eKtab
EN ع
تاريخ النظرية الأنثروبولوجية
Read free sample

تاريخ النظرية الأنثروبولوجية

by مجموعة مؤلفين

Page 1

تمهيد

هذا كتابٌ طموح، ليس على سبيل الأدعاء. إنّه طموح لأنّه يحاول- ضمن حيز الصفحات القليلة نسبيًّا- أن يوضح التاريخ المتنوع لعلم الأنثروبولوجيا. وقد ارتبطت أسبقياتنا وحذوفاتنا وتأويلاتنا بالمناقشة والتفنيد؛ حيث إنّه لا وجود لتاريخ منفرد ذي حجة لأي شيء، وأقلها حقلاً باسطًا ذراعيه، حقل ديناميكيّ وموضع خلاف مثل حقل الأنثروبولوجيا. ومع ذلك، فالكتاب لا يزال بسيطًا؛ حيث إنّ هدفنا في كل العمل أن نقدم عملاً متزنًا ومتوازنًا للنمو التاريخي للأنثروبولوجيا كفرعٍ من فروع المعرفة الإنسانية، وليس تقديم إعادة تأويل جذرية له.
ثمّة أدبيات علمية متنامية عن تاريخ الأنثروبولوجيا، والتي لا يحاول هذا الكتاب المنهجي أنْ يتنافس معها. وعلى الرغم من ذلك، لا نعرف عن كتاب بمثل هذا المدى كما في هذا الكتاب على نحو مضبوط؛ إذ غالبًا ما تكون الأدبيات العلمية تفصيلية، والكتب القائمة عن التاريخ الأنثروبولوجي إما نظرية التوجه في الأكثر، أو ملتزمة بواحدة أو القليل من التقاليد المهنية. ورغم أنّنا قد لا ننجح دائمًا، فقد ناضلنا لإعطاء انطباع عن التطورات الموازية والمتقاربة والمتداخلة للتقاليد الرئيسة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.
والكتاب منظم زمنيًّا بدءًا بـ‘أوليات الأنثروبولوجيا’ من اليونان العتيقة إلى عصر التنوير، ويستمر مع ابتكار الأنثروبولوجيا الأكاديمية، وتنامي علم الاجتماع الكلاسيكي خلال القرن التاسع عشر. يركز الفصل الثالث على أربعة رجال ممن يعتبرون- بالإجماع العام- الآباء المؤسسين لأنثروبولوجيا القرن العشرين، بينما يشير الفصل الرابع إلى كيف أنّ عملهم استمر وتنوع من قبل الطلبة. ويتعامل كلا الفصلين الخامس والسادس مع نفس الفترة، من حوالي 1946 إلى حوالي 1968، ولكنّهما يركزان على التيارات المختلفة؛ حيث يناقش الفصل الخامس الجدالات النظرية المحيطة بمفاهيم المجتمع والإدماج الاجتماعي، بينما يغطي الفصل السادس مفاهيم الثقافة والمعنى الرمزي. وفي الفصل السابع، عرضت الاضطرابات الثقافية والسياسية للستينيات والسبعينيات، مع التشديد على الدوافع المنبثقة من الحركة الماركسية والحركة النسوية. ويتعامل الفصل الثامن مع الثمانينيات، مركزًا على حركة ما بعد الحداثة، وقريبتها: حركة ما بعد الاستعمار، وهما تياران نقديان اثنان، تحديا بصورة جدية الثقة الذاتية لميدان العلم، فيما يعرض الفصل التاسع والأخير للقليل من تيارات ما بعد الحداثة الرئيسية التي ظهرت في التسعينيات.
لا نعتبر تاريخ الأنثروبولوجيا حكاية للتطور المتصاعد الخطي، فقد استحوذت بعض ‘الجدالات الحديثة’، على سبيل المثال، على اهتمام العلماء منذ عصر التنوير وحتى قبل ذلك. ولكننا نعتقد- في الوقت نفسه- أنّه كان هناك نمو متصاعد ومتراكم في المعرفة والفهم ضمن ميدان العلم، وليس في أقلّها ما يتعلق بالطريقة المنهجية. زد على ذلك أنه كما يستجيب علم الأنثروبولوجيا إلى التغيرات في العالم الخارجي، فإنّ تركيزه النظري الجوهري يتغير وفقًا لذلك. وعليه، قادت الحركة منذ بدايات عصر التصنيع والاستعمار إلى عصر المعلومات للحداثة العولمية ميدان العلم خلال سلسلة من التحولات، والتي استمرت من الناحية الجوهرية لتطرح نفس الأسئلة التي سئلت قبل خمسين، أو مائة، أو حتى مائتي سنة ماضية.
أوسلو/كوبنهاجن، تموز 2001
تي. أج. إي. & أف. أس. أن.
Page 2

- 1 -

البدايات

متى وُجد علماء الأنثروبولوجيا؟ تنقسم الآراء في هذه القضية، ويعتمد الجواب- بدرجة كبيرة- على ما يعنيه الواحد بعالِم الأنثروبولوجيا. كان- ولا يزال- لدى الناس تطفل حول جيرانهم والناس الأكثر بعدًا عنهم، دخلوا في قيل وقال عنهم، وتعاركوا معهم، وتزوجوا منهم، وقالوا عنهم ما قالوا، ثم كتبت بعض هذه القصص والأساطير، وانتقد بعضها على اعتبار أنّها روايات غير دقيقة أو ذات مركزية عرقية (أو على الأصح: عنصرية). وقد قورنت بعض هذه القصص بأخرى حول أناس آخرين؛ مما أدى إلى افتراضات أكثر عمومية حول ‘الناس أينما كانوا’. وبهذا المعنى، يبدأ البحث الأنثروبولوجي في اللحظة التي يقوم فيها أجنبـي بالانتقال إلى شقة في الجوار.
إذا قيّدنا أنفسنا بالأنثروبولوجيا كفرعٍ من فروع المعرفة العلمية، يمكن للبعض أنْ يتعقبه بالعودة إلى عصر التنوير الأوربـي خلال القرن الثامن عشر. ادعى البعض أنّ الأنثروبولوجيا لم تبرز كعلم حتى خمسينيات القرن التاسع عشر، مع ذلك جادل آخرون أنّ البحث الأنثروبولوجي بمعناه المعروف في الوقت الحاضر استهِلَ فقط بعد الحرب العالمية الأولى، ونحن لا نستطيع تفادي مثل هذه الأمور الغامضة.
مما لا شك فيه- على أية حال- أنّ الأنثروبولوجيا اعتبرت عِلمًا للإنسانية، تجد أصولها في المنطقة التي ندعوها على نحوٍ شائع وإنْ كان بلا دقة: ‘الغرب’، وعلى نحوٍ ملحوظ في ثلاثة أو أربعة بلدان ‘أوربية’: فرنسا، وبريطانيا العظمى، والولايات المتحدة، وحتى الحرب العالمية الثانية ألمانيا. وللحديث تاريخيًّا، فإنّ هذا فرع من فروع المعرفة الأوربية، وإنّ ممارسيه- مثل كل أولئك الذين يعملون في مجال العلوم الأوربية- يحبون أنْ يتعقبوا جذوره بين فترة وأخرى بالعودة إلى اليونانيين القدامى.

هيرودتس ويونانيون آخرون

بفضل البحوث التي قام بها أنثروبولوجيون ومؤرخون وآثاريون، فإننا نعتقد اليوم أنّ ‘اليونانيين القدامى’ اختلفوا عنّا بصورة جذرية. كان نصف السكان عبيدًا في دول المدينة ‘الديموقراطية’ الكلاسيكية، حيث اعتبر المواطنون الأحرار العمل اليدوي باعثًا على التحقير، وأنّ من المحتمل أنْ تكون الديموقراطية (والتي ‘اخترعت’ كذلك من قبل اليونانيين) أكثر شبهًا بالولائم التنافسية لدى الكواكوتل (الفصل الرابع)، بالمقارنة مع المؤسسات الموصّفة في المؤسسات الدستورية الحديثة (انظر فينلي 1973؛ بـي. أندرسون 1974).
إنّ في العودة إلى اليونانيين رحلة طويلة، ولكي ننفذ إلى عالمهم من خلال الزجاج المكسر والمدخن، فإننا سنلقي نظرة على دول المدينة الصغيرة المحاطة بالأرض الزراعية التقليدية لعصر الحديد، والمرتبطة بالعالم الخارجي من خلال شبكة علاقات التجارة البحرية بين السكان الحضر على طول سواحل المتوسط والبحر الأسود. جاءت التجارة بسلع الرفاهية والعبيد- وهي ثروة معتبرة- إلى المدن ومواطني مراكزها، ممن يُعرفون بازدرائهم للعمل البدني، وكان في متناول أياديهم فائض كبير، استخدموه- فيما بين أشياء أخرى- لبناء المعابد، والملاعب، والحمامات وبنايات عامة أخرى، حيث كان من الممكن للمواطنين الذكور أنْ يلتقوا ويدخلوا في خلافات وتأملات فلسفية حول كيفية وضع العالم مع بعضه البعض.
Page 3
عاش هيرودتس الهاليكارناسيس (484- 425 ق. م) في مثل هذا المجتمع المحلي. بدأ هيرودتس- المولود في مدينة مستعمرة يونانية على الساحل الجنوبـي الغربـي لما يعرف اليوم بتركيا- السفر كرجل شاب، واكتسب معرفة حميمة عن العديد من الشعوب الأجنبية التي حافظ اليونانيون على صلاتٍ معها. يُذكر اليوم هيرودتس بصورة رئيسية لتاريخه عن الحروب الفارسية، ولكنّه كتب كذلك قصص رحلات مفصلة عن أجزاء متنوعة لغرب آسيا ومصر، وعن مناطق بعيدة كبعد السيثيين على الساحل الشمالي للبحر الأسود. في هذه القصص- البعيدة كل البعد عمّا نحن عليه في عالمنا الحاضر- نتعرف على مشكلة ظلّت تتبع الأنثروبولوجيا بأقنعة متنوعة حتى اليوم: كيف أنّ علينا أنْ نتصل بـ‘الآخر’؟ هل هم مثلنا من حيث الأساس، أم إنهم مختلفون عنّا أساسًا؟ حاولت الكثير من النظريات الأنثروبولوجية أنْ تقيم توازنًا بين هذه المواقف، وهذا ما حاول هيرودتس القيام به بالضبط، إذ يظهر ببساطة أحيانًا ‘رجلاً مدنيًّا’ متعصبًا وذا مركزية عرقية، ممن يحتقر كل شيء أجنبـي، ويعترف في أوقات أخرى أنّ للناس المختلفين قيمًا مختلفة لأنّهم يعيشون في ظلّ ظروف مختلفة، وليس لأنّهم ناقصون أخلاقيًّا. واليوم تقرأ توصيفات هيرودتس رفيعة المستوى للغة واللباس، والمؤسسات السياسية والتشريعية، والحِرَف والاقتصاد. ورغم أنّه أحيانًا حصل على الأشياء بشكلٍ خاطئ بصورة واضحة؛ فقد كان عالِمًا دقيقًا حدّ النقنقة، ممن ترك كتبًا هي في الغالب المصادر المكتوبة الوحيدة فقط التي نملكها عن شعوب ذلك الماضي البعيد.
اختبر العديد من اليونانيين حصافتهم على الضدّ من العبارات الفلسفية الموهمة بالتناقض، التي تُلمس على نحوٍ مباشر عن مشكلة: كيف أنّ علينا أنْ نتصل بـ‘الآخرين’؟ وهذا هو تناقض الكونية على الضدّ من النسبية. يمكن أنْ يحاول كونيّ اليوم الحاضر التعرف على ما هو شائع ومتماثل (أو حتى الكونيات) بين المجتمعات المختلفة، بينما يود النسبـي أنْ يشدد على تفرد وخصوصية كل مجتمع أو ثقافة. يُوصَّف سفسطائيو أثينا أحيانًا كما لو أنّهم أول النسبيين المتفلسفين حسب التقاليد الأوربية (اهتم بضعة مفكرين معاصرين تقريبًا في آسيا، مثل: كوتاما بوذا، كونفوشيوس ولاو- تزاي بقضايا مماثلة). وفي حوارات أفلاطون (447- 327 ق. م) البروتاجوراس والجورجياس، يجادل سقراط مع السفسطائية، قد نصورهم بمعركة فكرية نـزيهة، محاطين بمعابد ملونة وبنايات عامة وقورة، مع عبيدهم ممن نادرًا ما كانوا منظورين، حيث يقفون في الظلّ بين الأعمدة. يقف مواطنون آخرون كمشاهدين، فيما يتمكن إيمان سقراط بالكونية من التأكيد على الحقائق الكونية، ويتم تحدي هذا من وجهة النظر النسبية التي تقول بتباين الحقيقة على الدوام على أساس التجربة، وما يسميه الناس اليوم "ثقافة".
لا تتعامل حوارات أفلاطون مباشرةً مع الفروق الثقافية، ولكنّها تشهد على حقيقة أنّ المواجهات عبر الثقافية كانت جزءًا من الحياة اليومية في دول المدينة. امتدت طرق التجارة اليونانية من مضيق جبل طارق إلى أوكرانيا الوقت الحاضر، وخاض اليونانيون حروبًا مع الفرس والعديد من ‘البرابرة’ الآخرين، وبدا مصطلح "البربري" ويعني: ‘أجنبي’ بالنسبة للأذن اليونانية كما لو أنّ هؤلاء الغرباء كانوا قادرين فقط أنْ يقولوا: ‘بار- بار’، ‘بار- بار’. وبالمثل في روسيا، يُدعى الألمان حتى هذا اليوم: نيمتسي (الخرسان): أولئك الذين يتكلمون، إلا إنّهم لا يقولون شيئًا.
انغمس أرسطو (384- 322 ق. م) كذلك في تأملات رفيعة المستوى حول الطبيعة الإنسانية، وناقش في أنثروبولوجيته الفلسفية الفروق بين الناس على وجه العموم والحيوانات، وتوصل إلى أنّه على الرغم من أنّ للناس بضع حاجات مشتركة مع الحيوانات؛ فإنّ الإنسان فقط هو الذي يملك العقل والحكمة والأخلاق. كما جادل أرسطو كذلك في أنّ البشر اجتماعيون من حيث الجوهر بطبيعتهم. في الأنثروبولوجيا وأي مجال آخر، فإنّ مثل هذا الطراز الكوني للفكر، والذي يرمي إلى تأسيس التماثلات بدلاً من الاختلافات بين جماعات البشر، يلعب دورًا مهمًّا حتى اليوم. زد على ذلك، فإنه يبدو من الواضح أنّ الأنثروبولوجيا، صعودًا في التاريخ، تأرجحت بين الوقفة الكونية والنسبية، وأنّه غالبًا ما قيل كذلك إنّ الرموز المركزية في مجال العلم مالت كذلك إما لهذا الموقف أو ذاك.
Page 4

بعد العصور القديمة

ربما كانت الظروف مفضلَة على نحوٍ خاص لتطور العلم المنظم في دولة المدينة اليونانية الكلاسيكية، وكذلك الحال في القرون التالية؛ حيث تمّ تشجيع النشاطات ‘المدنية’ مثل: الفن والعلم والفلسفة حول المتوسط. أولاً: قاد الإسكندر العظيم في الفترة الهيللينية، بعد المقدونية، (356- 323 ق. م) جيوشه إلى التخوم الشمالية للهند، ناشرًا بذلك الثقافة اليونانية الحضرية أينما ذهب. من ثمّ فيما بعد، وخلال بضعة قرون، عندما هيمنت روما على معظم أوربا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ طبعت سكانها بثقافة مشتقة من المُثُل اليونانية. وفي هذا المجتمع المعقد متعدد القوميات، فإنّه ليس مما يدعو إلى العجب أن نجد أنّ مصلحة اليونانيين في ‘الآخر’ تمّ القيام بها كذلك. وعليه، كتب الجغرافي سترابو (64- 63 ق. م- 21 ب. م) مجلدات ضخمة حول الشعوب الغريبة والأماكن البعيدة، ممن سطع بريقها بتطفل ومرح الاكتشاف. ولكن عندما تمّ تأسيس المسيحية كدين دولة، وبدأت الإمبراطورية الرومانية بالتفكك منتصف القرن الرابع الميلادي؛ أخذ تغيرٌ جوهري مكانه في الحياة الثقافية الأوربية. ذهب في ذلك المواطنون الميسورون في العصور القديمة، ممن انغمسوا في العلم والفلسفة (والفضل لمداخيلهم من التجارة وعمل العبيد). وذهبت، حقيقةً، ثقافة المدينة الكاملة الغرّاء، التي حملت الإمبراطورية الرومانية معًا كدولة موحدة (وإنْ كانت مفككة). وبمكانها، كان هناك عدد لا حصر له من الثقافات الأوربية التي عبرت عن نفسها، من حملة التقاليد الألمانية، والسلافية، والفنلندية والكيلتية، التي كانت بقدم تلك التي هي لليونان ما قبل الحضرية. سياسيًّا، تفككت أوربا في مئات المشيخات والمدن والجيوب المحلية المستقلة ذاتيًّا، والتي كانت تتوحد فقط في وحدات أكبر مع تنامي الدولة الحديثة، ابتداء من القرن السادس عشر فصاعدًا. وخلال هذه الفترة الطويلة، كانت الكنيسة هي التي تربط القارة معًا بدرجة كبيرة، والتي كانت (أي الكنيسة) آخر الأوصياء على الكونية الرومانية. في ظلّ راية الكنيسة، برزت وازدهرت الشبكات الدولية بين الرهبان ورجال الدين، رابطةً جيوب التعلم التي أديمت فيها التقاليد الفلسفية والعلمية للعصور القديمة.
يحب الأوربيون أنْ يروا أنفسهم كما لو أنّهم الأعقاب الخطيين للعصور القديمة، لكن أوربا خلال القرون الوسطى كانت طرفية هامشية؛ فخلال القرن السابع والثامن احتل العرب مناطق تمتد من إسبانيا إلى الهند، وعلى الأقل للسبعة قرون التالية تقريبًا، وجدت المراكز السياسية والثقافية لعالم البحر المتوسط في المراكز الحضرية المترفة، مثل: بغداد وقرطبة، وليس في بقايا روما أو أثينا، ودون الإشارة إلى القرى المزدهرة مثل: لندن وباريس. كان ابن خلدون المؤرخ والفيلسوف الاجتماعي العظيم لتلك الفترة (1332- 1406)، حيث عاش فيما يعرف اليوم بتونس، وكتب- من بين قضايا أخرى- تاريخًا ضخمًا عن العرب والبربر، مدعومًا بمقدمة طويلة نقدية عن استخدامه للمصادر. لقد طور واحدةً من أولى النظريات الاجتماعية غير الدينية، وسبق أفكار إميل دوركهايم حول التضامن الاجتماعي (انظر الفصل الثاني)، مما يعتبر اليوم حجر الزاوية بالنسبة لعلم الاجتماع وعلم الأنثروبولوجيا. وقد شدد ابن خلدون على أهمية القرابة والدين في خلق وإدامة معنى التضامن والالتزام المتبادل فيما بين أعضاء الجماعة، وانسجم هذا فيما بعد مع ما جاء به دوركهايم وعلماء الأنثروبولوجيا الأوائل ممن استخدموا نظرياته.
فيما عدا ذلك، كان هناك القليل من الكتابات الأوربية أواخر فترة القرون الوسطى، والتي قد تعتبر مؤشرات ذات دلالة بالنسبة لأنثروبولوجيا اليوم اللاحق. كان عمل ماركو بولو (1254- 1323) عن بعثته إلى الصين أكثرها شهرة، الذي ادعى فيه أنّه قضى فيها سبعة عشر عامًا. وُصِفَ مثلٌ آخر في أدب الرحلات العظيمة عبر غرب آسيا فيما جاء بعنوان: الرحلة البحرية وأسفار السير جون مانديفيل النبيل، والذي كُتِبَ من قبل كاتب إنكليزي غير معروف في القرن الرابع عشر. وقد حفز هذان الكتابان الاهتمام الأوربـي في الشعوب والعادات الغريبة. من ثمّ، مع فجر الاقتصاد الميركنتالي وعصر النهضة المعاصرة في العلوم والفنون؛ بدأت دول المدينة الأوربية الغنية الصغيرة أواخر القرون الوسطى لتنمو على نحوٍ متسارع، حيث ظهرت أولى العلامات على ظهور الطبقة الرأسمالية. ومن خلال إشعالها النار بهذه الحركات الاجتماعية العظيمة، وبتمويل من قبل المتعهدين الجدد؛ تمّ الشروع بسلسلة من الرحلات البحرية الاستقصائية العظيمة من قبل الحكام الأوربيين. وغالبًا ما وصفت هذه الرحلات- إلى أفريقيا وآسيا وأميركا- في الغرب كما لو أنّها ‘اكتشافات عظيمة’، رغم أنّ الشعوب ‘المكتَشَفَة’ نفسها ربّما كان لديها سبب للتساؤل حول مبررات عظمتها (انظر على سبيل المثال، وولف 1982).
Page 5

أثير الاحتلال الأوربي

كانت ‘الاكتشافات العظيمة’ ذات أهمية حاسمة بالنسبة للتطورات اللاحقة في أوربا والعالم، وبدرجة أقل بالنسبة لتطور علم الأنثروبولوجيا. وقد غذّت هذه الأسفار لهذه الفترة، من الرحلة البحرية الاستقصائية لهنري إلى الساحل الغربـي لأفريقيا في بواكير القرن الخامس عشر، حتى الرحلات الخمس لكولومبس إلى أمريكا (1492- 1506)، إلى الطواف البحري حول العالم لماجلان (1519- 1522)، خيالات الأوربيين بتوصيفات جلية للأماكن التي لم يعلموا بوجودها البتة حتى اللحظة. وبلغت قصص الرحلات هذه- زيادةً على ذلك- جمهورًا واسعًا من المستمعين على نحوٍ غير اعتيادي، وكان لاختراع الإعلام المطبوع عام 1448، أنْ جعل الكتب سلعة شائعة ورخيصة نسبيًّا في كل أوربا.
كان العديد من قصص الرحلات مليئًا بالأخطاء الحقيقية، وملطخًا بتعصبات مسيحية راسخة على نحو جلي. تمَثّل المثل المشهور في عمل رسام الخرائط أميريكو فيسبوشي، ممن طبع العديد من الدراسات الشعبية عن القارة التي لا تزال تحمل اسمه، وقد أعيدت طباعة كتبه وترجمت في عديدٍ من المرات، إلا إنّ توصيفاته للأمريكيين (ممن دعوا هنودًا؛ حيث اعتقد كولومبس أنّه وجد طريقًا إلى الهند)، تكشف مواقف تشككية أقل بكثير بالنسبة للحقائق من تلك التي وجدت في كتابات هيرودتس أو ابن خلدون. بدا أنّ فيسبوشي جاء ليستخدم الهنود كمؤثر أدبـي مجرد؛ ليسند العبارات التي صنعها حول مجتمعه هو. تمّ تمثيل الأمريكيين الأصليين، كقاعدة، كما لو أنّهم انعكاسات مشوهة، أو- في الغالب- مقلوبة للأوربيين: لا رب لهم، إباحيون، عراة، ليس لديهم سلطة أو قانون، وحتى إنّهم من آكلي لحوم البشر! على الضدّ من هذه الخلفية، جادل فيسبوشي بصورة مؤثرة لصالح فضائل الحكم الملكي المطلق والسلطة البابوية، إلا إنّ هذه التوصيفات الإثنوغرافية تقريبًا لا قيمة لها كمفاتيح إلى حياة السكان الأصليين زمن الاحتلال.
كان هناك معاصرون لفيسبوشي- من أمثال الفرنسي هيوجونوت جين دي ليري- ممن أعطى حسابات أكثر واقعية للحياة الهندية، وبيعت مثل هذه الكتب بصورة جيدة جدًّا. من ثمّ، بدا السوق نهمًا لقصص المغامرات من المناخات البعيدة في أوربا آنذاك. وفي معظم الكتب، كان هناك الكثير أو القليل من التضاد الذي يُرسَم عن الآخر (ممن هم إما ‘همج نبلاء’ أو ‘برابرة’) والنظام القائم في أوربا (إما أنْ يتم تحديه أو الدفاع عنه). وكما سنرى في فصول لاحقة، لا يزال إرث هذه الدراسات المبكرة الغامضة أخلاقيًّا يقوم بدرجة كبيرة على الأنثروبولوجيا المعاصرة. وحتى اليوم، غالبًا ما يتهم علماء الأنثروبولوجيا بتشويه حقيقة الشعوب التي كتبوا عنها في المستعمرات، وفي العالم الثالث، وفي الثقافات الفرعية أو المناطق المهمشة. وكما في حالة فيسبوشي، فإنّ هذه التوصيفات غالبًا ما تُشجَب من حيث إنّها تخبرنا أكثر عن خلفية عالِم الأنثروبولوجيا نفسه أكثر مما تخبرنا عن الشعب موضوع الدراسة.
أسهم احتلال أمريكا بثورة حقيقية فيما بين المثقفين الأوربيين؛ فاحتلالها لم يحرض فقط الفكر حول الاختلاف الثقافي، وإنّما سرعان ما أصبح واضحًا أنّ قارة بكاملها لم يكن قد أشير إليها حتى في الإنجيل قد اكتُشِفَت! حفّزت هذه البصيرة الكافرة التحول المستمر إلى العلمانية للحياة الأوربية الثقافية، وتحرير العلم من سلطة الكنيسة، وجعل المفاهيم نسبية بالنسبة للأخلاق والشخصنة، كما جادل تودوروف (1984) في أنّ الهنود ضربوا في قلب الفكرة الأوربية لما تعنيه أنْ تكون إنسانًا. كان الهنود بشرًا، ولكنّهم لم يتصرفوا بالطرق التي يعتبرها الأوربيون ‘طبيعية’ بالنسبة للبشر. ما هو البشري إذن؟ ما هو الطبيعي؟ افترض الفلاسفة خلال العصور الوسطى أنّ الإله خلق العالم مرة واحدة، وأعطى سكانه طباعهم الخاصة التي حافظوا عليها منذ ذلك الحين. والآن أصبح من الممكن أنْ نسأل ما إذا مَثّلَ الهنود مرحلة مبكرة في تطور الإنسانية؟ أدى هذا بدوره إلى مفهومات تكوينية للتقدم والنمو، والذي نادى بقطع جذري مع وجهة النظر الثابتة عن العالم في القرون الوسطى. وقد لعبت مفاهيم التنمية والتقدم أحيانًا دورًا مهمًّا في التاريخ اللاحق للأنثروبولوجيا، فإذا كان التقدم ممكنًا، فإن ذلك يعني أنّ التقدم حدث من خلال نشاط الكائنات الإنسانية، ومفاد هذه الفكرة أنّ الناس يصوغون مصائرهم، وأنّ هذا مفهوم أكثر ثباتًا في علم الأنثروبولوجيا.
وعليه، عندما اختبر الأوربيون أنفسهم في المرآة المحمولة من قبل الهنود، اكتشفوا كما لو أنّهم كانوا أفرادًا حديثين أحرارًا. وفيما بين أكثر هذه التعابير تأثيرًا لمفهوم الحرية الذاتية والمتداولة حديثًا، مقالة نشرت عام 1580 للفيلسوف الفرنسي مايكل دي مونتنيه (1533- 1592). تأمل مونتنيه بعقلية مفتوحة وبطراز شخصي لم يكن قد سُمِعَ من قبل في حينها حول القضايا العديدة الكبيرة والصغيرة. وعلى العكس من كل معاصريه، ظهر مونتنيه- في كتاباته حول الشعوب البعيدة- كما لو أننا يمكن أنْ نسميه اليوم مثقفًا نسبيًّا. في مقالة ‘حول آكلي لحوم البشر’، توصل إلى أنّه لو كان ولد وترعرع في قبيلة من آكلي لحوم البشر؛ فإنّه نفسه سيأكل لحم البشر في كل الاحتمالات. صاغ مونتنيه كذلك في نفس المقالة- والتي ألهمت روسو فيما بعد- مصطلح ‘الهمجي النبيل’، وهي الفكرة التي نوقشت كثيرًا فيما بعد في علم الأنثروبولوجيا.
توسعت المجتمعات الأوربية في القرون التالية على نحوٍ متسارع في المدى والتعقيد، وازدادت المواجهات فيما بين الثقافات من خلال التجارة، والحروب، والبعثات الدينية، والاستعمار، والهجرة والبحث، وأصبحت بذلك المجتمعات الأوربية متزايدة على نحوٍ متسارع. في الوقت نفسه، أصبح ‘الآخرون’ منظورين على نحوٍ متزايد في الحياة الثقافية الأوربية، من مسرحيات شكسبير إلى النصوص الأوبرالية، وطور كل فيلسوف رئيسي ابتداء من ديكارت (1596- 1650) إلى نيتشه (1844- 1900) فلسفته هو حول الطبيعة الإنسانية، وأنثروبولوجيته الفلسفية هو، مسندًا إياها في الغالب بصورة مباشرة إلى المعرفة والاعتقادات الراهنة حول الشعوب غير الأوربية. ولكن في معظم هذه الحسابات لا يزال ‘الآخرون’ يلعبون دورًا سلبيًّا؛ فنادرًا ما يهتم المؤلفون بطرق حياتهم هم وعلى ما درجوا عليه، ولكن يهتمون بدلاً من ذلك بفائدتها كذخيرة بلاغية في الجدالات الأوربية حول أوربا نفسها.
Page 6
كان هناك مثل مشهور في الجدل الفلسفي العظيم بين الإمبيريقيين والعقلانيين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وحُمِلَ الموقف السابق من قبل الفلاسفة البريطانيين من أمثال جون لوك (1632- 1704)، حيث اعتبر لوك العقل الإنساني كما لو أنّه كان لوحًا فارغًا عند الولادة، وكل أفكارنا وقيمنا وافتراضاتنا هي نتيجة تجاربنا- أو ‘نوع من الانطباعات’- عن العالَم. لا يولد الناس مختلفين، ولكنّهم يصبحون مختلفين من خلال التجارب المختلفة. وبهذا يقدم لوك الأرضية المعرفية المنهجية لعلم المجتمع الذي يربط المبدأ الكوني (خُلقنا جميعًا متماثلين) والمبدأ النسبـي (تجاربنا المختلفة تجعلنا مختلفين)، إلا إنّ فلاسفة القرن السابع عشر أقل تخصصًا مما هم عليه في يومنا هذا؛ لذلك كان من الشائع تمامًا لرجل مثل لوك أنْ يخطو مباشرةً من مناقشة علم الوجود إلى التعليق السياسي المعاصر. وقد كانت لتجريبية لوك هذه نتائج مباشرة بالنسبة لجدله السياسي لصالح مبدأ ‘القانون الطبيعي’، والذي كان الأساس للفكرة الحديثة لحقوق الإنسان الكونية. تعود فكرة أنّ كل البشر ولدوا بحقوق جوهرية معينة إلى القرون الوسطى، عندما قال توما الأكويني (1225- 1274) إنّ حقوق الإنسان أعطيت له من قبل الخالق. لكن الفلاسفة في القرن السابع عشر من أمثال لوك وتوماس هوبز (1588- 1679) جادلوا على أنّ القانون الطبيعي لم ‘يعط’ من الأعلى، ولكنّه موجود ضمنًا في الحاجات البيولوجية للفرد. وعليه، قُلِبَ الجدل رأسًا على عقب، وذلك من خلال كون الإنسان هو منْ له حقوق، وأنّ الحقوق لم تعط من قبل الإله أو الشرف (الملكي). كان ذلك موقفًا جذريًّا في حينه، وحتى عندما استخدِم بجلاء لتبرير الأوتوقراطية (كما فعل هوبز)، كما كان لهذا الموقف طاقة ثورية كامنة؛ حيث تمّ تحدي الملوك والأمراء في كل أنحاء أوربا، من خلال مطالبات البورجوازية الليبرالية المتململة على نحوٍ متزايد، والآخذة بالقوة على نحوٍ متزايد كذلك. من هذه المطالبات أن على الحاكم الالتزام بالقانون ليحترم حقوق الأفراد بالملكية والأمن الشخصي والجدل العقلاني العام. ويبدو آمنًا افتراض أنّ هذه القضايا خصّت لوك أكثر مما فعلت في طرق حياة الناس البعيدين، وتأثرتْ أنثروبولوجيته الفلسفية على نحوٍ كبير بهذه الحقيقة.
لا يزال إرث الحركة التجريبية البريطانية- الذي بلغ شكله الأكثر أناقة في مرحلة عصر التنوير الأسكتلندي، وعلى نحوٍ ملحوظ في فلسفة ديفيد هيوم- حاضرًا في الأنثروبولوجيا البريطانية المعاصرة، كما سنرى فيما بعد في هذا الكتاب. وبالمثل، لا تزال الأنثروبولوجيا الفرنسية والألمانية تحمل بصمة الحركة العقلانية القارية، وهو موقف ربّما كان قد نوقش بقوة من قبل رينيه ديكارت، الإنسان ذو المواهب المتعددة، ممن قام بإسهامات جوهرية في مجال علم الرياضيات والتشريح، وغالبًا ما اعتبر مؤسس الفلسفة الحديثة. لوحظ في علم الأنثروبولوجيا التمايز الحاد الذي رسمه ديكارت بين الوعي والحياة الروحية من ناحية، والعالم المادي والجسد الإنساني من الناحية الأخرى. فيما افترض التجريبيون البريطانيون أنّ العدّة الحسية للجسم كانت المصدر الوحيد للمعرفة ذات المصداقية حول العالم الخارجي. ارتاب ديكارت من الحواس؛ فتصوراتنا للعالم الخارجي هي فقط تلك- تصورات- وعلى ما هي عليه فإنّها معلّمة من خلال الإدراك بموضوع الأفكار سابقة الوجود حول العالم، ونحن نستطيع فقط أن نرى العالم من خلال مرشّح الأفكار، وعليه يجب أن تكون المهمة الأساسية للفلسفة بتأكيد ما إذا كانت الأفكار الحقيقية موجودة، وأنّها قد تشكل أساسًا محسومًا بالنسبة للمعرفة الوضعية. مع هذا الهدف على البال، افترض ديكارت موقف ‘الشك المنهجي الجذري’. يمكن أنْ تكون كل الأفكار التي يُشَك بها غير مؤكدة وبالتالي غير مناسبة كأساس للعلم. ولم تسلم العديد من الأفكار من اختبار ديكارت الحامضي، وتعبر مقولته المأثورة: "أنا أفكر؛ إذن أنا موجود"، عن يقينيته الرئيسة: أستطيع التأكد أنني موجود ما دمت أعرف أنني أفكر، إلا إنّ ديكارت أنفق قدرًا عظيمًا من الطاقة لاشتقاق يقينيتين من هذه اليقينية: يقينية وجود الله، ويقينية العبارات المستمدة من علم الرياضيات.
على الضدّ من لوك، لم يكن ديكارت فيلسوفًا اجتماعيًّا. ومع ذلك، كان طفلاً لزمانه، وعلى الرغم من إيبستمولوجيته العقلانية المعارضة لتلك التي للإمبيريقية، يضع ديكارت- مثل لوك وهوبز- الفرد في مركز البحث. بالنهاية، يستتبع دليله على وجود الله من الاعتراف الذاتي للفرد. وقد شارك الإمبيريقي ديكارت إيمانه في الكلية الإنسانية للعقل، وكان كلّ من العقلانيين والإمبيريقيين ممثلين رئيسيين لتحديد مسلمات العلم الدنيوي، وسرعان ما ظهر ممثلو النظام الاجتماعي البرجوازي الجديد في أنحاء أوربا الغربية.
Page 7

لماذا لا يكون كل هذا أنثروبولوجيًّا تمامًا حتى الآن؟

تقترح هذه المراجعة الموجزة للأنثروبولوجيا ما قبل التاريخية عددًا من القضايا التي يمكن أنْ تحقق اهتمامًا في مجال الأنثروبولوجيا المعاصرة، والتي أصبحت موضوعًا لجدلٍ مكثف لم يحدث من قبل منذ العصر الحجري. وصفت الشعوب الغريبة بصورة اعتيادية (مركزية عرقية) أو بصورة وصفية (نسبية ثقافية). والسؤال المطروح على نحوٍ متكرر، ما إذا كان الناس في أي مكان وزمان يتشابهون من حيث الأساس (كونية)، أو يختلفون من حيث الجوهر (نسبية). كانت هناك محاولات لتحديد الاختلافات بين الحيوانات، والطبيعة والثقافة، والغريزي وما تمّ تعلمه، وكان بعض هذا قائمًا على عمل علمي دقيق.
وعلى الرغم من هذه الاستمراريات التاريخية الثابتة على نحوٍ عميق؛ فإننا نحافظ على فكرة أنّ الأنثروبولوجيا ظهرت كعلم فقط في مرحلة لاحقة، علمًا بأنّ ولادتها كانت حقيقةً عملية أكثر تدريجية مما افترض أحيانًا، ومبرراتنا لهذه هي:
أولاً: تعود كل الأعمال المشار إليها حتى الآن إلى أحد نوعين: كتابة الرحلات، والفلسفة الاجتماعية. ويلاحظ أنّه فقط عندما يُصهَر هذان الجانبان للبحث الأنثروبولوجي من حيث دمج البيانات والنظرية؛ تظهر الأنثروبولوجيا.
ثانيًا: وربّما على نحوٍ أكثر جدلية؛ فإننا نلفت الانتباه إلى حقيقة أنّ كل الكتّاب المشار إليهم حتى الآن تأثروا بزمانهم ومجتمعاتهم. وهذا بالطبع صحيح بالنسبة لعلماء الأنثروبولوجيا المعاصرة كذلك، إلا إنّ الأنثروبولوجيين الحديثين يعيشون في عالم حديث، ونحن نجادل في أنّ الأنثروبولوجيا لا تعني شيئًا على الإطلاق خارج السياق الحديث؛ فمجال العلم هذا ناتج، وليس مجرد سلسلة للأفكار المنفردة كما في تلكم المشار إليها أعلاه، إنّما هو ناتج لتغيرات ذات مدى واسع في الثقافة والمجتمع الأوربـي، يمكن أنْ تقود إلى تشكيل الرأسمالية، والفردية، والعلم العلماني، والقومية الوطنية والتأملية الثقافية المتطرفة.
من جانب، إذن، فقد تبعتنا موضوعات معينة خلال الفترة التي تعاملنا معها حتى الآن. ومن جانبٍ آخر، ظهر مدى لأفكار جديدة وأشكال جديدة للحياة الاجتماعية، منذ القرن الخامس عشر فصاعدًا، والتي كان عليها أنْ تشكل الأرضية التي بني عليها علم الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية.
وقد نوقشت فكرتان من هذه الأفكار الجديدة. أولاً: رأينا أنّ الحالة المقابلة مع ‘الآخر’ حفزت المثقفين الأوربيين لينظروا إلى المجتمع كما لو أنّه وحدة تمر بتغير ونمو، من البسيط نسبيًّا ذي المدى الصغير (مجتمعات محلية) إلى أمم صناعية كبيرة ومعقدة، إلا إنّ فكرة التنمية أو التقدم لم تكن مقتصرة على مفهومات التغير الاجتماعي؛ فالفرد أيضًا يمكن أنْ يتطور من خلال التعليم والمهنة، ومن خلال تنقية شخصيته وإيجاد ‘ذاته الحقيقية’. وكما أشار برونو لاتور (1991)، فقد كانت فكرة الفرد المستقل ذاتيًّا لازمة لفكرة المجتمع. فقط عندما يؤسس الفرد الحر كـ‘مقياس لكل الأشياء، يمكن لفكرة المجتمع كوجود جمعي للأفراد أنْ تغرز جذورها، وأنْ تصبح موضوعًا للتأمل المنظم. وفقط عندما يظهر المجتمع كما لو أنّه موضوع آخذ بالتحسن على نحوٍ مستمر مما تعاد صياغته ليأخذ أشكالاً متقدمة، يمكن للفرد المستقل العقلاني أنْ يتغير إلى شيء ما جديد ومختلف، وحتى ‘أكثر حقيقية بالنسبة لنفسه’. وبدون خطاب جلي حول هذه الأفكار، فإنّ موضوعًا كالأنثروبولوجيا ما كان يمكن أنْ يظهر على الإطلاق. ثانيًا: بُذِرَت البذور في بدايات الفلسفة الحديثة، وتمّ القيام بخطوات متقدمة مهمة في القرن الثامن عشر، وفي القرن التاسع عشر أصبحت الأنثروبولوجيا فرعًا من فروع المعرفة الأكاديمية، وفقط في القرن العشرين حققت الشكل الذي تدرّس فيه للطلبة اليوم.
سنتحول الآن إلى التيارات الفكرية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وذلك قبل أن نروي- في الفصل القادم- كيف جاءت الأنثروبولوجيا من عصر كفرع من فروع المعرفة الأكاديمية.
Page 8

عصر التنوير

شهد القرن الثامن عشر ازدهار العلم والفلسفة في أوربا. وخلال تلكم السنين، ازدادت الثقة الذاتية للبورجوازية، وتأمل المواطنون بالعالم والمكان الذي هم فيه، وسرعان ما صنعوا مطالب سياسية من أجل نظام اجتماعي، عقلاني، عادل، متنبأ به وشفاف. كانت الكلمة الرئيسية التنوير. وكما جادل هوبز ولوك وديكارت، كان على الفرد الحر أنْ يكون المقياس لكل الأشياء- للمعرفة والنظام الاجتماعي- حيث لم تعد سلطة الإله والحاكم لتؤخذ كمسلمات. وقد طوّرت الأجيال الجديدة للمثقفين هذه الأفكار أكثر؛ فالتقوا في نواد وصالونات غير رسمية ليناقشوا الفن والفلسفة والقضايا الاجتماعية. كما تطورت الرسائل الشخصية والسيرة الذاتية إلى صحف ودوريات وروايات، وعلى الرغم من الرقابة التي كانت لا تزال شائعة في معظم الأماكن في أوربا؛ سرعان ما اكتسب الإعلام الجديد حريةً وتداولاً أكبر. استهدفت البورجوازية أنْ تحرر نفسها من سلطة الكنيسة والنبلاء، وأنْ تؤسس بدلاً عنهما ديموقراطية علمانية، وقد شجبت على نحوٍ متزايد الاعتقادات الدينية التقليدية على اعتبار أنّها خزعبلات أو حواجز طرق على درب المجتمع الأفضل المحكوم بالعقل. بدت فكرة التقدم كذلك لتتأكد من خلال تطور التكنولوجيا، التي حققت تقدمها العظيم الأول في ذلك الزمان. جعلت التكنولوجيات الجديدة القياسات العلمية أكثر دقة، وبدأت الآلة الصناعية بالظهور. وقد أصبحت محاولة ديكارت النظرية الخالصة لإثبات كونية حقيقة علم الرياضيات بصورة مفاجئة قضية عملية ذات صلة مشتعلة، من حيث إنّه إذا كان علم الرياضيات- لغة العقل- يمكن أنْ يكشف مثل هذه الحقائق الطبيعية الجوهرية مثل قوانين نيوتن، ألا يتبع ذلك أنّ الطبيعة نفسها كانت معقولة، وأنّ أي مشروع مقاد بالعقل كان عليه أنْ ينجح؟ توجت كل هذه التوقعات بصورة مفاجئة في الثورة الفرنسية، التي حاولت أنْ تدرك الحلم لبلوغ نظام اجتماعي عقلاني بصورة تامة وعملية، ولكنّها سرعان ما غُلبَت بنقيضها اللاعقلاني: التهمت الثورة أبناءها. وذوتْ من ثمّ كل الأحلام، وانتشرت خيبات الأمل وتناقضات الثورة خلال الحروب النابليونية في بدايات القرن التاسع عشر إلى كل أوربا، وأثرت بعمق على أفكار المجتمع، مما كان على أجيال لاحقة أنْ تطورها.
ولكننّا لا نـزال في القرن الثامن عشر، ‘عصر العقل’، عندما تمّ القيام بأولى المحاولات لابتكار العلم الأنثروبولوجي. كان عمل جياباتستا فيكو (1668- 1744) من الأعمال المبكرة الأولى (العلم الجديد "1725"، 1999). كانت هذه أطروحة عظيمة للإثنوغرافيا، وتاريخ الدين والفلسفة والعلم الطبيعي. اقترح فيكو مخططًا كونيًّا للتطور الاجتماعي، تمّر بمقتضاه كل المجتمعات بمراحل أربعة، وبخصائص معينة ومحددة رسميًّا. كانت المرحلة الأولى ‘الحالة البهيمية’ بلا أخلاقيات أو فن، تبعتها مرحلة ‘عصر الآلهة’، وهو عصر تعبّد الطبيعة والبنى الاجتماعية الأولية. ثمّ جاء ‘عصر الأبطال’، مع اضطرابات اجتماعية واسعة الانتشار بسبب التفاوت الاجتماعي الكبير، و‘عصر الرجال’، حيث اختفت الفروق الطبقية وسادت المساواة. تمّ تهديد هذه الحقبة بدورها، على أية حال، بالفساد الداخلي والعودة إلى ‘البهيمية’. نرى هنا، لأول مرة، نظريةً للتطور الاجتماعي لا تضاد فيها البربرية بالمدنيّة فقط، ولكنها تفصّل عددًا من المراحل الانتقالية. وسرعان ما أصبحت نظرية فيكو نموذجًا يحتذى به بالنسبة لتطوريين لاحقين، ابتداء من ماركس حتى فريزر. كان لفيكو عنصر افتقر إليه معظم أتباعه، حيث إن المجتمعات لا تتطور بصورة خطية بالضرورة نحو أحوال محسنة على الدوام، ولكنّها تمضي خلال دورات للانحطاط والنمو، وهذا يعطي عمل فيكو التنويري نصًّا ثانويًّا نقديًّا ورومانسيًّا، كما عند روسو (انظر فيما يلي أدناه).
كان فيكو الرائد الإيطالي في فرنسا عندما أُخذت الخطوات الأولى باتجاه إنشاء الأنثروبولوجيا كعلم. وفي عام 1748، طبع البارون مونتسكيو (1689- 1755) عمله (روح القوانين، 1977). كان الكتاب دراسة مقارنة عبْر ثقافية للأنظمة التشريعية مما كان لمونتسكيو معرفة أولى أو ثانوية بها، والتي حاول من خلالها أنْ يشتق المبادئ العامة التي تؤطر النظم التشريعية عبر الثقافات. صوّر مونتيسكيو النظام التشريعي كجانب للنظام الاجتماعي الأوسع، متظافرًا على نحوٍ حميم مع العديد من الجوانب الأخرى للكل الأكبر (السياسة، الاقتصاد، القرابة، الديموغرافيا، الدين، الخ)، وهي نظرة أدت بالعديدين إلى أنْ يصفوه بكونه وظيفيًّا من حيث الأساس (الفصل الثالث). وطبقًا لمونتسكيو، يمكن تفسير تعدد الزوجات، وآكلي لحوم البشر، والوثنية، والعبودية، والعادات البربرية الأخرى من خلال الوظائف التي تقوم بها داخل المجتمع ككل. كتب مونتسكيو كذلك كتاب الرسائل الفارسية الملفت للنظر ("1722"؛ 1973)، والذي كان حشدًا من الرسائل الخيالية من فارسيين اثنين يصفان فرنسا لأبناء جلدتهما. استغل مونتسكيو هنا ‘غربة’ الاختلاف الثقافي بالنسبة للمحاكاة الساخرة حينها للويس السادس عشر (XIV). كان الكتاب مثيرًا للتفكر، ويبقى حتى اليوم باعثًا على الجدل، من حيث إنّ مونتسكيو اتهم مؤخرًا بكونه استشراقيًّا أساسًا (سعيد 1978، 1993)، ممن شدد بإفراط على غرابة الفرس. ومما لا شك فيه كان هذا النقد مبررًا، وكان هدف مونتسكيو الرئيسي بوضوح ألا يصف بلاد فارس وإنّما لينتقد فرنسا، إلا إنّ الرسائل الفارسية كشفت كذلك الفهم المرهف لمشكلةٍ يُشار إليها أحيانًا على أنّها العمى المنـزلي في الأنثروبولوجيا المعاصرة؛ حيث انعدام قدرتنا لنبصر ثقافتنا نحن ‘موضوعيًّا’، ‘من الخارج’. استخدم مونتسكيو تقنية معينة لتجاوز هذه المشكلة، وهي وصف مجتمعه هو من وجهة نظر شخص ما خارجي، ولا يزال علماء الأنثروبولوجيا النقدية يستخدمون هذه التقنية حتى اليوم.
Page 9
أُخذت خطوة أخرى نحو علم الأنثروبولوجيا من قبل جماعة من المثقفين الفرنسيين المثاليين الشباب. كان أولئك هم الموسوعيون، بقيادة الفيلسوف دنيز ديدرو (1713- 1784) وعالم الرياضيات جان لي روند أليمبيرت (1717- 1783). كان هدفهم أنْ يجمعوا ويصنفوا وينظموا بقدر ما يستطيعون المعرفة بنظامٍ يسعى لزيادة تقدم العقل، والتطور، والعلم والتكنولوجيا. نشرت موسوعة ديدرو في الأعوام (1751- 1772)، وتضمنت مقالات كتبت من قبل مثقفين توضيحيين مثل: فولتير ومونتسكيو، وسرعان ما أسست الموسوعة نفسها كنموذج لمشاريع لاحقة من نوعها. كانت ليبرالية وذات مدى واسع، وليست فحسب عملاً ثوريًّا، خضع للرقابة في أجزاء عديدة من أوربا لنقدها الفج للكنيسة، ولكن احتوت الـ17 مجلدًا للموسوعة و11 صورة توضيحية كذلك مواد تبعث على الجدل، كما في التوصيفات التفصيلية للأدوات الميكانيكية التي طورت من قبل فلاحين اعتياديين وصنّاع يدويين مهرة. في الحقيقة أُخذت مثل هذه القضايا بجديّة على صعيد العمل الأكاديمي مما لم يسمع به من قبل، وأشير إلى أنّه سرعان ما أصبح مشروعًا أنْ ندرس الحياة اليومية للناس الاعتياديين. احتوت الموسوعة على توصيفات مفصلة للثقافة والعادات الاجتماعية في كل أنحاء العالم. كان ماركوز كوندورسييه (1743- 1794) أحد أصغر المساهمين الشباب فيها، ممن توفي في السجن، وقد كتب مقارنات منظمة بين النظم الاجتماعية المختلفة، وحاول أنْ يطوّر أطروحة في الرياضيات والعلم الاجتماعي مما يمكن أنْ يسمح بتشكيل قوانين موضوعية للتطور الاجتماعي.
كان جان جاك روسو (1712- 1778) بلا شك من أكثر المساهمين تأثيرًا بالموسوعة. وعلى الضدّ من معظم معاصريه، جادل روسو على أنّ التطور لم يكن تقدميًّا، وإنّما انحلاليّ، وأنّ المجتمع نفسه كان مصدر هذا التدهور، ابتداء من حالة أولية بريئة للطبيعة، حيث عاش كل فرد بنفسه ولنفسه بانسجام مع محيطه، ثم ذهب الناس ليوجدوا مؤسسات الزواج والقرابة، واستقروا في جماعات صغيرة وحضرية. في النهاية، نمت هذه الجماعات في كمّ معقد، واخترعت رجال الدين والشيوخ، والملوك والأمراء، والملكية الخاصة، والشرطة والقضاة، حتى صُدمت الروح الحرة والطيبة للإنسان تحت ضغط التفاوت الاجتماعي. كان كل البشر نتاج النمو في التفاوت الاجتماعي، وتعقب روسو السقوط الأصلي من الشرف الرفيع حتى مجيء الجسد إلى العالم. ‘ولد الإنسان حرًّا، إلا إنّه مقيّد بالسلاسل أينما كان’. وهذا ما صرح به في كتابه الموسوم: حول العقد الاجتماعي ("1762"؛ 1978)، ولكنّه وعد بأنّ ‘العقد الاجتماعي المزيف’ لزمانه قد يستبدل بآخر حقيقي، عقد يقوم على الحرية والديموقراطية. حمل روسو إذن نفس الأحلام الطوباوية كما لدى فيكو أو كوندورسييه، على الرغم من تشككه فيما يتعلق بالوضع الراهن.
كان يمكن لنموذج المجتمع المثالي لروسو أن يوجد فيما بين ‘الوحوش النبلاء’، الشعوب الحرة عديمة الدولة. وكانت إعادة التقييم هذه للمجتمعات البسيطة بجلاء خطوة ذات مغزى باتجاه النسبية الثقافية الحقيقية، إلا إنّ نسبية روسو مضت فقط بعمق البشرة. بالنسبة له كذلك، كان ‘البدائيون’ من ذوي الأهمية من حيث الأساس؛ لكونهم يمثلون عكس زمانه. كانوا رموزًا للإنسان العقلاني ممن يمكن أنْ تعاد ولادته في مجتمع مثاليّ للمستقبل. كان الإنسان إما حرًّا وعاقلاً أو غير حر وفاسد، ومع هذا كمسلمة فكرية، اعتقد أنّ التحقيقات التي توضع اليد عليها بالنسبة للاختلافات الثقافية الميدانية غير ذات صلة. ولا يزال روسو مصدرًا مهمًّا للإلهام بالنسبة لعلماء اجتماعيين لاحقين من ماركس إلى ليفي شتراوس، وغالبًا ما كان يعتقد أنّه وسيط بين عصر التنوير الفرنسي وعصر الرومانسية الألمانية، التي ظهرت أواخر القرن الثامن عشر، بجانبٍ منها كرد فعل على فلسفة عصر التنوير. هنا، حُمِلَت احتفالية روسو بـ‘الإنسان الأصيل’ أكثر، وقدمت أول مفهومات الثقافة على نحوٍ جليّ.
Page 10

الحركة الرومانسية

آمن عصر التنوير بالفرد والإنسان العاقل. وعلى الضدّ، حوّل الفكر الرومانسي اهتمامه من الفرد إلى الجماعة، ومن العقل إلى العاطفة. كانت هناك حركة مشابهة في السياسة، من الخطاب الكوني حول الأفراد الأحرار والديموقراطية إلى الخطاب المحدد حول بناء الأمة والعواطف القومية. إنّ من الشائع أنْ تنظر إلى الحركة الرومانسية على أنّها تيار حلّ محل حركة التنوير خلال سنوات رد الفعل التي حدثت بعد الثورة الفرنسية. ولكن ربّما كان أكثر دقة، كما اقترح إيرنست جيلنر (1991)، أنْ ننظر إلى الحركتين على اعتبار أنّهما تدفقان متوازيان، ينحرفان أحيانًا أو يتنافسان، وأحيانًا يتقاطعان ويتمازجان معًا. كان هذا الأخير شائعًا على نحو خاص في الأنثروبولوجيا، والذي استهدف ليس فقط فهم الكليات الثقافية (كما في المشروع الرومانسي)، وإنّما كذلك ليشرّح ويحلل ويقارن فيما بينها (مشروع تنويري).
كانت ألمانيا- موطن الفكر الرومانسي- لا تزال في القرن الثامن عشر تمثل ترقيعًا سياسيًّا لإمارات مستقلة ومدن مستقلة استقلالاً ذاتيًّا، وموحدة على نحوٍ مفكك تحت راية ‘الإمبراطورية الرومانية المقدسة’، والتي قال عنها فولتير مرة إنّها لم تكن مقدسة، ولم تكن رومانية، ولا إمبراطورية. كان مفهوم الأمة الألمانية إذن- على الضدّ من الأفكار الفرنسية للمجتمع والمواطنة- يقوم على اللغة والثقافة بدلاً من السياسة. كانت فرنسا دولة كبيرة وقوية، وقد هيمنت أزياؤها وشِعْرها ونظامها الملكي على العالم الغربـي، ونُظِرَ إلى أنْ تتكلم بالفرنسية أينما كان كعلامة على العقل الراجح، حتى إنّ أحد أكثر الرومانسيين الألمان شهرةً (فريدريك رايختير) أخذ اسم قلم حبر فرنسي: جين بول. كان من الطبيعي فقط للألمان المشرذمين سياسيًّا، إنّما المفوهون ثقافيًّا، أنْ يعبروا عن رد فعل بالنهاية تجاه الهيمنة الفرنسية. كان للألمان كذلك سبب أكبر ليتأملوا بالخصائص النوعية التي وحدت أمتهم بدلاً من فرنسا المركزية. وفي عام 1764 نشر الشاب جوهان جوتفرايد فون هيردير (1744- 1803) كتابه الموسوم: ‘مع ذلك فلسفة أخرى للتاريخ’، 1993، والذي كان هجمة حادة على المدافعين عن الكونية الفرنسية، على سبيل المثال، من قبل فولتير (1694- 1778). أعلن هيردير تفوق العواطف واللغة، وعرف المجتمع على أنّه مجتمع محلي ثابت وخرافي. كما جادل على أنّ للناس قيمهم هم، وعاداتهم، ولغتهم و‘روحيتهم’. من وجهة النظر هذه، كانت كونية فولتير ليست إلا ضيقًا في الأفق بقناع، وكانت مدنيته الكونية، في الحقيقة، ليست إلا ثقافة فرنسية.
تستمر مناظرة فولتير وهيردير لتتحدانا إلى اليوم. كانت هجمة هيردير على الكونية العابرة للأمم المفتوحة- المغلقة لفولتير من بقايا نقد أنثروبولوجيي القرن العشرين للبعثات التبشيرية، ومساعدات التنمية، وسياسات الأقليات والعولمة. إنّها تذكرنا كذلك بالنقد الموجه للأنثروبولوجيا نفسها، كوكيل للإمبريالية الثقافية. فيما بعد، تمّ تطوير التمايز بين الثقافة والمدنية أكثر في العالم الناطق بالألمانية، وإن كان بنجاح محدود على صعيد الأكاديميا؛ حيث نُظِرَ إلى الثقافة كما لو أنّها تجريبية وعضوية، بينما المدنية إدراكية وسطحية.
تمت إعادة تعريف مفهوم هيردير للشعب، وتمّ تسويقه سياسيًّا من قبل الفلاسفة اللاحقين، من ضمنهم فيختة (1762- 1814) وشيلينك (1775- 1854)، ممن تحول على يديه إلى أداة لتبرعم الحركات القومية التي انتشرت في أنحاء أوربا في فترة الصحوة على الحروب النابليونية. ودخل نفس المفهوم المؤسسة الأكاديمية كذلك، وعاود الظهور، بدايات القرن العشرين، كأطروحة للنسبية الثقافية. تعود جذور فكر الحركة النسبية والحركة القومية إذن إلى نفس مفهوم الثقافة، الذي يجد جذره في الحركة الرومانسية الألمانية.
كان عمانوئيل كانط (1724- 1804) بلا شك من أعظم الفلاسفة في ذلك الزمان، وكانت فلسفة كانط أيضًا أساسية إلى درجة يصعب وضعها ضمن أي مدرسة فلسفية محددة بوضوح. في الحقيقة، غالبًا ما كان يقال إنّ كانط وضع النهاية للعديد من المناظرات الفلسفية الهشة، وفيما بينها الجدل بين الإمبيريقيين والعقلانيين. في كتابه الموسوم: نقد العقل الخالص ("1781"، 1991)، التقى كانط مع لوك وهيوم في أنّ المعرفة الحقيقية تشتق من الانطباعات الحسية، إلا إنّه شدد كذلك (مع ديكارت) على أنّ البيانات الحسية رُشّحَتْ وصيغت من خلال مكونات العقل. كانت المعرفة حسية ورياضية، وضعية وتأملية، موضوعية وذاتية. وكان من أعظم إنجازات كانط إظهاره أنّ الفكر والتجربة مترابطان ديناميكيًّا، وأنّ اكتساب المعرفة عملية إبداعية. فأنْ تعرف العالم يعني أنْ تبتكر العالم القابل للمعرفة، والإنسان إذن بمعنى ما غير قادر على أنْ يعرف العالم كما هو بحدّ ذاته، ولكنّه يكسب القدرة على الوصول إلى العالم كما يقدم نفسه له، وهو قادر على أنْ يكتسب المعرفة الحقيقية حول هذا العالم.