، وعندما سئل في احد الأيام عن أولاده ، قال أولادي اثنين ، إما متق يتقي الله فيجعل له من أمره مخرجا ، وأما عاص فانا لا اترك في يده شيئا يستعين به على معصية الله .
 
وفي يوم من أيام العيد جاءته بناته وقلن يا أمير المؤمنين العيد غدا وليس عندنا ثياب جديدة نلبسها ، فنظرا أليهن وقال: يا بناتي ليس العيد لمن لبس الجديد ، وإنما العيد لمن خاف يوم الوعيد.
 
في مثل هذه الروح المشحون بتقوى الله ، حكم مشارق الأرض ومغاربها ونشر العدل في ارض الله حتى كانوا خلال خلافته يبحثون عن من يأخذ صدقة الأموال ولم يجدوا.
 
* من جعل جيش المسلمين ينتصر في معركة القادسية عام (14) هجري بقيادة سعد بن أبي وقاص ومعه (30) ألف موحد لله الواحد القهار ، في مواجهة جيش الفرس البالغ (250) ألف مقاتل مدعمين بأفضل أنواع سلاح عصرهم من الأدوات الحربية بالإضافة إلى استخدام الفيلة في القتال خلال خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعندما دخل سعد بن أبي وقاص رضي الله قصر ملك الفرس وشاهد ما فيه من عجائب مبهرة من ذهب وفضة وسجادا فاخر ... لم تأتي الدنيا الزائلة بقلبه رضي الله عنه ولكنه تذكر أن كل ما هو فوق التراب تراب وما عند الله خيرا وأبقى فرتل قوله تعالى (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ* كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْما آخَرِينَ ) [ سورة الدخان 25 - 28] .
 
* من جعل جيش المسلمين في معركة اليرموك وهم لا يتجاوزون (30) ألف مقاتل ينتصرون على (240) ألف مقاتل من جيش الروم أكبر دولة في زمانهم، بقيادة سيف الله المسلول ( خالد بن الوليد رضي الله عنه ) ، وعندما نظر خالد بن الوليد إلى جيش الروم وقارن عددهم بعدد جيش المسلمين لم يفكر بما يفكر به الجبناء ؛ لأن قلبه كان متصلا بأعظم من في الوجود ، وعندما سمع أحد جنوده يقول: ما أكثر جيش الروم ! غضب خالد رضي الله عنه وقال: وإني لأتمنى أن الأشقر كان صحيحا ، وأن الروم ضعفي عددهم ، وكان يقصد بالأشقر حصانه الذي كان يجاهد عليه ، وقد مرض من كثرة الكرّ والفرّ في سبيل الله ، ولم يستطع مواصلة الجهاد عليه، فاستبدله بحصان آخر ، وكان يقصد بأن جيش الروم على كثرته أمامه ؛ يستطيع حصانه الأشقر مواجهته والانتصار عليه ، وهذا لزيادة الروح المعنوية لجيشه الذين تشربت قلوبهم حلاوة الإيمان ، وأصبحوا يعشقون الموت في سبيل الله كما يعشق أعداؤهم الحياة.
 
أما عندما جاءت الساعة التي لا بد عنها ، كان خالد على فراش الموت سنة 21) ) هجري، تألم خالد رضي الله عنه لأنه لم يموت في ساحة القتال فقال : لقد دخلت (99) معركة في الجاهلية والإسلام ، وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو نبل وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء .( وكان يقصد خالد رضي الله عنه بقوله فلا نامت أعين الجبناء أن الموت مقدر من الله فلا يمنعه عن الجبناء تخاذلهم عن ساحة القتال ) في مثل هذه الروح حملوا هؤلاء النجوم من أمتنا ، راية الإسلام حتى شقت طريقها في مشارق الأرض ومغاربها حتى انتشر عدل الله في الارض بعز عزيز أو بذل ذليل .
 
قال تعالى :وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ) ( سورة آل عمران 143 -141)
 
* من جعل جعفر بن أبي طالب بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تناول الراية من زيد بن حارثة رضي الله عنه بعد أن استشهد في معركة مؤتة ، وعندما اشتدت المعركة ، وثب عن فرسه وعقر قوامها بسيفه وأوغل في صفوف الروم ، وهو ينشد قائلا :
 
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردا شرابها
 
وظل يجول بسيفه يمنة ويسرى ، حتى قطعت يمينه ، فتناول الراية بشماله ، ثم مازال يقاتل حتى قطعت شماله ، واخذ الراية بصدره وعضديه ، ثم ما زال ثابت في ساحة القتال حتى نال أعظم جائزة الشهادة في سبيل الله ، على مسافة تزيد عن ألف كيلومتر عن مسقط رأسه مكة شرفها الله ، ليقابل خالقه يوم التناد وقبره في مدينة مؤتة جنوب الأردن شاهد عليه ليكون إنشاء الله من الفائزين .
Page 8
حتى كان مدرسة فريدة من نوعها تخرج منها رجال عرفوا عظمة الله وهان عليهم كل شيئا من اجل ارضي الله ونشر دينه في الأرض، حتى حيروا أعدائهم متسائلين أي بشرا نحن نقاتل ؟
 
* من جعل أحد أصحاب الرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بدأ الكفار بتقطيع أجزاء جسده حيا جزءا جزءا؛ ليردوه عن دينه، فلم يستطيعوا رده عن دينه حتى استشهد رضي الله عنه، وهو ينشد:
 
ولست أبالي حين أقتل في سبيلك مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
 
* من جعل سعيد بن جبير رضي الله عنه ‘ عندما ادخل أسيرا على الحجاج ، سأله الحجاج برأيه عن الذهب والفضة واللؤلؤ والزبرجد والياقوت بعد أن جمعه بين يدين سعيد بن جبير رضي الله عنه ، الذي كانوا يجمعوه إلى الخليفة ‘ قال لهم سعيد : هذا حسن إذا قمت بشرطه ، قال الحجاج : وما شرطه ؟ قال سعيد : أن تشتري بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة ، إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع يوم القيامة ، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا .
 
و عندما أمر الحجاج بقتله، لم يفكر في تلك اللحظات لحظات مفارقة الدنيا والإقبال على الموت إلا بان يكون آخر ما يعمله في هذه الدنيا بان يتقرب إلى خالقه بصلاة ركعتين. وعندما استقبل القبلة مرتل :
 
قوله تعالى: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [الأنعام 79]
 
قال الحجاج : اصرفوه عن القبلة ، فصرفوه عنها .
 
عندما صرفوه عن القبلة رتل قوله تعالى:( فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ) [البقرة 115]
 
قال : الحجاج كبوه لوجه .
 
وعندما أصبح وجه رضي الله عنه على الأرض تلا قوله تعالى : (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَة أُخْرَى ) [طه 55]
 
فأمر الحجاج بقتله ، وفارق الدنيا وهو وقلبه معلق بكتاب الله، فدعا الملك الملوك قائل: اللهم لا تسلطه على احد يقتله بعدي ، فاستجاب الملك الذي لا يموت إلى دعاه رضي الله عنه ، قالوا : بلغنا أن الحجاج عاش بعده خمسة عشرة ليلة ، وانه كان ينادي بقية حياته : مالي ولسعيد بن جبير ؟
 
* من جعل سالم مولى أبي حذيفة ، في معركة اليمامة عندما اشتدت المعركة وأصبح القتل في قادة الجيش يزداد، حتى استشهد (500) حافظ لكتاب الله ، جاءوا بالراية إليه فقال لهم: ما أعلمني بأي شيء أعطيتموني الراية ؟ قالوا: صاحب قرآن قال: بئس أنا حامل القرآن إن لم أثبت، وثبت رضي الله عنه ثبوتا لا يعرف معه أي خوف حتى نال أعظم جائزة ؛ الشهادة في سبيل الله، أنالها الله كل من طلبها صادقا، حتى قال عنه عمر رضي الله عنه: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لم أجعل الخلافة شورى.
 
* من جعل بلالا رضي الله عنه يقول للكفار: أحدٌ أحدٌ، تحت أشد أنواع العذاب، ولم تستطع أنواع العذاب هذه ردَّه عن أعظم كلمة ، الكلمة التي خلقت السماوات والأرض من أجلها.
 
* من جعل عروة بن الزبير رضي الله عنه بن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما عندما ابتلى بمرض في ساقه ، وكان العلاج بتر ساقه ، وعندما جاء الطبيب بمخدر كي لا يشعر بألم عملية قطع الساق عن الفخذ . قال عروة: معاذ الله أن أتناول شيئا يغيب عقلي عن التفكير في عظمة الله، فقال له الطبي: كيف تقطع الساق يا عروة ؟ قال لهم : إذا أنا دخلت الصلاة وكبرت تكبيرة الإحرام وجلست لقراءة التشهد فاقطعوا ساقي فأنني عند ذلك لا أفكر في الدنيا ، وإنما أكون في سبحات مع الله العلي العظيم . وجلس عروة وقرا التشهد بعدما دخل في الصلاة وبتر ساقه وهو يقرا التشهد.
 
ثم مسك ساقه المبتور بعدما كفنها ليدفنها فقال : الحمد لله أني ما سرت بك إلى مكان يغضب الله تعالى .
 
* من جعل ربعي بن عامر عندما دخل على رستم قائد العام للقوات الفارسية لمفاوضته قبل حدوث معركة القادسية لم ينظر إلى ما في خيمته من سجادا فاخرا ، وزرابي مبثوثة ، وأكواب مصفوفة ، وسررا مطرزة ، والى ما اعدوا لقتال المسلمين من جيوش جبارة مزودة في احدث أنوع أسلحة عصرهم من خيول والفيلة ... ولكنه كان في قلبه عظمة عظيم السماوات والأرض فتجلت عظمة الله في قلبه فأصبح كل شيئا أمامه إذا قارنه في عظمة الله وما عند الله أصبح لا يذكر.
Page 9
قال تعالى: (إِنّا نَخَافُ مِن رّبّنَا يَوْما عَبُوسا قَمْطَرِيرا *فَوَقَاهُمُ اللّهُ شَرّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَة وَسُرُورا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنّة وَحَرِيرا *مّتّكِئِينَ فِيهَا عَلَىَ الأرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسا وَلاَ زَمْهَرِيرا * وَدَانِيَة عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا *وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مّن فِضّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ مِن فِضّةٍ قَدّرُوهَا تَقْدِيرا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلا * عَيْنا فِيهَا تُسَمّىَ سَلْسَبِيلا *وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مّخَلّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤا مّنثُورا) [ سورة: الإنسان - الأية: 10-19]
 
وعندما سأله رستم ما الذي جاء بكم إلينا ؟ قال له ربعي : إن الله تعالى ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ظلم الأديان إلى عدالة الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة .
 
* من جعل الحاجب المنصور عندما أصبح حاكما على الأندلس، لم يفرغ نفسه لمتاع الدنيا الزائل ، وإلى إغراءات شياطين الإنس والجن التي كانت تحيطه من كل جانب، ولكنه عزم على أن يكون عبدا مطيعا لأعظم من في الوجود ؛ ربه ورب المشارق والمغارب حتى أصبح مجاهدا في سبيل الله، فقطع الجبال والأنهار وهو يعيد فتح الأندلس وإعادتها إلى عدالة الإسلام ، حتى جاهد في سبيل الله ثلاثين عاما، وشارك في خمسين غزوة في سبيل الله ، ولم يترك الجيش يغزو وهو جالس في قصره ينتظر نتائج المعارك، لكنه كان على رأس جيشه في كل غزوة حتى هز أركان جيوش النصارى ، وأزال خطورتهم عن المسلمين ، ولقد سجل التاريخ بماء الذهب هواية له فريدة من نوعها، (هواية جمع الغبار في سبيل الله)، حيث كان يجمع غبار ثيابه بعد كل غزوة، ثم وضعه في قارورة، ليكون هذا الغبار رفيقا له في قبره عند فراقه الدنيا في حياته الأخرى تحت التراب ، وتكونَ له رفيقا له أمام الملك الذي لا يموت ليكون إن شاء الله من الفائزين بمغفرة الغفور الرحيم ، ولتكون له شاهدا أمام جبار السماوات والأرض على جهاده في سبيل الله ، ومصداقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والله لا يجمعن الله في أنف امرئ مسلم واحد غبارا في سبيل الله ودخان جهنم).
 
قال تعالى ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدا عَلَيْهِ حَقّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )[ سورة التوبة 111]
 
* من جعل (12) ألف مقاتل بقيادة طارق بن زياد ينتصرون على مائة ألف مقاتل من القوط في فتح الأندلس عام (92) هجري ، ثم توسع فتح المسلمين حتى أصبحت الأندلس على امتدادها دولة مسلمة ثمانية قرون، وهي تعيش في عدالة الإسلام ثم الغرب بعد الأندلس ، ووصلوا فرنسا على مقربة من باريس بمسافة (30) ميلا لنشر دين الله في الأرض ، وتحملوا المسافات الشاسعة في فصول السنوات لا يعرفون بردا ولا حرا، ولا عطشا ولا خوفا؛ إلا من رب السماوات والأرض وما بينهما، ويتذكرون قوله تعالى: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُون فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [سورة التوبة 81-82 ]
 
* من جعل عبد الرحمن بن عبدا لله الغافقي والي الأندلس الذي أتته الدنيا بكامل زينتها فلم تغره كما أغرت كثيرا من عُبّادها؛ يتركها ويذهب بنفسه في مقدمة جيشه البالغ (50) ألف مقاتل في مواجهة جيش النصارى (400) ألف مقاتل لفتح أربا عام (114) هجري جنوب فرنسا ، وكان يقاتل في مقدمة جيش المسلمين حتى استشهد في معركة بلاط الشهداء .
 
التي يقول عنها أحد المستشرقين إن انكسار المسلمين في هذه المعركة أنقذت فرنسا وبريطانيا وروما من جور الإسلام حسب اعتقادهم الباطل.
 
قال تعالى (الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )[ سورة آل عمران 168- 170]
 
* من جعل شيخ المجاهدين عمر المختار يقاتل جيش المستعمرة الايطالية عشرين عاما ، في الجبال و الصحاري لا يعرف بردا ولا حرا ولا خوفا من عدوه الذي كان يستخدم اشد أنواع أسلحة عصره فتك بدون رحمة ، ولا ينظر إلى عمره الذي تجاوز السبعين عاما ، ولكنه كان ينظر إلى أن يكون عبدا صالحا ينظر إلى رضي الله وحده حتى لقاءه وهو راضي عنه ، ولم يقف عن الجهاد حتى وقع أسير وعندما عرضت عليه الأموال والإغراءات ليكون عميل لهم ويكون عبدا إلى غير الله اختار لقاءه مع عظيم السماوات والأرض ، ليكون إنشاء الله مع الشهداء يوم الموقف العظيم ، وعندما رفض مخططاتهم الشيطانية ، حكم عليه بالإعدام شنقا أمام شعبه عام (1931) ميلادي وهو ابن الثلاثة وسبعون عام ، ليكون مدرسة لهؤلاء الأعداء أن هذه الأمة امة محمد صلى الله عليه وسلم برغم ما وصلت إليه من الهزيمة والضعف الهوان ، فان فيها الخير إنشاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، وسيخرج إنشاء الله نجوم من امتنا على مدى الزمان ليكونوا نورا لكل امرأ رشيد وهدف نبيل فيه عزة لأمة ونشل لكرامتها وإرجاع امتنا إلى سابق عهدها لتكون رمز لكل عزة وقوة وخير وآمان وإنشال البشرية من الظلم والعبودية إلى غير الله إلى عبادة الله و إلى عدالة الإسلام ورحمته كما فعل أسلافنا .
 
قال تعالى: (وَالّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوَاْ إِلَى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَ فَبَشّرْ عِبَادِ * الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَـَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ * أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ * لَـَكِنِ الّذِينَ اتّقَواْ رَبّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مّبْنِيّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ ) [سورة: الزمر - الآية: 17 -20]
Page 10
* من الذي يجعل إماما يحكم بالعدل ، وشابا ينشأ في عبادة الله، ورجلا قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجلا تدعوه امرأة ذات منصب وجمال ويقول إني أخاف الله ، ورجلا تصدق بصدقة يخفيها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلا يذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
 
حتى استحقوا من خالقهم أن يكونوا تحت ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، عندما تدنو الشمس فوق رؤوس الخلائق على مسافة ميل، في يوم من أيام الله كان مقدره خمسين ألف سنة والناس حفاة عراة ينتظرون حسابهم في ذلك اليوم الذي لا بد عنه في يوم التناد.
 
قال تعالى:( وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [سورة غافر32-33]
 
* إن الجواب على هذه الأسئلة وأمثالها هو الإيمان الذي تشربته قلوبهم ووقر بها وعلموا حقا أن لهم ربا عظيما كريما عزيزا رحيما ، يتصف بكل صفات العظمة المطلقة التي لا مثيل لها ولا تقارن بأي شيء على الإطلاق فخروا له ساجدين.
 
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه عز وجل:
 
( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ؛ فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسالوني فا اعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
 
قال سعيد : كان أبو إدريس إذا حدث بهاذا الحديث جثا على ركبتيه (رواه مسلم )
 
• إن الإنسان عندما يتجرد من الإيمان ، بوجود رب عظيم لهذا الوجود ، تحطه قدرته وعظمته من كل جانب ، يصبح إنسان في حيرة من أمره ، ولا يعرف من أين أتى والى أين سائر وأي مصير منتظره .
 
جئت لا اعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت
 
وسأبقى سائرا إن شئت هذا آم أبيت كيف جئت كيف أبصرت طريقي الست ادري
 
أجديد أم قدما أنا في هذا الوجود هو أنا حرا طليقا أم أسيرا في قيود
 
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود أتمنى أنني أدري ولكني لست أدري
 
ويصبح إنسان يفقد إنسانيته ، ولا يقارن بأشرس مفترسات الأرض ، ولو تأملانا تاريخ البشرية ،على مدى الزمان لوجدنا أن الكفار عندما يتولوا زمام الأمور ، ويتمكنون بالأرض سعوا فيها ليفسدوا ويهلكوا الحرث والنسل ، وينشرون اشد أنواع ظلمهم وبطشهم في البشرية، بدون أي نوع من أنواع الرحمة.