Page 1
1
كان نائماً تلك الليلة في المستشفى الصغير الجاثم على أطراف البلدة. استيقظ مع شروق الشمس، نظر من نافذة غرفته الصغيرة إلى البحيرة الفضية التي تستلقي بين هضبتين ناعستين كما تستلقي الفتاة الحالمة في أحضان الحبيب، ويقفز النهر المشاغب من مضيق نهديها النافرين ويجري جاهداً في بطن الوادي المشرع للريح، ليروي جسد الحقول الناعمة بالخضرة والمحبة، فتزقزق الطيور على ضفافه وترعى القطعان الوديعة. من المهم أن تظل مسافة من العفة بين الناسك والمشاهد الملأى بالإثارة، فكيف لا ينجرف الخيال نحو اللذّة وهناك على الضفة المقابلة تتراءى له قلعة جعبر نصف عارية، تجلس القرفصاء بإغراء فوق ذاكرة التاريخ، وعلى هذه الضفة تتعرى همومه لتغسل الجسد المثقل بقذى الأيام الماضية، وعندما تجهده فكرة السباحة العارية يرتدي همومه ويعود إلى نفسه القلقة.
غسل وجهه من بقايا حروف النوم المغترب، وارتدى بزّته العسكرية على عجل، ثم نظر في المرآة إلى عينيه الذابلتين المحمرتين بسبب الحساسية المزمنة في ملتحمته، التي يحسبها نتيجة رائحة الكساد التي تفوح من سلة سنوات عمره الثلاثين!
كان، عادةً، يناجي حبيبته ريم كلما نظر إلى وجهه في مرآتها.. يرى وجهها يقارب وجهه بشيء من الشبه، وشيء من التناقض المحبب، وأحياناً يمتزجان بلوحة تشكيلية غريبة، عيناها الواسعتان الجميلتان تحتويان عينيه بشيء من الحلم المستسلم بطغيان، تتماوج خلالهما أشعة وظلال بين الجرأة المخيفة والخجل النافذ، بين التردد المتصاعد والأمل المسطح. وشفتاه الواسعتان تسوّران شفتيها الضيقتين بشكل يوازي حدود الليل والنهار، بارتعاشة بين احتراق الصخب وعبقرية الصمت...اعتاد أن يصف وجهها في مرآة وجهه:
ـ تُسرجين الزمان حصاناً مطيعاً، في ساعدي، فتقودين انفعالي. وأسرج في نبضك ظلّ المساء..فأقود الليالي. تقصّين ريشات الجنوب بناظري، ومن يديك يفرّ جناح الشمال. وتسيل رجولتي في خوابيك عطاءً، فلا تجـرفيها بالسلال. فهل تجوبين حقول شبابي، ولا تصعدين مثل أفكاري التلال؟. فكيف تريدين مني الجواب، ولا تبحثين في عذابات السؤال؟.
لكنه هذه المرة، صفّف شعره المسترسل الناعم، وبعضاً من أفكاره المنفلته في المرآة الصغيرة التي أعطته إياها هيفاء، تلك الممرضة البدوية السمراء النشيطة الجريئة. إنه يتذكرها كلما نظر إلى تلك المرآة التي تأخذ شكل القلب ويقول في نفسه:
ـ كم لامست أناملها الناعمة هذه المرآة المحرومة، وكم صففت شعرها وبعثرت أحلامها فيها.. أظنها قبّلت نفسها كثيراً على الضفة الأخرى من المرآة، ناثرة الشهوة على كل السابحين بين الضفتين، فهي تعرف كم هي جميلة وذكية وموفورة الحيوية، ماهرة في السباحة، لكنها قليلة الحظ في الصيد، وسلالها ما زالت فارغة. تقول إن أمها وجدّتها وخالاتها يفتّشن كل يوم سلالها عن قبلات أو وعود عاطفية!.
كانت هيفاء أوّل ضحكة بكر صادفها تولد من عذرية المستشفى، فتغلغل صداها في قاعات واسعة وفارغة على حدود ذاكرته المتخمة، وكانت أكبر نقلة نقلته من جوّ الذكورية الممتلئة بأشواك القنافذ تلك التي يعيشها في الثكنة، سحبت أطراف مشاعره بهدوء إلى جوّ فيه بعض الأنوثة والإنسانية، فربما تكون لها بعض المعزّة في قلبه الوحيد.
تذكّر، وهو يقفل باب غرفته الفارغة من الأشياء، ويفتح باب النهار المرتدي بزة عسكرية، أنها قالت له البارحة:
ـ لا تتأخر فالمستشفى لا يساوي شيئاً بدونك..
كان نائماً تلك الليلة في المستشفى الصغير الجاثم على أطراف البلدة. استيقظ مع شروق الشمس، نظر من نافذة غرفته الصغيرة إلى البحيرة الفضية التي تستلقي بين هضبتين ناعستين كما تستلقي الفتاة الحالمة في أحضان الحبيب، ويقفز النهر المشاغب من مضيق نهديها النافرين ويجري جاهداً في بطن الوادي المشرع للريح، ليروي جسد الحقول الناعمة بالخضرة والمحبة، فتزقزق الطيور على ضفافه وترعى القطعان الوديعة. من المهم أن تظل مسافة من العفة بين الناسك والمشاهد الملأى بالإثارة، فكيف لا ينجرف الخيال نحو اللذّة وهناك على الضفة المقابلة تتراءى له قلعة جعبر نصف عارية، تجلس القرفصاء بإغراء فوق ذاكرة التاريخ، وعلى هذه الضفة تتعرى همومه لتغسل الجسد المثقل بقذى الأيام الماضية، وعندما تجهده فكرة السباحة العارية يرتدي همومه ويعود إلى نفسه القلقة.
غسل وجهه من بقايا حروف النوم المغترب، وارتدى بزّته العسكرية على عجل، ثم نظر في المرآة إلى عينيه الذابلتين المحمرتين بسبب الحساسية المزمنة في ملتحمته، التي يحسبها نتيجة رائحة الكساد التي تفوح من سلة سنوات عمره الثلاثين!
كان، عادةً، يناجي حبيبته ريم كلما نظر إلى وجهه في مرآتها.. يرى وجهها يقارب وجهه بشيء من الشبه، وشيء من التناقض المحبب، وأحياناً يمتزجان بلوحة تشكيلية غريبة، عيناها الواسعتان الجميلتان تحتويان عينيه بشيء من الحلم المستسلم بطغيان، تتماوج خلالهما أشعة وظلال بين الجرأة المخيفة والخجل النافذ، بين التردد المتصاعد والأمل المسطح. وشفتاه الواسعتان تسوّران شفتيها الضيقتين بشكل يوازي حدود الليل والنهار، بارتعاشة بين احتراق الصخب وعبقرية الصمت...اعتاد أن يصف وجهها في مرآة وجهه:
ـ تُسرجين الزمان حصاناً مطيعاً، في ساعدي، فتقودين انفعالي. وأسرج في نبضك ظلّ المساء..فأقود الليالي. تقصّين ريشات الجنوب بناظري، ومن يديك يفرّ جناح الشمال. وتسيل رجولتي في خوابيك عطاءً، فلا تجـرفيها بالسلال. فهل تجوبين حقول شبابي، ولا تصعدين مثل أفكاري التلال؟. فكيف تريدين مني الجواب، ولا تبحثين في عذابات السؤال؟.
لكنه هذه المرة، صفّف شعره المسترسل الناعم، وبعضاً من أفكاره المنفلته في المرآة الصغيرة التي أعطته إياها هيفاء، تلك الممرضة البدوية السمراء النشيطة الجريئة. إنه يتذكرها كلما نظر إلى تلك المرآة التي تأخذ شكل القلب ويقول في نفسه:
ـ كم لامست أناملها الناعمة هذه المرآة المحرومة، وكم صففت شعرها وبعثرت أحلامها فيها.. أظنها قبّلت نفسها كثيراً على الضفة الأخرى من المرآة، ناثرة الشهوة على كل السابحين بين الضفتين، فهي تعرف كم هي جميلة وذكية وموفورة الحيوية، ماهرة في السباحة، لكنها قليلة الحظ في الصيد، وسلالها ما زالت فارغة. تقول إن أمها وجدّتها وخالاتها يفتّشن كل يوم سلالها عن قبلات أو وعود عاطفية!.
كانت هيفاء أوّل ضحكة بكر صادفها تولد من عذرية المستشفى، فتغلغل صداها في قاعات واسعة وفارغة على حدود ذاكرته المتخمة، وكانت أكبر نقلة نقلته من جوّ الذكورية الممتلئة بأشواك القنافذ تلك التي يعيشها في الثكنة، سحبت أطراف مشاعره بهدوء إلى جوّ فيه بعض الأنوثة والإنسانية، فربما تكون لها بعض المعزّة في قلبه الوحيد.
تذكّر، وهو يقفل باب غرفته الفارغة من الأشياء، ويفتح باب النهار المرتدي بزة عسكرية، أنها قالت له البارحة:
ـ لا تتأخر فالمستشفى لا يساوي شيئاً بدونك..
Page 2
ـ الخبيثة تريد أن توقعني في شركها، وربما تريد أن تتسلى معي في أوقات الفراغ الكثيرة في هذا المستشفى الكسلان، إنها ليست ساذجة وعفوية وبريئة مثل بعض فتيات العشرين في هذه المدينة الأنثى التي تمشط شعرها صباح مساء على ضفة الفرات، لكنها ماكرة في حياكة الشباك العنكبوتية.. قال في نفسه وهو يتذكر التواءات جسدها المرن عندما كانت ترتّب غرفته في أول يوم جاء به إلى المستشفى، حاولت الدخول قسراً من باب ضيق يقف فيه أبو علي حارس المستشفى وحارس حركات العاملين فيه، متقصّداً ألا يفسح لها! هي تريد أن تثبت شيئاً مثبتاً سلفاً، أن الفتاة الجميلة تستطيع دخول كل الأبواب دون استثناء، وعبور كل الحدود دون سلاح، فسمة الدخول مدموغة فوق شفتيها ووجنتيها، وجميع الحرس يرفعون الحواجز والحواجب لعينيها وقدميها. قال لها بنية خبيثة:
- انتبهي على حالك!
فقالت له بدلع ومكر وهي تدفعه بيديها الناعمتين:
- على ماذا! ليس لدي ما أخاف عليه!
فردّ أبو علي بمكر أكبر مع غمزة من عينيه البدويتين الضيقتين:
- أنت متأكدة من هذا الكلام؟
- من لا يصدّق يجرّب، قالت بجرأة وهي تضحك ضحكتها المعتادة وكأنها تمثّل إعلاناً تلفزيونياً رخيصاً!.
بدا الذهول واضحاً على وجه الدكتور رامي وهو يراقب المشهد التمثيلي، وظنّ إلى حدّ ما أنّ هذا الكلام المغري موجّه إليه ببثّ مباشر وهو خارج الشاشة، وليس لذلك الرجل العجوز الذي أخرج المشهد.
ركّز نظراته على جديلتها النشيطة وعلى ضحكتها المعروضة على الرصيف الخالي من المارّة مع أعضائها البارزة تحت ثوبها الشفاف ولا من مشترٍ، من أقسى الأشياء على النساء أن تكسد سوقهنّ، ولذلك نرى أسواق النساء من أجمل الأسواق في العرض والتسويق حتى تحافظ على جاذبية لا تنتهي، لا أقصد أنها سلعة تباع وتشترى، لأن السلعة هنا غالباً ما تشتري هي الزبون الذي هو الرجل، أما أبو علي فإنه لا ينفكّ يسوم هذه المغريات الكثيرة، فهو يغازلها مغازلة المسنّ الماكر، ثم يدغدغ خدّها بإصبعيه موهماً الحضور أنها ابنته المدللة، ثم يعود فيتحدث عنها بالسوء في غيابها!.
- على كل حال سنرى يا هيفاء. قال ذلك في نفسه وخرج مسرعاً دون أن يقطع أحلام أبي علي البدوية، وشخيره العجوز.
***
استقلّ الحافلة الصفراء الهرمة التي استهلكها الجنود منذ أعوام ولمّا يسكنوها دار العجزة بعد، كانت تقلّ يومياً مجموعة من العسكريين إلى المطار البعيد، جلس حسب النظام العسكري في مقعده الذي يتناسب مع نجمته الوحيدة على كتفه، خلف الضباط وأمام الجنود وصف الضباط. الجميع يحترمونه لكونه طبيب الثكنة، يتودّدون إليه، وبعضهم يتزلف طمعاً في الحصول على المزيد من الأدوية والإجازات المرضية عند اللزوم.
لكن شيئاً من التردد كان لا يزال يحول دون أن تربطه صداقة حقيقية مع أحدهم، كان يعزي ذلك إلى طبيعة شخصياتهم العسكرية التي تختلف كثيراً عن شخصيات رفقائه السابقين في الجامعة.
لكنه كان معجباً بواحد من الضباط الطيارين ذي رتبة عقيد، يلقبونه بالنسر، كان من أمهر وأنبل النسور الجوارح، يتمتع بمحيّا جميل ووقفة شامخة، له عينان جريئتا الحدود، تصدر عنهما نظرة حادة وثاقبة، كان دائماً يفتخر ببطولاته في قيادة الطائرة الحربية رغم أنه لم يخض حرباً قط، حيث كان لا يزال طالباً في الكلية الجوية في أثناء حرب التحرير في السبعينيات، وقد روى الدكتور رامي ذلك بلسانه أمس في حضرة أبي علي:
ـ أكاد أجزم أنه سيكون بطلاً فعلياً في أيّة حرب يشترك فيها، وذلك لأن الجسارة والإقدام وقوة الشكيمة ورباطة الجأش بعض من صفاته، يشهد له رفقاؤه بالكفاءة والبراعة والنزاهة، وتشهد أفعاله له بالتحدي والعنفوان والشهامة، يهرول قلبه الجريء حافياً فوق الأشواك، ويمشي بنبضه آلاف الثوار، فتبدو الشجاعة عنده كشلال متدفق، إنه متوقّد الذهن، محبّ للوطن، وكنت أشاهده يومياً كيف يتقن عمله ويمارسه بمهارة وهواية وشغف، فمن يمارس عمله بشغف يبدع فيه، كان يتحدّث عن حركاته في الشقلبة البهلوانية خلال التدريبات، حركات الإقلاع السريع، الالتفاف والنزول الحلزوني، أو قيامه بتحدّيات يصعب على الآخرين القيام بها، أو تعامله مع مواقف معقّدة وطارئة تعرّض لها.
توطّدت علاقته بالدكتور رامي عندما ساعد الأخير ابنه نضال على التسجيل بكلية الطب، أعطاه معلومات كاملة عن الجامعة وطريقة التسجيل، أرسله إلى بعض معارفه ليقدّموا له كل ما يحتاج إليه، وأوصى كل زملائه المدرّسين به، كما توسّط له ليحصل على غرفة يسكن فيها في المدينة الجامعية، شكره النسر على كل ذلك وكنّ له المودة.
في كل صباح وفي الاجتماع اليومي للطيارين حيث تجتمع النجوم والنياشين على الأكتاف، وتستعرض الجوارح والأسود والثعالب والطواويس كل ما في جعبتها من فنون، كان النسر يكثر المزاح ويكثر التباهي، يحبّه الجميع ويعجبون بثقته بنفسه، وبعضهم يحسده ويغار منه وهو يعرفهم بالاسم، كان يقول على مسمع الجميع:
- انتبهي على حالك!
فقالت له بدلع ومكر وهي تدفعه بيديها الناعمتين:
- على ماذا! ليس لدي ما أخاف عليه!
فردّ أبو علي بمكر أكبر مع غمزة من عينيه البدويتين الضيقتين:
- أنت متأكدة من هذا الكلام؟
- من لا يصدّق يجرّب، قالت بجرأة وهي تضحك ضحكتها المعتادة وكأنها تمثّل إعلاناً تلفزيونياً رخيصاً!.
بدا الذهول واضحاً على وجه الدكتور رامي وهو يراقب المشهد التمثيلي، وظنّ إلى حدّ ما أنّ هذا الكلام المغري موجّه إليه ببثّ مباشر وهو خارج الشاشة، وليس لذلك الرجل العجوز الذي أخرج المشهد.
ركّز نظراته على جديلتها النشيطة وعلى ضحكتها المعروضة على الرصيف الخالي من المارّة مع أعضائها البارزة تحت ثوبها الشفاف ولا من مشترٍ، من أقسى الأشياء على النساء أن تكسد سوقهنّ، ولذلك نرى أسواق النساء من أجمل الأسواق في العرض والتسويق حتى تحافظ على جاذبية لا تنتهي، لا أقصد أنها سلعة تباع وتشترى، لأن السلعة هنا غالباً ما تشتري هي الزبون الذي هو الرجل، أما أبو علي فإنه لا ينفكّ يسوم هذه المغريات الكثيرة، فهو يغازلها مغازلة المسنّ الماكر، ثم يدغدغ خدّها بإصبعيه موهماً الحضور أنها ابنته المدللة، ثم يعود فيتحدث عنها بالسوء في غيابها!.
- على كل حال سنرى يا هيفاء. قال ذلك في نفسه وخرج مسرعاً دون أن يقطع أحلام أبي علي البدوية، وشخيره العجوز.
***
استقلّ الحافلة الصفراء الهرمة التي استهلكها الجنود منذ أعوام ولمّا يسكنوها دار العجزة بعد، كانت تقلّ يومياً مجموعة من العسكريين إلى المطار البعيد، جلس حسب النظام العسكري في مقعده الذي يتناسب مع نجمته الوحيدة على كتفه، خلف الضباط وأمام الجنود وصف الضباط. الجميع يحترمونه لكونه طبيب الثكنة، يتودّدون إليه، وبعضهم يتزلف طمعاً في الحصول على المزيد من الأدوية والإجازات المرضية عند اللزوم.
لكن شيئاً من التردد كان لا يزال يحول دون أن تربطه صداقة حقيقية مع أحدهم، كان يعزي ذلك إلى طبيعة شخصياتهم العسكرية التي تختلف كثيراً عن شخصيات رفقائه السابقين في الجامعة.
لكنه كان معجباً بواحد من الضباط الطيارين ذي رتبة عقيد، يلقبونه بالنسر، كان من أمهر وأنبل النسور الجوارح، يتمتع بمحيّا جميل ووقفة شامخة، له عينان جريئتا الحدود، تصدر عنهما نظرة حادة وثاقبة، كان دائماً يفتخر ببطولاته في قيادة الطائرة الحربية رغم أنه لم يخض حرباً قط، حيث كان لا يزال طالباً في الكلية الجوية في أثناء حرب التحرير في السبعينيات، وقد روى الدكتور رامي ذلك بلسانه أمس في حضرة أبي علي:
ـ أكاد أجزم أنه سيكون بطلاً فعلياً في أيّة حرب يشترك فيها، وذلك لأن الجسارة والإقدام وقوة الشكيمة ورباطة الجأش بعض من صفاته، يشهد له رفقاؤه بالكفاءة والبراعة والنزاهة، وتشهد أفعاله له بالتحدي والعنفوان والشهامة، يهرول قلبه الجريء حافياً فوق الأشواك، ويمشي بنبضه آلاف الثوار، فتبدو الشجاعة عنده كشلال متدفق، إنه متوقّد الذهن، محبّ للوطن، وكنت أشاهده يومياً كيف يتقن عمله ويمارسه بمهارة وهواية وشغف، فمن يمارس عمله بشغف يبدع فيه، كان يتحدّث عن حركاته في الشقلبة البهلوانية خلال التدريبات، حركات الإقلاع السريع، الالتفاف والنزول الحلزوني، أو قيامه بتحدّيات يصعب على الآخرين القيام بها، أو تعامله مع مواقف معقّدة وطارئة تعرّض لها.
توطّدت علاقته بالدكتور رامي عندما ساعد الأخير ابنه نضال على التسجيل بكلية الطب، أعطاه معلومات كاملة عن الجامعة وطريقة التسجيل، أرسله إلى بعض معارفه ليقدّموا له كل ما يحتاج إليه، وأوصى كل زملائه المدرّسين به، كما توسّط له ليحصل على غرفة يسكن فيها في المدينة الجامعية، شكره النسر على كل ذلك وكنّ له المودة.
في كل صباح وفي الاجتماع اليومي للطيارين حيث تجتمع النجوم والنياشين على الأكتاف، وتستعرض الجوارح والأسود والثعالب والطواويس كل ما في جعبتها من فنون، كان النسر يكثر المزاح ويكثر التباهي، يحبّه الجميع ويعجبون بثقته بنفسه، وبعضهم يحسده ويغار منه وهو يعرفهم بالاسم، كان يقول على مسمع الجميع:
Page 3
ـ إنني ودّعت زوجتي اليوم الوداع الأخير، لأنني قررت أن أتحدّى الموت مثل كل يوم، أن أصارع الجاذبية والريح، أتحدى نبضي وضغط دمي، أبارز البرق والرعد، أتحدى الخوف وحراب الذاكرة، قررت أن أعانق حبيبتي "الميغ" في الفضاء، وننطلق بالسرعة القصوى حتى نتحرر من كسل السهول وبلادة الجبال، حيث تطبق أجفاني بقوة الضغط وينفتح خيالي ليرى سفوح الوطن تستنشق الحرية، وتسمع أذناي زغاريد الفتيات في عرس التحرير، وينتعش قلبي مع قلوب الأطفال الذين ينصبون للمجد منارة عالية.
كانت عباراته حِكَماً تكتب بماء الذهب فوق هامة الجبل أو جبين النجم.
من حكمه التي لا ينساها الدكتور رامي أنّ بين الحياة والموت مسافة قصيرة كان يقيسها بالشعرة، ولا بد أن يكون للعزّة مكان بارز في ركني الشعرة، تدعمها وتقوّيها .
مرّة كان ينفّذ تدريباً صعباً على أطراف المدينة، ينزل بحركات لولبية حتى يقترب من الأرض ثم ينعطف للأعلى بلمح البصر، يحلّق منقلباً، أو مائلاً كحدّ السيف، يروح حتى يختفي بأحداق الأفق، ثم يجيء حتى تظنّ أنه البرق، يكاد يقبّل وجنة البحيرة بحميمية مدهشة وكأنه عاشق يقبّل وجنة معشوقته المتمنّعة، منهياً المشهد الغرامي معها بكامل النشوة دون الحاجة إلى طقوس من التعري!، وقد تتخيل في حركته النسر الثاقب النظر، البارع في القنص، يفرد جناحيه الواسعين ويهوي بانسيابية فائقة الجمال، يقتنص فريسته بمخالبه القوية المعقوفة، ويحلّق فاتحاً صدره ليرتوي علوّاً وسموّاً.
فجأة وهو يخترق جدار الصوت قُلعتْ "كابينة" الطائرة من جذورها بفعل الريح، تلك التي تغطي رأسه، وهذه في عرف الطيران واحدة من الحالات التي توجب على الطيّار القفز السريع بمظلته كي ينقذ نفسه ويترك الطائرة في حال سبيلها تتحطم كيفما شاءت، وهذا فعلاً ما أمره به برج القيادة والتحكم، لكنه لم تطاوعه نفسه المعتدّة أن يتركها تتحطم فوق أبنية المدينة المكتظة لما ستحدثه من قتل وتدمير، فالنسر ودود لعائلته وأهله!. تخطّى حاجز الخوف، ضبط نفسه وتحكّم في أعصابه، وهو الذي اعتاد الثبات في أحداق الخطر بقلب حديدي جامد لا يهاب الموت، انحنى قليلاً، رغم الحزام الذي يثبته، محاولاً التكوّم في المكان المخصص لوضع الساقين عند العدّادات والأسلاك كي يبعد رأسه عن مصدّ الهواء الذي قد يقتلع عينيه نتيجة السرعة، وتحكّم في الطائرة التي اختلّ توازنها وقادها خارج المدينة، وعندما قرّر أن يقذف نفسه، تذكّر أنّ في الأسفل مجموعة من الفلاحين يحصدون ويجمعون القشّ والغلال، فعرف أنّ الطائرة إذا سقطت هناك ستحدث حريقاً يقضي عليهم وعلى محاصيلهم ويمتدّ إلى كل الأراضي المجاورة، فآثرهم على نفسه مرة أخرى،.. كانت الشعرة دقيقة وقتئذ بين التهور والشجاعة التي هي عنده تعقّل، وحسن رويّة، والتزام بطريق الفضيلة والخروج من قوقعة الذات، والتعاطف مع الغير. تابع عدة دقائق أخرى ليبتعد عنهم، لكنه قرر في نفسه وقد اقترب من مدرج المطار أن يهبط بالطائرة وينقذها من التحطم رغم تحذير برج التحكم من ذلك وكأن المهمة شبه مستحيلة، فلعل تلك الشجاعة لديه كمنحة من العناية الإلهية ستكتمل سبباً ونتيجة.
ولطالما يعرف بطلنا تفاصيل طائرته وإمكانياتها أكثر مما يعرف أعضاء حبيبته، يعرف كيف يجعلها تتراقص في الريح بجمال العروس الممشوقة القد، واحتراف الراقصة الموهوبة، ويستطيع التحكّم في طاقاتها الكامنة بالتأكيد على نحو أسهل من فهم امرأته أو التحكّم في عواطفها.
قرّر أن ينقذها، وقد فعل،.. نال وساماً معنوياً في الشجاعة من رفقائه، أما قائده فقد أعفاه فقط من العقوبة التي كان يستحقّها بمغامرته ومخالفته للأوامر التي صدرت من برج القيادة والتحكّم كما قال! ومن ذلك اليوم وتلك الطائرة عزيزة على قلبه، يحبّ أن يقودها بعد أن تم إصلاحها، فهو يحسّ بوفائها لكونها مدينة له بالكثير.
ويذكر كيف نفد الأكسجين في خزان طائرته وهو على ارتفاع شاهق ونجا، وكيف انفجر بقربه صاروخ أثناء التدريب ونجا، وتبدو من مفارقات القدر تلك النهاية المأسوية التي وضعت حدّاً لأيامه التي قضاها محلّقاً في أجواء الوطن وفضاءات الأحلام.. سنقرأها في ما بعد في سطور هذه الرواية.
كانت عباراته حِكَماً تكتب بماء الذهب فوق هامة الجبل أو جبين النجم.
من حكمه التي لا ينساها الدكتور رامي أنّ بين الحياة والموت مسافة قصيرة كان يقيسها بالشعرة، ولا بد أن يكون للعزّة مكان بارز في ركني الشعرة، تدعمها وتقوّيها .
مرّة كان ينفّذ تدريباً صعباً على أطراف المدينة، ينزل بحركات لولبية حتى يقترب من الأرض ثم ينعطف للأعلى بلمح البصر، يحلّق منقلباً، أو مائلاً كحدّ السيف، يروح حتى يختفي بأحداق الأفق، ثم يجيء حتى تظنّ أنه البرق، يكاد يقبّل وجنة البحيرة بحميمية مدهشة وكأنه عاشق يقبّل وجنة معشوقته المتمنّعة، منهياً المشهد الغرامي معها بكامل النشوة دون الحاجة إلى طقوس من التعري!، وقد تتخيل في حركته النسر الثاقب النظر، البارع في القنص، يفرد جناحيه الواسعين ويهوي بانسيابية فائقة الجمال، يقتنص فريسته بمخالبه القوية المعقوفة، ويحلّق فاتحاً صدره ليرتوي علوّاً وسموّاً.
فجأة وهو يخترق جدار الصوت قُلعتْ "كابينة" الطائرة من جذورها بفعل الريح، تلك التي تغطي رأسه، وهذه في عرف الطيران واحدة من الحالات التي توجب على الطيّار القفز السريع بمظلته كي ينقذ نفسه ويترك الطائرة في حال سبيلها تتحطم كيفما شاءت، وهذا فعلاً ما أمره به برج القيادة والتحكم، لكنه لم تطاوعه نفسه المعتدّة أن يتركها تتحطم فوق أبنية المدينة المكتظة لما ستحدثه من قتل وتدمير، فالنسر ودود لعائلته وأهله!. تخطّى حاجز الخوف، ضبط نفسه وتحكّم في أعصابه، وهو الذي اعتاد الثبات في أحداق الخطر بقلب حديدي جامد لا يهاب الموت، انحنى قليلاً، رغم الحزام الذي يثبته، محاولاً التكوّم في المكان المخصص لوضع الساقين عند العدّادات والأسلاك كي يبعد رأسه عن مصدّ الهواء الذي قد يقتلع عينيه نتيجة السرعة، وتحكّم في الطائرة التي اختلّ توازنها وقادها خارج المدينة، وعندما قرّر أن يقذف نفسه، تذكّر أنّ في الأسفل مجموعة من الفلاحين يحصدون ويجمعون القشّ والغلال، فعرف أنّ الطائرة إذا سقطت هناك ستحدث حريقاً يقضي عليهم وعلى محاصيلهم ويمتدّ إلى كل الأراضي المجاورة، فآثرهم على نفسه مرة أخرى،.. كانت الشعرة دقيقة وقتئذ بين التهور والشجاعة التي هي عنده تعقّل، وحسن رويّة، والتزام بطريق الفضيلة والخروج من قوقعة الذات، والتعاطف مع الغير. تابع عدة دقائق أخرى ليبتعد عنهم، لكنه قرر في نفسه وقد اقترب من مدرج المطار أن يهبط بالطائرة وينقذها من التحطم رغم تحذير برج التحكم من ذلك وكأن المهمة شبه مستحيلة، فلعل تلك الشجاعة لديه كمنحة من العناية الإلهية ستكتمل سبباً ونتيجة.
ولطالما يعرف بطلنا تفاصيل طائرته وإمكانياتها أكثر مما يعرف أعضاء حبيبته، يعرف كيف يجعلها تتراقص في الريح بجمال العروس الممشوقة القد، واحتراف الراقصة الموهوبة، ويستطيع التحكّم في طاقاتها الكامنة بالتأكيد على نحو أسهل من فهم امرأته أو التحكّم في عواطفها.
قرّر أن ينقذها، وقد فعل،.. نال وساماً معنوياً في الشجاعة من رفقائه، أما قائده فقد أعفاه فقط من العقوبة التي كان يستحقّها بمغامرته ومخالفته للأوامر التي صدرت من برج القيادة والتحكّم كما قال! ومن ذلك اليوم وتلك الطائرة عزيزة على قلبه، يحبّ أن يقودها بعد أن تم إصلاحها، فهو يحسّ بوفائها لكونها مدينة له بالكثير.
ويذكر كيف نفد الأكسجين في خزان طائرته وهو على ارتفاع شاهق ونجا، وكيف انفجر بقربه صاروخ أثناء التدريب ونجا، وتبدو من مفارقات القدر تلك النهاية المأسوية التي وضعت حدّاً لأيامه التي قضاها محلّقاً في أجواء الوطن وفضاءات الأحلام.. سنقرأها في ما بعد في سطور هذه الرواية.
Page 4
عندما يذكر الدكتور رامي قصّة الضابط النسر تمتلكه الحيرة وهو يفكّر في دقّة الشعرة التي تفصل نبض الحياة عن رتم الموت، ولكن رغم دقّتها لا تقطعها لا الشدائد ولا الأهوال.
وكذلك تلك الشعرة الدقيقة التي تفصل الغيمة عن الحلم والحقيقة عن الحجر، فالغيمة حلم بالمطر، أو وهم يذهب مع الريح، والحجر حقيقة فيها أنفاس التاريخ ودمه. هناك في قلعة جعبر القريبة يتكلّم الحجر على دوسر، غلام النعمان بن المنذر، وعلى بعد عدّة أميال يناجيه هناك حجر من قصر الرصافة، يكلمه على بلاط الملوك من عهد الآشوريين إلى عهد عبد الملك بن مروان، إنه لا يزال يردد صدى قول الشاعر العباسي:
عيون المها بين الرصافة والجسرِ
جلبن لي الهوى من حيث أدري ولا أدري
وقد يكون الحجر حقيقة كامنة تبدو كالوهم في صدر البركان النافر مثل الخال على وجنة البريّة بين الفرات وحلب.
والشعرة الدقيقة قد تربط بإحكام الحلم والحقيقة مثل عربتي قطار، واحدة تتبع الأخرى.
***
قضى نهاراً شاقّاً وحارّاً في المطار ثم عاد في الثالثة متأخراً ساعتين عن موعده لأنه اضطر أن يمشي ثلاثة كيلومترات هارباً من المناوبة المفاجئة التي كلفوه بها.
قال للعقيد المسؤول عن المناوبات الليلية:
ـ لماذا يناوب طبيبان مع أنّ واحداً يكفي لتسيير الأمور ونحن بحالة سلم؟
فأجابه بكل برود:
ـ أوامر عسكرية.
فقال له كاتماً غيظه:
ـ لكنني مرتبط بمستشفى ولن أقول لك إنني أكسب مالاً أصرفه على نفسي وأنا طبيب في الثلاثين أخجل أن يصرف عليّ أهلي، لكن سأقول لك إن المرضى في المستشفى بحاجة إليَّ.
قال العقيد بمستوى البرود نفسه:
ـ الوطن هنا بحاجة إليك أيضاً، ثم إنك تتقاضى راتباً من الجيش.
وكذلك تلك الشعرة الدقيقة التي تفصل الغيمة عن الحلم والحقيقة عن الحجر، فالغيمة حلم بالمطر، أو وهم يذهب مع الريح، والحجر حقيقة فيها أنفاس التاريخ ودمه. هناك في قلعة جعبر القريبة يتكلّم الحجر على دوسر، غلام النعمان بن المنذر، وعلى بعد عدّة أميال يناجيه هناك حجر من قصر الرصافة، يكلمه على بلاط الملوك من عهد الآشوريين إلى عهد عبد الملك بن مروان، إنه لا يزال يردد صدى قول الشاعر العباسي:
عيون المها بين الرصافة والجسرِ
جلبن لي الهوى من حيث أدري ولا أدري
وقد يكون الحجر حقيقة كامنة تبدو كالوهم في صدر البركان النافر مثل الخال على وجنة البريّة بين الفرات وحلب.
والشعرة الدقيقة قد تربط بإحكام الحلم والحقيقة مثل عربتي قطار، واحدة تتبع الأخرى.
***
قضى نهاراً شاقّاً وحارّاً في المطار ثم عاد في الثالثة متأخراً ساعتين عن موعده لأنه اضطر أن يمشي ثلاثة كيلومترات هارباً من المناوبة المفاجئة التي كلفوه بها.
قال للعقيد المسؤول عن المناوبات الليلية:
ـ لماذا يناوب طبيبان مع أنّ واحداً يكفي لتسيير الأمور ونحن بحالة سلم؟
فأجابه بكل برود:
ـ أوامر عسكرية.
فقال له كاتماً غيظه:
ـ لكنني مرتبط بمستشفى ولن أقول لك إنني أكسب مالاً أصرفه على نفسي وأنا طبيب في الثلاثين أخجل أن يصرف عليّ أهلي، لكن سأقول لك إن المرضى في المستشفى بحاجة إليَّ.
قال العقيد بمستوى البرود نفسه:
ـ الوطن هنا بحاجة إليك أيضاً، ثم إنك تتقاضى راتباً من الجيش.
Page 5
- ثماني مئة ليرة.. ماذا تكفي؟
- أوامر عسكرية، قالها قاطعاً الحوار العقيم ومتوقّعاً العبارة التي كتمها الدكتور رامي في جوفه وهي أنّ الخدمة العسكرية حرق لسنتين من أول عمر الطبيب. لكنه قرر في النهاية أن يهرب من المناوبة رغم تحذير قلبه المرتجف، لأنه قد يعاقب بالحرمان من الخروج مدة شهر إذا ما اكتشف الموضوع، ومضى في قراره لأنه تذكّر أن عليه الالتزام بالمستشفى من أجل تسديد باقي أقساط القرض الذي اقترضه يوم اضطر أن يدفع مبلغ المئة ألف للمسؤول الذي توسّط له من أجل متابعة الاختصاص، ومبلغ الخمسين ألف الذي دفعه للضابط الذي توسّط له من أجل الفرز العسكري.
تناول على عجل، طعام الغداء وحيداً في المطعم المتواضع على طريق المستشفى، لم يفكر في طعم اللقيمات التي يمضغها، كان يفكّر كيف يمضغ ذلك الوقت القاسي كالحجر، وكيف يرتّب أيام عمره المبعثرة كحبات الرمل في شفة الريح، وكيف يفرد بساط الأمل المطوي في أجفانه!
عندما وصل رأى هيفاء بجديلتها المتمايلة وهي تتبختر في مدخل المستشفى الصغير المكوّن من غرفة طوارئ وغرف نوم قليلة للمرضى، واضعة كفيها خلف ظهرها ورافعة نظرها للأعلى وكأنما تنتظر فارس أحلامها يهبط بحصانه من السقف! وما إن رأته حتى أشرق وجهها وابتسمت له وهو يقول:
ـ مرحباً يا حلوين.
فأشارت إليه بشفتيها الدقيقتين الملونتين أن يخفض صوته خوفاً أن يسمعه أبو علي!
مدّ يده مصافحاً وضغط على كفها فانتقلت إلى يده حرارة الخجل الأنثوي الجريء الذي بدا على خديها.
ـ أهلاً.. تأخرت.
- تناولت طعامي في السوق، والآن سأشرب شاياً لذيذاً من أناملك التي يقطر منها السكّر وتنبعث منها نكهة الهال والقرفة التي تعدل المزاج.
قال في نفسه بشيء من الحسرة والحرمان وهو مستلق في السرير: آه ما أطيب العشق، إنه يساوي الحياة، والعشاق وحدهم هم الذين يعبّرون عنها على نحو جميل. ماذا سيحدث للحياة في هذه المدينة ولهؤلاء العشاق فيما لو احتجز الأتراك كما يُتوقع بسدودهم نهر الفرات الكبير الذي يمرّ هناك في طرف البلدة، حيث يتبادل العشاق الغرام تحت الأشجار على ضفتيه؟
لا بد أنّهم سيفجّرون أنهاراً بعشقهم لتبقى الحياة ويبقى العشق.
***
- أوامر عسكرية، قالها قاطعاً الحوار العقيم ومتوقّعاً العبارة التي كتمها الدكتور رامي في جوفه وهي أنّ الخدمة العسكرية حرق لسنتين من أول عمر الطبيب. لكنه قرر في النهاية أن يهرب من المناوبة رغم تحذير قلبه المرتجف، لأنه قد يعاقب بالحرمان من الخروج مدة شهر إذا ما اكتشف الموضوع، ومضى في قراره لأنه تذكّر أن عليه الالتزام بالمستشفى من أجل تسديد باقي أقساط القرض الذي اقترضه يوم اضطر أن يدفع مبلغ المئة ألف للمسؤول الذي توسّط له من أجل متابعة الاختصاص، ومبلغ الخمسين ألف الذي دفعه للضابط الذي توسّط له من أجل الفرز العسكري.
تناول على عجل، طعام الغداء وحيداً في المطعم المتواضع على طريق المستشفى، لم يفكر في طعم اللقيمات التي يمضغها، كان يفكّر كيف يمضغ ذلك الوقت القاسي كالحجر، وكيف يرتّب أيام عمره المبعثرة كحبات الرمل في شفة الريح، وكيف يفرد بساط الأمل المطوي في أجفانه!
عندما وصل رأى هيفاء بجديلتها المتمايلة وهي تتبختر في مدخل المستشفى الصغير المكوّن من غرفة طوارئ وغرف نوم قليلة للمرضى، واضعة كفيها خلف ظهرها ورافعة نظرها للأعلى وكأنما تنتظر فارس أحلامها يهبط بحصانه من السقف! وما إن رأته حتى أشرق وجهها وابتسمت له وهو يقول:
ـ مرحباً يا حلوين.
فأشارت إليه بشفتيها الدقيقتين الملونتين أن يخفض صوته خوفاً أن يسمعه أبو علي!
مدّ يده مصافحاً وضغط على كفها فانتقلت إلى يده حرارة الخجل الأنثوي الجريء الذي بدا على خديها.
ـ أهلاً.. تأخرت.
- تناولت طعامي في السوق، والآن سأشرب شاياً لذيذاً من أناملك التي يقطر منها السكّر وتنبعث منها نكهة الهال والقرفة التي تعدل المزاج.
قال في نفسه بشيء من الحسرة والحرمان وهو مستلق في السرير: آه ما أطيب العشق، إنه يساوي الحياة، والعشاق وحدهم هم الذين يعبّرون عنها على نحو جميل. ماذا سيحدث للحياة في هذه المدينة ولهؤلاء العشاق فيما لو احتجز الأتراك كما يُتوقع بسدودهم نهر الفرات الكبير الذي يمرّ هناك في طرف البلدة، حيث يتبادل العشاق الغرام تحت الأشجار على ضفتيه؟
لا بد أنّهم سيفجّرون أنهاراً بعشقهم لتبقى الحياة ويبقى العشق.
***
Page 6
2
حاول عبثاً أن يتوارى عن عينيها المتلهفتين لرؤيته، لكنّه وجد نفسه مقيّداً أمام ساقية العشق القافزة من بين شفتيها عندما انتظرته على طريق البيت القديم، برفقة رجل ذي لحية سوداء طويلة، وقف يراقبها على بعد أمتار بعينيه المزمجرتين، وكأنه حارس لقلعة من قلاع العصور الوسطى، خفق قلبه بشدّة، واحمرّت وجنتاه، وقال بصوت مختنق:
- ريم..!؟
فردّت على الفور وقوة الجاذبية تركزت بين ذراعيها محاولة ضمه إلى صدرها:
- أجل.. اشتقت إليك.
- يضنيني هذا الشوق كثيراً. قال وقد احتقنت أفكاره بالذكريات.
- لماذا وأنا أحبك وأخاف عليك!؟
- أنت الوحيدة في هذا العالم التي ترهقني بحبها وتخيفني بشوقها، هل تعرفين ذلك؟ وتجعلني أضطرب عندما أراها أو حتى حينما أتذكّرها. قال ذلك وهو يشعر بالدنيا تدور من حوله والبيوت تبتعد عن عينيه كالغيوم البيضاء، وباب البيت يشدّ أعصابه بعنف.
- ألا تقول تفضّلي؟
- أجل، تفضّلي. قال ولم يعرف كيف نسي أن يردّ بتلك الأجوبة التي رتّبها في ذهنه لموقف كهذا، نسي حتى أن يتجاهل اسمه في شفتيها الورديتين، وصورته في عينيها الرائعتين، وأيامه المنثورة على وجهها الحزين، وحدائقه التي تجمدت أزهارها في أنفاسها المحروقة.
جلسا في البيت مع صديق مقرّب لم يعد يحسّ بوجوده منذ أن صادفها منذ دقائق، وخيّم صمت طويل، مرت جميع الذكريات، والتضحيات والوعود، والعواطف سريعاً عبر العقول الثلاثة المتكوّمة على الكراسي الخشبية في ذلك البيت القديم.
- لقد كبرنا أليس كذلك؟
ـ...
ـ لكن وجهك ما زال ناصع البياض، وبشرتك بالغة الرقة، وزرقة عينيك ما زالت تخفي كنوزاً من الياقوت والزمرد. قال ذلك محاولاً كسر الصمت المخيّم، لكن الحروف اختنقت في حنجرته واغرورقت عيناه بالدموع التي اجترأت على النزول ولم تخجل من وجود صديقه هنا.
- أستأذن بالانصراف، هناك من ينتظرني في الخارج.. فجأة قالت وهي تهمّ بالخروج، يبدو أنني قطعت برنامج عملكما، وجئت في وقت غير مناسب، أدعو لكما بالتوفيق.
حاول عبثاً أن يتوارى عن عينيها المتلهفتين لرؤيته، لكنّه وجد نفسه مقيّداً أمام ساقية العشق القافزة من بين شفتيها عندما انتظرته على طريق البيت القديم، برفقة رجل ذي لحية سوداء طويلة، وقف يراقبها على بعد أمتار بعينيه المزمجرتين، وكأنه حارس لقلعة من قلاع العصور الوسطى، خفق قلبه بشدّة، واحمرّت وجنتاه، وقال بصوت مختنق:
- ريم..!؟
فردّت على الفور وقوة الجاذبية تركزت بين ذراعيها محاولة ضمه إلى صدرها:
- أجل.. اشتقت إليك.
- يضنيني هذا الشوق كثيراً. قال وقد احتقنت أفكاره بالذكريات.
- لماذا وأنا أحبك وأخاف عليك!؟
- أنت الوحيدة في هذا العالم التي ترهقني بحبها وتخيفني بشوقها، هل تعرفين ذلك؟ وتجعلني أضطرب عندما أراها أو حتى حينما أتذكّرها. قال ذلك وهو يشعر بالدنيا تدور من حوله والبيوت تبتعد عن عينيه كالغيوم البيضاء، وباب البيت يشدّ أعصابه بعنف.
- ألا تقول تفضّلي؟
- أجل، تفضّلي. قال ولم يعرف كيف نسي أن يردّ بتلك الأجوبة التي رتّبها في ذهنه لموقف كهذا، نسي حتى أن يتجاهل اسمه في شفتيها الورديتين، وصورته في عينيها الرائعتين، وأيامه المنثورة على وجهها الحزين، وحدائقه التي تجمدت أزهارها في أنفاسها المحروقة.
جلسا في البيت مع صديق مقرّب لم يعد يحسّ بوجوده منذ أن صادفها منذ دقائق، وخيّم صمت طويل، مرت جميع الذكريات، والتضحيات والوعود، والعواطف سريعاً عبر العقول الثلاثة المتكوّمة على الكراسي الخشبية في ذلك البيت القديم.
- لقد كبرنا أليس كذلك؟
ـ...
ـ لكن وجهك ما زال ناصع البياض، وبشرتك بالغة الرقة، وزرقة عينيك ما زالت تخفي كنوزاً من الياقوت والزمرد. قال ذلك محاولاً كسر الصمت المخيّم، لكن الحروف اختنقت في حنجرته واغرورقت عيناه بالدموع التي اجترأت على النزول ولم تخجل من وجود صديقه هنا.
- أستأذن بالانصراف، هناك من ينتظرني في الخارج.. فجأة قالت وهي تهمّ بالخروج، يبدو أنني قطعت برنامج عملكما، وجئت في وقت غير مناسب، أدعو لكما بالتوفيق.
Page 7
- لا، أبداً، انتظري قليلاً، سنشرب شيئاً بارداً قبل أن تغادري.
خرج نحو المطبخ يعبر صحراء حارقةً، ويجتاز جبالاً وعرة وأنفاقاً مظلمة، يسبح في بحر مرتفع الأمواج.. يبتلع الماء المالح فيزداد إحساساً بالعطش والحرمان، يلهث حتى يصل إلى الثلاجة، فيمدّ يديه المرتجفتين نحوها، يوجد تفاحٌ وحلويات ودجاج، لكن الماء قد تجمد في زجاجات الثلاجة، يحاول سحب واحدة بكلّ قوته، تقع على الأرض وتتحطّم، فيفيق من النوم مذعوراً جافّ الحلق متسارع الأنفاس...
لقد وقع المذياع الذي تركه مفتوحاً بجانبه قبل أن ينام،
لكنه لم ينقطع عن الكلام رغم الصدمة القاسية...
... نافذتان كبيرتان وقمر وضيء الوجه ما زال يحاول أن يقفز من إحداهما نحو الداخل، ثلاثة أسرّة حديدية قديمة، ينام وحيداً هو على أحدها، والثالثة صباحاً...
حدّق إلى الجدار المتشقق يتسرّب منه ضوء القمر فلاحظ الصورة المعلقة على الجدار، صورة رئيس البلاد والحزب والجيش، وتذكر أنه ينام في ثكنته العسكرية وسط الصحراء الممتدة الأطراف، الصحراء كسجن جدرانه متباعدة في خيال الليل، ونوافذه مفتوحة على أحداق الظلام، وقناديله نجوم معلقة في الأفق.
- يا إلهي، ما هذا الصداع الثقيل، وهذا الألم المزعج المنبعث من تلك القرحة في رأس لساني، إنه يزداد بسبب الجفاف الشديد في فمي، لقد عادت تلك الكوابيس مجدداً!.
جلس دقيقتين في سريره فاستعاد وعيه ومشى متمايلاً نحو الثلاجة يعبر نهراً من الشكوك وبحراً من التناقضات.
- لِمنْ أنام هنا وحيداً؟ ومن ينتظرني هناك عندما أعود؟ وإلى متى سأكون بين هذه الصور كلوحةٍ تراكمت فوقها حسابات الزمن اليائس؟.
اقترب من الثلاجة واقترب أيضاً من الهذيان.
- أيتها القلاعة الحقيرة في رأس لساني، أنت سبب صداعي وتلك الكوابيس المزعجة، لكن ربما تكونين أنت ناتجة عن تلك الأحلام المعذبة.. آه.. لا أدري، لن آكل البطاطا المقليّة قبل النوم مرة أخرى، إنها أيضاً تسبّب الكوابيس مثل الخدمة العسكرية ومثل أبي علي، آه منك يا أبا علي، ربما تكون أنت سبب الصداع، فأنا لم أنم جيداً ليلة البارحة، لقد سهرنا مع المريض المصاب بالقصور الكلوي الذي أسعفناه بعد منتصف الليل في المستشفى.
تذكّر صوت أبي علي البدوي الخشن وهو يقول:
- خمس مئة ليرة مبلغ قليل يا دكتور، ولا يستأهل الاستيقاظ من النوم.
فردّ الدكتور رامي مازحاً:
- كم أتمنّى ألا تتكلم بعد منتصف الليل يا عم أبو علي لأنك تخرّب عالم السكون المخيم في المستشفى وتوقظ العناكب النائمة على أسرّة المرضى..
فضحك أبو علي ضحكة طويلة أنهاها بتثاؤب طويل غير مهذب وقال:
- لحسن الحظ لا ينام عندنا مرضى هذه الليلة وإلّا لسمعت منهم زفرات الامتعاض وعدم الرضى عن كلماتي وابتساماتي. يا أخي هذا هو طبعي، أتكلم وأضحك بصوت عالٍ فهل تريدونني أخرس؟، صدى الشجاعة عال وأنوارها باهرة.
ـ يجب أن نكون لطفاء حتى لا نخسر الزبائن يا أبا علي.
- هل تقصد أن الزبائن لا يأتون بسببي، المستشفى سمعته سيئة فما ذنبي أنا.
- نحن من يصنع السمعة.. ويجب أن تحمد الله على كل حال.
خرج نحو المطبخ يعبر صحراء حارقةً، ويجتاز جبالاً وعرة وأنفاقاً مظلمة، يسبح في بحر مرتفع الأمواج.. يبتلع الماء المالح فيزداد إحساساً بالعطش والحرمان، يلهث حتى يصل إلى الثلاجة، فيمدّ يديه المرتجفتين نحوها، يوجد تفاحٌ وحلويات ودجاج، لكن الماء قد تجمد في زجاجات الثلاجة، يحاول سحب واحدة بكلّ قوته، تقع على الأرض وتتحطّم، فيفيق من النوم مذعوراً جافّ الحلق متسارع الأنفاس...
لقد وقع المذياع الذي تركه مفتوحاً بجانبه قبل أن ينام،
لكنه لم ينقطع عن الكلام رغم الصدمة القاسية...
... نافذتان كبيرتان وقمر وضيء الوجه ما زال يحاول أن يقفز من إحداهما نحو الداخل، ثلاثة أسرّة حديدية قديمة، ينام وحيداً هو على أحدها، والثالثة صباحاً...
حدّق إلى الجدار المتشقق يتسرّب منه ضوء القمر فلاحظ الصورة المعلقة على الجدار، صورة رئيس البلاد والحزب والجيش، وتذكر أنه ينام في ثكنته العسكرية وسط الصحراء الممتدة الأطراف، الصحراء كسجن جدرانه متباعدة في خيال الليل، ونوافذه مفتوحة على أحداق الظلام، وقناديله نجوم معلقة في الأفق.
- يا إلهي، ما هذا الصداع الثقيل، وهذا الألم المزعج المنبعث من تلك القرحة في رأس لساني، إنه يزداد بسبب الجفاف الشديد في فمي، لقد عادت تلك الكوابيس مجدداً!.
جلس دقيقتين في سريره فاستعاد وعيه ومشى متمايلاً نحو الثلاجة يعبر نهراً من الشكوك وبحراً من التناقضات.
- لِمنْ أنام هنا وحيداً؟ ومن ينتظرني هناك عندما أعود؟ وإلى متى سأكون بين هذه الصور كلوحةٍ تراكمت فوقها حسابات الزمن اليائس؟.
اقترب من الثلاجة واقترب أيضاً من الهذيان.
- أيتها القلاعة الحقيرة في رأس لساني، أنت سبب صداعي وتلك الكوابيس المزعجة، لكن ربما تكونين أنت ناتجة عن تلك الأحلام المعذبة.. آه.. لا أدري، لن آكل البطاطا المقليّة قبل النوم مرة أخرى، إنها أيضاً تسبّب الكوابيس مثل الخدمة العسكرية ومثل أبي علي، آه منك يا أبا علي، ربما تكون أنت سبب الصداع، فأنا لم أنم جيداً ليلة البارحة، لقد سهرنا مع المريض المصاب بالقصور الكلوي الذي أسعفناه بعد منتصف الليل في المستشفى.
تذكّر صوت أبي علي البدوي الخشن وهو يقول:
- خمس مئة ليرة مبلغ قليل يا دكتور، ولا يستأهل الاستيقاظ من النوم.
فردّ الدكتور رامي مازحاً:
- كم أتمنّى ألا تتكلم بعد منتصف الليل يا عم أبو علي لأنك تخرّب عالم السكون المخيم في المستشفى وتوقظ العناكب النائمة على أسرّة المرضى..
فضحك أبو علي ضحكة طويلة أنهاها بتثاؤب طويل غير مهذب وقال:
- لحسن الحظ لا ينام عندنا مرضى هذه الليلة وإلّا لسمعت منهم زفرات الامتعاض وعدم الرضى عن كلماتي وابتساماتي. يا أخي هذا هو طبعي، أتكلم وأضحك بصوت عالٍ فهل تريدونني أخرس؟، صدى الشجاعة عال وأنوارها باهرة.
ـ يجب أن نكون لطفاء حتى لا نخسر الزبائن يا أبا علي.
- هل تقصد أن الزبائن لا يأتون بسببي، المستشفى سمعته سيئة فما ذنبي أنا.
- نحن من يصنع السمعة.. ويجب أن تحمد الله على كل حال.
Page 8
- الحمد لله.. أنت تنام هنا وتأخذ مالاً، وهذا أفضل من أن تنام في الثكنة مجاناً وبدون راحة بال! قال مازحاً وهو يضحك، لكن الدكتور رامي انزعج من طريقته في المزاح وأراد أن ينهي الحديث ليذهب للنوم، أخذ أبو علي الحساب لكونه المحاسب والحارس والمدير وهو الكل بالكل كما يقول:
- أنا هنا الكل بالكل بعد الدكتور عبد الجواد صاحب المستشفى..
انقطعت هذه السلسلة من الصور على صوت خرير المياه في دورة المياه، فقد استغلّ فرصة استيقاظه ليريح مثانته حتى لا توقظه مرة أخرى، عاد إلى سريره وأخذ يقلب موجات المذياع..
- لا يوجد إلّا الأخبار التي تجهد في تكويمها شرور البشر، وغالباً ما تفوح روائح العفونة من أكوام الأخبار التي لا تلفحها شموس الطبيعة، ردود أفعال على مؤتمر مدريد للسلام، قناة أخرى.. فاروق الشرع وزير الخارجية السوري يفجر قنبلة سياسية في المؤتمر بعرضه صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير كتب عليها "إرهابي مطلوب للعدالة"، قناة أخرى.. الرئيس الأسد قرر صنع السلام مع إسرائيل،.. أخبار عن السلام، ها، ها،.. وأنا في حرب فكرية هنا!
(عاد إلى الشرود)، ربما يحلّ السلام وتنتهي الخدمة الإلزامية سريعاً، تتحسن علاقاتنا مع كثير من الدول، أسافر كي أتابع اختصاصي في إحداها، أبحث مع حبيبتي الجميلة عن بيت، وعن السعادة التي لا تزال بعيدة. ثلاثون عاماً ذهبت من عمري، كلها دراسة وتعب وعناء، ولا أزال في بداية الطريق..، أكوّن نفسي! ثم ماذا يعني طبيب!.. بدون أية فرصة لاختراق الحياة العملية.. سنتان من الخدمة الإلزامية، إنهما حاجز جديد في أول طريق الحياة.
يقولون والله أعلم إن نهاية العالم ستكون عام 2000 م! يعني بعد تسع سنوات! يا إلهي! هل يمكن ذلك؟..
أحسّ بتشوش في أفكاره، وتذكّر القلاعة في رأس لسانه، أخذ قرصاً مسكّناً للألم من الخزانة التي إلى جانبه ثم عاد إلى شروده:
- لقد قال أبو علي إنه لن يحدث السلام برأيه! لكن ما علاقة أبي علي بالسلام؟ وماذا يفهم فيه؟ إنه مجرّد بدوي بسيط! ثم عاد فقال:
ـ كلا، إنه ذكي متوقد الذهن، ولديه حدسٌ مصيب، إنه يعرف مثل كثير من الضباط الذين قابلتهم هنا، حتى أنه يفوق الكثيرين منهم جرأة، هو من النوع الذي لا يرهب مصائب الدهر، ليس زهداً أو ورعاً، ولا بسالة وعنفواناً، شيء بين ذلك قد يكون أقرب إلى من مارس تقلبات الدهر، إنه يتكلم بجرأة في كل شيء، في الدين والسياسة والحب والجنس، في الجدّ والمزاح، في الأخلاق والخيانة، لكنه يخاف التكلم على الربّ وعلى الرئيس! تلك حدوده التي وضعها لنفسه، عيبه أنه يغتاب الناس حتى أقرب المقربين إليه! يتكلم على زوجته وبناته! وعلى الدكتور عبد الجواد، وعلى الأطباء الذين كانوا قبلي في المستشفى.
قلت له إنني ارتحت إليه وأحببت طيبة قلبه، رغم أنني أعرف أنه سيغتابني كما فعل مع الآخرين في الخير والشر، إنه يرشّ حروفه الممزوجة بالبهار الحار على أسماع كل من يراه ويسمعه، قد تكون كاوية ولاذعة، وقد تحمل الحقيقة الفجّة.
***
أطلّ الصباح من كهف بعيد مثل صياد نشيط، ومرّ على تلك الصحاري الواسعة ليدخل نافذة المستوصف الواقع في قلب الصحراء، حيث ينام الدكتور رامي، على مسافة ساعة من مدينة الثورة، أطلق الصياد نحو عينيه كالعادة مثل كل صباح حزمة من الأشعة الذهبية وخزت تلافيف دماغه فاستفاقت، حمله الصياد على صهوة الضحى في رحلته اليومية إلى سرب الطيارين، يفحص المرضى ويعالجهم، يستمع لهموم الضباط ومشاكلهم وشكاواهم.
يقول أحدهم:
ـ مللنا الروتين المقيت الذي نعيشه أيام اللاسلم واللاحرب.
ويتهامس بعضهم عن القيد الذي يحيط بأعناقهم خلال حياتهم كلها ويقصدون القيد العسكري طبعاً، وعن الضائقة المالية التي يعيشها معظمهم. يقول آخر:
ـ الراتب ينتحر في اليوم العاشر من الشهر، والعائلة ماشاء الله كبيرة، ولا يجوز أن نمارس عملاً ثانياً كما يفعل موظفو الدوائر الحكومية المدنية أو دوائر القطاع الخاص... يهمس لجاره "فكيف تعيش بما يتناسب مع اسمك كضابط إذا لم تتّبع طرقاً غير شرعية!".
ثم يجرؤ بعضهم على البوح ببعض أحلامه البعيدة في السفر والمغامرة بعد أن يأخذ التعويض الكبير حين يحل السلام ويترك الجيش، وهو بذلك يعترف بعجزه عن تحقيق أحلامه في الجيش وبدون مساندة كبيرة من ضابط كبير سيظل مهمشاً طوال حياته.
- أنا هنا الكل بالكل بعد الدكتور عبد الجواد صاحب المستشفى..
انقطعت هذه السلسلة من الصور على صوت خرير المياه في دورة المياه، فقد استغلّ فرصة استيقاظه ليريح مثانته حتى لا توقظه مرة أخرى، عاد إلى سريره وأخذ يقلب موجات المذياع..
- لا يوجد إلّا الأخبار التي تجهد في تكويمها شرور البشر، وغالباً ما تفوح روائح العفونة من أكوام الأخبار التي لا تلفحها شموس الطبيعة، ردود أفعال على مؤتمر مدريد للسلام، قناة أخرى.. فاروق الشرع وزير الخارجية السوري يفجر قنبلة سياسية في المؤتمر بعرضه صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير كتب عليها "إرهابي مطلوب للعدالة"، قناة أخرى.. الرئيس الأسد قرر صنع السلام مع إسرائيل،.. أخبار عن السلام، ها، ها،.. وأنا في حرب فكرية هنا!
(عاد إلى الشرود)، ربما يحلّ السلام وتنتهي الخدمة الإلزامية سريعاً، تتحسن علاقاتنا مع كثير من الدول، أسافر كي أتابع اختصاصي في إحداها، أبحث مع حبيبتي الجميلة عن بيت، وعن السعادة التي لا تزال بعيدة. ثلاثون عاماً ذهبت من عمري، كلها دراسة وتعب وعناء، ولا أزال في بداية الطريق..، أكوّن نفسي! ثم ماذا يعني طبيب!.. بدون أية فرصة لاختراق الحياة العملية.. سنتان من الخدمة الإلزامية، إنهما حاجز جديد في أول طريق الحياة.
يقولون والله أعلم إن نهاية العالم ستكون عام 2000 م! يعني بعد تسع سنوات! يا إلهي! هل يمكن ذلك؟..
أحسّ بتشوش في أفكاره، وتذكّر القلاعة في رأس لسانه، أخذ قرصاً مسكّناً للألم من الخزانة التي إلى جانبه ثم عاد إلى شروده:
- لقد قال أبو علي إنه لن يحدث السلام برأيه! لكن ما علاقة أبي علي بالسلام؟ وماذا يفهم فيه؟ إنه مجرّد بدوي بسيط! ثم عاد فقال:
ـ كلا، إنه ذكي متوقد الذهن، ولديه حدسٌ مصيب، إنه يعرف مثل كثير من الضباط الذين قابلتهم هنا، حتى أنه يفوق الكثيرين منهم جرأة، هو من النوع الذي لا يرهب مصائب الدهر، ليس زهداً أو ورعاً، ولا بسالة وعنفواناً، شيء بين ذلك قد يكون أقرب إلى من مارس تقلبات الدهر، إنه يتكلم بجرأة في كل شيء، في الدين والسياسة والحب والجنس، في الجدّ والمزاح، في الأخلاق والخيانة، لكنه يخاف التكلم على الربّ وعلى الرئيس! تلك حدوده التي وضعها لنفسه، عيبه أنه يغتاب الناس حتى أقرب المقربين إليه! يتكلم على زوجته وبناته! وعلى الدكتور عبد الجواد، وعلى الأطباء الذين كانوا قبلي في المستشفى.
قلت له إنني ارتحت إليه وأحببت طيبة قلبه، رغم أنني أعرف أنه سيغتابني كما فعل مع الآخرين في الخير والشر، إنه يرشّ حروفه الممزوجة بالبهار الحار على أسماع كل من يراه ويسمعه، قد تكون كاوية ولاذعة، وقد تحمل الحقيقة الفجّة.
***
أطلّ الصباح من كهف بعيد مثل صياد نشيط، ومرّ على تلك الصحاري الواسعة ليدخل نافذة المستوصف الواقع في قلب الصحراء، حيث ينام الدكتور رامي، على مسافة ساعة من مدينة الثورة، أطلق الصياد نحو عينيه كالعادة مثل كل صباح حزمة من الأشعة الذهبية وخزت تلافيف دماغه فاستفاقت، حمله الصياد على صهوة الضحى في رحلته اليومية إلى سرب الطيارين، يفحص المرضى ويعالجهم، يستمع لهموم الضباط ومشاكلهم وشكاواهم.
يقول أحدهم:
ـ مللنا الروتين المقيت الذي نعيشه أيام اللاسلم واللاحرب.
ويتهامس بعضهم عن القيد الذي يحيط بأعناقهم خلال حياتهم كلها ويقصدون القيد العسكري طبعاً، وعن الضائقة المالية التي يعيشها معظمهم. يقول آخر:
ـ الراتب ينتحر في اليوم العاشر من الشهر، والعائلة ماشاء الله كبيرة، ولا يجوز أن نمارس عملاً ثانياً كما يفعل موظفو الدوائر الحكومية المدنية أو دوائر القطاع الخاص... يهمس لجاره "فكيف تعيش بما يتناسب مع اسمك كضابط إذا لم تتّبع طرقاً غير شرعية!".
ثم يجرؤ بعضهم على البوح ببعض أحلامه البعيدة في السفر والمغامرة بعد أن يأخذ التعويض الكبير حين يحل السلام ويترك الجيش، وهو بذلك يعترف بعجزه عن تحقيق أحلامه في الجيش وبدون مساندة كبيرة من ضابط كبير سيظل مهمشاً طوال حياته.
Page 9
علّق النسر على ذلك بالقول:
ـ "طز" في الهجرة،.. الهجرة كلام فارغ، والهروب من واقع الوطن جبن. الشاب بعنفوانه في أول عمره يفكّر في السفر قبل الزواج من أجل واحد من ثلاثة دوافع، إما بحثاً عن حرية فكرية، وإما عن حرية جنسية، وإما عن حرية مادية، أي هرباً من الفقر وقلّة الفرص. أما بعد الثلاثين، ومع الزواج والأولاد فلماذا يفكر في الهجرة؟ تبقى المواطنة من أطيب المشاعر لدى الإنسان ليس لكونها ميزة ممكنة، بل لكونها واجباً يمارس.
في تلك الأثناء وفي غرفة جانبية، فحص الدكتور رامي أحد ضباط الرادار وهو في رتبة رائد، كان محموماً ومنهك القوى، قال له:
ـ سأعطيك حقنة خافضة للحرارة، ستسرّع في شفائك. فانتفض الضابط قائلاً:
ـ كلا.. إلّا الحقنة.. لا أحب الإبر تغرز في جسدي.
ظنّ الدكتور رامي أنه نوع من المزاح وراح يحضر الحقنة قائلاً:
ـ أنت ضابط قد تخوض حرباً، هذه حقنة وليست صاروخاً، لكن الضابط وبكل جدية قال:
ـ لا تحضّر الحقنة يا دكتور، أخاف الحقن، ولعلمك فإن صاروخاً أستقبله بصدري أهون علي من الحقنة في مؤخرتي!
ضحك الدكتور رامي وهو يرمي الحقنه مستغرباً، بينما الحاضرون ما زالوا يتكلمون على الأموال الهائلة التي يستهلكها الجيش يومياً: طائرات، سيارات، وقود، رواتب جنود، سرقات. ثم يستنتجون أننا أغنياء لكننا مضطرون أن نستخدم أكثر من ثلاثة أرباع ميزانيتنا في التسليح والدفاع..
يسمع الدكتور رامي كل هذه الهموم وكل هذه الأمراض فيزداد صداعه وتعبه لكن لا ينتبه أحد منهم لذلك، فالجميع ينتظرون منه استشارات صحية ولا يتوقعون أن يتعب الطبيب حينما تتجمّع همومه وتحرمه من النوم وخاصة في الليالي التي يكون فيها مناوباً في الثكنة.
***
ـ "طز" في الهجرة،.. الهجرة كلام فارغ، والهروب من واقع الوطن جبن. الشاب بعنفوانه في أول عمره يفكّر في السفر قبل الزواج من أجل واحد من ثلاثة دوافع، إما بحثاً عن حرية فكرية، وإما عن حرية جنسية، وإما عن حرية مادية، أي هرباً من الفقر وقلّة الفرص. أما بعد الثلاثين، ومع الزواج والأولاد فلماذا يفكر في الهجرة؟ تبقى المواطنة من أطيب المشاعر لدى الإنسان ليس لكونها ميزة ممكنة، بل لكونها واجباً يمارس.
في تلك الأثناء وفي غرفة جانبية، فحص الدكتور رامي أحد ضباط الرادار وهو في رتبة رائد، كان محموماً ومنهك القوى، قال له:
ـ سأعطيك حقنة خافضة للحرارة، ستسرّع في شفائك. فانتفض الضابط قائلاً:
ـ كلا.. إلّا الحقنة.. لا أحب الإبر تغرز في جسدي.
ظنّ الدكتور رامي أنه نوع من المزاح وراح يحضر الحقنة قائلاً:
ـ أنت ضابط قد تخوض حرباً، هذه حقنة وليست صاروخاً، لكن الضابط وبكل جدية قال:
ـ لا تحضّر الحقنة يا دكتور، أخاف الحقن، ولعلمك فإن صاروخاً أستقبله بصدري أهون علي من الحقنة في مؤخرتي!
ضحك الدكتور رامي وهو يرمي الحقنه مستغرباً، بينما الحاضرون ما زالوا يتكلمون على الأموال الهائلة التي يستهلكها الجيش يومياً: طائرات، سيارات، وقود، رواتب جنود، سرقات. ثم يستنتجون أننا أغنياء لكننا مضطرون أن نستخدم أكثر من ثلاثة أرباع ميزانيتنا في التسليح والدفاع..
يسمع الدكتور رامي كل هذه الهموم وكل هذه الأمراض فيزداد صداعه وتعبه لكن لا ينتبه أحد منهم لذلك، فالجميع ينتظرون منه استشارات صحية ولا يتوقعون أن يتعب الطبيب حينما تتجمّع همومه وتحرمه من النوم وخاصة في الليالي التي يكون فيها مناوباً في الثكنة.
***
Page 10
3
لطالما أخبر النسر صديقه الجديد الدكتور رامي عن شعوره الرائع والمثير عندما ينطلق بطائرته فيبتلعه الفضاء ويحتويه مثلما تحتوي رحم الأم الدافئة الجنين، كانت مناوبة كل منهما ليلة الجمعة، دعاه تلك الليلة إلى مكتبه ليتسامرا معاً، حدّثه حديثاً طويلاً وحميماً، كان معهما مجند اسمه رضوان، جمعت بلدة واحدة مسقط رأسيهما هو والنسر، شاب بسيط، هادئ الطباع قليل الكلام، يبدو أن النسر يمنحه ثقته.
أجابه الدكتور رامي بمزيج من الجد والمزاح:
ـ يعني ذلك بلغة طبيّة أننا جميعنا أجنّة في رحم الوطن! نرتبط بحبالنا السرية إلى جسده الدافئ، نأخذ غذاءنا من خيراته!.
ـ بالضبط، لكن ربما لا يكون ذلك بالتساوي بيننا!
ـ لأن ذلك يخضع لتباين بعض مورثات القوة!
ـ لذلك تجد بعضنا أضخم من الآخر لأنه ربما استولى على بعضٍ من حصة أخيه وجاره في الرحم، لكن المهم أننا جميعاً نتنفس من رئتيه بالمقدار نفسه تقريباً، من المتسولين حتى قائد المطار أو أي عضو في الحكومة، جميعهم تنفسوا كميات متقاربة من أوكسجين الوطن.
ـ وطرحوا فضلاتهم عبره..!
ـ لكن قد تكون هناك إشارة استفهام إذا ما كانت فضلاتنا بالمقدار نفسه! وما هي الطريقة التي تطرح بها؟
ـ الطبيعي أن يتم طرحها عن طريق الحبل السري بالتبادل الأسموزي!.
ـ والأسوأ من ذلك أن يتم تقيؤها أو ".. تبرّزها" في فضاء الرحم بطريقة تفسد أجواءه وأراضيه على التوائم الأخرى.
تابع النسر بالنغمة الطبية نفسها:
ـ ألم نصرخ جميعاً صرختنا الأولى فوق أرضه، عبرنا من أرحام أمهاتنا إلى رحم الوطن، ربما بنغمات مختلفة، لكننا جميعاً صرخنا، ثم حبونا، ثم لعبنا في سهوله ورباه وربما ما زلنا نلعب، ألم نتعلّم حروفنا الأولى وأحلامنا الأولى فوق صفحاته، ثم نذهب إلى مدارسه وجامعاته، الوطن يحنو علينا ونحن نكبر (كل شبر بنذْر)، إننا جميعاً يجب ألا نكون عاقّين للوطن، يتوجب أن يكون لدينا الحد الأدنى من البرّ والوفاء والعرفان بالجميل.
كان يتكلم بكل جدية وحماسة، وكأنه مقتنع بذلك من الصميم، وهو لا ينسى طبعاً في كل مرة أن يفرّق بين الوطن وحكومة الوطن أو أي إنسان فيه، فالحكومة هي جزء من محتويات رحم الوطن وليست الوطن!.
ـ أين قضيت كل سنوات خدمتك سيادة العقيد؟
لطالما أخبر النسر صديقه الجديد الدكتور رامي عن شعوره الرائع والمثير عندما ينطلق بطائرته فيبتلعه الفضاء ويحتويه مثلما تحتوي رحم الأم الدافئة الجنين، كانت مناوبة كل منهما ليلة الجمعة، دعاه تلك الليلة إلى مكتبه ليتسامرا معاً، حدّثه حديثاً طويلاً وحميماً، كان معهما مجند اسمه رضوان، جمعت بلدة واحدة مسقط رأسيهما هو والنسر، شاب بسيط، هادئ الطباع قليل الكلام، يبدو أن النسر يمنحه ثقته.
أجابه الدكتور رامي بمزيج من الجد والمزاح:
ـ يعني ذلك بلغة طبيّة أننا جميعنا أجنّة في رحم الوطن! نرتبط بحبالنا السرية إلى جسده الدافئ، نأخذ غذاءنا من خيراته!.
ـ بالضبط، لكن ربما لا يكون ذلك بالتساوي بيننا!
ـ لأن ذلك يخضع لتباين بعض مورثات القوة!
ـ لذلك تجد بعضنا أضخم من الآخر لأنه ربما استولى على بعضٍ من حصة أخيه وجاره في الرحم، لكن المهم أننا جميعاً نتنفس من رئتيه بالمقدار نفسه تقريباً، من المتسولين حتى قائد المطار أو أي عضو في الحكومة، جميعهم تنفسوا كميات متقاربة من أوكسجين الوطن.
ـ وطرحوا فضلاتهم عبره..!
ـ لكن قد تكون هناك إشارة استفهام إذا ما كانت فضلاتنا بالمقدار نفسه! وما هي الطريقة التي تطرح بها؟
ـ الطبيعي أن يتم طرحها عن طريق الحبل السري بالتبادل الأسموزي!.
ـ والأسوأ من ذلك أن يتم تقيؤها أو ".. تبرّزها" في فضاء الرحم بطريقة تفسد أجواءه وأراضيه على التوائم الأخرى.
تابع النسر بالنغمة الطبية نفسها:
ـ ألم نصرخ جميعاً صرختنا الأولى فوق أرضه، عبرنا من أرحام أمهاتنا إلى رحم الوطن، ربما بنغمات مختلفة، لكننا جميعاً صرخنا، ثم حبونا، ثم لعبنا في سهوله ورباه وربما ما زلنا نلعب، ألم نتعلّم حروفنا الأولى وأحلامنا الأولى فوق صفحاته، ثم نذهب إلى مدارسه وجامعاته، الوطن يحنو علينا ونحن نكبر (كل شبر بنذْر)، إننا جميعاً يجب ألا نكون عاقّين للوطن، يتوجب أن يكون لدينا الحد الأدنى من البرّ والوفاء والعرفان بالجميل.
كان يتكلم بكل جدية وحماسة، وكأنه مقتنع بذلك من الصميم، وهو لا ينسى طبعاً في كل مرة أن يفرّق بين الوطن وحكومة الوطن أو أي إنسان فيه، فالحكومة هي جزء من محتويات رحم الوطن وليست الوطن!.
ـ أين قضيت كل سنوات خدمتك سيادة العقيد؟