eKtab
EN ع
تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية
Read free sample

تاريخ العرب - من بداية الحروب الصليبية إلى نهاية الدولة العثمانية

by د. عيسى محمود الحسن

Page 1

القسم الأول: الحروب الصليبية

الحروب الصليبية في المنظور التاريخي

تتمثل أولى مشكلات البحث في تاريخ «الحركة الصليبية» في المصطلح ومدلولاته المختلفة التي تؤدي بالضرورة إلى حال من الفوضى والارتباك، لاسيما إذا كان المصطلح ذاته يحمل تناقضا بين دلالته اللغوية، وحقيقته التاريخية. فالناظر في مجريات وقائع هذه الحروب يجد مزيجا من القسوة والوحشية من جهة والتدين العاطفي الذي يشويه التعصب من جهة أخرى، ويكتشف في ذلك كله تناقضا مع الصليب، رمز الفداء والتضحية بالنفس في سبيل الآخرين، إذ لم يكن الصليب أبدا رمزا للحرب والقتل والعدوان.
ومن المهم هنا أن نشير إلى أن الرجال الذين قاموا بالحملة الصليبية الأولى لم يستخدموا مصطلح «الحملة الصليبية» أو «الصليبيين» إذ لم يحدث سوى في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي أن ظهرت الكلمة اللاتينية (Crusesignati) ومعناها «الموسوم بالصليب» لكي تعبر عن الصليبين، لأنهم كانوا يخيطون صلبان القماش على ستراتهم. ولم يحدد حتى أوائل القرن الثالث عشر الميلادي إن كانت هناك كلمة لاتينية تعني «الحركة الصليبية».
وفي بداية الأمر كان من يشاركون في الحملة الصليبية يوصفون بأنهم حجاج، وغالبا ما استعملت عدة تعبيرات ومصطلحات أخرى مثل عبارة «رحلة الحج» التي كانت شائعة تماما في الفترة المبكرة من تاريخ الحركة الصليبية، كذلك استعملت كلمة «الحملة» و«الرحلة إلى الأرض المقدسة» و«الحرب المقدسة» وغيرها. وفي وسعنا أن نسوق عشرات الأمثلة المستقاة من كتابات المؤرخين اللاتين الذين عاصروا الحركة الصليبية، ولا سيما في أطوارها الأولى. بل إنه مما يلفت النظر حقا أن عناوين مؤلفاتهم جميعا خلت من ذكر كلمة «الصليبيين» أو «الحملة الصليبية» وإنما دارت حول «الحملة» و«حجاج بيت المقدس» و«الفرنج»... وما إلى ذلك.
ومن المهم أن نشير إلى أن الكلمة الإنجليزية (Crusade) والكلمة الألمانية (Kreuzzag) قد ابتكرت في القرن الثامن عشر فقط، وبعد أن كان البحث التاريخي في الحروب الصليبية قد مضى شوطا منذ بدأ توماس فوللر الانجليزي في القرن السابع عشر أول دراسة باللغة الانجليزية حول الحركـة الصليبية في كتـابه باللـغة الإنجليــزية القديمة واسمه (Histories of the Holy Ware) والملاحظ أنه أستخدم عبارة «الحرب المقدسة» أيضا.
وعلى الرغم من الفشل النهائي الذي منيت به الحركة الصليبية إلا أن المثال الصليبي تحول بمرور الوقت - تحت تأثير وسائل الأعلام التي عملت في خدمة الأهداف الاستعمارية الأوروبية - إلى مثال براق يوحي بالشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المثل الأعلى. واستقر في الوجدان الشعبي الأوروبي (والأمريكي لاحقا) أن «الحملة الصليبية» لا بد من أن تكون بالضرورة حملة خيرة، نبيلة القصد والهدف، منزهة الغرض مثل: رعاية المرضى، أو مساعدة المنكوبين، أو جمع التبرعات وما إلى ذلك، وربما يكون الموروث الشعبي المتداول حولها في «أغنيات الحروب الصليبية» التي راجت في ذلك العصر، واستمرت موجودة بعد ذلك تحكي قصة الحروب الصليبية شعرا وغناء للجماهير الأوروبية الجاهلة، باعتبار ذلك بديلا من كتب التاريخ التي سجلت قصة الحروب الصليبية، نقول: إن هذا الموروث الشعبي الذي حملته الأغنيات الشعبية عن الحروب الصليبية ربما كان وراء هذه الصورة الأخاذة التي ترتسم في أذهان عامة الناس في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية حين ترن في أذانهم عبارة (الحروب الصليبية).
فقد تخلت الأغنيات - الحكايات - عن الحقيقة التاريخية لصالح التعويض النفسي والتعبير الشعبي لتلك الظاهرة التي كانت تمثل في حينها حلما من أحلام الفقراء.
ولعل هذا ما جعل مؤرخا مثل نورمان كانتور يقرر أن الحادث الوحيد الذي يعرفه الخريج العادي من الجامعات الأمريكية في العصور الوسطى هو الحملة الصليبية الأولى التي بدأت أحداثها سنة 1095م، والتي يرسم لها في ذهنه صورة براقة أخاذة. وهذا الموقف ينسحب على الفرد العادي أيضا في الغرب، بل إننا كثيرا ما نرى قادة الرأي والساسة الغربيين يستخدمون مصطلح «الحملة الصليبية» بهذا المفهوم «النبيل والعادل».
بيد أن المؤرخين الماركسيين في الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقية «السابقة» لا يشاطرون أبناء الغرب الأوروبي هذا الموقف من «الحروب الصليبية»، فقد عانت بلاد البلقان من وحشية الصليبيين على نحو ما سنوضح في حديثنا عن الحملة الشعبية والحملة الأولى، كما راحت الإمبراطورية البيزنطية وأملاكها ضحية الحملة الصليبية الرابعة في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، وظلت هذه المناطق تئن تحت وطأة الصليبيين أكثر من نصف قرن من الزمان.
ومن ناحية أخرى كانت ماركس وإنجلز ولينين يرون - ولهم الحق في ذلك - أن «الحملات الصليبية» كانت مشروعات استعمارية استيطانية تهدف إلى استعباد الشعوب تحت راية الصليب. وقد جسد لينين هذه النظرية حين اعتبر الإجراءات التي اتخذت عشية الحرب العالمية في ايرلندا ضد العمال «حملة صليبية» ضد العمال وحقوقهم. وقد درج الماركسيون على تضمين مصطلح «الصليبية» معنى مجازيا سلبيا في كل كتاباتهم.
وفي الأدبيات العربية التي تناولت تاريخ الحركة الصليبية نجد مفارقة مدهشة. فعلى الرغم من أن المؤرخين المسلمين الذين عاصروا الهجوم الصليبي على المنطقة العربية وكتبوا عنه مثل ابن القلانسي، وابن الأثير، وابن واصل، وابن شداد، والعماد الأصفهاني، والمقريزي، والقلقشندي، وابن تغري بردي، وبدر الدين العيني وغيرهم، لم يستخدموا أبدا مصطلحات مثل «الصليبيين» أو «الحملة الصليبية» أو «الحرب الصليبية» وإنما تكلموا عن الصليبيين بعبارات مثل «حركة الفرنج»، كما وصفوهم على الدوام بكلمة الفرنج على الرغم من أن كثيرين من أولئك المؤرخين المسلمين كانوا يفرقون بين الألمان والإنجليز وغيرهم من شعوب أوربا الغربية.
والواقع أن المؤرخين المسلمين الأوائل، مثل ابن القلانسي وابن الأثير، لم يدركوا أبعاد الحركة الصليبية، لأنهم لم يروا فيها غير إفرازاتها العسكرية والسياسية الباكرة على أرض الشرق العربي، إلا أن الجيل التالي من المؤرخين المسلمين تحدثوا عن هذه الحركة بطريقة تدل على فهم واضح وأشمل. ولعل هذا هو ما جعلهم لا يربطون بين «حركة الفرنج» والمسيحية والصليب على أي نحو. وربما يكون مؤرخو القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين (الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين) هم آخر من تناول «حركة الفرنج» بشكل أو بآخر، لا سيما وأن الكيان الصليبي كان قد انتهى في العقد الأخير من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).
ولقد توقف البحث التاريخي في العالم العربي فترة طويلة بفعل التخلف والركود الثقافي اللذين أحاطا بكافة جوانب الحياة العربية حتى القرن التاسع عشر على أقل تقدير. وعندما بدأت من جديد محاولات النهوض الثقافي والفكري كان لابد للرواد من أن يتأثروا برقي الفكر والثقافة والعلم في أوربا. ولم تنج الدراسة التاريخية من تأثير الانبهار الذي جعل الكثير ممن تصدوا لكتابة التاريخ أتباعا لهذه المدرسة الأوربية أو تلك.
وفي خضم هذا الانبهار أيضا تمت ترجمة بعض المصطلحات، واستعيرت تقسيمات التاريخ الأوربية، كما سادت الرؤية الاستشراقية..الخ. بيد أن هذا الأمر لا يهمنا في هذا المقام سوى من حيث تأثيره في معالجة المؤرخين العرب لقصة الحروب الصليبية، إذ وقع أولئك الكتاب في شباك الترجمة عن الأوربيين، وبدأوا يستخدمون مصطلح «صليبي» و«حملة صليبية» و«حروب صليبية» في تناولهم للظاهرة التي درج أسلافهم على معالجتها تحت مصطلحات «الفرنج» و«حركة الفرنج». ووجه الخطورة في هذا المصطلح أنه يوحي - عند استخدامه في اللغة العربية - بأن الحركة كانت حركة دينية ترتبط بالصليب رمز المسيحية، ولا تضعها في إطارها الصحيح باعتبارها مغامرة استعمارية استيطانية متعصبة. ومن ناحية أخرى، فإن استخدام هذا المصطلح يظلم المسيحيين الشرقيين الذين عانى قسم كبير منهم من وحشية الفرنج وعدوانهم.
Page 2
وعلى الرغم من هذا كله فإننا لا نستطيع بسهولة التغاضي عن هذا المصطلح الذي رسخ في الدراسات التاريخية العربية، وأصبح له مدلول تاريخي لدى المتخصصين، لسبب بسيط هو أنه لم تجر حتى الآن مناقشة جماعية لتحديد ماهية «الحركة الصليبية» من وجهة النظر العربية. ولا يزال المصطلح غامضا بالنسبة لعامة المثقفين في العالم العربي، بحيث يستدعي إلى الذهن بعض الأحداث أو الشخصيات البطولية التي ارتبطت بهذه الأحداث وحسب.
وسوف نحاول هنا تحديد الخطوط العامة لماهية «الحركة الصليبية» من خلال مناقشة الجذور التاريخية للفكرة الصليبية، وتتبع تطورها التاريخي في العقلية والوجدان الأوربي بسماته الثقافية المعروفة في العصور الوسطى.
لقد كانت الأفكار التي تدور حول نهاية العالم بعد الألف الأولى من معاناة المسيح على الصليب، والأفكار التي تتعلق بالعالم الآخر، أحد ينابيع الفكرة الصليبية. فقد شاعت في أوربا الغربية قبل نهاية القرن العاشر الميلادي وفي بداية القرن الحادي عشر الميلادي أفكار وحكايات وقصص وأساطير تتحدث عن قرب نهاية العالم مع اكتمال الألف الأولى بعد المسيح (حوالي سنة 1033 ميلادية). وقد ظهرت في عدة أماكن في أوربا الغربية بعض الظواهر الفلكية والطبيعية التي اعتبرها الناس دليلا على اقتراب نهاية العالم. فقد حدثنا «رالف جلابير» الراهب الفرنسي عن ثورة بركان فيزوف في ايطاليا باعتبارها نذيرا باقتراب القيامة، وبأن زمن هلاك وشيكا يتهدد أرواح البشر، كما تحدث عن مجاعة رهيبة استمرت خمس سنوات في شتى أنحاء العالم الروماني، بحيث لم ينج إقليم واحد من مجاعة نقص الخبز، ومات كثيرون يسبب الجوع. وقال إن الأوربيين اضطروا إلى أكل الحيوانات والزواحف القذرة، كما أكلوا لحوم البشر. كما تداول الناس في غرب أوربا كثيرا من القصص والحكايات المشابهة وفسروها التفسير نفسه.
لقد كان مفهوم الأوربيين آنذاك مثقلا بالعناصر الغيبية، إذ كانت العقيدة الكاثوليكية عشية الحروب الصليبية لا تزال بعيدة عن تحديد إطارها بشكل متكامل، ولم يكن الأساقفة والقساوسة، غالبا، يصلحون لوظائفهم، سواء من حيث مستواهم الفكري، أو من حيث سلوكهم وأخلاقهم، كما أن الغرب الأوربي ظل حتى ذلك الحين ريفي الطابع، وكان الدين بالنسبة لسكانه (وهم أغلبية سكان أوربا آنذاك) مزيجا من الخرافة، وطقوس عبادة الطبيعة، وبعض تعاليم المسيحية.
وفي ظل هذا الجو النفسي والفكري الذي ساد أوربا الكاثوليكية في القرن الحادي عشر الميلادي، كان طبيعيا أن ترد الظواهر الطبيعية إلى قوى غيبية من ناحية، وأن يتم ربطها باقتراب نهاية العالم والأفكار الألفية والأخروية من جهة أخرى. فقد كثر الحديث عن السماء التي تمطر نجوما هنا أو هناك، وراجت حكايات عن الأنوار الشمالية المبهرة، والشهب الملتهبة في السماء، كما شاعت أخبار الأطفال الذين يولدون بأربع أيد أو مثلها من الأرجل، وقصص عن أطفال تكلموا عقب ولادتهم. وتناقل القرويون وغيرهم حكايات عن مدينة القدس وهي تتجلى في السماء متلألئة أمام عيون الرعاة المبهورين، وذلك القس الذي رأى سيفا معلقا في السماء تحمله الريح، والقس الآخر الذي رأى في صفحة السماء، وفي وضح النهار، معركة بين فارسين ينتصر أحدهما على الآخر بعد أن يضربه بسيف كبير.. وحكايات كثيرة صدقها البسطاء، وحاول المتعلمون أن يفسروها في ضوء ما اعتبروه علامة على قرب نهاية العالم.
لقد كان الناس الذين سيطرت على وجدانهم آنذاك المشاعر الألفية والأخروية تواقين لضمان الخلاص. وقد تحولت مشاعرهم هذه إلى التأكيد على ضرورة الرحلة إلى بيت المقدس، وقد انعكس ذلك في زيادة عدد الرحلات التي قام بها الحجاج من غرب أوربا صوب القدس في السنوات القليلة التي سبقت وتلت الألف الأولى بعد ميلاد المسيح. ولا يمكن لمن يقرأ أدبيات القرن الحادي عشر الميلادي أن يخطئ تلك النغمة الألفية والأخروية التي كانت بمثابة الإيقاع الدال في الفكر والمشاعر السائدة آنذاك.
ومما يلفت النظر حقا أن هذه الرؤى والأحلام المقدسة والأخبار الإعجازية قد تضاءلت أخبارها بعد أن دارت عجلة الحروب الصليبية بالفعل، إذ شاعت تلك الأخبار والحكايات قبل رحيل الحملة الصليبية الأولى وأثناءها. وطالما كانت الظروف والأحوال مواتية للصليبيين لا نجد في مؤرخات اللاتين الذين كانوا ضمن شهود الحملة إلا القليل من هذه الأخبار. فإذا تأزمت الأمور وضاقت السبل بالصليبيين ظهرت أخبار المعجزات والخوارق والأحلام الدينية في الوقت المناسب، على نحو ما حدث أثناء حصار إنطاكية المزدوج سنة 1098م. ومن المثير حقا أن من تنسب إليهم تلك الأحلام الدينية والرؤى المقدسة كانوا دائما من الفقراء. وفيما بين سنة 1096م وسنة 1098م لا نجد في المصادر اللاتينية سوى أخبار قليلة عن هذه الرؤى والأحلام.
بيد أن النظرة الأخروية صاحبت الحملة الصليبية منذ بدايتها، لا سيما عندما كان الفقراء يتصورون أنهم المقصودون بهذه الدعوة. فقد تبلورت فيهم الأفكار الألفية والأخروية، فساروا صوب القدس دون انتظار الأمراء وفرسانهم الذين كانت تعوزهم فسحة من الوقت لتمويل الحملة. وكانت أخبار الإشارات المقدسة مثل: هجوم الجراد بشكل وبائي، والنجوم التي أمطرتها السماء، وغيرها من الأخبار التي تداولها الناس آنذاك، ترتبط بما جاء في سفر الرؤيا، وكانت تدور على ألسنة البسطاء والمتعلمين في غرب أوربا الكاثوليكية باعتبارها حقائق.
ويخبرنا «بلدريك الدوللي» أن هذا الجو الذي ارتبط بسفر الرؤيا لم يكن نتيجة الدعوة الرسمية التي وجهتها البابوية إلى الفرسان الإقطاعيين للمشاركة في الحملة الصليبية، وإنما كان نتيجة استجابة الفقراء السريعة التي نجمت عن معاناتهم بسبب تدهور المحاصيل في السنوات القليلة التي سبقت خطبة البابا أربان الثاني. إذ كان من السهل عليهم أن يرحلوا عن بلادهم بحثا عن خلاصين: دنيوي وأخروي، وبحثا عن سبيل يوصلهم إلى مستقبل أفضل، وهو مستقبل حمّلته الجموع الجاهلة بأحلام أخروية غامضة. ولاشك في أن أغلبية أولئك الفقراء كانوا يؤمنون بأنهم المختارون، ولأنهم كانوا يؤمنون بهذا، لم يترددوا في الضغط على قادة الحملة الصليبية الأولى.
ومن ناحية أخرى فإن زعماء مثل ريمون دي سانجيل قد استثمروا هذه المشاعر الألفية والأخروية التي سادت بين عامة الصليبيين لحسابهم، على نحو ما فعل هذا الأمير الصليبي في قصة اكتشاف «الحربة المقدسة».
بيد أنه ينبغي علينا أن لا نبالغ في قيمة الأفكار الألفية والأخروية. ويأتينا الدليل من الحوليات والمؤرخات اللاتينية التي ساهم كتابها أنفسهم في صياغة الأيديولوجية الصليبية، فقد كتب أولئك المؤرخون جميعا بعد نهاية أحداث الحملة الصليبية الأولى ونجاحها، وهو ما يعني أنهم كانوا يتوخون أن يصوغوا نموذجا مثاليا يكون عامل جذب دائم في حالة الدعوة إلى حملة صليبية جديدة على غرار الحملة الأولى، ولم يكن الذين ساهموا في الحملة الصليبية الأولى يعرفون أنها «الأولى»، أي ستتبعها حملات أخرى، إذ لم يكونوا واثقين من نجاحها بحيث تتبعها حملات أخرى. ولكنها عندما نجحت أخذ المؤرخون يكتبون قصتها بعد توقف الأحداث، فصاغوا نموذجا مثاليا لها.
وعلى الرغم من أن هذه الأفكار والتوقعات التي دارت حول اكتمال الألف الأولى في التقويم المسيحي، وما أفرزته من أخبار المعجزات والخوارق والأحلام المقدسة كانت من روافد الأيديولوجية التي صاغت الحملة الصليبية إلا أنها في النهاية لم تكن عامل الحسم في الوصول إلى صيغة الحملة الصليبية، وإنما كان الفضل في ذلك راجعا إلى تسليح الحج المسيحي من ناحية، وفكرة المكافأة التي ينالها الصليبي من ناحية أخرى. وقد تمثلت هذه المكافأة في مفهوم الغفران الصليبي الذي تطور ليصل إلى صكوك الغفران التي ثار ضدها مارتن لوثر بعد قرون قليلة.
Page 3
والحج المسيحي إلى بيت المقدس وفلسطين ممارسة دينية مسيحية نمت نموا شبه عضوي منذ بداية الوجود التاريخي للمسيحية. فعلى الرغم من أن الحج ليس فريضة دينية على المسيحية، مثلما هو الحال في الإسلام، إلا أن الجذب العاطفي نحو الأرض التي شهدت قصة المسيح، ومولد المسيحية، ظل يشد الناس من أتباع هذا الدين بشكل متصاعد مع مرور الزمن.
ففي أيام المسيحية الأولى كانت رحلات الحج المسيحية إلى فلسطين نادرة، إذ إن السلطات الرومانية لم تكن تشجع الحج إلى هناك. فقد كانت القدس نفسها قد دمرت على يد القائد الروماني تيتوس منذ حوادث سنة 70م، وبقيت أطلالا تنعي من بناها حتى أعاد الإمبراطور الروماني هارديان بناءها وأقام بها معبدا للربة فينوس. وما إن جاء القرن الثالث بعد الميلاد حتى كان الكهف الذي شهد مولد المسيح في «بيت لحم» قد صار معروفا للمسيحيين. وبدأ المسيحيون بزيارة الأماكن المقدسة من أجل الصلاة ونيل البركة. ثم زادت حركة الحج المسيحية إلى فلسطين بعد انتصار المسيحية بعد أن اعترف بها الإمبراطور قسطنطين الكبير وشريكه ليكينيوس سنة 313م. ثم رحلت الإمبراطورة هيلينا، أم قسطنطين إلى فلسطين حيث قيل إنها اكتشفت خشبة الصليب الأعظم، وبنى قسطنطين كنيسة الضريح المقدس. ونتيجة لهذا تزايدت رحلات الحج، ففي سنة 333م قام رجل من بوردو في فرنسا برحلة حج إلى فلسطين وسجل لنا وصفا لهذه الرحلة. وبعد ذلك بوقت غير طويل، قامت امرأة نبيلة من بلاد الغال (فرنسا) بزيارة الأرض المقدسة. وقرب نهاية القرن الرابع الميلادي سافر واحد من كبار آباء الكنيسة الكاثوليكية هو القديس جيروم إلى فلسطين، وهناك لحقت به مجموعة من سيدات إيطاليا الموسرات ممن كن من أتباعه في إيطاليا. وفي صومعته ببيت لحم كان يستقبل أعدادا متزايدة من المسيحيين الذين جاءوا يسدون إليه واجب الاحترام بعد زيارتهم للأماكن المسيحية المقدسة.
هكذا كان المسيحيون، منذ وقت مبكر، يزورون القدس وفلسطين لأنهم يريدون أن «يقتفوا آثار خطوات المسيح وحوارييه، وخطوات الأنبياء» ويقول القديس باولينوس إن سبب الحج إلى فلسطين كان «الرغبة في رؤية الأماكن التي تجسد فيها المسيح ولمسها، وديننا يحفزنا على رؤية الأماكن التي جاء المسيح إليها».
لقد كان المسيحيون يحجون إلى الأراضي المقدسة لاستعادة أفضل ذكريات العهد القديم والعهد الجديد، إذ كانوا يحجون إلى القدس وإلى طريق الأنبياء في بداية الأمر. ثم ما لبث الحجاج أن تحولوا إلى الضريح المقدس الذي صار محورا لحركة الحج المسيحي، وتخبرنا نصوص كثيرة كتبها حجاج أوروبيون قبل عصر الحروب الصليبية أن بعض الحجاج كانوا يحرصون على الأكل في كهف أكل فيه المسيح مع حوارييه، كما كان بعضهم يستحمون في مياه نهر الأردن التي تم فيها تعميد المسيح.
وقد قامت الأديرة ونزل الضيافة باستقبال أعداد الحجاج المتزايدة. ولم يجف نهر الحجيج بين غرب أوربا وفلسطين أبدا، حتى بعد الفتح الإسلامي لهذه البلاد في القرن السابع الميلادي. ولأن الحج إلى بيت الله الحرام من الفروض الأساسية «لمن استطاع إليه سبيلا» من المسلمين، فلهذا السبب تعاطف الحكام المسلمون تجاه رحلات المسيحيين الأوربيين الذين أرادوا الحج إلى القدس، وثمة وثيقة هامة تقوم دليلا على مدى تسامح المسلمين مع الحجاج الأوربيين كتبت حوالي سنة 808 ميلادية بها أسماء القساوسة والشمامسة والرهبان في كنائس القدس وأديرتها.
ومن ناحية أخرى لعبت تجارة «الذخائر المقدسة» دورا هاما في إثارة الاهتمام بالأرض المقدسة في الغرب الأوربي، و «الذخائر المقدسة» بالنسبة للمسيحيين هي رفات القديسين، وملابسهم، وأدواتهم الشخصية، وما إلى ذلك. وقد استقر في أذهان الناس في الغرب الأوربي آنذاك، بكل ما ميزه من تدين عاطفي مشوب بالخرافات والخزعبلات، أن الحاج الذي يجلب معه شيئا من هذه «الذخائر المقدسة» يكتسب مجدا ومكانة في عيون أهل بلده. فقد كانت تلك الأشياء توضع في الكنائس لكي تزينها. وبطبيعة الحال كانت هناك مواد كثيرة مزيفة في تلك التجارة التي راجت في الغرب الأوربي برواج الحج إلى فلسطين. وقد نسجت قصص خيالية كثيرة حول الرحلات والذخائر المقدسة مما زاد في تأجيج الجو النفسي المشبع بالأفكار الألفية والأخروية منذ بداية القرن الحادي عشر، أو قبله بسنوات قليلة.
بيد أن التطور التاريخي في المفاهيم التي جعلت الحج وسيلة من وسائل التوبة والتكفير عن الذنب كان هو الأكثر أهمية من تطور حركة الحج نفسها. ومن المهم أن نلاحظ أنه بينما تضاءلت قيمة الأفكار الألفية والأخروية في تحريك الحملات الصليبية التالية كان «الغفران الصليبي» يزداد أهمية في تعبئة الناس في غرب أوربا لكي يشاركوا في الحرب ضد المسلمين.
ويجب النظر إلى «الغفران الصليبي» باعتباره تطورا لنظام الكنيسة الباكر للتكفير عن الذنوب التي يرتكبها الفرد الكاثوليكي. وقد قام هذا النظام على أساس من مراحل ثلاث: الاعتراف، والرضاء، والمصالحة (أي العودة إلى الجماعة المسيحية) وكانت رحلة الرضاء هي التي تمحو الخطيئة وتجعل المصالحة ممكنة. كما أن المبدأ الذي تم العمل به آنذاك كان يقضي بأن تكون التوبة، أو العمل الذي يكفر به الفرد الكاثوليكي عن ذنبه مساويا لهذا الذنب، ثم تطورت المفاهيم الكنسية حول هذا الموضوع بحيث صار على المذنب أن يقوم بأعمال قاسية تستغرق وقتا طويلا للتكفير عن ذنبه. وتم وضع قوائم بالأعمال التي يكفر بها المذنبون عن خطاياهم، وكان الحج إلى أحد المزارات المقدسة في المسيحية واحدا من أهم هذه الأعمال التكفيرية. ولم تصبح فكرة الغفران فعالة حقا إلا بعد أن ارتبطت بفكرة الحج إلى القدس. وكانت الرحلة إلى القدس تحتل مكانة خاصة كما كانت لها قيمتها السامية بين رحلات الحج المسيحية الأخرى.
صحيح أن القدس كانت ذات جاذبية طاغية بالنسبة للحجاج المسيحيين بسبب ارتباطها بقصة المسيح وقصص العهد القديم، فضلا عن طول الرحلة وصعوبتها، ولكن رحلة الحج التكفيرية لم تكن قاصرة على القدس.
ويبدو أن أهم حافز للحج إلى القدس كان هو السعي إلى الكمال، وهو أمر يمكن السعي وراءه بالذهاب إلى الأماكن «التي شهدت أعمال الرب العظيمة وعبادته هناك» ومن ثم كان الحاج الكاثوليكي يتوقع أن يكرس نفسه للرب من جديد، وأن يبدأ حياة جديدة خالية من الذنوب والخطايا، كما كانت هذه الرحلة بداية لحياة النسك والزهد لكثير من الناس.
فقد تم هذا النمط من الحج التكفيري، أو «حج التوبة» ليكون عقوبة كنسية على الجرائم الكبرى بعد أن عجزت الكنيسة الكاثوليكية عن التصدي لتيار الحج العاطفي الذي ظل يجذب الناس في غرب أوربا صوب الأرض التي شهدت قصة المسيح. وكان الحج بقصد التكفير عن الذنوب والجرائم يوجه إلى جميع المراكز المسيحية الكبرى مثل: روما حيث قبر القديس بطرس، ومزار القديس ميخائيل في مونت جورجانو والقديس جون في كومبوستيلا في إسبانيا، والقدس، وبيت لحم في فلسطين.
وكانت رحلة التوبة التي يقوم بها الحاج تصل في بعض الأحيان إلى سبع سنوات كاملة، وأول مثال من هذا النوع حدثتنا عنه المصادر بوضوح كان في القرن التاسع الميلادي، إذ ارتكب ثلاثة أخوة من جنوب إيطاليا جريمة قتلوا فيها عمهم القسيس، وكان الحكم الذي فرضته الكنيسة عليهم، تكفيرا عن جريمتهم، أن يكبلوا أنفسهم بالسلاسل الحديدية، ويدوروا حول الأماكن المقدسة «في التراب والغبار حتى يحين الوقت الذي يقبل فيه الرب توبتهم». وكان القرن العاشر الميلادي بداية عصر الحج الكبير، بسبب رسوخ مفاهيم التوبة والغفران من ناحية، واستقرار الأوضاع في حوض البحر المتوسط من ناحية أخرى، فضلا عن قيام العلاقات التجارية بين المدن التجارية الإيطالية والإمبراطورية البيزنطية ومصر والشام، وما فرضته من ضرورات السلام والهدوء. وكان بوسع الحجاج الأوربيين أن ينتقلوا في أرجاء فلسطين بحرية، لأن السلطات الإسلامية (سواء من العباسيين أو الإخشيديين أو الفاطميين) كانت ترحب بهم.
Page 4
وإذ أرست الكنيسة الكاثوليكية الاعتقاد بأن رحلات الحج هي طريق الخلاص تزايد إقبال الناس على المشاركة فيها منذ القرن العاشر الميلادي فصاعدا. وقد قام عدد من كبار القوم، رجالا ونساء، بعدة رحلات إلى الأراضي المقدسة على الرغم من صعوبة السفر، ووعورة الطرق وأخطارها آنذاك، وهذا ما يجعلنا نعتقد بأن الناس قد ربطوا بين الحج إلى الأرض المقدسة والأمل في الغفران.
ومن ناحية أخرى كانت للحج المسيحي بقصد التوبة قيمته العملية من الناحية الاجتماعية، إذ كان يرغم المجرمين وأصحاب الذنوب على الابتعاد عن المجتمع عدة شهور، أو عدة سنوات (قد تصل إلى سبع سنوات) فإذا نجوا من مخاطر الطريق وعادوا سالمين فإنهم لا بد من أن يحرصوا على وضعهم المتميز الذي حققته رحلة الحج وعلى شهرتهم الطيبة بالتقوى والصلاح. وقد ذهب رجال من أصحاب المزاج العنيف مثل «فولك نيرا الرهيب» إلى فلسطين سنة 1002م ، وزارها مرتين بعد ذلك تكفيرا عن ذنبه، كما زارها روبرت الشيطان كونت نورماندي بقصد التوبة.
لقد اضطرت الكنيسة الكاثوليكية إلى منح غفران جزئي لقاء رحلة الحج إلى القدس. وفي عز ازدهار الحركة الصليبية كانت الكنيسة تمنح غفرانا غير محدود للصليبيين «المقاتلين» في مقابل الغفران الجزئي الذي كانت تمنحه للحجاج غير المقاتلين.
ولم يكن من الممكن أن يتسع نطاق رحلات الحج التكفيرية سوى بوجود تسهيلات مناسبة في الطرق التي يسلكها الحجاج. وقد وفرت الأديرة الكلونية شبكة اتصالات واسعة، كما استخدمت قدرتها التنظيمية الفائقة في ترتيب التسهيلات للحجاج الذاهبين إلى فلسطين. وقد تبرع أثرياء التجار الإيطاليين والأوربيين والأغنياء بالإنفاق على دور الضيافة والمنازل التي كرست للحجاج القادمين من بلدان غرب أوربا. وفي كل عام كانت أوربا تشهد قدوم عدد من الرهبان المقيمين في القدس لجمع التبرعات من الأثرياء، لتوفير التمويل لهذه المنازل ودور الضيافة.
وفي القرن الحادي عشر الميلادي كان قد استقر في ضمير الناس في غرب أوربا أن رحلة الحج تتويج لحياة المرء يتمنى المتدينون أن تكون هي الخاتمة المناسبة لرحلتهم في الحياة الدنيا. وقد أمدنا رالف جلابير، الذي كان هو نفسه راهبا من الكلونيين، بنص يجسد هذه الرؤية، إذ يقول: في الوقت نفسه بدأت أعداد تفوق الحصر تتوجه إلى ضريح المخلص في القدس من شتى بقاع الدنيا، وبأعداد أكبر مما كان يتوقعه أي إنسان. ولم يكن الذاهبون من العامة وأبناء الطبقة الوسطى فقط، بل ذهب إلى هناك كثير من الملوك العظام والكونتات والنبلاء. وأخيرا - وهذا شيء لم يحدث قبل ذلك - انطلق بعض الفقراء وكان العديدون يتمنون الموت هناك، بدلا من العودة إلى الوطن.
وفي القرن الحادي عشر الميلادي كثرت رحلات الحج التكفيرية من غرب أوربا إلى القدس، فقد كانت الكنيسة تفرض على المذنبين، ومن أضروا بمصالح الكنيسة، ومن ينتهكون «سلام الرب» رحلة حج إلى فلسطين تكفيرا عن ذنوبهم. وقد تزايد عدد الحجاج التائبين في هذا القرن بحيث صار الحج من أهم روافد الفكرة الصليبية. وطوال القرن الحادي عشر الميلادي وحتى العقدين الأخيرين منه كان تيار الحج لا يزال يصب باتجاه الشرق. وفي بعض الأحيان كانت مجموعات الحجاج تصل إلى عدة آلاف من كل عمر وكل طبقة، وكل منهم على استعداد ليقضي سنة أو أكثر في هذه الرحلة. ومن الواضح أنه منذ منتصف القرن الحادي عشر الميلادي بدأت المصاعب تزداد أمام رحلات الحج الكاثوليكية إلى فلسطين . وكان من أسباب ذلك الغزو السلجوقي الذي وضع القدس تحت سيادة الأتراك السلاجقة في سنة 463هجرية/1071م ميلادية عندما نجح القائد السلجوقي أتسيز، العامل في خدمة السلطان ملك شاه، أن يستولي على الرملة وطبرية وبيت المقدس، ويعيدها إلى السيادة الإسلامية للخلافة العباسية بعد أن كانت تحت الحكم الفاطمي منذ دخولهم بلاد الشام في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وقد أستردها الفاطميون بعد خمس سنوات ولكن أتسيز طردهم منها بعد حصار دام عدة شهور ومذبحة رهيبة.
ويبدو أن المشكلات الأمنية الناجمة عن توغل السلاجقة في بلاد الشام في ذلك الحين قد تركت آثارها السلبية على الحجاج الكاثوليك المسافرين عبر الأناضول. بيد أن الجماعات الكبيرة من الحجاج المسلحين كانت أيضا من أسباب المتاعب التي لاقوها آنذاك. فقد أقلقت السلطات الإسلامية المشاكل التي كانوا يثيرونها اعتقادا منهم بأنهم كلما تعرضوا لمزيد من الأذى والمتاعب كانت رحلتهم أكثر نجاحا. وفي رأي البعض أنه ربما كان المسلمون يفيدون تجاريا من ازدهار الحج المسيحي إلى البلاد المقدسة. ولكن الدخل الذي كانت السلطات الإسلامية تحصل عليه من الحجاج الكاثوليك كان تافها بالقياس إلى موارد المسلمين الهائلة آنذاك، ولا سيما إذا وضعنا في اعتبارنا أن التقشف كان أحد المثل العليا التي يسير الحجاج على هديها تشبها بالحواريين.
وثمة أسباب قوية تدفعنا إلى الظن بأن الحج إلى بيت المقدس، في الفترة السابقة على عصر الحروب الصليبية كان يحظى بتقدير كبير في مجتمعات أوروبا الغربية، ويرى البعض أن الحملة الصليبية كانت التطور المنطقي للحج المسيحي إلى فلسطين، إذ لم تكن فكرة الحملة الصليبية لتطرأ على بال أحد لو لم تكن رحلات الحج الكاثوليكية قد استمرت منذ فترة مبكرة وحتى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي. ذلك أن تيار الحج المستمر كان لا بد من أن يؤدي بالضرورة إلى فكرة أن الأرض التي شهدت قصة المسيح، وفيها ضريحه، لا بد من أن تكون تحت سيطرة أتباعه، ولم يكن السبب هو الرغبة في حل المشكلات والصعوبات العملية التي كانت تواجه الحجاج الكاثوليك، ولكن لأن أوربا التي بدأت تشعر بقوتها رفضت بقاء أرض المسيح بأيدي المسلمين الذين صورتهم الدعاية الكنسية في صورة الكفار المتوحشين. وكانت الفكرة التي ملكت عقول أبناء الغرب الأوربي في أخريات القرن الحادي عشر الميلادي، هي فكرة تخليص الأرض المقدسة من المسلمين. وقد أدى هذا بالضرورة إلى بروز أهمية القيام بحملة حج مسلحة (وهي الحملة الصليبية) لتحقيق هذا الهدف.
ومن الأمور ذات الدلالة أن المعاصرين لم يفرقوا أبدا بين الحج والحملة الصليبية على نحو ما تكشف روايات المؤرخين اللاتين، إذ كان الخط الفاصل بينهما رقيقا للغاية.
لقد كانت الفكرة الحاسمة في كليرمون سنة 1095م هي عسكرة الحج، وإضفاء طابع القداسة على هذه الممارسة في الوقت نفسه. وكان الصليبي في حقيقته حاجا من طراز خاص، إذ كان حاجا يتمتع بامتياز حمل السلاح. حقيقة أنه كان أعلى درجة من الحاج المسالم، بيد أن الاختلاف بين الصليبي والحاج كان اختلافا في الدرجة فقط، ولم يكن اختلافا في الجوهر. وكانت تلك هي رؤية المعاصرين أيضا. فقد كان السيف الذي يحمله الصليبي مباركا من الكنيسة باعتباره جنديا في جيش المسيح، كما كانت سائر مهمات الحاج التقليدية تحظى بمباركة الكنيسة. وقد يبدو هذا الأمر أكثر وضوحا إذا عرفنا أن زعماء الحملة الصليبية الثالثة، وفيليب أغسطس ملك فرنسا، قد تلقوا مهمات الحجاج التقليدية وهي العصا والتصريح عندما انطلقوا في سبيلهم لقتال صلاح الدين الأيوبي.
لقد صارت كلمة «جندي المسيح» في القرن الثاني عشر الميلادي تعني «صليبي» على حين توارت كلمة «حاج» التي استخدمها المؤرخون الذين عاصروا الحملة الأولى رويدا رويدا. وهنا ينبغي أن نتذكر أن أحد المؤرخين قال على سبيل المثال وهو يتحدث عن أهل مقدونيا: «لم يصدقوا أننا حجاج، ولكنهم ظنوا أننا جئنا لنهب أرضهم وقتلهم».
Page 5
هكذا اختلطت فكرة الحج بفكرة الحملة الصليبية، وأصبحت كل منهما تعني الأخرى في بداية الحركة الصليبية، ثم توارت فكرة الحج في الخلفية، في حين صارت فكرة الحملة الصليبية تعني «جندي الرب». ولكن أهم عناصر هذه الحملة المقدسة يتمثل في مفهوم الغفران الذي كان العنصر الأهم في عيون العامة، لا سيما بعد أن ارتبط بالحج الجماعي الذي تقوم به أعداد كبيرة، وبعد أن صار مركز الحملة الصليبية في خطة أربان الثاني في كليرمون.
صحيح أن الغفران الذي منحه البابا في كليرمون لم يكن غفرانا كاملا، ولكن الناس فهموا أنه غفران كامل. ففي رواية فوشيه الشارتري عن خطبة البابا يقول: «إنني أخاطب الحاضرين، وأعلن لأولئك الغائبين، فضلا عن أن المسيح يأمر بهذا، أنه سوف يتم غفران ذنوب كل أولئك الذاهبين إلى هناك إذا ما انتهت حياتهم بأغلالها الدنيوية سواء في مسيرتهم على الأرض، أو أثناء عبورهم البحر، أو في خضم قتالهم ضد الوثنيين. وهذا الغفران أمنحه لكل من يذهب بمقتضى السلطة التي أعطاني الرب إياها»، فقد ذهبت الدعاية الصليبية الشعبية إلى آفاق أبعد من ذلك، والواضح أن حقيقة ما قيل في كليرمون قد توارى في الخلفية بسبب الدعاية الصليبية النزقة.
وليست هناك طريقة لتفسير نجاح الدعاية للحملة الصليبية الأولى في عامي 1095م و 1096م، سوى البحث في تحويل مفهوم الغفران الصليبي إلى غفران كامل من الذنوب على يد الدعاة الذين روجوا للمرسوم الصادر في كليرمون وقدموا له تفسيرات تتعدى حدوده. وبعبارة أخرى كان الغفران استجابة لحاجة الناس التواقين إلى الخلاص من ناحية، ومتطلبات الحركة الصليبية نفسها من ناحية أخرى. وتبدو هذه الحقيقة واضحة من خلال النقد المرير الذي صبه علماء اللاهوت الكاثوليك على الغفران الصليبي منذ حوالي 1130م. وكان بطرس أبيلار (1079م- 1142م) هو أول من دخل هذا المجال.
ويبدو أنه مع بداية الحركة الصليبية كانت المسألة قد خرجت تماما من أيدي رجال الكنيسة، فقد تجاهل الناس خطط البابوية في تنظيم الحملة الصليبية، كما ضاعت هذه الخطط في موجات الأحداث المتلاحقة. وهذا هو نفس ما حدث لمفهوم الغفران الذي تطور بشكل تلقائي بفضل تداعيات الأحداث. وقد اضطر الباباوات للتخلي عن صيغة الغفران الجزئي الذي تحدث عنه البابا في خطبته في كليرمون، وفي خطاباته إلى أتباعه عندما تحدث عن «إسقاط التوبة» أو «حذف الكفارة» وتبنوا التفسير الشعبي للغفران. وقد بدأ هذا الموقف منذ عهد البابا أجينيوس الثالث في إعلانه الغفران المرتبط بالحملة الثانية (1145- 1149م). وقد أدى هذا الموقف الجديد إلى غفران الخطايا والإعفاء من التوبة والتكفير.
وهناك باباوات حاولوا إعادة الزمن إلى الوراء وإلغاء النص الخاص بغفران الذنوب والاكتفاء بإعفاء الصليبي من التوبة أو التكفير مقابل اشتراكه في الحملة الصليبية، ولكن محاولات البابا جريجوري الثامن باءت بالفشل، ووصلت مسألة الغفران إلى ذروتها في مجمع اللاتيران الرابع سنة 1215م. ومنذ ذلك الحين فصاعدا كانت فكرة الغفران تشكل أساس النظرية البابوية للحملة الصليبية. وقد نال كل الناس الذين ساهموا بأنفسهم، أو بأموالهم، في أي حملة صليبية، وعدا بغفران كل ذنوبهم وخطاياهم التي اعترفوا بها.
لقد تجسد مفهوم الغفران الصليبي واضحا جليا في دعائيات الحركة الصليبية بعد ذلك. ففي خضم نشاطه المحموم للدعاية للحملة الصليبية الثانية (التي جاءت كرد فعل لاستيلاء المسلمين بقيادة عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود على إمارة الرها الصليبية) قام برنار مقدم دير كليرفو بحث أبناء الغرب الأوربي على الذهاب في الحملة الصليبية. وكان ذلك بتفويض من البابا أجينيوس الثالث. وقد ذكر برنار في واحدة من خطبه الدعائية لهذه الحملة: «أيها الجندي الباسل، يا رجل الحرب، الآن لديك قضية تجعلك تقاتل دون أن يحيق الخطر بروحك، قضية؛ النصر فيها مجيد، والموت في سبيلها مكسب. أم تراك رجل أعمال ناجحا يدرك مكاسب هذه الدنيا بسرعة؟ فإذا كنت كذلك فإن باستطاعتي أن أقدم لك صفقة محترمة، فلا تجعل هذه الفرصة تفوتك، خذ شارة الصليب، وفي الحال ستنال الغفران عن كل خطاياك التي اعترفت بها بقلب نادم. ولن يكلفك كثيرا أن تشتري مكافأة السماء إذا ارتديت شارة الصليب في تواضع». وليس هناك وضوح أكثر من هذا في حقيقة أن الاشتراك في الحملة الصليبية صار ثمنا للحصول على الغفران الصليبي.
وقد عكس الأدب الأوربي في تلك الفترة مفهوم الغفران الصليبي على النحو الذي استقر في الوجدان الشعبي واستجابت له البابوية في المرسوم الذي أصدره البابا أجينيوس الثالث في ديسمبر 1145م، ففي أغنية صليبية يرجع تاريخها إلى القرن الثاني عشر الميلادي ضمن المجموعة المعروفة باسم أغنيات الحروب الصليبية نقرأ النص التالي:
لقد سمعت مثلا سائرا يقول
التاجر العاقل ينفق المال من حافظته
وصاحب القلب الطائش
هو الذي يرى الحسن فيختار القبيح
هل تعرفون بما وعد الرب
أولئك الذين سيأخذون صليبه؟
إنه لثواب حسن بالتأكيد
الفردوس، وكان وعده صادقا،
إن من يمكنه أن يربح من مكافأته
أحمق إذا انتظر إلى الغد
ومنذ مطلع القرن الثالث عشر الميلادي توسعت البابوية في منح الغفران الذي كان امتيازا للصليبيين الذاهبين إلى الأرض المقدسة. ففي سنة 1207م منح البابا أنسونت الثالث الفرسان الأوربيين المشاركين في الحملة الألبيجنسية (التي دعت إليها البابوية ضد نبلاء الجنوب الفرنسي الذين اعتنقوا مذهبا كنسيا يعارض هيمنة رجال الكنيسة الكاثوليكية على الناس في غرب أوربا) غفرانا يماثل الغفران الممنوح لمن يحاربون المسلمين في فلسطين: «نحن نرغب في أن أولئك الرجال الذين أخذوا السلاح للقتال ضد الهراطقة يجب أن يتمتعوا بالغفران نفسه الذي منحناه لأولئك الذين هبوا لنجدة الأرض المقدسة».
Page 6
ثم حدث تطور جديد وهام. فقد صارت البابوية تمنح الغفران لمن يرسلون المحاربين بدلا منهم، ولمن يساهمون بأموالهم في تمويل إحدى الحملات الصليبية عوضا عن المشاركة بأنفسهم. ونتيجة توسع البابوية في الاستخدام السياسي للحملة الصليبية، أي استخدام الفكرة الصليبية في شن الحرب ضد خصومها رجال أوربا الكاثوليكية نفسها، تم فتح الباب على مصراعيه أمام فكرة شراء الغفران بالمال. وهو ما أدى إلى ظهور مشكلة صكوك الغفران التي ثار ضدها مارتن لوثر فيما بعد.
ففي سنة 1246م أعلن البابا أنسونت الرابع حربا صليبية ضد الإمبراطور فردريك الثاني، وفي سياق الدعاية «الصليبية» قال البابا: «نحن نمنح الغفران لكل أولئك الذين لا يشاركون في الحملة شخصيا ولكنهم يرسلون المحاربين اللائقين على نفقتهم، حسب إمكاناتهم ونوعياتهم، ونمنحه أيضا للذين يقومون بهذا العمل على نفقة الآخرين، ونحن نرغب في أن يتمتعوا بكل الامتيازات والحصانة التي نمنحها في المجمع الكنسي العام لمن يساعدون الأرض المقدسة». وفي نهاية القرن الثالث عشر الميلادي كانت الدعوة إلى أي حملة صليبية تبدو للكثيرين، من رجال الكنيسة والعلمانيين على حد سواء، مجرد وسيلة لجمع الأموال للباباوات والفرسان لاستخدامها في عدة أغراض لا تتصل بالحرب ضد المسلمين في فلسطين. وفي سنة 1326م قال البابا يوحنا الثاني والعشرون: «لقد فكرنا أن نمنح هذا الغفران الذي كان الكرسي الرسولي قد اعتاد منحه، في حالات مماثلة، لأولئك الذاهبين إلى نجدة الأراضي المقدسة». لقد كان البابا يتحدث عن حملة صليبية متوجهة إلى إسبانيا، وليس إلى فلسطين حيث كان الوجود الصليبي قد انتهى منذ بداية العقد الأخير من القرن الثالث عشر الميلادي.
وإذا أمعنا النظر في هذه الأمثلة التي سقناها في السطور السابقة، وفي حالات كثيرة منحت فيها البابوية الغفران الكامل لكل من شارك في حملة من حملاتها التي وجهتها ضد العرب المسلمين، أو ضد خصومها السياسيين، أو المذهبيين في أوربا نفسها، أدركنا أن البلاط البابوي كان يرى في هذه الحملات جميعا عاملا مشتركا جعل الباباوات يتوسعون في استخدام الغفران الصليبي لتجنيد الجنود في الحملات الصليبية ضد المسلمين في فلسطين والأندلس وعلى شواطئ البلطيق، وضد المخالفات والمنشقين على الكنيسة الكاثوليكية، بل حتى ضد القوى العلمانية في الغرب الأوربي. لقد كانت «الحملة الصليبية» أداة من أدوات السياسة الداخلية والخارجية بالنسبة للبابوية. وكان الغفران الصليبي، لقاء المشاركة بالنفس أو عن طريق تجهيز المقاتلين أو بمجرد دفع المال، هو الحافز الذي استثمرته في هذا المجال.
وهكذا أدى التطور التاريخي إلى أن صار الغفران الصليبي يشترى لقاء المال على النحو الذي تطور به في شكل صكوك الغفران الشهيرة، بيد أن تلك قصة أخرى، وما يهمنا هنا هو أن مفهوم الغفران الذي ارتبط بالحج التكفيري كان مرتبطا أيضا بفكرة الحرب المقدسة. ومن الطبيعي أن تروق دعوة الحج المسلح في عيون الفرسان من أبناء الطبقة الإقطاعية في غرب أوربا على نحو خاص.
ومثلما تطور مفهوم الحج منذ بداية المسيحية حتى عشية الحروب الصليبية تطور مفهوم الحرب المقدسة، الذي كان من أهم روافد الأيديولوجية الصليبية.
لقد كان موقف آباء الكنيسة الأوائل حرجا وهم يواجهون مشكلة التوفيق بين تعاليم المسيحية الداعية إلى السلم ونبذ الحرب من ناحية، ومقاومة الشر الحتمي في الحياة الدنيا من ناحية أخرى. وفي العالم البيزنطي أدان اللاهوتيون، وعلى رأسهم القديس باسيل، الحرب باعتبارها قتلا جماعيا، ولكن هذه الإدانة لم يكن لها تأثير فعال على أرض الواقع.
أما في الغرب اللاتيني فقد كان الموقف أقل استنارة، ولم يكن الناس على استعداد لقبول هذه الآراء السلمية، بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي نجمت عن الغزوات الجرمانية التي اجتاحت أوربا فيما بين القرنين الخامس والسابع الميلاديين، وأسفرت عن قيام عدة ممالك، والاختلاط السكاني الواضح. وكانت الضرورة الثقافية والاجتماعية تحتم تبرير استمرار القيم والمثل الجرمانية في ثياب مسيحية. وفي ذلك الوقت كان نظام الفروسية الغربي يتطور مدعوما بالملاحم البطولية التي أعطت المكانة والهيبة للبطل العسكري. ولم تستطع الكنيسة الغربية شيئا حيال هذه القيم والمثل العليا الجرمانية، فحاولت توجيه طاقتهم العسكرية وجهة تنفيذها.
وفي القرن الخامس الميلادي كان أول مفكر عالج مسألة تبرير الحرب على أساس ديني هو القديس أوغسطين (354- 430م)، وربما لا يزال أوغسطين هو أكثر من عالج مسألة الحرب على أسس مسيحية ماهرة. فقد حاول أن يضع تعريفا للحالة التي تصبح فيها الحرب حربا عادلة. وقد خضعت الشروط التي وضعها أوغسطين للحرب العادلة بعد فترة من الزمن للتبسيط الشديد من جانب علماء اللاهوت الأوربيين، بحيث اختزلت في ثلاثة شروط هي: 1- أن يكون هناك سبب عادل لشن الحرب، وعادة ما يكون هذا «السبب العادل» عدوانا، أو عملا ضارا أتاه الآخرون. 2- أن يرتكز قرار الحرب على سلطة شرعية، وعادة ما تكون هذه السلطة علمانية بطبيعة الحال (على الرغم من أننا سوف نرى أن الكنيسة قد انتزعت لنفسها حق إعلان الحرب المقدسة، ثم الدعوة إلى الحملة الصليبية). 3- ويتمثل الشرط الثالث في سلامة القصد، أي أنه يجب على كل مشارك في الحرب أن تكون دوافعه نقية سليمة، كما ينبغي أن تكون الحرب هي الوسيلة الوحيدة المتاحة لتحقيق هدف عادل.
وفي رأي أوغسطين فإنه يجب استبعاد السلام من الأسباب العادلة للحرب، لأن كل طرف يشن الحرب من أجل السلام الذي يتوافق مع مصالحه. وفي الواقع فإن التقلبات السياسية في أوربا آنذاك كانت تتيح فرصة هائلة لتفسير كل من هذه الشروط الثلاثة بما يتفق والمصالح السياسية للطرف الذي يشن الحرب.
وقد كانت التقلبات السياسية والأحداث العسكرية العنيفة التي مر بها الغرب في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين مواتية تماما لإبراز مفهوم الحرب الدفاعية، وتأكيد شرعيتها، إذ أن الهجمات التي شنها الاسكندينافيون الوثنيون، وهجمات المجريين والمسلمين على أنحاء متفرقة من أوربا في هذين القرنين مثلت ضغطا على سكان أوربا الذين عاشوا أوقاتا صعبة عقب انهيار الإمبراطورية الكارولنجية.
ومن ناحية أخرى كانت ثروات الكنائس والأديرة هي الهدف الذي يجتذب الغزاة في كل مكان، ومن ثم كان ضروريا على الكنيسة وعلماء اللاهوت أن يدعموا فكرة الحرب الدفاعية العادلة. ولأن المغيرين جميعا لم يكونوا من المسيحيين (لأن الفايكنج لم يعتنقوا المسيحية إلا بعد استقرارهم في نورماندي بغرب فرنسا في مطلع القرن العاشر الميلادي، كما أن المجريين اعتنقوا المسيحية في وقت قريب من هذا) فقد كانت فكرة الحرب العادلة مرتبطة بفكرة الحرب ضد الوثنيات (أي غير المسيحيين) ولذلك تحولت إلى مفهوم الحرب المقدسة.
Page 7
وهناك من المفكرين من حاول التفرقة بين «الحرب العادلة» و «الحرب المقدسة» بيد أن التمييز بينهما كان صعبا على المستوى النظري من ناحية، كما أن أحدا لم يحاول على المستوى العملي أن يميز بينهما من ناحية أخرى. وفي القرن التاسع الميلادي قام البابا ليو الرابع بإعلان أن من يموت في سبيل الكنيسة سوف ينال ثوابا من السماء، وبعده بسنوات قليلة أعلن البابا جون الثامن أن ضحايا الحرب ضد المسلمين والفايكنج شهداء سوف تغفر ذنوبهم (وهو الوعد نفسه الذي تلقاه المشاركون في الحملة الصليبية فيما بعد). ومن الخطأ أن نعتبر أن هذه الحملات كانت حملات «صليبية».
والواقع أن ليو الرابع وجون الثامن كانا متأثرين بفكر (أشيدر) الأشبيلي الذي قال: «إن الرجال الذين تجعلهم حكمتهم وشجاعتهم جديرين بالسماء هم الذين يسمون الأبطال». وتتمثل أهمية هذه الوعود بمنح الغفران، أنها تكشف عن تأييد البابوية لفكرة الحرب ضد المسيحيين. وبمرور الوقت تحولت الفكرة إلى الهجوم بدلا من الدفاع، وإن ظلت داخل نطاق فكرة أوغسطين عن الحرب العادلة التي يشنها الرجال لكي يستردوا ما هو حقهم. وكان من السهل دائما إلقاء اللوم على الطرف الآخر في الحرب، كما كان من الميسور دائما إيجاد سبب للحرب يبرر موقف من يبدأ.
لقد استخدمت البابوية فكرة الحرب العادلة في القتال الذي كان دائرا ضد مسلمي الأندلس، إذ منح البابا الإسكندر الثاني في سنة 1063م غفرانا للفرسان الفرنسيين الذين ذهبوا لقتال المسلمين في إسبانيا.
وفي رأي كثير من الباحثين أن جريجوري السابع (1073- 1085م) هو الذي صاغ فكرة الحرب المقدسة في شكلها النهائي، وأحدث نقلة نوعية في موقف المسيحية من الحرب. فقد استخدم عبارة «جيش المسيح» للمرة الأولى بالمعنى الدنيوي وليس المعنى المجازي الذي استخدمه القديس بولس. وهناك عدة وثائق تدلنا على مدى التغيير الجوهري الذي أحدثه جريجوري السابع في مفهوم الحرب المقدسة. وهذه الوثائق عبارة عن خطاب بتاريخ 2 فبراير 1074م من البابا إلى الكونت وليم الأول أمير بورجوني يدعوه لنجدة الكنيسة ومحاربة المسلمين الذين يهددون القسطنطينية، وخطاب آخر بعد ذلك بشهر (أول مارس) يدعو فيه «كل الراغبين في الدفاع عن العقيدة» لنجدة القسطنطينية التي وصل المسلمون إلى أسوارها، أما الخطاب الثالث فهو عبارة عن خطاب شكر موجه إلى الكونت وليم السادس أمير بواتييه يشكره على ما قدمه من خدمات للدفاع عن العقيدة. والوثيقة الرابعة التي تعد أهم الوثائق جميعا هي خطاب من البابا إلى الإمبراطور هنري الرابع إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة بتاريخ 7 ديسمبر 1074م يخبره باستعداده للمسير ونجدة الإمبراطورية البيزنطية (التي تدهورت أحوالها بعد هزيمتها أمام المسلمين في مانزكرت «ملاذكرد» سنة 1071م)، وتخليص القديس رومانوس بجيش قوامه خمسين ألف رجل.
ومن الواضح أن الفكرة التي كانت تدور بخلد «جريجوري السابع» كان محورها الحرب المقدسة الهجومية. ولكن النزاع الذي لم يلبث أن نشب بينه وبين الإمبراطور حال دون تنفيذها. ولعل ربط البابا جريجوري السابع بين الحرب ضد المسلمين وفكرة الحرب المقدسة كان يجسد الفكرة القائلة بضرورة استخدام القوة لحماية شعب المسيح من الأعداء، باعتبار أن مثل هذا التبرير يعد سببا عادلا في الحرب. وهذه الذريعة هي التي اتخذها أربان الثاني في كليرمون سنة 1095م، وهو يدعو أمراء أوربا وفرسانها، لأخذ شارة الصليب. فقد ادعت البابوية أن الحملة الصليبية الأولى تقوم على سبب عادل هو مساعدة البيزنطيين ضد المسلمين في الشرق.
وعندما نجحت الحملة الأولى في إقامة مملكة بيت المقدس وعدة إمارات أخرى في المنطقة العربية تغير المبرر الذي اعتبره اللاهوتيون «سببا عادلا» لشن الحرب ضد المسلمين. وتمت صياغة المبرر الجديد على أساس أن الأرض التي شهدت قصة المسيح قد صارت بأيدي المسيحيين حقا، بيد أنها تحتاج إلى قوات عسكرية للدفاع عنها. وقد أكد البابا أجينيوس الثالث هذا الأمر سنة 1145م، وترددت أصداء كلماته في الخطابات البابوية بعد ذلك، حيث قال: «بفضل الرب وحماسة آبائكم، الذين ناضلوا للدفاع عنها (الأرض المقدسة) على مر السنين، لكي ينشروا المسيحية بين شعوب هذه المنطقة، نحج المسيحيون في الحفاظ على هذه الأرض حتى الآن، كما استولوا بشجاعة على مدن أخرى من الكفار.. وسيكون الأمر عنوانا على النبل والاستقامة إذا دافعتم بجسارة عما حققته جهود آبائكم، أيها الأبناء. ولكن إذا جرى الأمر على نحو مختلف، لا سمح الله، فإنه سيبدو واضحا أن شجاعة الآباء قد تلاشت في الأبناء».
وانطلاقا من هذا الموقف الجديد لتبرير الحرب ضد المسلمين تحركت البابوية بعد أن استرد صلاح الدين الأيوبي مدينة بيت المقدس سنة 583هـ/ 1187م. ووجدت البابوية، والمبشرون، ومؤرخو العصور الوسطى اللاتين الفرصة لكي يعيدوا صياغة «السبب العادل» للحرب على أساس استعادة القدس من المسلمين. لقد كانوا يحاكمون زمانهم ويشيرون إلى الأرض المقدسة باعتبارها «مملكة المسيح» التي تنتمي إلى العالم المسيحي، والتي يجب الدفاع عنها، واستردادها من المسلمين.
وقد كانت هذه العبارة وحدها (وقد ترددت كثيرا في خطب الباباوات ودعاة الحركة الصليبية والمؤرخين الذين كتبوا عنها) كافية لأن تكون مبررا لصياغة السبب العادل في شن الحرب ضد المسلمين في الشرق العربي. إذ إن البابوية ركزت دعايتها على أساس ضرورة الدفاع عما تبقى من الكيان الصليبي في فلسطين، بل إن محاولة غزو مصر في الحملة الصليبية المعروفة بالحملة الخامسة سنة 1218م، والحملة التي قادها لويس التاسع سنة 1249م والتي عرفت بالحملة السابعة، والاقتراحات التي لم تنفذ بغزو مصر، كل هذا كان يتم باعتباره محاولة من جانب البابوية، والغرب الأوربي الكاثوليكي للدفاع عن بقايا الوجود الصليبي في فلسطين.
وهكذا كان شرط «السبب العادل» لشن الحرب، كما وضعه أوغسطين، عاملا أساسيا في صياغة مبررات كل حملة من الحملات الصليبية ضد المسلمين في الشرق العربي. بل إن البابوية توسعت في استخدام هذا «السبب العادل» لتبرير حملاتها ضد كل أعدائها من المسيحيين الكاثوليك في أوربا نفسها. وقد أسرفت البابوية في استخدام نموذج «الحملة الصليبية» ضد أعدائها في الخارج والداخل مما أدى إلى ردود فعل سلبية كثيرة. ومنذ القرن الثالث عشر الميلادي حتى الآن خرجت آراء كثيرة تقول إن الحملات الصليبية ضد القوى العلمانية المعادية للبابوية في أوربا لم تكن تستند إلى أساس قوي، ولا يمكن تبريرها. ولكن البابوية ودعاتها حاولوا دائما تبريرها في إطار المفهوم المسيحي للحرب العادلة.
ومن ناحية أخرى، تأثرت الكنيسة في موقفها من الحروب الصليبية بحركة «سلام الرب» التي كانت في بداية أمرها وسيلة تدافع بها الكنيسة عن نفسها. إذ أن الفوضى التي استشرت في أوربا عقب انهيار الإمبراطورية الكارولنجية بسبب المنازعات والحروب الإقطاعية جعلت الكنيسة تحاول تقييد العنف وتضييق نطاقه. فقد انهار النظام العام، وتراجعت الأخلاقيات، وفي كل مكان في أوربا، طوال القرن العاشر الميلادي، كان المحاربون من أبناء الطبقة الإقطاعية يمارسون أفظع الأعمال. وعندما كانت الحروب الإقطاعية تمزق أوصال أوربا الغربية بسبب حال الجوع إلى الأرض في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، ظهرت حركة تدعو إلى السلام من خلال فكرتين أساسيتين هما: سلام الرب، وهدنة الرب. فقد تم عقد مجمع كنسي في شارو سنة 989م أصدر مرسوما بالسلام جاء فيه تحريم مهاجمة ممتلكات الكنيسة، والفلاحين وأملاكهم، ورجال الكنيسة، مع تهديد كل من ينتهك هذه الشروط بالوقوع تحت طائلة عقوبة الحرمان. وتم التأكيد على قرارات هذا المجمع في السنة التالية في مجمع كنسي عقد في لوبوي، وجاء مجمع بواتييه سنة 1000م تأكيدا على هذا الاتجاه، الذي اتخذته الكنيسة الكاثوليكية للحد من أضرار الحروب الإقطاعية. لقد تدخلت الكنيسة لحماية أملاكها ورجالها، ولكن المجتمع كله أفاد من نتائج هذه الحركة.
Page 8
وفي معاهدات السلام الباكرة في شتى أنحاء أوربا كان النبلاء الإقطاعيون يقسمون على مراعاة حصانة رجال الكنيسة، والمدنيين، وأملاك الكنيسة أيضا. ومنذ سنة 1040م فصاعدا بات من المعتاد إصدار مراسيم تحرم القتال في أيام معينة، وهناك عدة وثائق من هذا النوع، منها نص وثيقة هدنة الرب التي عقدت في أسقفية تيروان سنة 1063م، وهي تحدد فترة «هدنة الرب» بأربعة أيام وخمس ليال تبدأ بغروب شمس الأربعاء، وتمتد حتى شروق شمس الإثنين، وكل من يخرق هذه الهدنة يعرض نفسه لعقوبة الحرمان.
ويبدو أنه كلما مر الزمان كانت نصوص مراسيم هدنة الرب تزداد تشددا، إذ توجد وثيقة عن مرسوم بهدنة الرب صدر سنة 1083م على يد أسقف كولون، تبدو نصوصها أكثر تشددا من نصوص هدنة الرب الصادرة عن أسقفية تيروان قبل عشرين عاما.
ثم كانت المرحلة الأخيرة متمثلة في محاولة القضاء على الحروب الإقطاعية تماما. ويمكن إرجاع الفضل في تطور حركة السلام إلى الرهبان الكلونيين الذين ارتبطوا بحركة الإصلاح الكلونية. لقد كان المصلحون الكلونيون يستهدفون إصلاح الحياة الديرية والكنسية الكاثوليكية والعالم الغربي.
كان إصلاح الديرية يستدعي وضع أسس جديدة ودستور جديد للرهبان، وكان إصلاح الكنيسة الكاثوليكية يعني إصلاح البابوية بالقدر الذي يمكنها من التصدي للعلمانيين، أما إصلاح العالم الغربي فكان يعني إخماد الحروب الإقطاعية التي باتت هي النغمة الدالة في الحياة الأوربية آنذاك.
وقد خطت الكنيسة خطوات حاسمة تجاه «الحرب المقدسة» بسبب حركة السلام، إذ لم يكن يكفي إقناع النبلاء الإقطاعيين بعدم شن الحرب، وبات من الضروري إيجاد وسيلة تجبرهم على حفظ السلام. ومن ثم تورطت الكنيسة في تنظيم الحملات العسكرية وتوجيهها لعقاب من يعكرون صفو السلام. هذا النمط من الحروب الكنسية اعتبرته الكنيسة «حروبا مقدسة» تشن في خدمة الكنيسة وتحت رايتها. وقد شاع هذا النمط ليكون بمثابة سلاح سياسي هام بأيدي رجال الكنيسة في القرن الحادي عشر الميلادي. وكانت تلك خطوة هامة نحو بلورة فكرة الحروب الصليبية.
ولم يحدث قبل منتصف القرن الحادي عشر الميلادي أن صارت البابوية قوية بالقدر الذي يجعلها تفكر جديا في تجريد حملة عسكرية ضد الشرق العربي الإسلامي، إذ أن السياسة النشطة التي اتبعتها البابوية في تلك الفترة التي شهدت إصلاح الكنيسة والبابوية كانت تدفع الباباوات نحو موقف جديد من الحرب. ففي سنة 1053م قام البابا ليو التاسع (1048-1054م)، والذي يعتبر من أوائل الباباوات الإصلاحيين، بقيادة جيش في جنوب ايطاليا ضد النورمان. وفي هذه الحملة التي قادها البابا بنفسه منح الألمان الذين أرسلهم الإمبراطور الألماني غفرانا يعفيهم من العقاب على ذنوبهم، كما يعفيهم من التكفير عنها. ومن الجدير بالذكر أن هذه المعركة التي عرفت باسم معركة كيفيتا انتهت بالقضاء على الجيش البابوي، وتم أسر البابا نفسه ليبقى رهين محبسه لدى النورمان حوالي سنة، ثم أطلق سراحه سنة 1054م، وعاد إلى روما ليلقى حتفه في السنة نفسها.
وكان الغفران الذي منحه ليو التاسع في هذه الحملة شبيها بالغفران الذي منحه أربان الثاني للمشاركين في الحملة الصليبية الأولى. ثم حاول نيقولا الثاني (1058- 1061م) أن يحل المشكلة النورمانية بالتحالف مع أمراء النورمان على أن يكون ريتشارد أمير كابوا، وروبرت جويسكارد تابعين إقطاعيين عليهما أداء الخدمات الإقطاعية العسكرية لسيدهما (البابا).
وهكذا صارت الكنيسة الكاثوليكية قوة عسكرية إقطاعية، استخدمت قواتها في الدفاع عن الدويلات البابوية، ثم استخدمت هذه القوة العسكرية فيما بعد في أغراض الحرب المقدسة. وكانت تلك في الواقع بمثابة السوابق أو التجارب العملية التي نضجت من خلالها «الحملة الصليبية».
ومن ناحية أخرى كانت «الحرب المقدسة» مفيدة للنورمان بقدر ما كانت مفيدة للكنيسة، إذ قام روبرت جويسكارد بغزو شمال صقلية (1061-1072م) تحت راية الحرب المقدسة، فقد أعلن أن هذه الحرب ضد المسلمين هي وفاء للقسم الذي قطعه على نفسه أمام البابا نيقولا الثاني في ملغى، وبذلك حصل على مباركة البابوية على هذا المشروع.
والمثال الأكثر وضوحا من الحروب النورمانية يتجسد في الحرب ضد المسلمين في الأندلس، والتي عدها الكثيرون نوعا من الحملات الصليبية، لا سيما غزو بريشتر (1064م) الذي ساهم فيه النورمان من ولاية نورمانديا بنصيب كبير. وقد ارتفعت هذه الحملة الكاثوليكية ضد مسلمي الأندلس إلى مستوى «السابقة الصليبية»، بيد أن غياب الدور البابوي النشط هنا ينفي عنها صفة الحملة الصليبية الكاملة من وجهة النظر الأوربية، إذ أن موافقة البابا الإسكندر الثاني على هذه الحملة وتأييده لها ظل في حدود منح الغفران الجزئي لمن ساهموا فيها. وما حدث في إسبانيا كان بالنسبة لهم «حربا مقدسة» عادية تتسق مع النموذج الذي دعا إليه الباباوات والرهبان الكلونيون، لأن الأديرة الكلونية كانت هي الأكثر نشاطا في مجال تسهيل الحرب ضد المسلمين في الأندلس. ومن الواضح انه كانت هناك رابطة تجمع بين مقاومة المسلمين من ناحية والحملات الصليبية من ناحية أخرى، إذ أن البابوية سمحت فيما بعد للفرسان بالقتال ضد مسلمي الأندلس بدلا من الاشتراك في الحملة الصليبية إلى فلسطين.
وعشية الحروب الصليبية كانت الكنيسة الكاثوليكية قد وصلت إلى موقف جديد تماما من الحرب تبلور في كتابات واحد من أهم أتباع البابا جريجوري السابع، وأكثرهم إخلاصا، وهو «بونيزو سوتري» الذي كان أول من جمع في كتابه «عن الحياة المسيحية» (فيما بين سنة 1090م وسنة 1095م تقريبا) الآراء المتداولة عن واجبات الفارس المسيحي.
ومن ناحية أخرى كانت في أوربا عشية الحملة الصليبية الأولى طبقة من فرسان الإقطاعيات قد تطورت ونضجت عبر أحداث القرون السابقة، وصار لها قانون أخلاقي مشترك عن الحدود السياسية لإقطاعيات الدول. ويبدو أن المناقشة حول أصول الحركة الصليبية قد طالت أكثر مما ينبغي، بيد أن هذه المناقشة بحد ذاتها كشفت عن حقيقة لا يرقى الشك إليها، مؤداها أن الحركة الصليبية لم تكن لترى النور إلا بعد أن مهدت الكنيسة الكاثوليكية الأرض بصياغة أيديولوجية الحرب المقدسة من ناحية، وظهور طبقة الفرسان (التي وجه أربان خطابه إليها في كليرمون) بسماتها الإقطاعية المشتركة، ونظامها القيمي والأخلاقي الواحد، وظروفها الاجتماعية والاقتصادية المتشابهة في سائر أنحاء الغرب الأوربي، من ناحية أخرى.
Page 9

أحوال أوروبا في القرن الحادي عشر الميلادي

شكلت الحركة الصليبية انعطافا خطيرا في تاريخ الغرب الأوربي، إذ كانت الحملات الصليبية التي دارت على نطاق واسع، سواء من حيث مجالها الجغرافي، أو إطارها الزمني، أو أعداد الذين شاركوا فيها، أول حرب يخوضها الأوربيون تحت راية أيديولوجية بعينها. وعلى الرغم من الإفلاس الأيديولوجي الذي تجلى منذ البداية في خضم أحداث الحملة الصليبية الأولى إلا أن القوى الاجتماعية في الغرب الأوربي قد اعتنقت هذه الأيديولوجية الصليبية وفق تفسيرها الخاص الذي يناسب مصالحها.
ولما كانت الحركة الصليبية إفرازا للتفاعل بين الكنيسة والإقطاع فإنها كانت تسعى بالضرورة إلى تحقيق الأهداف الكنسية التي كانت البابوية قد بلورتها من خلال نزاعها مع الإمبراطورية، وهي أهداف كانت تتركز أساسا حول السيادة المطلقة للبابا على العالم المسيحي. كما أن الحركة الصليبية كانت، من ناحية أخرى، محاولة لتحقيق أهداف العلمانيين الذين خضعوا للتعليم الإقطاعي، سواء كانوا من النبلاء وفرسانهم، أو من الفلاحين.
لقد كان الفرسان يتوقون إلى توسيع سلطانهم وأملاكهم، ولم يكن هذا ممكنا دون الصدام مع الملكية. وبينما كانت البابوية تحارب ضد الملكية من أجل السيادة والسمو، كان النبلاء الإقطاعيون يتطلعون إلى بناء سلطتهم الإقليمية على حساب الملكية، ولعل هذا هو ما جعل البابا أربان الثاني يوجه خطابه إلى الفرسان الفرنسيين بالذات، لأن فرنسا كانت لا تزال الدولة الإقطاعية الوحيدة آنذاك.
أما البرجوازية الناشئة، ممثلة في القوى التجارية الإيطالية على وجه الخصوص، فقد رأت في المشروع الصليبي فرصة هائلة للسيطرة على تجارة البحر المتوسط وتجارة العالم، ولهذا سارعت إلى الانضمام للمشروع بعد أن صار حقيقة واقعة.
بيد أن هذه الدوافع التي حركت مختلف القوى الأوربية لشن حملتها الصليبية التي كانت بمثابة مشروع العصر بالنسبة للكثيرين، كانت محكومة بالأحوال والظروف التاريخية السائدة في الغرب الأوربي من ناحية، وبالإمبراطورية البيزنطية والعالم العربي من ناحية أخرى، وربما يكون مفيدا أن نلقي نظرة شاملة على أحوال أوربا الغربية عشية الحروب الصليبية، قبل مناقشة دوافع المجتمع الغربي لشن الحرب تحت راية الصليب.
كانت أوربا حتى القرن الحادي عشر الميلادي لا تزال مجرد منطقة جغرافية لم تتشكل بعد على المستوى السياسي، كما أنها كانت مجرد منطقة ريفية متخلفة بالقياس إلى كل من العالم البيزنطي والعالم العربي الإسلامي. فقد وصلت كل من الحضارة البيزنطية والحضارة العربية الإسلامية إلى قمتها، وبدأت بيزنطة منذ القرن الحادي عشر الميلادي تعاني مظاهر التآكل البطيء والضعف الناجم عن الصراع الداخلي والهزيمة الخارجية الفادحة على يد المسلمين في مانزكرت (ملاذكرد) سنة 1071م. أما العالم العربي الإسلامي فكان يعاني التشرذم والضعف السياسي، على الرغم من أنه كان لا يزال يحتفظ بإمكاناته العسكرية والبشرية، وثرواته الأسطورية، وعلى الرغم من أن الزمان كان لا يزال يحتفظ له ببعض من أعظم إنجازاته العسكرية والفكرية.
وقد كان القرن الحادي عشر الميلادي بالنسبة للغرب الأوربي بداية فترة امتدت ثلاثة قرون تمثل مرحلة الإبداع في تاريخ العصور الوسطى. وخلال تلك الفترة كانت المؤسسات السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية، التي أخذت تتشكل منذ القرن السادس الميلادي، قد ترسخت بحيث كانت الأساس الذي قامت عليه الحضارة الأوربية في العصور الوسطى، ولعل هذا ما جعل المؤرخين الأوربيين المتخصصين في دراسة تاريخ العصور الوسطى يطلقون على تلك الفترة اسم العصور الوسطى الناضجة أو العالية.
لقد شهد القرن الحادي عشر الميلادي من وجهة نظر الغرب قادة كبارا وزعماء بارزين، مثل وليم الفاتح ملك انجلترا، والإمبراطور هنري الثالث وابنه هنري الرابع، وروجر الأول النورماني حاكم صقلية، وروبرت جويسكارد الذي كان ابنه بوهيموند من أبرز زعماء الحملة الصليبية الأولى، وألفونسو السادس ملك قشتالة. وقد كان أولئك جميعا من الحكام الجنود الذين كانوا يبحثون عن السلطة والنظام والكفاءة يمثلون الغدر والطموح والتعصب من وجهة النظر الشرقية. كما عاش في القرن الحادي عشر الميلادي معظم الباباوات الإصلاحيين، وأبرزهم جريجوري السابع الذي رغب في تحقيق السمو البابوي، وكان خليفته أربان الثاني صاحب الدعوة إلى الحملة الصليبية. وكانت الكنيسة قد مرت بأهم عملية إصلاحية تحت زعامة أولئك الذين تربوا في الأديرة الكلونية. أما الفلاحون المتعبون الذين كانوا يزيلون الغابات، ويزرعون أرضها بالمحاصيل التي تحتاجها أوربا، وبحارة جنوه وبيزا الذين طردوا المسلمين من شواطئ أوربا، فقد كانوا مدفوعين بروح الحيوية الدافقة والحماسة الجسورة التي ميزت حركة التاريخ الأوربي في القرن الحادي عشر الميلادي.
ومن ناحية أخرى كانت هناك تغيرات اجتماعية وتكنولوجية تجري في تلك الفترة، ولا شيء يكشف عن تأثير هذه التغيرات في غرب أوربا أفضل من أن نلاحظ أن الناس كانوا يسافرون إلى مناطق الحدود، وما وراء البحار بحثا عن فرص أحسن، وأملا في تحقيق طموحاتهم. وباختصار كان التوسع والتنظيم أهم سمات القرن الحادي عشر الميلادي. لقد أخذت أوربا توقن بأن طاقتها الحضارية النامية أكبر من أن تستوعبها أراضيها الضيقة، فأخذت تسعى لإيجاد منافذ خارجية لها. وقد كان هذا هو أهم أسباب التوسع الأوربي، ولم يكن ممكنا القيام بهذه الحملات دون وجود المقدرة على تنظيمها.
كان الطابع الريفي هو الغالب على أوربا القرن الحادي عشر الميلادي، وقد توزع سكان أوربا بين نموذجين رئيسين للاستقرار هما: البلدة التي كانت عبارة عن عدد قليل من أكواخ الفلاحين وبيوتهم المكدسة قرب مساحة الأرض التي يتولون زراعتها، وقد خلت هذه البلدة من أي كنيسة. وفي أسكتلندة وويلز وأيرلندة وبريتاني وأقاليم فرنسا الجبلية كان نمط البلدة هو السائد. أما بقية مناطق أوربا فقد كان النمط السائد فيها لمراكز الاستقرار السكاني هو القرية. وفي القرية عادة ما كانت توجد كنيسة، وبيت صاحب الإقطاع، أو قلعته، ثم بيوت الفلاحين التي بنيت من الطين وأغصان الأشجار. وحول القرية زمامها من الأرض الزراعية والمراعي، ثم منطقة البراري والغابات. وعلى حواف الحقول التي تمثل زمام القرية من الأرض الزراعية، كان الفلاحون يحرقون الأعشاب من آن لآخر لكي يزرعوا محصولا أو اثنين في الأرض التي خصبها الرماد الناتج عن الحرق.
Page 10
وعلى الرغم من أننا نعرف بعض المعلومات عن تحسن الزراعة وأساليبها في القرن الحادي عشر الميلادي إلا أننا لا نعرف إلى أي مدى تحسنت وسائل الزراعة على وجه الدقة. لقد كان اختراع الطواحين الهوائية من أسباب تسهيل زراعة الغلال، كما أن عمليات إزالة الغابات واستصلاح الأرض كانت تجري في كل مكان في غرب أوربا. وكانت الأخشاب الناتجة من قطع الأشجار تستخدم في بناء المساكن والقلاع والكنائس في مناطق الريف والحضر على حد سواء، كما أن الفلاحين غيروا من نظام الزراعة في شريطين أو ثلاثة بسبب الابتكار الذي شكل المحراث الجرماني القديم الذي كان يفرض أن يكون حرث الحقول بشكل مستقيم على هيئة شريطين أو ثلاثة، فتحسن الإنتاج.
لقد أدت محاولات استصلاح الأرض على حساب الغابات والمستنقعات إلى زيادة الإنتاج الزراعي، وعلى الرغم من ضآلة معلوماتنا عن اقتصاديات الزراعة في غرب أوربا آنذاك، إلا أنه يبدو أن القرية كانت قادرة، مع قلة إمكاناتها، على أن تعول الناس الذين عانوا من قسوة الطبيعة والقانون الإقطاعي على السواء، ولا ينبغي أن نبالغ في قيمة عمليات النمو الزراعية لأن التحسن النسبي الذي طرأ على مجال الزراعة في أوربا في القرن الحادي عشر الميلادي لم يؤد إلى تحسين أحوال الفلاحين المعيشية، وإنما أدى إلى زيادة موارد السادة الإقطاعيين المادية والبشرية.
كان الناس في أوربا العصور الوسطى تحت رحمة الطبيعة إلى حد بعيد، إذ كانت الأرض المزروعة في القرن الحادي عشر الميلادي لا تزال ضئيلة المساحة بالقياس إلى مناطق البراري والغابات والأرض البور، وكانت كل هذه المساحات مرتعا حرا للدببة والذئاب وغيرها. ولم يكن غريبا أن تدخل هذه الحيوانات إلى القرى، أو تجوس في الحقول المزروعة. وفي كوخ حقير كان القروي يعيش حياة أصعب من حياة حيوان الحقل الذي يهتم به. أما طعامه فكان فقيرا وبسيطا من إنتاج حقله، وملابسه مصنوعة من جلود حيواناته، أو من صوف أغنامه. وكان يومه شاقا مضنيا يقضيه في أعمال كثيرة متنوعة بحيث يأوي إلى فراشه الحقير في المساء وقد هده التعب.
ولم يكن الفلاح الأوربي يأكل اللحم الطازج سوى مرة واحدة في أعياد الميلاد، ثم يحتفظ بالباقي مقددا ومملحا ليأكل منه طوال العام. ولكنه في كل الأحوال لم يكن ليأمن على نفسه من غائلة المجاعة. فبسبب التكلفة الباهظة لوسائل النقل في ذلك الزمان كان تدهور المحصول المحلي في أي إقليم مؤشرا على حدوث المجاعة.
وكانت السنوات العشر التي سبقت الدعوة إلى الحملة الصليبية الأولى سنة 1095م سنوات صعبة بالفعل على سكان أوربا، لا سيما في شمال فرنسا وغرب ألمانيا، إذ شهدت تلك السنوات سلسلة تكاد تكون متصلة من الفيضانات والمجاعة. ومنذ سنة 1089م كان الرعب يتملك السكان في تلك المناطق من ذلك الوباء الغامض الذي كان يضرب فجأة إحدى القرى، أو المدن فلا يتركها إلا وقد حصد أغلبية سكانها بمنجل الموت والعذاب البطيء.
ومن الطبيعي أن يكون رد فعل الناس في إطار رد الفعل الجماهيري المعتاد، أي التعلق بأهداب الدين، أو محاولة التكفير عن الذنوب، والتجمع حول الزاهدين والنساك بحثا عن الخلاص. لذا فقد راقت الدعوة التي وجهها البابا لشن حملة صليبية ضد المسلمين في عيون الفقراء، ورأوا فيها نبوءة تعدهم بالخلاص.
وبالنسبة لمعظم سكان الغرب الأوربي في القرن الحادي عشر الميلادي كانت القرية هي الوحدة الأساسية، اقتصاديا، وسياسيا، واجتماعيا، وعلى المستوى الديني أيضا، إذ أن التقسيم الإقطاعي فرض نوعا من الاقتصاد الطبيعي جعل الفلاحين في كل قرية يحاولون تحقيق الاكتفاء الذاتي في حدود ما تنتجه القرية. وفي أعياد القديسين الذين يبجلهم أهل القرية (وهم تعبير عن عبادة قوى الطبيعة على نحو أو آخر، ولم تعترف الكنيسة بأولئك القديسين الريفيين أبدا) كان القروي يجد المتعة والتسلية. وكان قساوسة الأبرشيات الريفية يقدمون للسكان الفلاحين معلوماتهم المشوشة عن المسيحية، وأفكارهم الضيقة عن العالم. ولما كان القسيس الأبرشي أميا في أغلب الأحوال فإن لنا أن نتصور طبيعة ما كان يقدمه من خدمات للفلاحين المساكين، وما ينتج عن هذه الخدمات الجاهلة المقدمة من قسيس جاهل من تعصب وتزمت مقيت. لقد كان القرويون يجمعون بين التدين العاطفي والإيمان بالخرافات والمعجزات. وكان سكان كل قرية يعتقدون بأن الينابيع والمجاري المائية والأشجار التي تحيط بقريتهم تضم بعض الأرواح التي يمكنها الإتيان بالمعجزات.
وقد اختلف الوضع القانوني للفلاحين، والجزء الذي يمكنهم الاحتفاظ به من محصول الأرض الزراعية اختلافا بينا من قرية إلى أخرى. ففي الربع الأخير من القرن الحادي عشر الميلادي كان كل رجل يعمل في أرض زراعية في انجلترا وفرنسا وغرب ألمانيا، مقيدا بالتزامات إقطاعية تجاه أحد السادة الإقطاعيين، إما إيجارا وإما خدمة. وفي بعض المناطق الريفية، مثل شرق ألمانيا وبعض أقاليم فرنسا، كان يوجد فلاحون أحرار، ولكن أولئك كانوا في سبيلهم لأن يتحولوا إلى أقنان. ولم يتم هذا التحول على أي حال سوى بعد القرن الحادي عشر.
لقد كان تحول الفلاح الحر إلى قن عملية تجري بمعدلات متصاعدة في كافة أنحاء أوربا، ولم تقف الكنيسة ضدها بل أفادت منها بصفتها أكبر ملاك الأراضي الزراعية في الغرب الأوربي حتى ذلك الحين، فقد كانت الهبات التي أغدقها الحكام والنبلاء على الكنائس والأديرة قد جعلتها تمتلك مساحات زراعية شاسعة، ومن ثم كان لابد من أن توفر لها من يزرعونها، وقد كانت عملية تحويل الفلاحين إلى أقنان، تحت ذريعة حب الرب، أكثر الوسائل فعالية لضمان قوة العمل اللازمة لزراعة أملاك الكنائس والأديرة.
لقد كان الأقنان يشكلون قطاعا هاما من سكان الريف الأوربي عشية الحملة الأولى. وكان أولئك الأقنان يحتلون مكانة في البناء الاجتماعي بين الفلاحين الأحرار من ناحية، وعبيد الأرض من الأرقاء من ناحية أخرى. ولم تكن أعدادهم أو نسبتهم متساوية في كل أنحاء أوربا، ففي انجلترا كان عدد الأقنان كبيرا، على حين كان عدد عبيد الأرض كبيرا في جنوب فرنسا واسبانيا وفي بقية مناطق فرنسا وفي الألزاس واللورين كانت الأغلبية من الفلاحين أقنانا دون أن تكون لهم حقوق تجاه سادتهم الإقطاعيين. وفي ظل تلك الظروف نجد أن الكثيرين ممن ولدوا في الشطر الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي قد وقعوا في أغلال القنانة، لأن واحدا من أسلافهم المجهولين قد أجبر على التخلي عن حريته.
وكانت العلاقة بين القن والسيد الإقطاعي تشبه علاقة كل منهما بالطبيعة في تلك العصور، فالسيد بالنسبة للقن يمكن أن يكون صديقا كما يحتمل أن بكون عدوا، لكن القن يراه ضروريا لاستمرار حياته في كل الأحوال. لقد كان كل أمر من أمور الحياة اليومية للأقنان مرتبطا بأسيادهم الإقطاعيين ومعتمدا على سلوكهم. وكان القن مربوطا إلى الأرض لا يمكنه الرحيل عنها، كما لا يستطيع أن يستبدل سادته إلا بارتكاب جريمة، أو المغامرة بالهروب، أو بشراء حريته بالمال (إذا قبل سيده بيعها). أما في شرق انجلترا وشمالها فربما كان أكثر من نصف الفلاحين أحرارا. بيد أن أحوال الفلاحين عموما، سواء كانوا من الأحرار، أو الأقنان، أو الأرقاء، كانت عابسة كئيبة مثل الليالي الموحشة التي كانت تلف قراهم بالبرد والظلام.