eKtab
EN ع
تدوين لزمن ضائع
Read free sample

تدوين لزمن ضائع

by عباس خضر

Page 1
تقديم
 
د · حسن ناظم
 
هذه القصائد كُتبتْ تحت طائلة براءات جمّة :
 
براءة العمر، وبراءة الحس، وبراءة الآهات، وفوق ذلك براءة اللغة · كل هذه البراءات جعلتْ من هذه النصوص - النصوص البريئة - ذات ميزة يتجاوز تفسيرها قصة الاحتراف، وعمق المعرفة والخبرة، إلى ما هو أهمّ وأعمق :
 
إنهــا قضية أن نبده الأشياء بلغة ممعنة في التجربة الفطرية المهتدية بالذات منبعاً لكلّ جميل · وذات الشاعر في هذه القصائد تستند إلى البداهة في الحياة والشعر · والبداهة في كليهما مركب صعب، فهي قد تضعك أمام بدائيّ يعبّر عن معاناته بالصراخ، أو قد تضعك أمام فنّان يصطنع البدائية، ويمتطيها وسيلةً للتعبير عن هواجسَ وحيوات ليس من سبيل إلى كشفها سوى بادعاءات البراءة، والبداهة، والبدائية ·
 
إن قصائد هذه المجموعة تجدد بعضاً من ملامح الألم الذي يسكن الإنسان حين ترتحل عنه إنسانيته قسراً فيقبع في سجن مظلم، وهي تعبّر عن الألم الذي يسكن الروح حين يرتحل الجسد منفياً طوعاً ·
 
وكلا الألمين قاساهما الشاعر عباس خضر :
 
مرّة حين سُجن في البلاد غضّاً لمّا يغادر البداهة، ومرة حين جاب الآفاق بحثاً عن بديل السجن، ولم يجد غير منفى · ولا شك في أن هاتين التجربتين تلقيان بظلالهما على أية حياة، وقد كان من وراء ذلك أن اصطبغت اللغة هنا، كالأحاسيس، برهافة قاسية، وحزن كسير، وجمال ·
 
إذن، هذه هي المجموعة الشعرية البكر لعباس خضر الذي تململ كالسَّليم وهو يبحث عن بيت الحرية، فكان أن ارتحل نحو شمال افريقيا، وانتظر، كذئب جائع، فرصة عبور المتوسط فعبر نحو تركيا فاليونان فـ·· فـ··، حتى حطّ الرحال بالمانيا· والآن، هل ثمة تململ وارتحال أليمَيْن في نصوص عباس خضر؟ أثمة صورة تشملنا جميعاً، مُندسّة هنا أو هناك في أعطاف هذه النصوص؟ صورة تذكرنا إذا نسينا، وتحفظ الملامح الجديدة لحقبتنا إذا حاول الزمن، ولا شك في محاولته، أن يطمسها·
 
عمّان 2 0 0 2
Page 2
خمر لحزن الحمائم 
 
(إلى صالح زامل)
 
هائلٌ
 
هو انتظاري
 
كما ربية تهفو لنجمةِ صبحٍ في عشيّة الرصاص،
 
كما وقوف الوجِه حائراً بين بساتين القتل والهزائم
 
مرغماً على وجعي·
 
مكرهاً على الرقصِ وحيداً تحت القرابين
 
أنا يا عربات الانتظار،
 
موزع على بريد المسافِة، حجراً···
 
تعبره الحمائم من هنا،
 
وأنا أصفّقُ للموتِ·
 
أيّها الانتظارُ
 
ورائيَ أضواءُ المدينةِ تحبو،
 
والركن الصغير من دجلةَ
 
يُعدُّ للقادمين حكايات آلهةٍ هاربة··
 
في حواري الحسرات الكبيرة،
 
هكذا
 
منذ أن عاتب النهرُ أوجاعنَا
 
وشربته القوافلُ الغريبة،
 
هكذا
Page 3
ما عرفتُ لداءِ المدينةِ إسماً
 
ما عرفتُ لبغدادَ وجهاً
 
وما عرفتُ قافيةً لهذه المراثي
 
وجعي كان على أرصفِة الروح
 
يَعُدُّ مساءاتِ إلهٍ
 
تخلّى عن بيوتِه
 
أينَ إذن يا وطني تُقامُ عزاءاتُ الليل؟
 
أينَ ترقصُ مع صبايا المدارسِ؟
 
أينَ نكحلُ عروسَ الجنديِّ الملثّم بالصراخ؟
 
أين···؟
 
مررتُ ببابلَ، لم تعرفني حَمَاماتُ الدارِ
 
لم تجهّزْ أمي سطحاً لبرجِ حمامٍ قادمٍ،
 
لم تغزلْ فاطمة من ضفائرها أرجوحةً لي
 
لم يخبِّئ الراحلون تعويذةً للقادمينَ دون آلهةٍ كبيرة
 
ماذا يفعلُ عاشقُ الشرفاتِ البعيدةِ وحيداً
 
سوى أن يُمجّدَ الطريق إلى الموتِ
 
إيّها الموتُ،
 
أينَ آخرُ قطاراتك الثمينة؟
 
يا موعدك،
 
سأعانقه كنجمة صبحٍ
 
وأشمّهُ كأمرأةِ ليلٍ مقدّسة
 
أيّها الموتُ،
Page 4
إنّي أقدّسُكَ
 
فلا آلهة بعدكَ لي·
 
أيّها العاشقُ، أخبّرك:
 
بأن الحزنَ خمرٌ···
 
لثمالة الطرقاتِ الهاربةِ نحو
 
شرفاتِ المدنِ السالفةِ
 
هناكَ، لبقايا امرأةٍ جعلتْ من قامتها مخبأً سريّاً
 
لأغاني الإياب،
 
في كأس أبي نوّاس
 
الحزنُ خمرةٌ أيضاً
 
اشربْ أيّها العاشقُ،
 
أقسمُ لك بكلِ كؤوسِ الأرضِ
 
ما أتعبني الرحيل
 
كنتُ سكران
 
وكان الجلاّدون يعدّون لصمتي
 
وجبةَ عشاءٍ أخرى
 
يقسّمون لحمي على عرباتِ الوطن المصدّر للهاويةِ
 
اشربْ أيّها العاشقُ
 
اشرب أيّها الموتُ،
 
الليلةُ
 
الحزن خمرٌ عراقي
 
ع
 
ر
 
ا
 
ق
 
ي
 
خريف ميونخ 1 0 0 2
Page 5
سيرة مبسترة
 
الأبجدية تكرّر حروبها
 
رطوبةُ الحكمةِ أسقطت الجدارَ
 
الطرقات أجملها التي لا تصل أبداً·
 
بلا عينيكِ لا أهتدي لشرفات·
 
للقصيدة
 
تطايري، أّيتها الأجسادُ المثقوبة بالورد،
 
تطايري، أيّتها القبعاتُ المثقوبة بالرصاص
 
تطاير، أيّها القلبُ المباحُ للمراكبِ الغريبة
 
تطايري، يا أبجديّة دوار البحر
 
تطاير، أيّها الشاعر ولا تعد
 
(····)
 
جهراً
 
أمدّ المسافة
 
كي لا توازي أحداً
 
(إيثاكا ) إلى عويس
 
لعلّ المدينة اعتنقتْ غيرك،
 
لعلّ قد طال بها الوقوف،
 
لعلّ الإنتظار قد ملّها تماماً،
 
لعلّ صخرةً قد دقّتْ مسماراً لصورتك هناك،
 
لعلّك لستَ هنا،
Page 6
لعلّك لستَ هناك·
 
لعلّك ولدتَ هكذا مقبوراً في جوقةِ فزعٍ وحقائب،
 
لعلّ المدينةَ لم تعرفكَ أبداً
 
(····) إلى طفولتي وطير آخر
 
للطيور التي ضربتني جناحاً في غيمة
 
للطيور التي أعدت نجمة الظهيرة للخيول
 
للطيور التي واكبتْ تعثري بالسحبِ والدخان
 
للطيور التي علّقتْ أعناقها بأعراس الشواطئ اللامرئية
 
لطيور أعالي أعشاش الحكايات القديمة
 
للطيور التي حلّقتْ ···
 
لم أفتح جناحي
 
ولم
 
أكن
 
هناك
 
(شاعر )
 
يبحثُ عن أحجية
 
يفكّ أسرارها
 
ويطير
 
(وقوف )
 
مَنْ يخطفُ شهقتي إزاء السماء
 
مَنْ يخطفُ أسواق الجوع من عيوني
 
مَنْ يخطفُ السجّان الصاهل في مراياي
 
مَنْ يخطفُ الرطوبةَ من قلبي
 
مَنْ يخطفني منّي
 
مَنْ يجرد معناي من حكمتي
 
مَنْ يهبني صمتاً أخيراً
 
مَنْ
 
(····)
 
يمرّ قطار إليك
 
يمرّ قطارٌ نحو الطريق الآخر إليّ
 
يمرّ قطارٌ عابراً الجدارَ نحوي
 
يمرّ قطار ····
 
وتمرّ معاً كقطار مزدحم
 
بلا أحدٍ سواه
 
(سيرة كاملة )
 
أُنزل الستار
 
وأنا أنتظر العرض القادم
 
شتاء ميونخ 2 0 0 2
Page 7
تدوين لزمن ضائع
 
رنوت إلى نوافذي
 
وقرفصت ترتجي بي خلّة البائسين
 
قالت عبء أنت وهذه الليالي
 
يا دوارَ البحر
 
دفأتني غربة هذه الأوطان بتراب النار
 
وارتقت الحسرات جدران طفولتي الذكرى
 
وكبوتُ وحيداً كقاربٍ محطّم
 
يا دوارَ البحر
 
بأقدام من خشب
 
خطوتُ فوق جمرات المسار
 
إلى آخر الفوضى
 
ألطّخ وجهي بالزجاجات الجريحة
 
وفي غابات القلق
 
أرمم أسواراً لكفها الضائع مني في شدّة الوجوم
 
أستفسر عن قتلى الشجر
 
وعن نخيل بلادٍ محروق
 
أحوم في الطيور الوحيدة منفرداً
 
والدم يلطّخ المسافةَ بي
Page 8
يا دوار
 
في جهامةِ الكلمات
 
لم تخبّئ المتاحف شيئاً، تلك حروفي المعثرة
 
ولا الصيف المجوسي توضأ بالصبايا الفاتنات
 
ولا الطرقات الموحشة تعرّتْ عن قناعها الحجري
 
ولا أيام الصبا عادت في الليلة الخمرية بضفائرها السوداء
 
يا دوارَ البحر
 
عَلَتْ فوق خيامي طيورُ الوجع
 
ونسيج العناكب الممتد من لافتات الشوارع إلى النادلة المتمسحة بالنائحين في المشقة
 
فإلى أين أمضي
 
إلى أين أمضي يا دوارَ البحر
 
وقناديل المدن القبيحة تطفأ الواحدةُ تلو الأخرى
 
والقبل والشموع والرغبات، أصريعٌ أنا برصاصات الرحمة ؟
 
واللقاءات النديّة طغت فوق كلمة الوداع
 
والآمال الأخيرة تذوب في شمس الباصات كقطيع الثلج
 
والموت يدق على النافذة
 
والفتيات بضفائر العجائز يقدمن أفخاذاً صناعية على طبق من الورق الأصفر
 
الجراح ترتدي حاجز الزمن وتوغل في الأبدية العمياء
 
يا دوارَ البحر
 
قد ضاعتْ مراكبنا
Page 9
في الجرح الأول
 
دونتُ في غرفة الطابق الثاني
 
تاريخ عناقنا الأخير
 
وأخرجتُ القصائد
 
وختم شفتيها على المنديل
 
والرسائل القديمة
 
وجلستُ آكلُ أصابعي من وقع الانتظار
Page 10
في الجرح الثاني
 
مضيتُ بخطواتٍ متعثّرة
 
والطيور
 
التي دفنتها بيديّ هاتين
 
لم أجدْ غيرَ دمها
 
الذي ملأ الآفاق