eKtab
EN ع
تاريخ الزبير والبصرة مع إشارات الى تاريخ الكويت والإحساء
Read free sample

تاريخ الزبير والبصرة مع إشارات الى تاريخ الكويت والإحساء

by عبد الله بن إبراهيم بن الغملاس

Page 1

نِسبة الكتاب

ليس للمخطوط الذي نحن بصدده مقدمة، أو خاتمة، كما هو معتاد في مثله، وإنما هو يبدأ فجأة بذكر أحداث السنين التي يُعنى بتسجيلها، وينتهي بالطريقة نفسها، ويرجع ذلك- فيما يتراءى لنا- إلى أن المؤلف لم يُعنَ بإخراج كتابه بصورته الأخيرة، أو أنه لم يُبيضه أصلاً، وبذلك فأنه أجَّل وضع عنوان محدد له لحين الانتهاء منه تماماً، و هو ما لم يحدث قط.

وثمة عدة قرائن تدل على أنه من تأليف المؤرخ البصري- أو الزبيري على وجه أدق- عبد الله بن إبراهيم الغَمْلاس، الذي عاش في أواخر القرن التاسع عشر، والثلث الأول من القرن العشرين، وأهم تلك القرائن، أن المؤلف أشار إزاء عدد من الأخبار التي ساقها إلى مختصرات لعناوين كتب يظهر أنه كان ينوي تأليف بعضها، أو أنه شرع- أو أنجز- تأليف بعضها فعلاً، وأحد هذه العناوين، كما تدلنا فهارس المخطوطات التي أطلعنا عليها، يحمله كتاب كان قد وضعه ابن الغملاس في الحقبة نفسها، فما يشير إليه مؤلف المخطوط باسم (تذكرة) هو كتاب (التذكرة والعِبْرة في تاريخ بلد الزبير والبصرة) الذي ألَّفه أبن الغملاس بالفعل([1])، وحينما اطلعنا على هذا الكتاب، وكتب أخرى لابن الغملاس، كانت تحتتفظ بها المكتبة المركزية لجامعة البصرة، تبين لنا أنها جميعاً بخط واحد، وعليه فلا يبق شك في نسبة المخطوط موضوع بحثنا إلى هذا المؤرخ مؤلف الكتاب.

Page 2

المؤلف

وكما أن ابن الغَملاس كشف من خلال تاريخه هذا كثيراً من خفايا البصرة الاجتماعية والسياسية والثقافية في عهده، فإن المخطوط كَشَف- بالمقابل- سيرة ابن الغملاس نفسه، التي لم يدوِّنها أحد، وذلك لأنه سجَّل أخبار رجال أسرته ومحلته ومدينته، بما يُعين الباحث على التعرف على بعض معالم سيرته، فهو ابن إبراهيم الغملاس الذي كان قاضياً في بلدة الزبير حتى وفاته في سنة 1292هـ/1875م، وأمه هيلة بنت عبد الرحمن بو حمد، المتوفاة سنة 1304هـ/1886، وكان له أخوة أشقاء توفوا جميعاً في حياته، هم: عبد العزيز (توفى سنة 1303هـ/1885م) وعبد الغني (توفى سنة 1331هـ/1912م) ولؤلؤة (توفيت سنة 1332هـ/1913م)، وأخوة من أم أخرى، هم: عبد اللطيف، وعيسى، ومحمد.

ولد ابن الغملاس في بلدة الزُبير سنة 1265هـ ، وفي أفيائها عاش حيث موطن أسرته، ومرتع طفولته وصباه، فدَرَس العلم على يدي أبيه، ثم انتظم في سلك طلبة مدرسة الدُوَيْحِس، إحدى أهم معاهد الزبير العلمية، ولم يغادر بلدته- فيما يبدو- إلاّ حاجاً سنة 1319هـ/1901م وعاد إليها في السنة التالية ليقضي بقية حياته فيها، وتزوج من فتاة تدعى فاطمة الشبيب، ورُزق منها بأولاده الثلاثة: أحمد، وحُصَّة، ونُواة، ولكنه لم يلبث أن فُجع بوفاة أبنه أحمد، وهو مازال طفلاً، ثم طلَّق زوجته فاطمة سنة 1308هـ/1890م، وتزوج بفتاة أخرى هي سَبيكة بنت عبد الرحمن آل باحسين، فعاشت معه نحواً من أربعة عشر عاماً توفيت بعدها سنة 1323هـ/1905م، ولم تمضِ سنة واحدة، حتى تزوج من هيبا بنت رحمة عبد الله، ولكنه طلّقها في ذي القعدة من السنة التالية، وتزوج من فتاة أخرى، ولم يلبث أن طلّقها هي أيضاً.

وكانت علاقات ابن الغملاس بأبناء أسرته وذوي قرباه طيبة للغاية، ويبدو أنها كانت كذلك مع أبناء محلته وبلدته عامة، فلم يذكر أحداً منهم في تأريخه بسوء، وطريقته المحايدة في ذكر أخبار المتنازعين الذي حفل بها كتابه، تدل على أنه لم يكن متحزِّباً لأي منهم؛ ورغم أن عمه سليمان الغملاس، أحد أبرز زعماء الزبير في عهده، وله دوره البارز في صراعات ذلك العهد ومشاكله، فأننا لا نلمح في كتابه أي ٍ خاص معه، أو تأييدٍ له في مواقفه، ويظهر أن بيئة المؤلف الدينية، بوصفه ابن قاضي بلدته، واهتماماته الثقافية والأدبية المتنوعة، واشتغاله إماماً في بعض مساجد البلدة، قد وَسَمت نظرته إلى أحداث عصره بِسِمة هادئة محايدة، فاكتفى من عصره بتسجيل مَجرياته، دون أن يُقحم نفسه في صراعاته ومشاكله، ومع ذلك، فإن مشاعره العامة سرعان ما تَبَدَّت وطنيةً صريحة يوم داهمت القوات البريطانية البصرة في بدء الحرب العالمية الأولى، وانحاز إلى جانب حركة المقاومة التي نظّمها بعض زعماء البصرة آنذاك، وذلك لأن للوطن- على حد تعبيره- "حق بحسب المٌستطاع يجب علينا أداءه، ودَيْن علي قدر المقدرة يلزم وفاءه" وكان عبد العزيز، ابن أخيه عبد الغني، مشاركاً مع المجاهدين العراقيين في مقاومتهم للغزو البريطاني.

وكانت وفاته رحمه الله في سنة 1354هـ/1935م([2]) وليس كالمخطوط الذي بين أيدينا دليلاً على ثقافة الرجل وطبيعة اهتماماته الثقافية العامة، فقد سجّل فيه كل ما رآه أو وصل إلى سمعه من أخبار سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ذات الصلة بمجتمعه آنذاك، ورغم دقة ملاحظته وأمانته العلمية فيما كتب. فإن كتاباته كلها تدل على أن ثقافته كانت محلية الطابع والأصول تماماً، فاغراقه في تسجيل أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية في الزبير، واهتمامه الشديد بشعرها العامي، وكثرة ما يتخلل كتابته من مفردات وتعبيرات محلية، واستشهاده بالأمثال العامية المتداولة، يؤكد ما ذهبنا إليه.

Page 3

مؤلفاته

ولابن الغملاس مؤلفات عديدة ضاع معظمها، ونوَّه هو بعنواناتها في كتابه الذي نحن بصدده الآن، وأكثرها يدور حول تاريخ الزبير والبصرة وتراجم أدبائها وأخبار بيوتاتها وأحوالها العمرانية وما يتصل بذلك من أمور مهمة، وهذه المؤلفات هي:

1- البصرة. يتضمن سَرداً موجزاً لأهم الأحداث التي مرَّت على البصرة منذ تأسيسها سنة 14هـ/1830م، وفيه تفاصيل أحداث جَرَت في الزبير أيضاً، كما يتضمن أسماء عدد من الولاة والمُتسلِّمين الذين تعاقبوا على حكمها. نَشَره علي البصري (مطبعة دار البصري ببغداد 1962، 74+ 10 ذيل) بعنوان (ولاة البصرة ومتسلموها لابن الغملاس)([3]).

2- مختصر تاريخ البصرة، الفه سنة 1347هـ، في 44ص.

3- ترجمة حسين باشا ونوادره. نسخة في المكتبة المركزية لجامعة البصرة، 30 ورقة، برقم 67.

4- سلاطين بني عثمان. نسخة في المكتبة المركزية لجامعة البصرة 56 ورقة، برقم 68.

5- مختصر سَلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للمرادي، في أربعة أجزاء، نسخة في المكتبة المركزية لجامعة البصرة كتبت سنة 1320هـ/ 1902م 118 ورقة برقم 50.

6- مختصر خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمُحِبِّي.

نسخة من الجزئين الثالث والرابع كُتبت سنة 1335هـ/1916م في المكتبة المركزية لجامعة البصرة، 145 ورقة، برقم 49.

7- منتخب الكامل في التاريخ لابن الأثير. نسخة في مكتبة الزبير الأهلية العامة في الزبير ومسجلة في المؤسسة العامة للآثار والتراث برقم (21882).

8- التاريخ المُرتَّب في الشعر والأدب. يتناول تراجم الأدباء والكتاب، ويبدأ ببطرس البستاني وينتهي بترجمة أمين الجندي الحمصي. نسخة في المكتبة المركزية لجامعة البصرة، 16 برقم 70.

9- كتاب في تراجم الشعراء. نوّه به، ولم نقف عليه، ويضم- فيما يبدو- تراجم الشعراء المحليين من أبناء الزبير والبصرة، ممن عاصرهم المؤلف، وكانت له صلات أدبية ببعضهم، وفيه نماذج من أشعارهم العامية. ألَّفه قبل شروعه بكتابة تاريخه فإنه أحال عليه بقوله في ترجمة طه الزبيري "مذكور في الشعراء، له بيت زهيري"([4]).

10- البيوتات. نوَّه به في معظم صفحات تاريخه، وواضح من تلك الإشارات أنه يختص بالكلام على بيوتات الزبير والبصرة البارزة، وقد رتَّبه على الحروف ليكون كالمعجم، وتكلم فيه على الشخصيات المهمة من تلك الأُسر وما أدّته من أدوار سياسية واجتماعية في عهده، ويبدو لنا أنه ألَّفه في نفس الوقت الذي كان يؤلف فيه هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وأنه ينقل الأخبار المتعلقة بموضوعه منه وربما توسع فيها هناك، من ذلك قوله عند الكلام على بعض أخبار فالح السعدون: "نقل في البيوتات في السنين"([5]) وقوله في موضوع آخر "نُقل في العين- بيوتات"([6]) ولم نقف لهذا الكتاب على أثر.

11- عيون الأمثال. نوّه به في تاريخه، ولم نقف عليه، وهو يختص بذكره الأمثال العامية الشائعة في بيئة المؤلف، وفيه استطرادات تاريخية وتراجم([7]).

Page 4

12- التذكرة والعِبرة في تاريخ بلد الزبير والبصرة. نوّه به مراراً في تاريخه، ونقل منه بعض الأخبار والتراجم، وسماه (التذكرة) مطلقا، أو (التذكرة الكبيرة)([8])، ومعلومات التذكرة والمساحة الزمنية التي تؤرخها تقترب في بعض النواحي من كتابه الذي نحن بصدده الآن، إلاّ أنه يمثل الصورة الأولى التي جمع في إطارها كل ما وصل إلى علمه من أخبار الزبير والبصرة، وعده واحداً من مصادر كتبه التالية، ، وتكمن قيمة هذا الكتاب، الذي ننشره الآن، أنه أضاف إليه تراجم مختصرة لأعلام هذه الحقبة من الولاة والعلماء والمشايخ والزهاد، نقلها من كتابه (الأعلام) الآتي ذكره، ومعلومات جمة عن الأسر التي كان لها دور في تاريخ الزبير ونواحيها، نقلها أو لخَّصَها من كتابه (البيوتات)، وثمة معلومات أخرى نقلها من كتاب له في المساجد، سيأتي ذكره أيضاً، فالكتاب -فيما يبدو- تأليف جديد، جمع فيه، بين مؤلفاته التي سبق أن دون فيها أخبار الحقبة نفسها.

13- الأعلام في بلد ابن العوّام. أشار إليه في مواضع عديدة من تاريخه، وهو كما يفهم من تلك الإشارات مجموع يضم تراجم معاصري المؤلف من رجال الزبير والبصرة الذين اشتهروا بنشاطاتهم الأدبية والعلمية غالباً مرتبة على حروف المعجم([9])، وهو من كتبه الضائعة.

14- المُرتَبَط في النَبَط. أشار إليه في بعض المواضع من تاريخه، وهو- كما يظهر- مجموع يضم طائفة من الأشعار العامية المحلية المعروفة بشعر النبط، جمعها من ألسن الشعراء المعاصرين له في تلك النواحي، وترجم فيه لبعضهم([10])، وهو من مؤلفاته أيضاً.

15- مجموع زهيري. ضمَّ فيه ما وصل إلى سمعه من منظومات شعرية عامية على طريقة (الزهيري)، وترجم فيه لبعض الشعراء. قال في ترجمة أحدهم "وعندي له في مجموع الزهيري أبياتاً وفيه ترجمته"([11])، وقوله في أحداث سنة 1317هـ أنه عثر فيها على "مجموعين شعر نَبَط (يظهر أنه المُرتَبَط المذكور سابقاً) وزهيري"([12]).

16- الأئمة والمساجد في الزبير.

17- السابلة على السُّحُب الوابلة على أضرحة الحنابلة.

ولابن الغملاس مؤلفات ومختصرات لا صلة لها بالتاريخ، وبعضها كتب جَمَعها أو نَسَخها، وهي تكشف عن سعة اهتماماته الثقافية، منها([13]):

18- نزهة العيون لجامع العلوم والفنون، ويقع في 302 ص.

19- رسالة في الأخلاق، في 116 ص.

20- أدعية وطلاسم، في 50 ص.

21 -كتاب في النحو، في 320 ص.

22- المسائل الشرعية وبضمنها الوقف، في 320 ص.

23- كتاب في مكارم الأخلاق، في 250 ص.

24- منتخبات ابن الغملاس، في خمسة مجلدات، عدد صفحاتها على الترتيب360+442+381+442+390 ص.

25- ديوان شعر، في 157 ص.

26-كتاب في النحو، في 128ص.

27- الأحوال الشخصية والمعاملات، في 134 ص.

28- مجموعة القصص والحكايات، في 230 ص.

29- تحفة الدودة في المدح وضده، في 265ص.

30- كتاب الزوائد، في 210 ص.

31- نوادر اللغة، في 260 ص.

32- الحكايات والقصص، في 280 ص.

33- دعاء ختم القرآن، في 157ص.

34- رسالة أهل اليمن في موضوع هدم القبور الأجوبة المضمنة ، في 190 ص.

35- أصول الأمثال، في 185 ص .

36- المجالس الحِسان في فضائل شهر رمضان، في 202ص.

37- ديوان العشق نظمه سنة 1314هـ، في 280 ص.

38-منتخب الزهر في اللغة وكفاية المتحفظ.

39- منظومة في النحو، في 8 ص.

40- كراس واحد من التاريخ في الشعر والأدب، في 16ص.

41- الفواكه الجنِيّة في حل المنظومة البُرهانية، في 404 ص .

42- تبييض الصحائف في الحكايات والسُّوالِف، مجلدان .

ولغة المؤلف تكشف أنه لم يتلق دراسة منهجية في علوم العربية، بخلاف ما تدل عليه عنوانات كتبه اللغوية والنحوية، ونحن نرى أن هذه الكتب إن هي إلاّ من نَسْخه، أو تجميعه، لا من تأليفه، فأسلوبه العادي، بل العامي أحياناً، واستخدامه الألفاظ والمصطلحات العامية، وكثرة الأخطاء النحوية والإملائية، لا يتفق وثقافة من له مثل تلك المؤلفات والمنظومات.

أما في مجال التاريخ والتراجم، وهو المجال الأثير إلى نفسه، فإنه كان، فيما يظهر، يسجِّل أحداث عصره أولاً بأول في أوراق أو بطاقات خاصة، ليقوم بعدها بنقل محتوياتها إلى كتبه التي كان يضعها في وقت واحد، أو في أوقات متقاربة، مُكَوِّناً منها مجموعة من المؤلفات متنوعة العناوين، ومتشابهة في المضامين من حيث تأريخها لحقبة واحدة ومكان واحد، ولا نشك في أن هذه المؤلفات يُكمّل بعضها بعضاً في تقديم صورة شائقة، مُفعمة بالحيوية، لذلك العهد، بحوادثه ومعالمه وشخوصه وعلاقاته الاجتماعية.

وكانت أوراقه التي يسجل فيها الأحداث لأول مرة، تمثل الصورة الأولى لمجريات عصره، دونما تعديل أو تهذيب، والظاهر أنها كانت تحتوي على أخبار علاقات اجتماعية وأُسَرية بحتة، فقد وجدناه مولعاً بتسجيل مثل هذه التفاصيل، ولذا فإنه كان يعمد، بعد أن يستقي منها معلوماته، إلى إتلافها بحرقها أمام عدد من الشهود، يقول في أحداث بعض شهور سنة 1348هـ/1929م "وفيه هذا الشهر أحرقتُ أورقاً فيما لا ينبغي"([14])، وفي أحداث السنة التالية "وفيها 12 شعبان أحرقتُ جملة أوراق مُخَرَّقة مُخَرَّمة لا فائدة في بقائها بحضرة جماعة"([15]).

Page 5

الكتاب

والكتاب الذي بأيدينا هو أحد تلك المؤلفات المهمة إن لم يكن أهمها، في المادة التاريخية، وفيه نزاهة ملحوظة في تقويمه الأحداث التي يؤرخها، نظراً لما اتسم من دقة في الملاحظة، ووضوح في العَرض، وسِعة في تسجيل حِقبة حافلة من تاريخ الزبير والبصرة وبعض المدن والقصبات المجاورة الأخرى، عاشها المؤلف بنفسه، وشاهد بأُم عينيه مجريات حوادثها، واتصل بمعظم رجالها من ساسة وزعماء وشيوخ قبائل وشعراء وأئمة وزهاد وغيرهم.

تقع مخطوطة الكتاب([16]) في 254 ورقة كبيرة، وهي مكتوبة بخط مؤلفها ابن الغملاس نفسه، ورغم الحجم الكبير لحروفه وكلماته، فإن خطه، كسائر كتبه، يتسم بالضعف وعدم الوضوح أحياناً، ومن المؤسف أن ضَرَبَت الأرضة جزءاً من أوَّله، فأحدثت خَرماً دائرياً شوّه كثيراً من صفحاته، وأضاع كلمات منه.

وأخبار الكتاب مرتبة على طريقة الحَوليات التقليدية، فهو يبتدئ بحوادث سنة 1300هـ/1882م، وينتهي عند السنة 1332هـ/1914م ولا ندري ما إذا كان ثمة قسم من الكتاب، تال لهذه السنة، قد فُقِد وضاعت معه أخبار السنين اللاحقة، ومما يُرجِّح هذا الزعم أن المؤلف أشار في كتابه إلى تاريخ تأليفه أياه، وهو سنة 1348هـ/1929م. أي بعد ستة عشر عاماً من نهاية ما سجلته مخطوطة الكتاب نفسها، فإن لم يكن شيء قد ضاع من المخطوطة فعلاً، فلا يبق لنا إلاَّ افتراض أن المؤلف عاد إلى أوراقه وبطاقاته التي دوَّن فيها تفاصيل حوادث ثُلث القرن الأخير الذي سبق الاحتلال البريطاني لوطنه، فجمع منها تاريخه المذكور بعد تلك السنوات التي مرّت على انتهاء الحوادث وانقضاء صفحتها.

ويكشف تحليل معلومات الكتاب، عن أن المحور الرئيس الذي تدور حوله أخباره، هو تاريخ الزبير، فتصل نِسبة ما يشغله هذا التاريخ 82,60 بالمائة، بينما تشغل أخبار البصرة، على أهميتها الإدارية والسياسية بالنسبة للبلدة المذكورة 8.3 بالمائة منه، وتأتي مدينة الكويت في المرتبة التالية من اهتمام المؤلف، إذ يبلغ ما ساقه من أخبارها 4.4 بالمائة من سائر الكتاب، وثمة نواح وقصبات أخرى، مثل سوق الشيوخ والشعيبة وحائل تشغل جميعاً 4.4 بالمائة منه.

ويدل هذا التحليل على أن أكثر من أربعة أخماس الكتاب يعتمد أساساً على الشهادة الفعلية للحوادث، فالزبير هي موطن المؤلف، وناسها أهله ومعارفه، وهي من صِغر المساحة آنذاك ما يكفيه الاعتماد على اطلاعه الشخصي أو سماعه الأخبار من شهود العيان مباشرة، ولذا فإنه لم يجد ضرورة تدعوه إلى تسجيل أسماء رواته غالباً، إلاّ إذا انفرد بذكر رواية خاصة مما لم يصل خبرها إليه بطريق التواتر، كنقله خبراً من الشيخ محمد العسَّافي، فيه تفصيلات عن حوادث جَرَت لأبيه([17])، وأما ما خلا ذلك فإنه يكتفي بالقول "هكذا سمعناه من الأفواه"([18]) أو نحو ذلك من عبارات.

والمصدر المكتوب الوحيد الذي يشير إليه في صدر كلامه عن تاريخ الزبير وتراجم أهلها، هو أوراق، أو دفاتر، كان معاصره الشيخ محمد الدايل المتوفى في سنة 1320هـ/1902م قد دوَّن بعض أخبار الزبير والبصرة على الطريقة الحَوْلية التي أتبعها ابن الغملاس نفسه، وعلى أية حال فإن ما نقله لم يَزِد على بضعة أوراق، تخص جميعاً أحداث سنة 1312هـ/1894م وسنة 1314هـ/1896م، وهو حريص على أن لا يختلط كلام الشيخ بكلامه، إذ نراه يُصرِّح بنقله منه، فيقول "فصل منقول من خط الشيخ محمد الدايل"، ويُعلن توقفه عن النقل بقوله (انتهى)([19]).

أما المدن الأخرى، وبخاصة البصرة والكويت، فإنه استقى أخبارها من بعض المُتَردِّدين عليهما من أبناء بلدته، ومعظمهم من التجار ومن أصهاره، وكانت أخته قد تزوجت من أحد تجار الكويت، وأخذت تتردد عليه في الزبير مدة من الزمن، ومن المرجح أنه استقى منها، أو من هم برِفقتها، بعض ما كان يجري في الكويت من حوادث وما يشاع في بيوتاتها ومجالسها من أخبار، وباستثناء تصريحه باسم ناصر مسلم المُزَيِّن، مصدراً لمعلوماته بشأن حوادث الكويت([20])، فإن جميع إشاراته الأخرى جاءت عامة، غير محددة، كقولـه "هكذا سَمِعنا" و"بَلَغَنا"([21]) و "هذا الذي شاع"([22]) و "هكذا بلغنا وشاع بين الناس"([23]) ونحو ذلك، وأشار مرة إلى كتاب عثمان بن بِشر الحنبلي المعنون (عنوان المجد في تاريخ نجد) عند تطرِّقه إلى بعض تاريخ نجد في عهد الدولة السعودية الأولى([24])، كما أشار إلى تاريخ للكويت لم يُسم مؤلفه([25]).وكان- فضلاً عن ذلك- يطَّلِع على بعض المجلات الصادرة في أقطار عربية أخرى، فنراه يشير إلى مجلة (الإصلاح) التي كان يصدرها بمكة المكرمة محمد حامد الفقي، لكنه لا يبدو أنه استفاد منها مواداً لتاريخه([26]).

Page 6

أهمية الكتاب

أ- الجانب الاجتماعي

بوسعنا أن نعد كتاب ابن الغملاس هذا مصدراً أصيلاً وفريداً في دراسة الحياة الاجتماعية، بجوانبها المتعددة، لثلاث مدن رئيسية من مدن حوافي البادية، هي الزبير والبصرة والكويت، سيكون لها شأن فيما بعد، في خلال حقبة تاريخية مهمة اتسمت بتوسع الصلات التجارية، وتحسن النشاط الاقتصادي، وتزايد الهجرة من البادية إلى المدن، وبدء تشابك العلائق الاجتماعية بين سكان تلك النواحي من جهة، وبينهم وبين سكان المدن والقصبات المجاورة من جهة أخرى.

وعناية ابن الغملاس بتفصيلات هذا الجانب عميقة وواسعة، لكنها لم تأت متوزعة على المدن التي كتب عنها بالتساوي، فبينما تشغل هذه التفصيلات 45.4 بالمائة مما كتبه عن هذه المدينة، وتنخفض هذه النسبة فيما يتصل بالكويت إلى 7 بالمائة فقط، ونحو 3.6 عند الكلام على المدن والقصبات الأخرى، وبالمقابل، فإن نِسبة التفصيلات ذات الطابع السياسي والإداري تزداد بصفة عكسية عند حديثه على تلك المدن، حتى تصل إلى نحو نصف كلامه على البصرة، وثلاثة أربع ما كتبه عن الكويت، والمدن المجاورة الأخرى.

ويتضمن كلام المؤلف على هذا الجانب، معلومات مهمة ودقيقة عن الرجال الذين عاصروه، من القضاة والأئمة والتجار والعلماء والصوفية والموظفين وزعماء القبائل وأمراء النواحي والأدباء والشعراء العاميين الآخرين، كما يحتوي على أخبار الأسر العديدة التي استوطنت الزبير والبصرة، وعانت فيها نشاطها الاجتماعي والاقتصادي، فمن الأسر التي ترددت أخبارها في ثنايا الكتاب: آل الزِّهير، وآل الراشد، وآل مصيقر، وآل الخشيرم، وآل القرطاس، وآل المنديل، وآل باش أعيان، وآل العَسّافي، وآل الغنّام، وآل الصبيح، وآل هلال، وآل بسّام، وآل الصائغ، وآل الشِبلي وغيرهم.

وفي الكتاب معلومات دقيقة عن التحركات الأسرية والعشائرية بين مدن تلك النواحي، ورصد للهجرات المستمرة آنذاك من البادية إلى المدينة وتواريخ استيطانها فيها، والعلاقات بين الأسر المهاجرة والمستقرة، وبينها وبين من تبقى منها في مواطنها الأولى، ودور القبائل الكبيرة المقيمة على حوافي المدن في مجريات الحياة الحضرية، وطبيعة نشاطاتها الاجتماعية والاقتصادية، وصلاتها بالقوى الاجتماعية السائدة في مدنها، فمن تلك القبائل التي ترددت أسماؤها في ثنايا الكتاب، المنتفق، والظفير (الضفير) والدواسر، وفيه أيضاً أسماء زعمائها وأخبارهم([27]).

ويحفل الكتاب بصورة شائقة عن الحياة العائلية لأهل تلك المدن، وبخاصة الزبير والبصرة والكويت، بما تشمله من زواج ومصاهرات وطلاق وعلاقات اجتماعية وعاطفية أحياناً، وأخبار بعض النساء اللاتي قُمن بأعمال خيرية نافعة، ومن ولد في تلك السنين من أولاد، ومن توفي فيها، واهتمامات الناس العامة، وبخاصة الثقافية منها، والعلماء الذين أثروا في توجيه تلك الاهتمامات، والعوامل التي أدت إلى تشجيعها، مثل تأسيس مطبعة رسمية، هي الأولى من نوعها في البصرة، ووصول أولى المجلات إلى الزبير، واتصال أهل المدن المذكورة ببعض مبتكرات الحضارة الحديثة آنذاك، بخاصة وسائل النقل الصناعية، مثل عربات السكة الحديد التي تجرها الخيول (الكاري) والسيارة (الموتوركار).

Page 7

ب- الجانب العمراني

استأثرت مدن الحقبة التي عالج أحداثها ابن الغملاس، باهتمامه الشديد، وعنايته الفائقة، فنمو المدينة واتساعها كان- في الواقع- أحد أبرز الظواهر الاجتماعية التي شهدها النصف الأخير من القرن التاسع عشر، ولا نشك في أنها أثارت انتباهه بما تحتويه في داخلها من عوامل متشابكة تنبئ بتغيرات مقبلة. فتكلم على تطور العمران في مدينة الزبير، وأشار أحياناً إلى البصرة والكويت، ولاحظ اتساع نطاق العمارة الجديدة، وخروجها عن حدود المدينة القديمة، بأسوارها وأبوابها، ونشوء ضواحٍ جديدة لم تكن معروفة من قبل، ومرافق حَضَرية استدعتها الظروف السكنية المستجدة، وسجّل ذلك بأمانة ودقة، وحدد تواريخ نشوء كل حي من الأحياء، والأماكن التي احتلتها، وما يتصل بذلك من أمور؛ فمن الأحياء الجديدة التي دوَّن أخبارها في الزبير مثلا: حي الدريهيمية وحي الرشيدية وحي الزهيرية. كما تطرَّق إلى أخبار شَق الطرق، وهدم أبواب البلدة القديمة، ومن سعى بذلك من أهل البلدة، وما أنفقوه في سبيل ذلك من مال؛ وأشار إلى المساجد والزوايا التي أنشأها أو جددها بعض أهل الصلاح تلبية لمتطلبات البلدة النامية، مثل مسجد الرّواف، ومسجد الكوت، ومسجد عيسى القرطاس، ومسجد الزبير، ومصلى العيد الجديد، ومسجد الباطن، ومسجد الزهيرية، ومسجد ديمخزام، ومسجد فالح السعدون، وتكية الدراويش، وجميع ذلك في الزبير وضواحيها، وتطرق أيضاً إلى تعمير القيصريات وإنشاء الدكاكين والأسواق وأحواض الماء والبيوت، وإشار إلى تفاصيل كثيرة ومفيدة بشأن حركة تنقل الملكيات العقارية بين المالكين، وما كان يجري خلالها من نقض وبناء.

وفي كتاب ابن الغملاس، فضلاً عما تقدم، معلومات خِطَطَية مهمة، قوامها تلك المواضع والبقاع التي يجيء ذكرها عرضاً في أثناء ترجمة عالم، أو موظف، أو زعيم محلي، أو ضمن سياق حدث ما، أو ظاهرة طبيعية معينة، فتكررت الإشارة إلى: الباطن، وديمخزام، وأبواب الزبير، ونُقرة أبي داود، والرافضية، والشعيبة، والخوير، وجزيرة الصقر، والبرجسية، وسفوان، والسبيل، والصالحية، وبقشة الربيعة، وسكة الفار، ومحط السقاقي، وجسر العبيد، وعراص عريدان، وعراص العون، وسوق اللحم، وسوق الجَت، وقيصرية القصاصيب، وقيصرية ذويب، وسوق الدجاج، وسوق السيمر في البصرة، ومنشآت جابر الصباح في الكويت، وهي قيصرية وخان ومقبرة للسادة، وغير ذلك من معالم خططية مفيدة، وتبلغ نِسبة ما خصصه المؤلف لكلام عن الحركة العمرانية في الزبير 12 بالمائة، وفي البصرة 4.8 بالمائة، وفي الكويت 3.5 بالمائة وفي مناطق أخرى 3.6 بالمائة.

جـ- الجانب الاقتصادي

عاش ابن الغملاس في وسط تجاري نشط، فترددت في كتابه الإشارات إلى أُسر التجار، ونشاطهم الاقتصادي، كما تطرَّق إلى أحوال العُملة وأنواعها وأقيامها في عهده، كالقَمَرِيّات الكبار، والشاهيات الصغار، والمتاليك الخِفاف السلطانية، والبِشْلِقات، وغيرها، وأشار عرضاً إلى القوة الشرائية لعملات أخرى، مثل الريالات والمجيديات.

ووجدت الضرائب منه اهتماماً، فأشار إلى الرسوم والضرائب المفروضة على الناس والبيوت والدواب، ونَوّه باعفاء الزبير من تلك الضرائب ثم بأخذها منها فيما بعد، وتكلم على ضمان البساتين وأقيام ذلك، وأشار بتفصيل إلى محاولاتٍ مختلفة لشق الأنهار والقنوات في نواحي البصرة، مثل حفر نهر إلى الزبير سنة 1307هـ/1889م وآخر من ديمخزام إلى نُقرة أبي داود سنة 1315هـ/1897م، وثالث من الهور شمال الديرة سنة 1322هـ/1904م، والسعي لحفر نهر بين الشعيبة والخوير في السنة نفسها، كما تكلم على حصر الحكومة للبطيخ والمخضرات وما الى ذلك.

وتبلغ نسبة ما تكلم فيه ابن الغملاس من أمور لها تعلق بشؤون الاقتصاد في الزبير 14 بالمائة، و3 من كلامه على البصرة، و 7 مما خصصه للمدن الأخرى

Page 8

د- الجانب السياسي والإداري

كتب ابن الغملاس في الأحوال السياسية والإدارية للزبير والبصرة والكويت على عهده، إلا أنه لم يُميِّز بين النزاعات الداخلية بين الأسر والزعماء، وبين النزاعات السياسية التي كانت تتجاوز ذلك النطاق إلى مجال القطر والدولة، وسبب ذلك أن غير قليلٍ من النزاعات المحلية كان يجري بتحريك من زعماء القبائل الكبرى في المنطقة، أو الدولة العثمانية ممثلة بولاتها وموظفيها، أو أنها- في الأقل- تُستغَل، بعد حدوثها، لمصلحة تحققها هذه القوة أو تلك، ولذا فمن الصعب التفرقة بين ما هو إخلال عادي بالأمن، وما هو نزاع محلي بين قوتين متنافستين، أو صراع خفي بين قوى سياسية متربصة،، إذ تتداخل هذه الأمور تداخلا عجيباً في تلك الحقبة الحُبلى بالأحداث .

أشار المؤلف إلى بعض أسماء ولاة البصرة في عهده، وهم نَصْرَة باشا([28]) وهِدايتْ باشا([29]) وأنيس باشا([30]) وحمدي باشا([31]) وسليمان نظيف([32])، وتطرّق إلى ما قاموا به من أعمال، كما أورد معلومات دقيقة عن مديري بلدة الزبير العثمانيين في الحقبة نفسها، وأخرى عن آل الصباح أمراء الكويت المجاورين، إضافة إلى معلومات أخرى عن آل الرشيد أمراء حائل، وآل سعود أمراء نجد، وتوسّع في ذكر تفاصيل علاقة هذه القوى ببعضها، وعلاقاتها جميعاً بالحكومة العثمانية في البصرة، والقوى القبلية المجاورة؛ وتكلم بسِعة عن نزاعات كثيرة كانت تجري بين الأسر البارزة في الزبير، وبخاصة آل الزهير وآل راشد، وتنافسها على بسط نفوذهما على البلدة، وموقف الحكومة ممثلة بمدير الزبير ووالي البصرة من ذلك، كما تحدث عن تحركات وانتفاضات شعبية من أجل عزل ممثلي الحكومة العثمانية، وتعيين غيرهم، ومحاولة الحكومة وضع يدها على مصادر السلاح في المنطقة.

ولمعلومات المؤلف، بوصفه شاهِدَ عيان لوقائع الاحتلال البريطاني للبصرة، أهمية غير عادية في وصف مجريات هذا الحادث الخطير، فقد وصف أوضاع العراق عند وصول خبر إعلان الدولة العثمانية الحرب مع المانيا على بريطانيا وفرنسا وأحلافها، وتَطرّق إلى موقف السيد طالب باشا النقيب من هذه الحرب، ونوّه بجهود المجاهدين العراقيين في ذلك السبيل، ومنهم ابن أخيه عبد العزيز بن عبد الغني، وتكلم على قصف البريطانيين الفاو واحتلالهم إياه، وانسحاب القوات العثمانية إلى سيحان، حيث دارت معركة هناك خسر فيها العثمانيون، وما نَجَم عن ذلك من احتلال كامل للبصرة، واعتقال السيد طالب النقيب، وما يتصل بذلك من مُلابسات وتفاصيل، وما يدور حوله من اشاعات.

وتبلغ نسبة ما تكلم أبن الغملاس عليه من شؤون سياسية وإدارية 20.10 بالمائة من مجموع كلامه على الزبير، 51.6 وبالمائة من حديثه عن البصرة، و66.9 مما كتبه عن الكويت، و75 بالمائة مما سجله من أخبار المدن والنواحي الأخرى.

هـ- جوانب أخرى

لم يغفل ابن الغملاس، وهو يسجل حوادث مدينته ونواحيها، أن يشير إلى أبرز الظواهر الطبيعية التي مرت على البلاد في عهده، من أوبئة وآفات زراعية ونحوهما، بما يشبه وضع اللمسات الأخيرة للصورة التي رسمها لتلك الحقبة. من ذلك كلامه على وباء داهم سوق الشيوخ وامتد إلى الزبير والبصرة سنة 1306هـ/1888م، وهجوم الجراد الكثير وأكله الزروع في سنة 1307هـ/1889م، وحدوث الغرق "الذي لم يُعهَد مثله" في سوق الشيوخ والبصرة سنة 1313هـ/1895م، وتبلغ نسبة ما كتبه عن هذه الظواهر فيما يتعلق بالزبير 2 بالمائة، وبالبصرة 8.2 بالمائة، وفي الكتاب، فضلاً عما تقدم، أخبار مُفرَّقة عن أمور مختلفة مما لا يدخل ضمن الجوانب المذكورة، وهي لا تخلو من نفعٍ لمؤرخ تلك الحقبة ودارسها، تصل إلى 2 بالمائة عن الزبير، و 17.2 عن البصرة، و 7.1 عن المدن والنواحي الأخرى.

والكتاب بعد هذا كله، خير شاهدٍ على لغة عصره، بما حفل به من تراكيب ومصطلحات وألفاظ عامية كانت شائعة على ألسن أهل ذلك الزمان، من بدو وحضر، وهو أمر يزيد في أهميته بوصفه يقدم مادة غنية تصلح لدراسة لغة تلك النواحي في أواخر العصر العثماني، وفيها ألفاظ ومصطلحات وأمثال عبَّرت عن روح العصر وطبيعة مؤثراته.

خطتنا في تحقيق الكتاب

وقد اتبعنا في تحقيقنا هذا الكتاب الخطوات الآتية:

1- حافظنا على النص، فلم نَمُسَّه بتغيير، إلاّ في حالات قليلة بينّاها، وهكذا فإننا أبقيناه على أسلوبه وألفاظه وأخطائه أيضاً، إللهم إلاّ بعض الكلمات أضفناها ليستقيم الكلام، وقد حصرناها بمعقوفات تمييزاً لها عن أصل النص.

2- عرَّفنا باختصار بأكثر ما ورد فيه من مواقع، ومنها مساجد وقصور وقرى ومعالم مختلفة.

3- شرحنا ما ورد في النص من كلمات عاميّة، أو مصطلحات عثمانية، ومفردات دخيلة أخرى.

4- عرَّفنا ببعض أعلام الناس، مما وقفنا لهم على ترجمة، وأكثرهم شخصيات محلية من أهل موطنه الزبير، لم يترجم لهم أحد.

وأخيراً فهذا نص فريد، احتوى على تفاصيل جديدة، عن بقعة مهمة من وطننا العربي، كان لها دور سياسي واجتماعي في حقبة حافلة بالأحداث والمتغيرات، نضعه بين يدي الباحثين والقراء عامة، راجين أن يحظى بما يستحقه من اهتمام.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

عماد عبد السلام رؤوف

Page 9

سنة 1300

( [33] )

وفيها مات الشيخ عبد الله النفيسة([34])، صار قاضياً وإماماً بعد وفاة والده الشيخ إبراهيم 1294.

ولما مات ابن نفيسة صار القاضي مكانه الشيخ صالح المبيض مكانه، وتراجمهم في الأعلام.

وفيها عَمَّر الشيخ عيسى القرطاس([35]) مسجداً([36]) يصلي فيه القبة([37])، ثم حوَّطه بجدار، وبنى منبراً، جزاه الله أحسن الجزاء.

وفيها عَمّر الحاج عبد الله المِشْري([38]) مسجد الحزم([39])، ووسّعه، وعَمّر المُتوضّأ، وجعل له بابين إلى الشمال وإلى الشرق، والأستاذ عبد الله الصقر، ومات عبد الله 1321 ومات يد الله 1333.

وفيها مات إمام مسجد دروازا([40]) الملا جاسم الحنيف، وخلف ولده الملا يوسف إماماً، ومات سنة 1341 وخلف ولده محمد وصار إبراهيم ولد مِزعِل يصلي نائباً من الولد حتى يرشد. ففي 1345 جمادى أول صار ولد مِزعِل مؤذناً في مسجد سكمان بن حجيم، وصار محمود إماماً يصلي في مسجد دروازا إلى وقتنا هذا، وهو السنة السابعة وأربعين و1300.

وفيها مات الإمام الأعمى الأصم الشيخ مبارك الحَمْوَة، وصار خليفة مكانه الشيخ عبد الجبار النقشبندي، وصار خليفة مكانه الشيخ محمد صالح العبيد المتوفى سنة 1334.

ثم دخلت سنة 1301

.......................([41])

Page 10

ثم دخلت سنة 1302

( [42] )

وفيها يوم الاثنين([43]) عقد ثاني جماد أول مات الشيخ أحمد نُور([44]) في البصرة، ودُفن عند حسن بصري، رحمه الله([45])، وأرخه بعضهم بقوله:

قد كان داعي النجاة فأرِّخوا تاجٌ ثوى في القبر أحمد نور

وفيها بعد أول ذي القعدة مات موسى أفندي الصوفي، راعي الطريقة الرفاعية في مناوي([46]).

....([47])الشهود، وفي 28 شوال [كان] ظهور الكلاب المُسْتَفلتة عضَّت([48]) نحو الأربعة، فقامت الناس وقتلوها، وكان [واحدهم] لا ينبح ولا يلتفت، يمشي كالسَكران، وينهش من لَقِيه، أعاذنا الله منها وحمانا بِمَنِّه وكَرَمِه. إنتهى.

وفيها قدوم قاسم باشا الزهير([49]) من اصطنبول، وبعد أيام عاد إليها، ومات في 26 محرم سنة 1304([50]).

وماتت زوجته في آخر السنة([51]).

وكذا مات ناصر باشا السَعدون([52])، وقيل 1303 مات ناصر([53]).