Page 1
المقدمة
هناك أهمية خاصة تكمن في دراسة تاريخ لبنان الطائفي من خلال رصد الحالة الطائفية وتطورها التاريخي منذ بداية الفتوحات الإسلامية. وتبرز أهمية هذه الدراسة ليس من خلال رصد التطور التاريخي للطوائف اللبنانية فقط، بل من جانب رصد الاختلاف المميز للبنى الاجتماعية والسياسية التي أفرزتها الظاهرة الطائفية والتي من خلالها تحددت الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في لبنان الحديث والمعاصر. وقد تكرّست جذور هذا النظام منذ عهد القائمقاميتين ونظام المتصرفية، مروراً بمرحلتي الانتداب ( 1920 - 1943 ) والاستقلال، وصولاً إلى الحرب اللبنانية ( 1975 - 1990 )، التي كانت الطائفية السياسية أحد أبرز أسبابها الرئيسة.
انطلاقاً من ذلك أصبح الاستقلال الذاتي للطوائف من التقاليد الثابتة في تاريخ لبنان، ومن المسلمات والثوابت التي يقوم عليها النظام . وقد تجس د هذا الواقع الذي أشار إليه الدستور اللبناني ، بما منحته القوانين الوضعية المتعاقبة لهذه الطوائف من صلاحيات تشريعية وقضائية وإدارية .
وكانت الدولة دوما ً هي الضامن الأساسي لإنتاج الطوائف سياسيا ً وضبط نزاعاتها لمصلحة القوى المسيطرة . وهكذا بقي الخلل يضرب في الكيان اللبناني ، ويتعمق مع الزمن ويتحول إلى فجوات تسربت من خلالها هب ات التفجير التي عصفت بالوطن أكثر من مرة وآخرها الحرب الأهلية ( 1975 - 1990 ) ؛ وسيستمر ذلك إذا بقيت الطائفية الركيزة الأولى والأهم في بنية النظام اللبناني . من جهة ثانية، فإن هذا الوضع الطائفي جعل عملية التوجيه القومي والتربية الوطنية في تبلبل بعد أن تخر جت أجيال من المواطنين متباينة الأفكار والمذاهب ، ومتضاربة المثل والأهداف، تختلف في نظرتها إلى ماضي بلادها ، كما تختلف في نظرتها إلى حاضرها ومستقبلها . فتكو ن من ذلك مجتمع متنافر الأجزاء يعيش أفراده منكمشين على أنفسهم ضمن تقوقعات طائفية ، أو أنانية فردية لا تبالي بمصلحة عامة ولا بمصير مشترك . كما نشأ عن هذا الواقع التوجهي تباين في نظرة اللبنانيين إلى مصالحهم المشتركة ومصيرهم المحتوم ، وإلى أوضاعهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، التي تتوقف عليها حياتهم .
إن هذا التمثيل السياسي في ارتكازه على تمثيل الطوائف ، هو نظام يرفض الاعتراف بالحقوق السياسية والقانونية المتساوية للمواطنين ، وهو بذلك لا يعترف لهم إلا بحقوق طائفية غير متساوية.
ووراء واجهة الحقوق الطائفية والمشاركة والوحدة الوطنية يخفي نظام الطائفية السياسية نظاماً من الامتيازات الطائفية هي في الوقت نفسه امتيازات اقتصادية واجتماعية، أو امتيازات ثقافية-تعليمية تسمح بنيل الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية؛ أي أنّ نظام الامتيازات الطائفية هو في الوقت نفسه نظام من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية. وطبيعي في نظام كهذا، أن تتضارب المصالح السياسية والطائفية، وأن يصبح مجلس الإدارة هيئة تتصارع فيها القوى الطائفية التي أدخلت الحروب الأهلية في نفوس أبنائها نوعاً من الحذر وعدم الثقة.
انطلاقاً من ذلك، أيـَّد معظم اللبنانيين الاتفاق الجديد، (اتفاق الطائف) وذلك لأنهم ينتظرون الخلاص من الحرب والوقوف على عتبة مرحلة جديدة من تاريخ الدولة اللبنانية يقترن فيها إنقاذ الدولة، في وحدتها، وبالتالي في وجودها واستقرارها، وبضرورة إعادة تأسيسها تجاوباً مع المعطيات الوطنية السائدة، ومصالح الشعب اللبناني في وحدته وحريته وأمنه واستقراره ورخائه.
د. علي عبد فتوني
هناك أهمية خاصة تكمن في دراسة تاريخ لبنان الطائفي من خلال رصد الحالة الطائفية وتطورها التاريخي منذ بداية الفتوحات الإسلامية. وتبرز أهمية هذه الدراسة ليس من خلال رصد التطور التاريخي للطوائف اللبنانية فقط، بل من جانب رصد الاختلاف المميز للبنى الاجتماعية والسياسية التي أفرزتها الظاهرة الطائفية والتي من خلالها تحددت الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في لبنان الحديث والمعاصر. وقد تكرّست جذور هذا النظام منذ عهد القائمقاميتين ونظام المتصرفية، مروراً بمرحلتي الانتداب ( 1920 - 1943 ) والاستقلال، وصولاً إلى الحرب اللبنانية ( 1975 - 1990 )، التي كانت الطائفية السياسية أحد أبرز أسبابها الرئيسة.
انطلاقاً من ذلك أصبح الاستقلال الذاتي للطوائف من التقاليد الثابتة في تاريخ لبنان، ومن المسلمات والثوابت التي يقوم عليها النظام . وقد تجس د هذا الواقع الذي أشار إليه الدستور اللبناني ، بما منحته القوانين الوضعية المتعاقبة لهذه الطوائف من صلاحيات تشريعية وقضائية وإدارية .
وكانت الدولة دوما ً هي الضامن الأساسي لإنتاج الطوائف سياسيا ً وضبط نزاعاتها لمصلحة القوى المسيطرة . وهكذا بقي الخلل يضرب في الكيان اللبناني ، ويتعمق مع الزمن ويتحول إلى فجوات تسربت من خلالها هب ات التفجير التي عصفت بالوطن أكثر من مرة وآخرها الحرب الأهلية ( 1975 - 1990 ) ؛ وسيستمر ذلك إذا بقيت الطائفية الركيزة الأولى والأهم في بنية النظام اللبناني . من جهة ثانية، فإن هذا الوضع الطائفي جعل عملية التوجيه القومي والتربية الوطنية في تبلبل بعد أن تخر جت أجيال من المواطنين متباينة الأفكار والمذاهب ، ومتضاربة المثل والأهداف، تختلف في نظرتها إلى ماضي بلادها ، كما تختلف في نظرتها إلى حاضرها ومستقبلها . فتكو ن من ذلك مجتمع متنافر الأجزاء يعيش أفراده منكمشين على أنفسهم ضمن تقوقعات طائفية ، أو أنانية فردية لا تبالي بمصلحة عامة ولا بمصير مشترك . كما نشأ عن هذا الواقع التوجهي تباين في نظرة اللبنانيين إلى مصالحهم المشتركة ومصيرهم المحتوم ، وإلى أوضاعهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ، التي تتوقف عليها حياتهم .
إن هذا التمثيل السياسي في ارتكازه على تمثيل الطوائف ، هو نظام يرفض الاعتراف بالحقوق السياسية والقانونية المتساوية للمواطنين ، وهو بذلك لا يعترف لهم إلا بحقوق طائفية غير متساوية.
ووراء واجهة الحقوق الطائفية والمشاركة والوحدة الوطنية يخفي نظام الطائفية السياسية نظاماً من الامتيازات الطائفية هي في الوقت نفسه امتيازات اقتصادية واجتماعية، أو امتيازات ثقافية-تعليمية تسمح بنيل الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية؛ أي أنّ نظام الامتيازات الطائفية هو في الوقت نفسه نظام من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية. وطبيعي في نظام كهذا، أن تتضارب المصالح السياسية والطائفية، وأن يصبح مجلس الإدارة هيئة تتصارع فيها القوى الطائفية التي أدخلت الحروب الأهلية في نفوس أبنائها نوعاً من الحذر وعدم الثقة.
انطلاقاً من ذلك، أيـَّد معظم اللبنانيين الاتفاق الجديد، (اتفاق الطائف) وذلك لأنهم ينتظرون الخلاص من الحرب والوقوف على عتبة مرحلة جديدة من تاريخ الدولة اللبنانية يقترن فيها إنقاذ الدولة، في وحدتها، وبالتالي في وجودها واستقرارها، وبضرورة إعادة تأسيسها تجاوباً مع المعطيات الوطنية السائدة، ومصالح الشعب اللبناني في وحدته وحريته وأمنه واستقراره ورخائه.
د. علي عبد فتوني
Page 2
الفصل الأول
جذور الطائفية وتطورها في المناطق اللبنانية
بداية التكونات الطائفية
عندما دخل العرب المسلمون بلاد الشام، كانت المناطق اللبنانية كغيرها تشكل ولاية من الولايات البيزنطية مع نوع من الإدارة الذاتية. وكان أكثر السكان خليطاً من أقوام متعددة من بينهم العرب في سهل البقاع، أما دين الأكثرية فكان المسيحية ولاسيما منذ قسطنطين الكبير[1]. وقد شكّل الفتح الإسلامي مدخلًا واضحاً للمقاطعات اللبنانية حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، حيث قسمت بلاد سوريا لأسباب إدارية إلى أربع مناطق عسكرية (جُند) وكان التقسيم استمراراً لتقسيم الروم للبلاد. أما هذه الأجناد الأربعة فقد كانت دمشق وحمص والأردن وفلسطين. وقد أضيف اليها زمن يزيد بن معاوية ( 680 - 683 م) قسم خاص: جند قسرين، الذي اقتطع من جند حمص، وكان يشمل بلاد ما بين النهرين. وألحقت المدن الساحلية اللبنانية بجند دمشق[2]. وكان للسرعة والسهولة اللتين تم بهما للمسلمين انتزاع مثل هذا الإقليم الاستراتيجي الهام من أعظم سلطان في ذلك العصر، أثر كبير أكسب دولة الإسلام الجديدة نفوذا ً ومهابة في العالم، وولَّد فيها فوق ذلك ثقة بنفسها وبمصيرها .
حيال ذلك تابع المسلمون تحصين المناطق الساحلية باستقدام عدد كبير من المسلمين العرب إلى الساحل اللبناني للاستيطان فيه ولصد محاولات البيزنطيين في جعل الجبال اللبنانية قلاعا ً تنطلق منها الغزوات المخرّبة في الداخل ، وعهد إليهم بترميم الموانىء ومساعدة الجنود المسلمين في حمايتها ، وقد حلَّ هؤلاء المسلمون العرب في معظم المدن الساحلية ، كطرابلس ، وجبيل ، وبيروت ، وصيدا ، وصور[3] ، وفي بعض المدن الداخلية كعرقة في عكار وبعلبك التي نالت اهتماماً كبيراً ، حيث استوطنها كثير من العرب ومنها قبيلة « أوزاع » التي خرج منها الإمام الأوزاعي ، وأصبحت بعلبك مدينة علم وحارسة للبقاع والمناطق الداخلية من البلاد .
كما نقل معاوية بن أبي سفيان من بعلبك سنة 662 م كثيرا ً من السكان إلى صور وعكا وبقية السواحل . فكانت بعلبك حينذاك أشبه بالثكنة العسكرية والشعبية في آن واحد . واستقدم معاوية جماعة من الفرس وأسكنهم في طرابلس وغيرها لمنع الروم من النزول إلى السواحل[4] .
«ثم قرر منع المسيحيين من الإقامة في الساحل، إلا إذا دعت الحاجة إليهم»[5].
أما من الناحية الدينية فيبدو أن التسامح الديني الذي أوجده الأمويون قد أسهم في تكوين الطائفة المارونية في شمالي لبنان، بالرغم من قلة عدد هؤلاء. ففي الجبال الشمالية المحيطة ببشري كانت تسكن جماعات نصرانية يدير شؤونها زعماؤها المحليون. وقد قدّمت الطاعة للفتح الجديد وقبل المسلمون خضوعها واكتفوا بتبعيتها الاسمية لقاء الجزية والخراج. وكانت تلك المنطقة تعرف باسم «جبل لبنان». وأهم مراكزه إهدن وبشري ومدن جبة بشري[6].
وما لبثت تلك الجماعات أن تمردت على الفتح الإسلامي يساندها البيزنطيون، ثم تمردت على هؤلاء أيضاً بعد مصالحتهم للأمويين، وخاضت مع البيزنطيين معارك دامية. وقد ابتنوا أثناء ذلك الحصن المعروف بالقلعة الحجرية في انطلياس وحصن «بحرصاف». وكان أميرهم يدعى (يوحنا) ويسكن في بسكنتا، وقد شكل هذا التمركز الماروني فيما بعد أساساً لسكن تلك المنطقة[7].
جذور الطائفية وتطورها في المناطق اللبنانية
بداية التكونات الطائفية
عندما دخل العرب المسلمون بلاد الشام، كانت المناطق اللبنانية كغيرها تشكل ولاية من الولايات البيزنطية مع نوع من الإدارة الذاتية. وكان أكثر السكان خليطاً من أقوام متعددة من بينهم العرب في سهل البقاع، أما دين الأكثرية فكان المسيحية ولاسيما منذ قسطنطين الكبير[1]. وقد شكّل الفتح الإسلامي مدخلًا واضحاً للمقاطعات اللبنانية حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، حيث قسمت بلاد سوريا لأسباب إدارية إلى أربع مناطق عسكرية (جُند) وكان التقسيم استمراراً لتقسيم الروم للبلاد. أما هذه الأجناد الأربعة فقد كانت دمشق وحمص والأردن وفلسطين. وقد أضيف اليها زمن يزيد بن معاوية ( 680 - 683 م) قسم خاص: جند قسرين، الذي اقتطع من جند حمص، وكان يشمل بلاد ما بين النهرين. وألحقت المدن الساحلية اللبنانية بجند دمشق[2]. وكان للسرعة والسهولة اللتين تم بهما للمسلمين انتزاع مثل هذا الإقليم الاستراتيجي الهام من أعظم سلطان في ذلك العصر، أثر كبير أكسب دولة الإسلام الجديدة نفوذا ً ومهابة في العالم، وولَّد فيها فوق ذلك ثقة بنفسها وبمصيرها .
حيال ذلك تابع المسلمون تحصين المناطق الساحلية باستقدام عدد كبير من المسلمين العرب إلى الساحل اللبناني للاستيطان فيه ولصد محاولات البيزنطيين في جعل الجبال اللبنانية قلاعا ً تنطلق منها الغزوات المخرّبة في الداخل ، وعهد إليهم بترميم الموانىء ومساعدة الجنود المسلمين في حمايتها ، وقد حلَّ هؤلاء المسلمون العرب في معظم المدن الساحلية ، كطرابلس ، وجبيل ، وبيروت ، وصيدا ، وصور[3] ، وفي بعض المدن الداخلية كعرقة في عكار وبعلبك التي نالت اهتماماً كبيراً ، حيث استوطنها كثير من العرب ومنها قبيلة « أوزاع » التي خرج منها الإمام الأوزاعي ، وأصبحت بعلبك مدينة علم وحارسة للبقاع والمناطق الداخلية من البلاد .
كما نقل معاوية بن أبي سفيان من بعلبك سنة 662 م كثيرا ً من السكان إلى صور وعكا وبقية السواحل . فكانت بعلبك حينذاك أشبه بالثكنة العسكرية والشعبية في آن واحد . واستقدم معاوية جماعة من الفرس وأسكنهم في طرابلس وغيرها لمنع الروم من النزول إلى السواحل[4] .
«ثم قرر منع المسيحيين من الإقامة في الساحل، إلا إذا دعت الحاجة إليهم»[5].
أما من الناحية الدينية فيبدو أن التسامح الديني الذي أوجده الأمويون قد أسهم في تكوين الطائفة المارونية في شمالي لبنان، بالرغم من قلة عدد هؤلاء. ففي الجبال الشمالية المحيطة ببشري كانت تسكن جماعات نصرانية يدير شؤونها زعماؤها المحليون. وقد قدّمت الطاعة للفتح الجديد وقبل المسلمون خضوعها واكتفوا بتبعيتها الاسمية لقاء الجزية والخراج. وكانت تلك المنطقة تعرف باسم «جبل لبنان». وأهم مراكزه إهدن وبشري ومدن جبة بشري[6].
وما لبثت تلك الجماعات أن تمردت على الفتح الإسلامي يساندها البيزنطيون، ثم تمردت على هؤلاء أيضاً بعد مصالحتهم للأمويين، وخاضت مع البيزنطيين معارك دامية. وقد ابتنوا أثناء ذلك الحصن المعروف بالقلعة الحجرية في انطلياس وحصن «بحرصاف». وكان أميرهم يدعى (يوحنا) ويسكن في بسكنتا، وقد شكل هذا التمركز الماروني فيما بعد أساساً لسكن تلك المنطقة[7].
Page 3
وخلال حكم الأمويين، ثم العباسيين استقرت في المناطق اللبنانية روافد سكانية عديدة، من المردة ومن أتباع القديس مارون الذين نزحوا من وادي العاصي إلى جبل لبنان القديم، ثم نقل المنصور العباسي قبائل عربية من منطقة حلب إلى شواطىء لبنان، وأبرزها قبائل التنوخيين، حيث كانت بداية هجرات واسعة لقبائل عربية انتقلت إلى المناطق اللبنانية لحمايتها من غزوات البيزنطيين ثم الصليبيين، ولعبت دوراً أساسياً في قمع انتفاضات السكان المحليين خصوصاً بعد ثورة المنيطرة عام 759 م[8]. واقتفى أبو جعفر المنصور طريقة معاوية في نقل قبائل عربية إلى المناطق اللبنانية، فأقطع الأميرين منذر بن مالك وأخاه ارسلان زعيمي قبائل لخم الساكنة في المعرّة شمال سوريا، مقاطعات واسعة من أراضي لبنان. واتخذت هذه القبائل سن الفيل عاصمة لها. ثم انتشرت في أنحاء لبنان وتوزعت إلى اثنتي عشرة جماعة لكل منها منطقة خاصة بها. وعلى رأس كل جماعة مقدم يدير شؤونها ويتبع الأمير الحاكم.
لم يطل الأمر حتى انفجر الصدام بين السكان المحليين النصارى وبين القبائل الوافدة، وكانت أبرز المعارك، معارك نهر بيروت وانطلياس ونهر الموت (الذي سمّي بهذا الاسم منذ ذلك الحين)، وسن الفيل، وكانت النتيجة هزائم متكررة للنصارى حيث اضطروا في نهايتها إلى الانطواء داخل قراهم الجبلية. وتتابعت مع اللخميين هجرات القبائل التنوخية أيام الرشيد والمتوكل، فسكن التنوخيون مناطق الباروك والغرب ووصلوا إلى كسروان في أوائل القرن التاسع للميلاد[9] .
انطلاقا ً من ذلك عاشت المناطق اللبنانية برمتها حالة مستمرة من الفوضى السياسية وعدم الاستقرار والمصادرة والاغتيال ، وكان الحكام يتغيرون بصورة مستمرة . وبرز الكثير من المغامرين والطامحين لتولي الحكم ، وأضحت النزاعات والغزوات المتواصلة بين القبائل الوافدة وبين السكان المحليين السمة الأساسية المميزة لتطور هذه الفترة ، حيث كانت النتيجة الحتمية لذلك أن انقلب الانفتاح بين القبائل والطوائف المحلية إلى انغلاق ( شبه كامل ) فيما بينها .
وبالرغم من أن هذا الانغلاق الاجتماعي والسكاني تميز في معظم الأحيان بتكتل سياسي ذي وجه طائفي واضح، فإن الطوائف اللبنانية انصرفت في هذه الفترة المضطربة إلى الحفاظ على المناطق التي تسيطر عليها ومحاولة التوسع على حساب جيرانها[10] . إلّا أنها لم تشكل نوعا ً من الاتحاد السياسي على أساس ديني ، بل بقيت كل طائفة تسكن منطقة خاصة بها وتشكل تكتلا ً مميزا ً، وكانت هذه الطائفية المختلفة تعيش في المناطق اللبنانية ، رغم تقاربها في المكان ، منعزلة تقريبا ً الواحدة عن الأخرى .
لم يطل الأمر حتى انفجر الصدام بين السكان المحليين النصارى وبين القبائل الوافدة، وكانت أبرز المعارك، معارك نهر بيروت وانطلياس ونهر الموت (الذي سمّي بهذا الاسم منذ ذلك الحين)، وسن الفيل، وكانت النتيجة هزائم متكررة للنصارى حيث اضطروا في نهايتها إلى الانطواء داخل قراهم الجبلية. وتتابعت مع اللخميين هجرات القبائل التنوخية أيام الرشيد والمتوكل، فسكن التنوخيون مناطق الباروك والغرب ووصلوا إلى كسروان في أوائل القرن التاسع للميلاد[9] .
انطلاقا ً من ذلك عاشت المناطق اللبنانية برمتها حالة مستمرة من الفوضى السياسية وعدم الاستقرار والمصادرة والاغتيال ، وكان الحكام يتغيرون بصورة مستمرة . وبرز الكثير من المغامرين والطامحين لتولي الحكم ، وأضحت النزاعات والغزوات المتواصلة بين القبائل الوافدة وبين السكان المحليين السمة الأساسية المميزة لتطور هذه الفترة ، حيث كانت النتيجة الحتمية لذلك أن انقلب الانفتاح بين القبائل والطوائف المحلية إلى انغلاق ( شبه كامل ) فيما بينها .
وبالرغم من أن هذا الانغلاق الاجتماعي والسكاني تميز في معظم الأحيان بتكتل سياسي ذي وجه طائفي واضح، فإن الطوائف اللبنانية انصرفت في هذه الفترة المضطربة إلى الحفاظ على المناطق التي تسيطر عليها ومحاولة التوسع على حساب جيرانها[10] . إلّا أنها لم تشكل نوعا ً من الاتحاد السياسي على أساس ديني ، بل بقيت كل طائفة تسكن منطقة خاصة بها وتشكل تكتلا ً مميزا ً، وكانت هذه الطائفية المختلفة تعيش في المناطق اللبنانية ، رغم تقاربها في المكان ، منعزلة تقريبا ً الواحدة عن الأخرى .
Page 4
ظاهرة الطائفية خلال حكمي الصليبيين والمماليك
قسّمت المناطق اللبنانية في عهد الصليبيين إلى عدة إمارات ، منها ما هو تابع لبارونية بيروت ومنها ما يتبع لإمارة صيدا وغيرها من البارونيات في الجنوب . أما القسم الشمالي فكان ملحقا ً بإمارة طرابلس . على أن المسيحيين ما برحوا يتولون أمورهم بأنفسهم فأطلقت الحرية لأمرائهم في إدارة شؤون إقطاعاتهم ، أما بطريركهم فلم تكن سلطته عليهم محصورة في المسائل الدينية فقط بل هو بمثابة الرئيس ، يمثل وحدتهم القومية . فهم قبل قدوم الصليبيين كانوا ينزلون البطريرك منزلة أكبر رئيس عليهم متخذينه إماما ً لهم وقائدا ً في الدين والدنيا. وقد عظم شأن الاكليروس وسيادتهم ونفاذ كلمتهم فيهم على عهد المرحلة الصليبية لما للاكليروس عندهم من رفعة القدر والمنزلة[11] . وفي هذه المرحلة تعددت التجزئة السياسية ، وتعددت المذاهب الدينية وفتح الباب على مصراعيه للغزو الأجنبي . وكان الشعب الذي عانى الذل والفقر طوال عدة قرون لا يبالي عندما يتبد ل من يحكمه ، ولعبت الفوضى السياسية والدينية ، وضعف السلطة المركزية الإقطاعية في الخارج دورا ً أساسيا ً في جعل الطائفية وسيلة تجميع لمعتنقيها ، ولعب الصليبيون دورا ً هاما ً في إبراز الطائفة المسيحية كواحدة من الطائفيات المتنازعة للسيطرة على أرض مجاورة . وبدأت الطائفية النصرانية تبرز على قدم المساواة مع الطائفيات السنية والشيعية والدرزية[12] . والجدير بالذكر أن التدفق النصراني الذي رافق الغزو الصليبي للسواحل اللبنانية رك ز أقدامه التجارية في البترون وجبيل وطرابلس وبيروت وصيدا وصور . وتعز ز تباعا ً خلال الفترات اللاحقة ونشط مع توطيد العلاقة بالقنصليات التجارية والإرساليات الأجنبية[13] .
ومع بداية حكم المماليك سميت الإمارات « نيابات » ، وبقيت كل نيابة تشكل دولة مميزة نسبيا ً عن الأخرى . أما النيابات فهي ست: دمشق وحلب وحماه في سوريا ، وصيدا والكرك في فلسطين ، وطرابلس على الساحل اللبناني . وفيما بعد ، جمعت النيابات الست في نيابتين رئيسيتين هما : دمشق وحلب ، طوال القرن الثالث عشر ، ثم عاد المماليك في القرن الرابع عشر إلى تقسيم تلك المناطق إلى سبع نيابات ضمت النيابات الست السابقة بالإضافة إلى نيابة غزة ، وكانت منطقة لبنان القديم تتبع نيابة طرابلس ، في حين أتبعت مقاطعات جبل الشوف والبقاع وبعلبك وبيروت وصيدا لنيابة دمشق[14] .
إن التمركز السكاني والتقسيم الجغرافي في المناطق اللبنانية ارتدى وجها ً طائفيا ً تسبب في نشوء سياسي ارتكز أساسا ً على استقلالية نسبية لكل طائفة تسيطر على منطقة خاصة بها[15] .
وكان من نتائج هذا الانغلاق الطائفي – الاجتماعي – الاقتصادي أن تحولت العائلات الاقطاعية إلى حكومات محلي ة مصغرة ، تتآلف وتتناحر وفقا ً لمصالحها الخاصة ، وليس وفقا ً لسياسة الدولة الحاكمة ، وهذا التحول الإقطاعي هو الذي طبع العصر المملوكي بطابعه ، وظل مستمرا ً فيما بعد في العهد العثماني .
قسّمت المناطق اللبنانية في عهد الصليبيين إلى عدة إمارات ، منها ما هو تابع لبارونية بيروت ومنها ما يتبع لإمارة صيدا وغيرها من البارونيات في الجنوب . أما القسم الشمالي فكان ملحقا ً بإمارة طرابلس . على أن المسيحيين ما برحوا يتولون أمورهم بأنفسهم فأطلقت الحرية لأمرائهم في إدارة شؤون إقطاعاتهم ، أما بطريركهم فلم تكن سلطته عليهم محصورة في المسائل الدينية فقط بل هو بمثابة الرئيس ، يمثل وحدتهم القومية . فهم قبل قدوم الصليبيين كانوا ينزلون البطريرك منزلة أكبر رئيس عليهم متخذينه إماما ً لهم وقائدا ً في الدين والدنيا. وقد عظم شأن الاكليروس وسيادتهم ونفاذ كلمتهم فيهم على عهد المرحلة الصليبية لما للاكليروس عندهم من رفعة القدر والمنزلة[11] . وفي هذه المرحلة تعددت التجزئة السياسية ، وتعددت المذاهب الدينية وفتح الباب على مصراعيه للغزو الأجنبي . وكان الشعب الذي عانى الذل والفقر طوال عدة قرون لا يبالي عندما يتبد ل من يحكمه ، ولعبت الفوضى السياسية والدينية ، وضعف السلطة المركزية الإقطاعية في الخارج دورا ً أساسيا ً في جعل الطائفية وسيلة تجميع لمعتنقيها ، ولعب الصليبيون دورا ً هاما ً في إبراز الطائفة المسيحية كواحدة من الطائفيات المتنازعة للسيطرة على أرض مجاورة . وبدأت الطائفية النصرانية تبرز على قدم المساواة مع الطائفيات السنية والشيعية والدرزية[12] . والجدير بالذكر أن التدفق النصراني الذي رافق الغزو الصليبي للسواحل اللبنانية رك ز أقدامه التجارية في البترون وجبيل وطرابلس وبيروت وصيدا وصور . وتعز ز تباعا ً خلال الفترات اللاحقة ونشط مع توطيد العلاقة بالقنصليات التجارية والإرساليات الأجنبية[13] .
ومع بداية حكم المماليك سميت الإمارات « نيابات » ، وبقيت كل نيابة تشكل دولة مميزة نسبيا ً عن الأخرى . أما النيابات فهي ست: دمشق وحلب وحماه في سوريا ، وصيدا والكرك في فلسطين ، وطرابلس على الساحل اللبناني . وفيما بعد ، جمعت النيابات الست في نيابتين رئيسيتين هما : دمشق وحلب ، طوال القرن الثالث عشر ، ثم عاد المماليك في القرن الرابع عشر إلى تقسيم تلك المناطق إلى سبع نيابات ضمت النيابات الست السابقة بالإضافة إلى نيابة غزة ، وكانت منطقة لبنان القديم تتبع نيابة طرابلس ، في حين أتبعت مقاطعات جبل الشوف والبقاع وبعلبك وبيروت وصيدا لنيابة دمشق[14] .
إن التمركز السكاني والتقسيم الجغرافي في المناطق اللبنانية ارتدى وجها ً طائفيا ً تسبب في نشوء سياسي ارتكز أساسا ً على استقلالية نسبية لكل طائفة تسيطر على منطقة خاصة بها[15] .
وكان من نتائج هذا الانغلاق الطائفي – الاجتماعي – الاقتصادي أن تحولت العائلات الاقطاعية إلى حكومات محلي ة مصغرة ، تتآلف وتتناحر وفقا ً لمصالحها الخاصة ، وليس وفقا ً لسياسة الدولة الحاكمة ، وهذا التحول الإقطاعي هو الذي طبع العصر المملوكي بطابعه ، وظل مستمرا ً فيما بعد في العهد العثماني .
Page 5
« وبتحول العائلات إلى حكومات إقطاعية مستقرة بدأت تظهر بينها المنازعات القبلية : القيسية واليمنية ، مبتدئة من البقاع ثم منتقلة إلى مختلف المناطق اللبنانية : جبال الشوف ، وجبل عامل ، وجبل كسروان وبلاد جبيل وشمالي لبنان ...»[16] .
وقد تميزت هذه الحكومات الإقطاعية في المناطق اللبنانية عن بقية مناطق الإقطاع المملوكي بطابع طائفي لم يظهر واضحا ً إلا عندما حدث الاستقرار في القرن الخامس عشر ، ولكن سرعان ما امتص الصراع القيسي اليمني هذا الطابع الطائفي في أواخر القرن المذكور ليصبح إجمالا ً الطابع الغالب ، ويرسم الخط السياسي لتاريخ المناطق اللبنانية في العهد العثماني[17]. ولعبت الظروف الخارجية دوراً أساسياً في تثبيت الانغلاق السكاني في المناطق اللبنانية وتحددت مع هذه الظروف الإمكانيات الحقيقية للتوسع الطائفي باتجاه مناطق جديدة لم يكن لها فيها وجود فعلي في السابق[18].
كما أعطى التمركز السكاني الطائفي في ظل المماليك، هوية ثابتة في مناطق محددة للجماعات التي لم تصل إلى السلطة، بل كانت تدفع الضرائب لأصحاب السلطة المركزية التي كانت تتغير بصورة دائمة، في حين زاد النفوذ السياسي للجماعات المسيطرة من الخارج على بعض المناطق، كما زال معها وجودها الفعلي بعد فترات الوقوف ضد السلطة المركزية، بحيث تم استبدالها بتجمعات سكانية جديدة تابعة للسلطة المركزية. وهذا ما يفسر زوال الوجود الشيعي عن طرابلس وكسروان والبترون ومناطق جبيل.
وبذلك ارتسمت معالم الخريطة السكانية للطوائف اللبنانية بوضوح بعد الحملة المملوكية ضد كسروان. فقد انكفأ الشيعة باتجاه بعلبك-الهرمل وجبل عامل، وبدأوا تحت الضغط والاضطهاد يغادرون كسروان ويختفون تدريجاً من أكثر مدن الساحل، في حين انكفأ الدروز باتجاه الشوف والنصيرية باتجاه عكار. وكان الموارنة أكثر المستفيدين من هذا الوضع الجديد بسبب كثافتهم السكانية من جهة والفراغ الهائل الذي أحدثه نزوح الشيعة عن كسروان من جهة أخرى[19] .
هكذا باتت خريطة التمركز السكاني واضحة مع مجيء العثمانيين إلى لبنان، فالمعنيون في الشوف، والأرسلانيون في الشوفيات والشهابيون في وادي التيم، والبحتريون في بيروت، وآل بشارة في جبل عامل وعرفوا بآل بشارة الصغير، وآل حمادة في جبة المنيطرة، وآل حرفوش في البقاع الأوسط وآل عساف في كسروان وجبيل، وآل سيفا في عكار وطرابلس، مع تمركز سكاني نصراني كثيف في وادي قاديشا والكورة، وتدفق مستمر باتجاه جبيل والبترون وكسروان[20].
وقد تميزت هذه الحكومات الإقطاعية في المناطق اللبنانية عن بقية مناطق الإقطاع المملوكي بطابع طائفي لم يظهر واضحا ً إلا عندما حدث الاستقرار في القرن الخامس عشر ، ولكن سرعان ما امتص الصراع القيسي اليمني هذا الطابع الطائفي في أواخر القرن المذكور ليصبح إجمالا ً الطابع الغالب ، ويرسم الخط السياسي لتاريخ المناطق اللبنانية في العهد العثماني[17]. ولعبت الظروف الخارجية دوراً أساسياً في تثبيت الانغلاق السكاني في المناطق اللبنانية وتحددت مع هذه الظروف الإمكانيات الحقيقية للتوسع الطائفي باتجاه مناطق جديدة لم يكن لها فيها وجود فعلي في السابق[18].
كما أعطى التمركز السكاني الطائفي في ظل المماليك، هوية ثابتة في مناطق محددة للجماعات التي لم تصل إلى السلطة، بل كانت تدفع الضرائب لأصحاب السلطة المركزية التي كانت تتغير بصورة دائمة، في حين زاد النفوذ السياسي للجماعات المسيطرة من الخارج على بعض المناطق، كما زال معها وجودها الفعلي بعد فترات الوقوف ضد السلطة المركزية، بحيث تم استبدالها بتجمعات سكانية جديدة تابعة للسلطة المركزية. وهذا ما يفسر زوال الوجود الشيعي عن طرابلس وكسروان والبترون ومناطق جبيل.
وبذلك ارتسمت معالم الخريطة السكانية للطوائف اللبنانية بوضوح بعد الحملة المملوكية ضد كسروان. فقد انكفأ الشيعة باتجاه بعلبك-الهرمل وجبل عامل، وبدأوا تحت الضغط والاضطهاد يغادرون كسروان ويختفون تدريجاً من أكثر مدن الساحل، في حين انكفأ الدروز باتجاه الشوف والنصيرية باتجاه عكار. وكان الموارنة أكثر المستفيدين من هذا الوضع الجديد بسبب كثافتهم السكانية من جهة والفراغ الهائل الذي أحدثه نزوح الشيعة عن كسروان من جهة أخرى[19] .
هكذا باتت خريطة التمركز السكاني واضحة مع مجيء العثمانيين إلى لبنان، فالمعنيون في الشوف، والأرسلانيون في الشوفيات والشهابيون في وادي التيم، والبحتريون في بيروت، وآل بشارة في جبل عامل وعرفوا بآل بشارة الصغير، وآل حمادة في جبة المنيطرة، وآل حرفوش في البقاع الأوسط وآل عساف في كسروان وجبيل، وآل سيفا في عكار وطرابلس، مع تمركز سكاني نصراني كثيف في وادي قاديشا والكورة، وتدفق مستمر باتجاه جبيل والبترون وكسروان[20].
Page 6
الدولة العثمانية تنظم العلاقة مع الطوائف غير الإسلامية
لقد عرفت بلاد الشام في تلك الفترة ، تعددا ً كبيرا ً في الانتماء الديني المذهبي لسكانها . وتركز هذا التعدد أكثر ما تركز في جبل لبنان والمناطق المحيطة به من سوريا ، إلى جانب المسلمين السنيين الموالين للدولة العثمانية والذين شكلوا الأكثرية الساحقة من السكان ولاسيما في المدن ، وتمركزت في المناطق الجبلية الريفية مذاهب إسلامية أخرى ( الشيعية والنصيرية والدروز )، اختلفت درجة ولائها للدولة العثمانية حسب الظروف والمراحل التاريخية المختلفة[21] ، فمن جهة، لم تعتبر هذه المذاهب من أهل الذمة الذين طاولهم « نظام الملل » العثماني وامتيازاته الكثيرة ، ومن جهة أخرى، عاش أهل هذه المذاهب بخصائصهم المذهبية في إطار عصبيات إقطاعية – طائفية مغلقة وممتنعة في غالب الأحيان عن مطالبة ممثلي الدولة العثمانية الموجودين في مراكز الولايات والألوية عن دفع الضرائب . وأما على صعيد الطوائف غير الإسلامية ، فكانت الدولة العثمانية قد نظمت شؤونها منذ عهد السلطان محمد الثاني في إطار توازن سياسي تمارس خلاله الطائفية الدينية التي اعتبرت « ملة »[22] .
«نظام الملة هو عبارة عن نظام إسلامي طبق على أهل الذمة من رعايا السلطان»[23].
وتبعاً لهذا النظام كان جميع الرعايا العثمانيين من غير المسلمين ينظمون في طوائف حسب مذاهبهم الدينية وليس حسب المكان الذي ينتمون إليه، ويرعى كل ملة رؤساؤها الروحيون الذين يفصلون في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية، «إرث-زواج»[24]، كما يعتبرون الممثلين لأبناء طائفتهم لدى السلطات العثمانية. واعترفت الدولة العثمانية بزعماء الملل المسيحية واليهود الذين تختارهم طوائفهم وفقا ً لقوانينها الخاصة ، وأوكلت إليهم أمر طوائفهم[25] . وكان مسيحيو جبل لبنان يتمتعون بالحرية الدينية نفسها، وبشبه استقلال ذاتي داخلي يمارسه زعماؤهم ، كما كانوا على صلات دينية بالغرب[26] .
في أوائل القرن التاسع عشر ولدت قضية دولية وسياسية محورها مسيحيو الشرق ولا تعود أسبابها إلى الخصائص الدينية أو العلاقات الطائفية مع السلطنة ، بل لأن هذه المنطقة في العالم كانت تشهد تحولات كبرى ، منها النزاع الفرنسي - البريطاني ، للسيطرة عليها وما استتبع ذلك من نزاع بين الدول الأوروبية والدولة العثمانية[27] . والتحولات الكبرى التي مهدت لخلق الأزمات الطائفية التي عرفتها المناطق اللبنانية ، جميعها فتحت الباب أمام الطوائف المسيحية نحو الدول الأوروبية ، فكانوا أسرع إلى التجاوب مع حضارتها وأكثر نزوعا ً إلى التقدم ، فازدادت الهوة بين الحاكم والمحكوم[28] . لذلك عادت الدولة العثمانية إلى تنظيم العلاقات بين الطوائف المسيحية حرصا ً منها على عدم إثارة نزاع طائفي يستجر في أعقابه غالبا ً خطر التدخل الأجنبي[29] . فأصدر السلطان عبد المجيد عام 1839 إرادة « سنية » تقضي بحل الخلافات الطائفية إذا ظهرت بين طائفتين عن طريق رؤساء الطائفتين المتنازعتين فقط دون الحاجة إلى تدخل طرف ثالث ، ورأت الدولة العثمانية أنها باتخاذها مثل هذا الإجراء تحول دون محاذير التدخل الأجنبي ومخاطره ، ثم نظمت شؤون مختلف الطوائف غير الإسلامية الباقية[30] . وفي عام 1856 صدر خط التنظيمات الخيرية ، وأكد على السماح للطوائف غير الإسلامية بالحرية في ممارسة شعائرها الدينية وبناء معابدها ، وإعلان المساواة في المعاملة بين جميع الطوائف ومنع استعمال الألفاظ التي تحط من قيمة غير المسلمين ، وتأمين الحرية الدينية لأهل كل مذهب ، ومنحت الأديرة المسيحية في بلاد سوريا امتيازات خاصة ، فأعفت أغنامها من الرسوم[31] . كما أصدرت عام 1864 نظاماً يتضمن إعفاء جميع أصناف الرهبان عن تبعة الدولة العثمانية والدول الأجنبية والمذاهب المختلفة، وحق التمثيل في مجالس دعاوى الأقضية بعضو أو أكثر، وفي مجالس تمييز الألوية بثلاثة أعضاء وفي ديوان يميز الولاية بثلاثة أعضاء[32].
لقد عرفت بلاد الشام في تلك الفترة ، تعددا ً كبيرا ً في الانتماء الديني المذهبي لسكانها . وتركز هذا التعدد أكثر ما تركز في جبل لبنان والمناطق المحيطة به من سوريا ، إلى جانب المسلمين السنيين الموالين للدولة العثمانية والذين شكلوا الأكثرية الساحقة من السكان ولاسيما في المدن ، وتمركزت في المناطق الجبلية الريفية مذاهب إسلامية أخرى ( الشيعية والنصيرية والدروز )، اختلفت درجة ولائها للدولة العثمانية حسب الظروف والمراحل التاريخية المختلفة[21] ، فمن جهة، لم تعتبر هذه المذاهب من أهل الذمة الذين طاولهم « نظام الملل » العثماني وامتيازاته الكثيرة ، ومن جهة أخرى، عاش أهل هذه المذاهب بخصائصهم المذهبية في إطار عصبيات إقطاعية – طائفية مغلقة وممتنعة في غالب الأحيان عن مطالبة ممثلي الدولة العثمانية الموجودين في مراكز الولايات والألوية عن دفع الضرائب . وأما على صعيد الطوائف غير الإسلامية ، فكانت الدولة العثمانية قد نظمت شؤونها منذ عهد السلطان محمد الثاني في إطار توازن سياسي تمارس خلاله الطائفية الدينية التي اعتبرت « ملة »[22] .
«نظام الملة هو عبارة عن نظام إسلامي طبق على أهل الذمة من رعايا السلطان»[23].
وتبعاً لهذا النظام كان جميع الرعايا العثمانيين من غير المسلمين ينظمون في طوائف حسب مذاهبهم الدينية وليس حسب المكان الذي ينتمون إليه، ويرعى كل ملة رؤساؤها الروحيون الذين يفصلون في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية، «إرث-زواج»[24]، كما يعتبرون الممثلين لأبناء طائفتهم لدى السلطات العثمانية. واعترفت الدولة العثمانية بزعماء الملل المسيحية واليهود الذين تختارهم طوائفهم وفقا ً لقوانينها الخاصة ، وأوكلت إليهم أمر طوائفهم[25] . وكان مسيحيو جبل لبنان يتمتعون بالحرية الدينية نفسها، وبشبه استقلال ذاتي داخلي يمارسه زعماؤهم ، كما كانوا على صلات دينية بالغرب[26] .
في أوائل القرن التاسع عشر ولدت قضية دولية وسياسية محورها مسيحيو الشرق ولا تعود أسبابها إلى الخصائص الدينية أو العلاقات الطائفية مع السلطنة ، بل لأن هذه المنطقة في العالم كانت تشهد تحولات كبرى ، منها النزاع الفرنسي - البريطاني ، للسيطرة عليها وما استتبع ذلك من نزاع بين الدول الأوروبية والدولة العثمانية[27] . والتحولات الكبرى التي مهدت لخلق الأزمات الطائفية التي عرفتها المناطق اللبنانية ، جميعها فتحت الباب أمام الطوائف المسيحية نحو الدول الأوروبية ، فكانوا أسرع إلى التجاوب مع حضارتها وأكثر نزوعا ً إلى التقدم ، فازدادت الهوة بين الحاكم والمحكوم[28] . لذلك عادت الدولة العثمانية إلى تنظيم العلاقات بين الطوائف المسيحية حرصا ً منها على عدم إثارة نزاع طائفي يستجر في أعقابه غالبا ً خطر التدخل الأجنبي[29] . فأصدر السلطان عبد المجيد عام 1839 إرادة « سنية » تقضي بحل الخلافات الطائفية إذا ظهرت بين طائفتين عن طريق رؤساء الطائفتين المتنازعتين فقط دون الحاجة إلى تدخل طرف ثالث ، ورأت الدولة العثمانية أنها باتخاذها مثل هذا الإجراء تحول دون محاذير التدخل الأجنبي ومخاطره ، ثم نظمت شؤون مختلف الطوائف غير الإسلامية الباقية[30] . وفي عام 1856 صدر خط التنظيمات الخيرية ، وأكد على السماح للطوائف غير الإسلامية بالحرية في ممارسة شعائرها الدينية وبناء معابدها ، وإعلان المساواة في المعاملة بين جميع الطوائف ومنع استعمال الألفاظ التي تحط من قيمة غير المسلمين ، وتأمين الحرية الدينية لأهل كل مذهب ، ومنحت الأديرة المسيحية في بلاد سوريا امتيازات خاصة ، فأعفت أغنامها من الرسوم[31] . كما أصدرت عام 1864 نظاماً يتضمن إعفاء جميع أصناف الرهبان عن تبعة الدولة العثمانية والدول الأجنبية والمذاهب المختلفة، وحق التمثيل في مجالس دعاوى الأقضية بعضو أو أكثر، وفي مجالس تمييز الألوية بثلاثة أعضاء وفي ديوان يميز الولاية بثلاثة أعضاء[32].
Page 7
إن تلك التشريعات التي قامت عليها حياة الطوائف غير الإسلامية تجلّت بالقوانين الوضعية التي أصبحت نتيجتها قانونياً متشابهة مع المسلمين في الدولة العثمانية، حيث ساد مبدأ المساواة بشكل صريح بضمان الحريات العامة للجميع وعلى رأسها الحرية الدينية، ولا سيما في الدستور العثماني الصادر عام 1876 الذي يقول في المادة السابعة عشرة: «إن العثمانيين، جميعهم متساوون أمام القانون، كما إنهم متساوون في حقوق المملكة ووظائفها ما عدا الأحوال الدينية والمذهبية»[33].
إن نظام الملل الذي حاول في البدء أن يرى في الخصوصيات المذهبية مجالاً له شيء من الحرية والاستقلالية في إطار الدولة ومؤسساتها وقوانينها بشكل متوازن، ساعد على إبراز التمييز الطائفي منذ البداية، لا بين المسلمين وأهل الكتاب فحسب، بل بين الطوائف الإسلامية نفسها[34]. إذ اعتبر العثمانيون أنفسهم ممثلين «للسنّة» أو الإسلام الحنيف، وعاملوا الشيعة والطوائف غير السنة من دروز ونصيرية، معاملة قاسية وعرفوا معها أنواعاً من الاضطهاد لم تعرفه أية طائفة من طوائف أهل الكتاب. وكانت هذه التدابير باسم «الشريعة الإسلامية» عاملاً مؤثراً في تقويض بنيان السلطنة[35]. إذا اعتبرت الطوائف الإسلامية كافة من غير السنة، أن الدولة العثمانية تسعى دوماً إلى اضطهادها الطائفي، فأكثرت من حركات التمرد والعصيان عليها وشكلت عوامل التفجير الدائم في داخلها[36].
أما على صعيد الطوائف غير الإسلامية، فعلى الرغم من القوانين والتنظيمات التي أصدرتها الدولة العثمانية للمحافظة على العلاقة معها ومنعاً لأي تدخل أوروبي، استمرّ شعورها بالعداء للسلطنة. والعامل الرئيسي لهذا الشعور العدائي نحو الأتراك هو أن المسيحيين كانوا يعتبرون أنفسهم مواطنين غرباء في بحر شاسع من السيادة العثمانية[37]. وفي الوقت نفسه كان اللبنانيون المسيحيون يشعرون بضرورة توفير نوع من الحماية الأجنبية، عن طري ق فرنسا أو عن طريق النمسا ، لكنهم آثروا الحماية الفرنسية لأنها كانت حامية الموارنة في الشرق الادنى[38] .
وبدأ رجال الدين المسيحيون يتدخلون في شؤون الولاية ، واتخذ قناصل الدول الأجنبية بعضهم وسائل للتذرع بالتدخل في شؤون الولاية[39] . وعندما كان الوالي يطلب من رؤساء الطوائف دفع الأموال الأميرية المترتبة عليهم كانوا يحاولون التملص بتأثير وتحريض من القناصل ، كما أن بعض أفراد الطوائف المسيحية اعتبروا فرنسا الحامية الطبيعية للمسيحيين العثمانيين ، والوطن الثاني لمسيحيي سوريا ، وطلبوا منها أن تفرض سيادتها على جبل لبنان[40] .
يلاحظ أن نظام الملل العثماني الذي استهدف تنظيم العلاقة بين الطوائف شك ل منفذا ً للدول الأوروبية بتعميق الصراعات الطوائفية المحلية وتلقيحها بمفاهيم أوروبية انفصالية ، ولاسيما بعد أن كان التغلغل الأوروبي عبر شت ى أشكاله قد أسفر عن تحولات اجتماعية وعلاقات جديدة بين القوى المنتجة[41] . كما تزاوج مع حاجات التوسع الأوروبي التي راحت تأخذ أشكالا ً قانونية في علاقاتها مع الباب العالي عبر الامتيازات الأجنبية التي أدت إلى التبشير الارسالي[42] .
وقد برز من الطوائف المسيحية التي عززتها تلك الإرساليات فريق من المثقفين وعوا عالم أوروبا الجديد ، بل اعتبروا أنفسهم جزءا ً منه ، ولاسيما الموارنة الذين أفادوا الإفادة القصوى ، ولعبوا فيما بعد دوراً هاماً في تاريخ توازنات جبل لبنان[43].
وساعدهم نظام الملل الذي كان عائقا ً كبيرا ً في طريق تمازج أبناء الطوائف اللبنانية المختلفة ، حيث ظل المسلمون يعتبرون الدولة العثمانية دولتهم ، يستسلمون لحكمها لكونها دولة الخلافة الإسلامية ، والمسيحيون يشعرون بغربتها لأنها اعتبرتهم رعايا[44] . وبرزت من خلال ذلك الأطماع الاستعمارية في المنطقة، وبدأ التحضير لجعل الطوائف المسيحية واليهودية عامل تفجير آخر ضد السلطنة ، بحيث عرف القرن التاسع عشر ، وهو عصر الاستعمار ، الكثير من الحركات الطائفية الرامية إلى إيجاد أوطان قومية طائفية .
إن نظام الملل الذي حاول في البدء أن يرى في الخصوصيات المذهبية مجالاً له شيء من الحرية والاستقلالية في إطار الدولة ومؤسساتها وقوانينها بشكل متوازن، ساعد على إبراز التمييز الطائفي منذ البداية، لا بين المسلمين وأهل الكتاب فحسب، بل بين الطوائف الإسلامية نفسها[34]. إذ اعتبر العثمانيون أنفسهم ممثلين «للسنّة» أو الإسلام الحنيف، وعاملوا الشيعة والطوائف غير السنة من دروز ونصيرية، معاملة قاسية وعرفوا معها أنواعاً من الاضطهاد لم تعرفه أية طائفة من طوائف أهل الكتاب. وكانت هذه التدابير باسم «الشريعة الإسلامية» عاملاً مؤثراً في تقويض بنيان السلطنة[35]. إذا اعتبرت الطوائف الإسلامية كافة من غير السنة، أن الدولة العثمانية تسعى دوماً إلى اضطهادها الطائفي، فأكثرت من حركات التمرد والعصيان عليها وشكلت عوامل التفجير الدائم في داخلها[36].
أما على صعيد الطوائف غير الإسلامية، فعلى الرغم من القوانين والتنظيمات التي أصدرتها الدولة العثمانية للمحافظة على العلاقة معها ومنعاً لأي تدخل أوروبي، استمرّ شعورها بالعداء للسلطنة. والعامل الرئيسي لهذا الشعور العدائي نحو الأتراك هو أن المسيحيين كانوا يعتبرون أنفسهم مواطنين غرباء في بحر شاسع من السيادة العثمانية[37]. وفي الوقت نفسه كان اللبنانيون المسيحيون يشعرون بضرورة توفير نوع من الحماية الأجنبية، عن طري ق فرنسا أو عن طريق النمسا ، لكنهم آثروا الحماية الفرنسية لأنها كانت حامية الموارنة في الشرق الادنى[38] .
وبدأ رجال الدين المسيحيون يتدخلون في شؤون الولاية ، واتخذ قناصل الدول الأجنبية بعضهم وسائل للتذرع بالتدخل في شؤون الولاية[39] . وعندما كان الوالي يطلب من رؤساء الطوائف دفع الأموال الأميرية المترتبة عليهم كانوا يحاولون التملص بتأثير وتحريض من القناصل ، كما أن بعض أفراد الطوائف المسيحية اعتبروا فرنسا الحامية الطبيعية للمسيحيين العثمانيين ، والوطن الثاني لمسيحيي سوريا ، وطلبوا منها أن تفرض سيادتها على جبل لبنان[40] .
يلاحظ أن نظام الملل العثماني الذي استهدف تنظيم العلاقة بين الطوائف شك ل منفذا ً للدول الأوروبية بتعميق الصراعات الطوائفية المحلية وتلقيحها بمفاهيم أوروبية انفصالية ، ولاسيما بعد أن كان التغلغل الأوروبي عبر شت ى أشكاله قد أسفر عن تحولات اجتماعية وعلاقات جديدة بين القوى المنتجة[41] . كما تزاوج مع حاجات التوسع الأوروبي التي راحت تأخذ أشكالا ً قانونية في علاقاتها مع الباب العالي عبر الامتيازات الأجنبية التي أدت إلى التبشير الارسالي[42] .
وقد برز من الطوائف المسيحية التي عززتها تلك الإرساليات فريق من المثقفين وعوا عالم أوروبا الجديد ، بل اعتبروا أنفسهم جزءا ً منه ، ولاسيما الموارنة الذين أفادوا الإفادة القصوى ، ولعبوا فيما بعد دوراً هاماً في تاريخ توازنات جبل لبنان[43].
وساعدهم نظام الملل الذي كان عائقا ً كبيرا ً في طريق تمازج أبناء الطوائف اللبنانية المختلفة ، حيث ظل المسلمون يعتبرون الدولة العثمانية دولتهم ، يستسلمون لحكمها لكونها دولة الخلافة الإسلامية ، والمسيحيون يشعرون بغربتها لأنها اعتبرتهم رعايا[44] . وبرزت من خلال ذلك الأطماع الاستعمارية في المنطقة، وبدأ التحضير لجعل الطوائف المسيحية واليهودية عامل تفجير آخر ضد السلطنة ، بحيث عرف القرن التاسع عشر ، وهو عصر الاستعمار ، الكثير من الحركات الطائفية الرامية إلى إيجاد أوطان قومية طائفية .
Page 8
التدخل الأوروبي يعزز الانقسام الطائفي
بدأت الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية إبان عظمتها ، حيث أبرم السلطان العثماني سليمان القانوني والملك الفرنسي فرنسوا الأول عام 1535 م ، المعاهدة التي سميت فيما بعد بمعاهدة « الامتيازات الأجنبية »[45] ، حصل الفرنسيون خلالها على امتيازات في هذه البلاد لأغراض التجارة[46] .
تلك المعاهدة كانت بمثابة نموذج لسائر المعاهدات التي عقدت مع الدول الأوروبية تحت الضغط السياسي والمالي والاقتصادي[47] . وظهرت حقوق خاصة للتجار الأجانب في الموانىء والمراكز التجارية . ثم تحولت إلى امتيازات مدنية لرعايا الدول الأجنبية ، « فجعلتهم يخضعون لقانون الدولة التي يحملون جنسيتها وليس لقانون الدولة العثمانية »[48] . وفي نهاية القرن التاسع عشر توسع نطاق الامتيازات إلى حد كبير ، فطاولت الحماية التجار المحليين من غير المسلمين المتعاملين مع التجار الأجانب ، « وشاعت في إطار الحماية طريقة منح الجنسيات الأجنبية لعملاء القنصليات ومترجميها »[49] ، الأمر الذي سبب ازدواجا ً في الولاء بالنسبة إلى المواطنين الوطنيين ، كما شغل بعضهم منصب قناصل الدول الأجنبية في بيروت ، ثم وكلاء القناصل ومعظم المترجمين ، « ومنهم أسرة الخازن التي شغلت منصب قنصل فرنسا في بيروت نحو مائة عام »[50] .
استغلت الدول الأوروبية تلك العلاقات الداخلية لإثارة الاضطرابات عن طريق تحريض الطوائف على الثورة ، والعصيان والوقوف إلى جانبها . وساعدها على ذلك بث الشائعات التي أقلقت بال الولاة ، فانصرفوا عن إدارة شؤون الولاية[51] . إلا أنهم كانوا لا يجدون حلا ً لدسائس القنصليات سوى أن يغمضوا أعينهم عم ا يجري أو يتصرفوا بحذر بالغ خشية التصادم معها ، وكانت الدولة العثمانية قد تنب هت لأطماع فرنسا في ولاية سوريا وفي جبل لبنان بشكل خاص[52] ؛ إذ لفت انتباهها نشاط المبشرين الفرنسيين في مدينة بيروت ومنطقة جبل لبنان والمدن السورية الأخرى ، حيث أخذوا يقومون بإنشاء المدارس المنظمة ويستميلون بواسطتها أبناء الطوائف المسيحية[53] . كما كانت الزعامات المارونية المنظمة واسطة لاستمالة أبناء الطوائف المسيحية[54] . إذ كانت هذه الزعامات المارونية على استعداد للتعاون مع فرنسا، فأخذت تطالب بفصل لبنان عن محيطه وتحويله إلى دولة نصرانية، لاسيما وأن معظم النصارى توجهوا بأنظارهم نحو الغرب المسيحي وبخاصة فرنسا ، على أنها منارة الحضارة الغربية[55] .
أما فرنسا فكانت تعتبر نفسها حامية النصارى في الشرق ، حيث جرت التقاليد لدى الطرفين على اعتبار الصداقة المارونية الفرنسية في غاية العراقة ، تدعمها القرون الطويلة والتي جعلتها لا تقبل منافسة دول أخرى في هذه الصداقة ، وا لموارنة لا يقبلون منافسة طائفة أخرى في الولاء الفرنسي[56].
ومع بدايات القرن العشرين بدا واضحاً أن الرأسمالية الأوروبية، وبخاصة فرنسا، قد سيطرت على مقدرات واسعة في المقاطعات اللبنانية، بعد أن استغلت نظام الامتيازات سلاحاً للتغلغل في السلطنة العثمانية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتربوياً لتحويلها إلى دولة شبه مستعمرة ومنطقة نفوذ للدول الأوروبية[57].
بدأت الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية إبان عظمتها ، حيث أبرم السلطان العثماني سليمان القانوني والملك الفرنسي فرنسوا الأول عام 1535 م ، المعاهدة التي سميت فيما بعد بمعاهدة « الامتيازات الأجنبية »[45] ، حصل الفرنسيون خلالها على امتيازات في هذه البلاد لأغراض التجارة[46] .
تلك المعاهدة كانت بمثابة نموذج لسائر المعاهدات التي عقدت مع الدول الأوروبية تحت الضغط السياسي والمالي والاقتصادي[47] . وظهرت حقوق خاصة للتجار الأجانب في الموانىء والمراكز التجارية . ثم تحولت إلى امتيازات مدنية لرعايا الدول الأجنبية ، « فجعلتهم يخضعون لقانون الدولة التي يحملون جنسيتها وليس لقانون الدولة العثمانية »[48] . وفي نهاية القرن التاسع عشر توسع نطاق الامتيازات إلى حد كبير ، فطاولت الحماية التجار المحليين من غير المسلمين المتعاملين مع التجار الأجانب ، « وشاعت في إطار الحماية طريقة منح الجنسيات الأجنبية لعملاء القنصليات ومترجميها »[49] ، الأمر الذي سبب ازدواجا ً في الولاء بالنسبة إلى المواطنين الوطنيين ، كما شغل بعضهم منصب قناصل الدول الأجنبية في بيروت ، ثم وكلاء القناصل ومعظم المترجمين ، « ومنهم أسرة الخازن التي شغلت منصب قنصل فرنسا في بيروت نحو مائة عام »[50] .
استغلت الدول الأوروبية تلك العلاقات الداخلية لإثارة الاضطرابات عن طريق تحريض الطوائف على الثورة ، والعصيان والوقوف إلى جانبها . وساعدها على ذلك بث الشائعات التي أقلقت بال الولاة ، فانصرفوا عن إدارة شؤون الولاية[51] . إلا أنهم كانوا لا يجدون حلا ً لدسائس القنصليات سوى أن يغمضوا أعينهم عم ا يجري أو يتصرفوا بحذر بالغ خشية التصادم معها ، وكانت الدولة العثمانية قد تنب هت لأطماع فرنسا في ولاية سوريا وفي جبل لبنان بشكل خاص[52] ؛ إذ لفت انتباهها نشاط المبشرين الفرنسيين في مدينة بيروت ومنطقة جبل لبنان والمدن السورية الأخرى ، حيث أخذوا يقومون بإنشاء المدارس المنظمة ويستميلون بواسطتها أبناء الطوائف المسيحية[53] . كما كانت الزعامات المارونية المنظمة واسطة لاستمالة أبناء الطوائف المسيحية[54] . إذ كانت هذه الزعامات المارونية على استعداد للتعاون مع فرنسا، فأخذت تطالب بفصل لبنان عن محيطه وتحويله إلى دولة نصرانية، لاسيما وأن معظم النصارى توجهوا بأنظارهم نحو الغرب المسيحي وبخاصة فرنسا ، على أنها منارة الحضارة الغربية[55] .
أما فرنسا فكانت تعتبر نفسها حامية النصارى في الشرق ، حيث جرت التقاليد لدى الطرفين على اعتبار الصداقة المارونية الفرنسية في غاية العراقة ، تدعمها القرون الطويلة والتي جعلتها لا تقبل منافسة دول أخرى في هذه الصداقة ، وا لموارنة لا يقبلون منافسة طائفة أخرى في الولاء الفرنسي[56].
ومع بدايات القرن العشرين بدا واضحاً أن الرأسمالية الأوروبية، وبخاصة فرنسا، قد سيطرت على مقدرات واسعة في المقاطعات اللبنانية، بعد أن استغلت نظام الامتيازات سلاحاً للتغلغل في السلطنة العثمانية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتربوياً لتحويلها إلى دولة شبه مستعمرة ومنطقة نفوذ للدول الأوروبية[57].
Page 9
إن الامتيازات الأجنبية كانت عاملاً زاد من تعقيد الموقف العثماني، إذ ابتدأت بتنازل بسيط من السلطات تجاه الرعايا الأجانب ولكن سرعان ما أدى ذلك إلى إضعاف الدولة العثمانية وبدأ يفكك أجزاءها بعد أن نالت الدول الأوروبية تباعاً امتيازات كانت تتسع باستمرار، حتى بات من السهل إحصاء ما تبقّى من نفوذ للسلطنة على الرعايا، ومن الصعب الإحاطة بنفوذ الدول الأجنبية داخل هذه السلطنة، بحيث بات من المستحيل إعادة هيبتها المترامية الأطراف التي أضحت رجلاً مريضاً تسعى الدول الاستعمارية إلى إطالة مدة احتضاره كي يتم لها اقتسام تركته بهدوء ودونما حرب[58].
لقد تحددت آفاق سقوط هذه السلطنة الواسعة بجملة من الصعوبات كانت قد عجزت عن حلّها أهمها: التفوق المادي الأوروبي وازدياد الارتباط الرسمي العثماني بعجلة الرساميل الأجنبية وسيطرة الأوروبيين المباشرة على بعض الأقاليم النائية من السلطنة العثمانية، بالإضافة إلى انتشار البعثات التبشيرية.
المواجهات الطائفية خلال الحكم العثماني
مع بدايات القرن التاسع عشر بدأ كل شيء يتغير في جبل لبنان وبقيّة المقاطعات اللبنانية، وتبلورت أشكال جديدة من الإنتاج ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالرساميل المحلية والعالمية التي لم تكن قادرة على الانتشار والتوسع السريع بسبب سيطرة المقاطعجيين وسيادة ملكية التصرف والمشاع[59]. وأخذت الطوائف اللبنانية تتأثر بذلك، إذ كانت الأرض ملكاً للدروز في الوسط وللشيعة في الجنوب. أما العاملون فكان قسم كبير منهم من المسيحيين في المتن والشوف واقليم التفاح[60]. وحتى تقسيم العمل كان نوعاً ما طائفياً، حيث كانت الطوائف الاجتماعية، تضم مجموعات من الحرفيين أو التجار. وكان يقوم بها مسلمون ومسيحيون معاً، فكان بعضها مقصوراً على المسلمين وحدهم، «كطوائف العطارين ومبيضي المنازل، بالإضافة إلى سيطرتهم على تسعة أعشار تجارة المواد الغذائية»[61]. وأما المسيحيون فكانوا يعملون شركاء زراعيين ثم أخذوا يتحولون إلى حرفيين وتجار محليين إلى أن أصبحوا تجاراًَ كباراً، لهم الدور الأول في عملية تراكم رؤوس الأموال وفي إدخال الرأسمالية إلى لبنان[62]. وبعد ذلك لم يعد «الزعيم» يذكر إلا مقروناً بصفته الطائفية أو الطبقية على السواء، فهو مقاطعجي درزي أو مقاطعجي ماروني أو شيعي، وهو تاجر ماروني أو تاجر سني أو كاثوليكي أو أرثوذكسي[63].
ومنذ منتصف القرن التاسع عشر ازدادت حاجة الدول الأوروبية ولا سيما فرنسا إلى خيوط الحرير وشرانقه في جبل لبنان، المأهول بشكل أساسي بالموارنة[64]. وكانت مدينة ليون الفرنسية مركزاً رئيساً لشراء هذا الحرير، لذا تقاطرت الأموال منها لدعم تلك الصناعة، بالإضافة إلى دعم شبكة البعثات التبشيرية والجمعيات الدينية، وخلق نخبة تجارية ذات تعليم فرنسي[65]. كما أدت هذه الأوضاع الاقتصادية الجديدة المرتبطة بفرنسا إلى تعميق أزمة مجتمع الجبل، وتحريك التوتر الطائفي الكامن، وذلك أن أغلب التجار الكبار المرتبطين بشكل وثيق بالتجارة الأوروبية هم من المسيحيين، في حين كان أغلب المسلمين يعانون من ذلك، ولا يرون في الغرب المنافس، الدعم أو الأمل الذي يبحث عنه المسيحيون[66].
لقد تحددت آفاق سقوط هذه السلطنة الواسعة بجملة من الصعوبات كانت قد عجزت عن حلّها أهمها: التفوق المادي الأوروبي وازدياد الارتباط الرسمي العثماني بعجلة الرساميل الأجنبية وسيطرة الأوروبيين المباشرة على بعض الأقاليم النائية من السلطنة العثمانية، بالإضافة إلى انتشار البعثات التبشيرية.
المواجهات الطائفية خلال الحكم العثماني
مع بدايات القرن التاسع عشر بدأ كل شيء يتغير في جبل لبنان وبقيّة المقاطعات اللبنانية، وتبلورت أشكال جديدة من الإنتاج ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالرساميل المحلية والعالمية التي لم تكن قادرة على الانتشار والتوسع السريع بسبب سيطرة المقاطعجيين وسيادة ملكية التصرف والمشاع[59]. وأخذت الطوائف اللبنانية تتأثر بذلك، إذ كانت الأرض ملكاً للدروز في الوسط وللشيعة في الجنوب. أما العاملون فكان قسم كبير منهم من المسيحيين في المتن والشوف واقليم التفاح[60]. وحتى تقسيم العمل كان نوعاً ما طائفياً، حيث كانت الطوائف الاجتماعية، تضم مجموعات من الحرفيين أو التجار. وكان يقوم بها مسلمون ومسيحيون معاً، فكان بعضها مقصوراً على المسلمين وحدهم، «كطوائف العطارين ومبيضي المنازل، بالإضافة إلى سيطرتهم على تسعة أعشار تجارة المواد الغذائية»[61]. وأما المسيحيون فكانوا يعملون شركاء زراعيين ثم أخذوا يتحولون إلى حرفيين وتجار محليين إلى أن أصبحوا تجاراًَ كباراً، لهم الدور الأول في عملية تراكم رؤوس الأموال وفي إدخال الرأسمالية إلى لبنان[62]. وبعد ذلك لم يعد «الزعيم» يذكر إلا مقروناً بصفته الطائفية أو الطبقية على السواء، فهو مقاطعجي درزي أو مقاطعجي ماروني أو شيعي، وهو تاجر ماروني أو تاجر سني أو كاثوليكي أو أرثوذكسي[63].
ومنذ منتصف القرن التاسع عشر ازدادت حاجة الدول الأوروبية ولا سيما فرنسا إلى خيوط الحرير وشرانقه في جبل لبنان، المأهول بشكل أساسي بالموارنة[64]. وكانت مدينة ليون الفرنسية مركزاً رئيساً لشراء هذا الحرير، لذا تقاطرت الأموال منها لدعم تلك الصناعة، بالإضافة إلى دعم شبكة البعثات التبشيرية والجمعيات الدينية، وخلق نخبة تجارية ذات تعليم فرنسي[65]. كما أدت هذه الأوضاع الاقتصادية الجديدة المرتبطة بفرنسا إلى تعميق أزمة مجتمع الجبل، وتحريك التوتر الطائفي الكامن، وذلك أن أغلب التجار الكبار المرتبطين بشكل وثيق بالتجارة الأوروبية هم من المسيحيين، في حين كان أغلب المسلمين يعانون من ذلك، ولا يرون في الغرب المنافس، الدعم أو الأمل الذي يبحث عنه المسيحيون[66].
Page 10
وهكذا نرى أن الطائفية غدت ذات ارتباط وثيق في كل ما يتعلق بالظاهرات الاقتصادية كالإنتاج وعلاقاته وتقسيم العمل الاجتماعي. وأصبح العامل الطائفي يعزز بالضرورة زعامات طائفية، سواء أكانت دينية أم مدنية، لكنها زعامات مسيطرة أي طبقية بفعل عامل التمايز الاجتماعي نفسه[67]. وتأمنت للكنيسة أراض شاسعة لأنها كانت القوة الأكثر فاعلية على الساحة اللبنانية، والقادرة على تحريك الشعب والادعاء بتمثيل مصالحه الحيوية[68]. رغم ذلك لم تظهر أي خلافات طائفية ذات طابع ديني قبل حوادث العام 1841 ، التي كانت الطائفية أسلحتها الأكثر تدميراً[69]. حيث اندلعت بتحريض مباشر من الخارج، وتدخل الإرساليات الأجنبية ووسائل الحماية والوصاية عبر التجار والقناصل، بهدف تمزيق السلطنة العثمانية، وإيجاد مواطىء أقدام لها في عقر دارها[70]. ولعبت دوراً كبيراً في إظهار الفرقة اللبنانية على أساس طائفي، حيث تقاسم زعماء الطوائف النفوذ فيما بينهم، وأقاموا تحالفات سياسية مع ولاتها وأمرائها لتعبئتهم في صراعات داخلية[71]. وكانت فرنسا وبريطانيا تعارضان عودة الحكم العثماني المباشر إلى جبل لبنان، مستخدمين كل الوسائل الممكنة وبخاصة النهج الطائفي، وكانت فرنسا قد ضمنت إلى جانبها بعض زعماء الموارنة في حين ضمنت السلطة العثمانية وبريطانيا غالبية الدروز والسنة والشيعة[72]. لذلك رسمت الدول الأوروبية خطوطها العملية في جبل لبنان عبر طوائفه، وقد رحّبت بذلك الدولة العثمانية، كما كانت ترحب بكل الصراعات التي من شأنها زعزعة الجبل عملاً بسياستها[73]. وهذه السياسة أوضحها وزير الخارجية الفرنسية آنذاك بقوله: «الحزب التركي القديم النازع دائماً إلى سياسة العنف والخداع وسفك الدماء، يحلم بإبادة الدروز بواسطة الموارنة وبالعكس»[74]. ولقد برزت المواقف الأوروبية المضادة بعد ظهور رغبة السلطنة العثمانية في إلغاء الإمارة اللبنانية وإلحاق جبل لبنان بالحكم العثماني المباشر وتوحيد نظامه السياسي والضرائبي والتربوي والإداري مع بقيّة مقاطعات السلطنة، حيث أخذ الفرنسيون يوزعون المساعدات المالية والتموينية على الموارنة بواسطة رجال الدين لتقوية الانعزال في البلاد[75].
وفي 14 أيلول 1841 كان انطلاق الشرارة الأولى في جبل لبنان بين الدروز والموارنة. وكانت تلك الحروب نقطة البداية للمشاريع الطائفية في المنطقة، حيث كان الفرنسيون يخططون لحكم ماروني في الجبل، والإنكليز يخططون كي يصبح نفوذهم في جبل لبنان بوابة العبور إلى فلسطين. ولم يقف قنصل إنكلترا «ريتشارد وود» من ذلك موقفاً محايداًَ، بل أرسل كتاباً إلى سليم باشا والي صيدا بتاريخ 28 تشرين الأول 1841 ، محذراً الدولة العثمانية بقوله «تدخلكم يلفت نظر السوريين إلى الوحدة والعصيان... ولتتيقن دولتكم أن أهالي جبل لبنان بأجمعهم لا يسمحون مطلقاً بأن يتولى إدارة بلادهم أحد الباشوات لأن ذلك مخالف لامتيازاتهم القديمة التي شاء الباب العالي تأييدها»[76]. وكان على القوى السياسية والعسكرية العثمانية في ذلك الحين أن تصوغ القرار السياسي العثماني، لكنها كانت في مرحلة الضعف الشديد، وعساكرها تبنى على الركائز الطائفية التي أوجدها الحكم المصري، وما تركته من حقد طائفي بين المسيحيين والدروز. وكانت الدبلوماسية التركية أسيرة الشعارات التي أطلقها الدبلوماسيون الأوروبيون عن إنصاف المسيحيين في أرجاء السلطنة كافة [77].
تحت هذه الوطأة استطاعت الدول الأوروبية أن تفرض نظام القائمقاميتين الذي قسّم جبل لبنان إلى منطقتين «درزية ونصرانية»، ولكل قائمقامية مجلس يمثل الطوائف الخمس: «السنة والموارنة والدروز والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، واقتصر على تمثيل الشيعة في المجلس بمستشار، لعدم اعتراف العثمانيين بأنظمة شرعية خاصة بالشيعة»[78].
وجاء مجلس الطوائف الذي يرأسه في كل قائمقامية القائمقام شخصياً ليزيد من الوضع المتأزم سوءاً ومصدراً للقلق، بالإضافة إلى التقسيم الجديد، حيث هيأ تربة خصبة لتفجير الصراعات بدلاً من العمل على إزالتها، وقد أدى ذلك إلى صدامات حصلت عام 1845 ومن خلالها ثبت دور الطوائف الست الكبرى في حياة الجبل السياسية[79].
وفي 14 أيلول 1841 كان انطلاق الشرارة الأولى في جبل لبنان بين الدروز والموارنة. وكانت تلك الحروب نقطة البداية للمشاريع الطائفية في المنطقة، حيث كان الفرنسيون يخططون لحكم ماروني في الجبل، والإنكليز يخططون كي يصبح نفوذهم في جبل لبنان بوابة العبور إلى فلسطين. ولم يقف قنصل إنكلترا «ريتشارد وود» من ذلك موقفاً محايداًَ، بل أرسل كتاباً إلى سليم باشا والي صيدا بتاريخ 28 تشرين الأول 1841 ، محذراً الدولة العثمانية بقوله «تدخلكم يلفت نظر السوريين إلى الوحدة والعصيان... ولتتيقن دولتكم أن أهالي جبل لبنان بأجمعهم لا يسمحون مطلقاً بأن يتولى إدارة بلادهم أحد الباشوات لأن ذلك مخالف لامتيازاتهم القديمة التي شاء الباب العالي تأييدها»[76]. وكان على القوى السياسية والعسكرية العثمانية في ذلك الحين أن تصوغ القرار السياسي العثماني، لكنها كانت في مرحلة الضعف الشديد، وعساكرها تبنى على الركائز الطائفية التي أوجدها الحكم المصري، وما تركته من حقد طائفي بين المسيحيين والدروز. وكانت الدبلوماسية التركية أسيرة الشعارات التي أطلقها الدبلوماسيون الأوروبيون عن إنصاف المسيحيين في أرجاء السلطنة كافة [77].
تحت هذه الوطأة استطاعت الدول الأوروبية أن تفرض نظام القائمقاميتين الذي قسّم جبل لبنان إلى منطقتين «درزية ونصرانية»، ولكل قائمقامية مجلس يمثل الطوائف الخمس: «السنة والموارنة والدروز والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، واقتصر على تمثيل الشيعة في المجلس بمستشار، لعدم اعتراف العثمانيين بأنظمة شرعية خاصة بالشيعة»[78].
وجاء مجلس الطوائف الذي يرأسه في كل قائمقامية القائمقام شخصياً ليزيد من الوضع المتأزم سوءاً ومصدراً للقلق، بالإضافة إلى التقسيم الجديد، حيث هيأ تربة خصبة لتفجير الصراعات بدلاً من العمل على إزالتها، وقد أدى ذلك إلى صدامات حصلت عام 1845 ومن خلالها ثبت دور الطوائف الست الكبرى في حياة الجبل السياسية[79].