eKtab
EN ع
تفريغ الكائن
Read free sample

تفريغ الكائن

by خليل النعيمي

Page 1

1

لن أجلس، بعد اليوم، ملتاعًا لأكتب·

أكتب لمن؟ ولماذا؟ وكيف؟

يكفي· تغيَّرَ كل شيء·

الكتابة؟ التفكير المستمر بها؟ هوسها وخفاياها·

الكتابة· قناع التُفَّه والأفاقين·

لا· يكفي· هذا المساء أريد أن أحكي· أريد أن أبكي· أن أبحث عن نفسي بين الأنقاض· الكتابة صامتة وبليدة· وأنا هذا المساء أبحث عن ضجيج·

منذ سنين وأنا أريد أن أفهم كل شيء· لكن التغلغل المستمر بين اللحظة واللحظة يشل طاقة الإدراك، ويعمي بصيرة النقد·

الآن، في مواجهة الفراغ الهائل، هذا، أرى بوضوح مدى الخسارة والإرهاب· لا، لم يكن الزمن زمنين، والعالم لم يكن إلا عالمًا واحدًا شديد الاختلاط·

كنت أريد أن أبدأ المواجهة الأخيرة، أخيرًا· تلك المواجهة الحاسمة التي كنت أنتظرها منذ أول الليل· لكن الظلمة التي غيرت الملامح والحصون، غيرت، في الآن ذاته، وضع المواجهة وموضوعها· فلم يعد الأمر يثير الرغبة بالحديث، ولم يعد الصمت لائقًا بالمقام·

كان الظلام يجيء من الغرب، ومع الظلام الهاجم بدا النهر غامضًا وسخيفًا· شيء من العبث المخيف بدأ يتسرب، خلسة، إلي·

كان يكفي أن أستدير لأراها خلفي· وأن أراها، هو أن أرى أوهامي· أوهام الحياة الأولى التي بدأت تتجمد مثل الماء المضروب· عيوب في عيوب· ومع ذلك، كنت قد قررت ألا أحل عن نفسي، قبل أن أستشرف البرهان· لكن البراهين لم تعد تغري أحدًا غيري· أنا الوحيد الذي لا زال يقبع في الأوهام، إذن؟ بلى· وإلا كيف لا زلت أبحث عن جدوى وضع لم يعد ذا جدوى؟

وهذه المرأة اللاصقة بي، كيف أستطيع ابتكارها، وإنكارها هو المطلوب؟ متى حدث ذلك؟

الآن؟ البارحة؟ منذ عام؟ منذ أعوام كثيرة مرت· حدث ذلك قبل قليل· في بداية الأنا ونهايتها·

كان كل شيء يتهاوى، ويتهاوى ببطء ثمين· كنا نجلس، معًا، على الطريق· طريق البيت الجواني، داخل البيت··· بين جدران عالية حتى السماء· جدران صم كتومة· لا يتسرب منها الصوت· ولا تصلها الضوضاء· الأنا داخلها جثة تتحرك دون ضجيج· جثة معلقة في سماء باريس السابعة والعشرين·

بيتي· بيتها· بيتنا الذي لا نعود إليه إلا للفرار منه· وإلى أين؟ إلى القاع· القاع البليدة النكراء· أرض بلا طين· لا حَصْوَ فوقها ولا تراب· بضع طيور صغيرة تدور، سأمًا، في المحيط· شبعة لا تبحث عن غذاء· آمنة لا يطاردها لا ظمأ ولا صياد· طيرانها هادئ ومستقيم· طيور عاقلة كالموت· أين منها طيور الجزيرة الحوامة؟ فجأة بدأ الكلام يتلون ويتلوث· يأخذ أبعادًا ومسافات· كلام جر كلامًا تبعه صمت ممُضّ· صمت أول الليل· صمت الخراب· صمت متواطئ، مثل برد باريس اللعين· البرد، البرد النافذ الذي يوصل العظام بالعظام· صمت وبرد وأنا، هذا المساء، أبحث عن كلام· كلام غامر يضفي بعدًا مأساويا على تفاهة الحياة· منذ البداية وأنا أتكلم صمتًا· أتكلم بلا كلام· هذه المرة أريد أن أكون· أن أقول كلام قلبي بلسان عقلي· أريد أن أمشي· أن أركض - أن أنط· أريد أن أراها، وأن تراني· أن أراها بلغة الضوء· الاضطراب الغامض الذي لَفَّنا منذ البداية بدأ يتجلى عبثه الآن· أسطورة المكان، هذه المرة، صارت تساوي أسطورة الزمان· انتبه!

لم أعد أحب اللعب على الذات، ولا، على الآخر· لم أعد أريد أن أتاجر بحالي· لم أعد لعبة بيد السلطة· ولا أريد أن أصير لعبة بيد الحب· أظن أن عيوني تشهد على ذلك· ألا ترين؟

وأتطلع حولي· أبحث عن الشاهد والمشهود· أريد أن أرى ذاتي القديمة وهي تتراجع أمام ذاتي الجديدة· أحب أن يدمر الوعي الوعي الأضحل· أن يطرد الوعي القوي من أخلاطي الوعي الضعيف· ما قيمة حياة لا تمزقها سكاكين وعي لا يكف عن الارتقاء؟ وفجأة هب الصوت:

- تسألني؟ بلى· منذ سنين وأنا أريدك أن تفهم· وأن تفهم هو أن تنقلع من ماضيك، أن تنقلع كما ينقلع الحجر من بطن القاع·

Page 2

ويروح الصوت· ويعود الصوت:

- منذ سنين وأنا أريدك أن تحل· أن تحل عني وعن حالك· ولكنك لا تعرف حتى كيف تحل·

مطر مفاجئ بدأ يجيء· مطر لم يعد خافيًا· نقط الماء تسقط عجلى حتى القاع· تخر على سطح الماء الدافئ· وأتتبع سقوطها الهمجيّ الأعمى· أرى ولا أرى شيئًا· الأشجار السفلى كانت تهز أعناقها الغبية مبتهجة بالسقوط عليها· رطوبة دافئة· جو خريفي غاسل: الطبيعة تنظف نفسها! كنت أدير لها ظهري شبه العاري· خلفي المسافة المحدودة تمتلئ بأركانها وهوامشها· المطر يزداد حدة وبهاء· الخضرة النضرة تنبثق من أعماق الأشياء المبلولة· أحدق بالمطر وأتابع إصابته الغاسلة· وسخ الرأس، هو الآخر، يتراكم مثل وسخ الكيان· فتصور كائنًا لم ينظف نفسه منذ أكثر من عشرين عامًا· كانت لا تزال تنتظر الإجابة· وكنت أحكي· ولم تكن تسمع·

أردت أن أقول لها: أنا لا أعرف شيئًا· ولكنني سكت·

ولوج الأشياء المبهمة بعضها ببعض، أعطى لمقولتي التي كانت، توا، شبه أكيدة، مظهرًا من مظاهر الاكتئاب البليد· وبتأثير المطر الذي غدا، فجأة، عنيفًا، لم أعد أريد أن أؤكد شيئًا· كان الغضب بمتناول يدي· وكنت ألعب لعبة التمايز والانسلاخ· كان كمٌّ من التراكمات الغيبة يفور في داخلي·

وكنت أقرر: أنني لن أكون أنا، بعد الآن لكن ذلك لم يكن إلا حلمًا· ولم تكن أهميته نابعة إلا من كونه كذلك· فمنذ أن اكتشفت، مؤخرًا، أن الحياة لم تكن ما أعيشه، فحسب، بل ما أفكر فيه، أيضًا، زال عن عيني غشاء الوهم المستبد· الوهم الذي دفعني، يومًا بعد يوم، إلى ممارسة الانسلاب: انسلاب الجسد والروح· بوهم مخيف، مثل هذا، كنت أعلل نفسي؟ كنت أتصور أنني أبحث عن المتعة والاختلاف· وكان قانون اللعبة الهمجية يتولى دمجي القسري في حظيرة المنبوذين·

أردت أن أقول لها شيئًا من هذا· لكنها هَبَّتْ:

- لا تنظرني·

وأتعجب·

النهايات المفتعلة تافهة وكريهة· أول الخلاص هو الخلاص من الذات· من هذه المعتوهة التي تنفث السم في وجهي؟

ويروح الصوت· ويعود الصوت· وأظل صامتًا أتكلم·

الأشياء بيض· لا لون لها ولا إحساس· غمام قاتم يركب المكان· أتطلع، من جديد، إلى الوجه المكور· الوجه المدور· وجه مليء بانفعالات سود مُجَنَّحة· لماذا يحمل هذا الوجه كل هذا الحقد؟

وأتهيأ للانقضاض: وجهًا لوجه كنا نتواقف· وكالملسوعة انفجرت: تفو·

الغمام المعلق في السماء يتكاثف: سماء باريس اللعينة· عبر الغمام النائم أرى، في البعيد، عواصف الشام واضطراباته· السماء الزرقاء، الزرقاء البنية تغمز لي في الأفق القصي· والليل إذا عسعس· والصبح إذا تنفس· والقهر وسنين عشر· وهي متربصة في الخلف· تكاد تنط علي· ترميني وتدميني· حركة هوجاء تجيء من الوراء تلقي بي من الطابق السابع والعشرين إلى الطين· وأنعجن· أغدو ملمسًا بلا قوام· أنخلط بمكنونات الأرض وببُثورها· أفقد ميزة التحمل والاشتهاء· ومن جديد يجيء الصوت:

- اسمع، وصلنا آخر الخط· عليك أن تهبط الآن· لا تنظر السماء بحنانك الكاذب· أنت تعرف أن سماء باريس لا تُرى· هيامك الشبق ولوعتك المستديمة، خلهما لك· أنا امرأة طليق· الحب الذي قيدتني به اهترأ ومات· ومن العبث أن تحاول بعث الموتى من القبور·

- الحب؟ قلت مستغربًا· ودون أن تهتم بما صدر عني، تابعت ارتجالها المحدد (دون أن تنظر إلي):

- لماذا لا تريد أن تدرك أن مركب الحياة يمر بتحولات شتى؟

تحولات ترهق الجسد والروح· لماذا؟

من الأرض كانت تتطلع إلى الأرض· ومنها إلي· ومني إليها· وكنت أتطلع في وجه العتمة المخيف· كانت الحرب تأخذ أبعادها، وكنت أولّي الأدبار·

Page 3

2

الغيم يمر· يتبعه الدخان· دخان باريس المتراكم باستمرار· وفي القاع كانت الأزوال، هي الأخرى، تمر· أزوال لا ماهيّة لها ولا ألوان· هيئات راكضة مثل الطيور الهاربة من صياد· حفيف الشجر البعيد، على السين هو الآخر، لا يصل إلينا· شجر واقف مثل الهياكل الحجرية الصاغرة· وفي الأسفل يبدو الماء آسنًا وغثيًا·

إلى الماء الباهت، هذا، كنت أعطش؟

لا، ذلك لم يكن إلا حلمًا، حلمًا مفتعلاً ورديئاً·

وبدأت تركبني الفكرة المتسلطة: لماذا يفقد الإنسان، شيئًا فشيئًا، صفاته، ويتحول إلى إنسان شبيه؟

صمت·

كنت في المقهى، ومر بائع الأزهار· أزهار حمر بيديه· نظرت الأزهار الحمر بشغف، ولم أشتر· كان الوقت مساء· وكنت وحدي· لمن أشتري زهرًا؟ ذلك المساء قررت (وقراراتي صارت ملزمة لي): ألا أفرط في شيء أحبه، بعد اليوم· يكفي لذلك ألا أتابع اللعبة اللفظية للحياة· لماذا أضع نفسي في و ضع تافه؟

أن نفعل ما لا نريد، هو أن نضع أنفسنا في خدمة القمع المعمم· في خدعة الكون

أعود إلى الهوس، إذن· هوس التخلص من الالتصاقات القديمة· هوس تفكيك الذات وتركيبها·

كانت لا تزال لاصقة بي· تنظرني خلفًا· ترى إلى ضعفي وشتاتي· تفهمني، ربما أكثر مما أفهم نفسي· يؤلمني هذا الإحساس بالعجز عن اتقاء شر من لم أحسن إليه· اللعنة، لا زلت أبحث عن وسيلة أمزق بها الغشاء السري الذي يكبل عقلي البليد·

وأخرج كالملسوع· دمشق· الساعة السادسة صبحًا· الجو هادئ وجميل· التيه يبدو في متناول اليدين· الطرقات خالية· أبحث عن تاكسي· أريد أن أركب فورًا· أن أطير إلى الحدود· الثلاثاء كانت البارحة· إجازتي انتهت· إجازة اليوم الواحد في الأسبوع· الجسد الساخن الذي كان ملتصقًا بي لا زال يلتصق بروحي· أحس مادته تترامى عليّ· تلبسني كما يلبس الثوب لابسه· كنت لا زلت أنفرد بين أثنائه وفضاءاته· أتمتع بالمزج والاختراق· وأحضن نفسي بلذة، لئلا يسقط الجسد اللطيف عن الأغصان·

أحضنها وأنا أتابع المسير، بهجًا، حتى الكراج· كراج سيارات النقل العتيقة الذاهبة إلى الحدود: انخل، نوى، الصنمين، الأحجار السود المرمية على القاع· ونهوضات السنابل الهشة مثل الدخان الوليد· أريد ولا أريد· وأحسها تململ خلفي·

تريد أن تنهشني· وأخاف حقًا·

أريد أن ألتفت· لا· أرى من جديد إلى أسفل الأرض· اختلاط مستمر يملأ نفسي: عندما ينتقل الإنسان، كيف تنتقل الذكريات؟ وعندما يغير مكانه لم لا تغير هي الأخرى مكانها؟

وأمتليء، فجأة، برغبة الطيران· ألقَحُ نفسي من علٍ نحو القاع· أحس بيدي تمتد إلى الزجاج الغامق الكتوم: زجاج منع الضجة والصوت· وأكاد أسمعني أردد:

- عندما تأتي إليك المرأة فهي تأتي لأمر ما·

- سخيف· قالت·

-لم أقل شيئًا· قلتُ·

- سخيف، أيضًا· قالت وأضافت فورًا:

- سخيف كلك: صمتك· كلامك· انفعالك· مشيك· وقوفك· سكونك· حركتك· أنت كلك سخيف من الشام إلى باريس، ومن باريس إلى الشام، ذهابًا وإيابًا وبلا اسكال

Page 4

عبر النافذة العالية، الواقفة في غمام باريس اللئيم، كنت أتطلع· لم أر شيئًا· بعيدًا كانت الأشجار يابسة وكئيبة· أشجار تخلّت، هي الأخرى، عن أوراقها· أوراق أخذت تهر مثل المطر الرقيع· قريبًا مني، قريبًا رؤية لا مقامًا، كان فتيل الدخان الأبلق يصعد متلويًا في الفضاء· يبتعد، يبتعد في بداية الظلام الشغيف· أبتعد، أنا الآخر، عنه· شرقًا، هذه المرة، كان يبتعد الدخان· (وكنت أبتعد في مكاني)· أغمضت عيني، برهة· أحلل المشهد، وأنقيه· أريد أن أفهم اللوعة والاحتضار· اكتشفت مؤخرًا، أن الحياة لم تكن ما أعيشه، بل ما أفكر فيه (كما قلت من قبل؟) وهو أمر أوقعني في مصائر شتى· مصائر أنتجت مسائرها الخاصة· حتى صرت في نهاية الأمر مجرد عقل صغير في عالم واسع شديد الاختلاط· عقل لا يفكك الأشياء من أجل استيعابها، وإنما يزحمها كما هي في ناموسه الضيق والمحدود·

وسمعتها تقول:

- بعقل صغير كهذا تريد أن تفهم العالم؟

صدى خافت لضحكة شامتة، دَقَّ أذني·

وتابعَتْ بهدوء: أنت لا تشك في شيء· حاسة الشك، عندك، تعطلت· من الصعب انتشالك من الجحيم· علاقة الإنسان مع العالم، ومع نفسه، سيرورة مستمرة، وليست طفرة· وأنت لم تبنِ، منذ عرفتك، هيكلاً·

صَمْت·

كنت لا أزال أحدق دون حراك، في العالم المترمي الأطراف خلف النافذة· كان المطر يخر· مطر استوائي، ملأ الشوارع والساحات· هرع الناس منه إلى الحانات والمقاهي· أجلس بينهم هادئًا ومستتبًا· أريد أن أحكي أي شيء· وأكاد أتذكّر البارحة مساء: الشمس صفراء· باهتة· الأفق غائم· وأنا وحدي أسير في شوارع باريس الرمادية· شوارع تختلط بلا حدود مع وجوه البشر العابرين· كنت ألمس مدى الخراب والانكسار: وَلدٌ لوّحته الشمس ولم يعد يراها؟ أول حنين عندي كان الحنين إلى الشمس· حنين إلى الأشعة الحارة التي تنفذ عبر مسام البدن رأسًا· عاطفتي عاطفة شمسيّة· لكنها لا تفهم هذا· كيف أشرح لها الأمر؟ كان كل شيء يتهاوى· يتهاوى ببطء ثمين· كنت أحس أن ما عجنَتْه يداي، لم يصبح خبزًا بعد· وأن ما حشي به راسي لم يكن إلا طينًا· كنت أحس أنني لم أكن بحاجةٍ إلى نقد ذاتي بائس (كما علموني) وإنما بحاجة إلى تطور· تطورٍ داخليّ ينقلني من مرحلة إلى أخرى· من مرحلة التعلُّق إلى مرحلة التَخَلُّق·

لكن صوتها المسموم جاء مرة أخرى:

- مأساتك هي مأساة إنسان بائس بلا مأساة· وهذه المرة، في هذا المكان، عليك أن تكون اثنين، من أجل أن تكون واحدًا·

السماء تنظر إلى الأرض باشمئزاز· المطر انقطع خيطه المُتَدَلّي· الناس لم يتركوا ملاجئهم، بعد· الشمس التي بدأت غيابها الفاتر، أكملته منذ زمان· كانت لحظة سفن الضوء السياحية البليدة قد حلّت· وبانتظار أضوائها الملوّنة، ظللت ألتصق بالنافذة العالية المطلة على السين هذا المساء كنت مصرًّا على تصفية حساباتي القديمة كلها· لحظة الانفجار، الذي أجَّلَ طويلاً، حانت· كانت مسألة إعادة النظر بكل شيء تبدو مصيرًا لا فكاك منه· لم تعد المواجهة محدودة وغبية، وإنما صارت بحرًا· ولم تكن الإنسانية الجاثمة خلفي إلاّ نقطة الندى المعلقة في أعلى الجبال· ومع ذلك، كان عليّ أن أفركها بين أصابعي قبل أن أخوض في مياه البحر· لم أعد أريد أن أترك خلفي حاجزًا أو لغزًا· كنت أريد أن أفهم كل شيء: وَلَد الشام العابس· مواطنه الموجعة· احتباساته· انتكاساته· إحباطه القديم الهائل· وعلاقات المَرَضيّة بمن يحيطه وبما يعنيه· الشمس، وحدها، كانت الحب الناصع· شمس بلا بشر· شمس حمراء تدفئه وتغريه· في كنفها، اخترق، المرة تِلوَ المرة، أطناب العالم وحدوده· ولكن أين هي الشمس الآن؟

- هي خلفك· قالت·

صحيح· يكاد ذلك أن يكون صحيحًا· علّمَتني كيف أحبها، ولم أعد أعرف كيف أحب أحدًا آخر· لكن الأمر يتعلّق، هذا المساء، بالخروج لعبة العادة لم تعد ترضيني· فما هو الحب إن لم يدفعنا إلى أن نحب باستمرار؟

لا، المسألة لم تعد هي التأكد من عاطفة غير أكيدة بطبيعتها· الفاصلة صارت الآن ضرورية: فاصلة القهر· فمن يتمّعن في ماهية القهر وأشكاله لن يُسلّم نفسه لأحد بعد الآن· أكذوبة العواطف والأخلاق تمشي اليوم عارية تحت الشمس· المرعب هو أن تقود نفسك بنفسك حتى الحظيرة· وأنا فعلت هذا· فعلته أكثر من مرة· والآن انكسرت الجرة· الآن·

- مفهومات بائسة، تحاول أن تنقد بها عالمًا أبأس· قالت·

مأساة الإنسان لا تنبع من ماهية الحب وأشكاله، وإنما تنبع من الثبات· أضافت·

ماذا يصنع الإنسان بالألم عندما يفيض عن الحاجة؟ لا، لم أكن في موقع يسمح لي بالرد· لم يعد الأمر يتعلق بالصحّ أو الخطأ، وإنما بالمتعة: متعة انتهاك المحظور· لا المحظور الخارج عن الذات فحسب، وإنما المحظور الجوّانيّ، الخبيء، أيضًا·

يكفي· لو كان ثّمة شيء نهائيّ لانتهينا منه· ما يهمني الآن هو الذريعة· الذريعة التي تخلصني من قيودي القديمة، كلها· ليس ثمة قيد جميل· العواطف أخلاق· والأخلاق مفهومات· والمفهومات سكونة· الذريعة، وحدها تخرب السكون القاتل، هذا· والتخريب، دائمًا، متعة· متعة الالتقاء بشيء كنا ننتظر لقاء نقيضه بالضبط· متعة التخريب الهائلة، هذه، كالمرأة الرائعة: وأنت فيها لا تراها· ومع ذلك تظل تحسها بامتتاع

صار الأمر اليوم يتعلق بامتياز الغضب فمن يستطيع الآن أن يغضب يستطيع أن يحرّك السكونيات· أن ينتقل من موقع العاقل إلى موقع الفاعل· وليس للغضب النقدي تبرير· العالم الذي يحيط بي كله حق· لا أهزأ· لنعتبره كذلك· أنا، وحدي المخطئ· لكن هذا الاعتبار (أو الاعتباط) هو وحده الذي سيقود خطاي المتوثبة للوصول إلى نقطة الاتفاق مع المحيط، أو إلى لحظة الافتراق معه·

- لم تزل كما أعرفك، تمامًا· قالت، بأسى، (وأضافت بحدة متقطعة) تبحث حتى عن تبرير للمتعة· أمرك غريب! (سكتت قليلاً، وأكملت):

- كنت أظنك لا تركن إلى شيء· واكتشفتُ أن سكونكَ الأخلاقي البائس هو مصدر تعاستك المفرطة· كانت الشمس اللاهبة تطفئ حرقتك المستمرة· تطفىء امتعاضك الغامض مساء على ظهر قاسيون· كان ذلك مثيرًا للسعادة واللمس· كنتَ لا تزال في بداية القهر الذي جعلك فيما بعد متبجحًا ومنبوذًا· لا قهرك للآخرين (ولا قهرهم لك) وإنما قهرك المتزّمت لنفسك· كنت أراقب المشهد· أراقبك· أراقب الأرض التي كنت تدوسها· أريد أن أحيط بك كما كنت تريد أن تحيد بي· كنت أعرف أنك كنتَ تريد إبعادي عن امتلاك تواترتي الملْجومة· ولم يكن ذلك إلا وهمًا· ومَدْ ذاك التجأْتَ إلى التبارير·

كانت تحكي· وكنت أبكي·

شمس الشام الجميلة التي ملأتني بالتوتر، والتراب الأحمر الناعم الذي لَمّ أشلائي، وأشواك الأرض الطرية التي نمنا فوقها، غروبًا بعد غروب، لا، لم يكن ذلك كله هروبًا· ماذا تريد أن تؤكد، هذه الممسوسة؟

Page 5

3

كنتُ أحس أنني أنكشفُ·

فعل الانكشاف مدهش ولذيذ· في الانكشاف شيء يشبه كشف العورة في فضاء ممتلئ بالناس· لكن المؤسف هو أن هذا لا يهم أحدًا منهم· وهنا تكمن مأساة المشهد وموته البارد·

كانت تحسب أنني لا أشك في شيء مما تفكر به، أو مما لا تفكر فيه (هذا هو كل ما كانت تحسب؟) لكنها تعرف جيدًا أن ما كل ما يشكّ يُقال

كان الليل قد بدأ يجيء· الماء البعيد في أسفل الأرض بدأ يَسودّ· صرتُ أنتظر مرور سفن الضوء· سفن السياح البليدين، ذوي العيون الباهتة اللئيمة، الذين يخترقون الليل وهم يلوكون بأفكاكهم التي لا تفرّط بشيء· دليلهم الضوء المنصلق من أجنحة السفن المتطاولة· الضوء الكشّاف الذي ينير أحجار الأبنية المرمية على الضفتين· عيونهم تختبىء، حتى في الظلمة، خلف أزججة نظارتهم العمياء· ماذا يرى هؤلاء العابرون من المدينة سوى النوء؟

في الشام كان الاحتواء مباشرًا وسليطًا· الأرض تحتوي البشر· البشر يحتوون بعضهم بعضًا· النظر يمر من الضوء إلى الضوء· حتى الظلمة كانت مشرقة·

من قبل، كنتُ أحسب أن البؤس الإنساني مرتبط بالمكان· وكنتُ أدخر بؤسي في أعماقي المليئة توترًا وإحباطًا· هنا عرفت أن الأمر لم يكن صوريًا إلى هذا الحد· ولم يعد لمقولتي الهوسية التي ما فئتت أرددها: لننته من بؤس الحياة، هذا إلاّ قيمة نسبية جدًا·

ووجدتني أشهق باتجاه الريح· أريد أن أجمع الليل الذي بدأ، للتوّ، بين يدي· كنت أريد أن أمسك به من أوله، وأقضمه لحظة لحظة حتى مطلع الفجر· كان مساء الشام يمسك بتلابيبي· وكنت أتمتم: هذا المساء المليء بالمجهول، أيكون ولد من ذاك؟ وفجأة توهج الصوت:

- حتى اللهفة تريد تزويرها؟ الشام الذي تبحث عنه هل عرفته حقًا؟ ألم أكن أراك تمشي كالمعتوه في أزقة الجامع الأموي مستسلمًا للجوع والخواء؟ ألا تعرف أني أعرف كل شيء عن تلك الحقبة التي لا تني تثير بذكرها غيظي؟ كنتُ أرى الموت اليومي يركب هيئتك ومزاياك· كنتَ أصفر محشوًا لؤمًا وغمًّا· كنت تسوع، وأنت تهذي: عالم بلا مشروعية خراب وكنت أنتظر الغروب لكي ألقاك· نصعد الإسفلت المُكَوَّر بعضه على بعض من شدة الحر، قبل أن تمسك بي من بين فخذيّ، وتنهض بي إلى أعلى متشبثًا بجدائلي وحفافي· ومن بين أسنانك اليابسة تجيء غمغمتك الملوّثة برطوبتك المفاجئة، لتعلن لي بداية الشغف والموت· كنت أحسب، لبلاهتي وقلة وعيي، أنك إنسان فذ· وكنتَ تعرف أنني أحسب ذلك، ولم تقل شيئًا· كنت تظن أن الحياة مجبولة من الضآلة والزيف· وليست السلطة التي تدعي مناوءتها، الآن، إلا من طينتك الزيّافة هذه·

سكتَتْ، فجأة· وسكتُّ·

صمت يابس كالموت·

لا، لم أعد أريد أن أبدد وقتي في نفي البلادة والابتذال·

صرت متأكدًا من شيء واحد: قيمة الحياة ليست، فقط، في صدقها، بل في حركتها، ومهزلة الوجود لا تنبع إلا من الثبات·

وأحسستُ بكِ تتململين· تريدين أن تمدي يدًا إليَّ· وتوقعتُ أن تلامس اليد القديمة بعضي· ولم يجئني سوى الغبار· كانت الشمس الشامية تحرق كل شيء· وكنت تلبسين الأصفر الفوّار· وتحت المَلَس الرقيق تتنفس أحشاؤك وثناياكِ· وتتَبَّعْتُ الجسد المشدود من الطريق إلى الطريق· حريق· الجامعة والمارة والحيوانات والأحجار وأنت وأنا والشجر الصامت بانتظار الآهات التي ستنبثق بعد قليل: شجر الشام العريق· وأخَذَك الشلل فجأة· ولم أجد إلا يدي· كان تشابك الأعضاء وتآلفها مثيرًا: كنت تحدقين في وجهي، وقد عقد الخَرَس لسانكِ·

ولم أقل شيئًا· كنتُ لا أزال أحتفظ بكينونتي الكبرى وأوهامها· كان الشام جميلاً وقريبًا من القلب· ولم أكن، بعد، أغني:

وافترقنا يا دمشق، وعلى معطفك الأخضر دم· وانتكاسات وهم

كنت أعتقد، أنني، إذْ كفيتك آنذاك، فسأكفيك إلى الأبد· وأن زرع الشام لن يذبل في راحتي· فأنا، كما تعرفين، أحب الشام· و········

- اسكتْ· (قلت بتوتر خفيف) وأضفت فورًا: لا يمكن لأحد، مهما كان جديرًا، أن يكفي وحده أحدًا آخر

صمت·

Page 6

الليل في الخارج الباريسي يستمر· الناس لا ينقطعون عن التمزق· تبادل الأمكنة لا يتوقف· غلالة الظلمة الباريسية تحيط الكون بغلاف أصفر بلا رائحة· غلاف من أنوار السفن المتسابقة، ليلاً، على السين

وهممتُ أن أقول شيئًا (ماذا كان بإمكاني أن أقول؟)

ومن جديد، جاء الصوت الشاكي:

- تشّبثك الغريب، بذلك العالم، وبي، يدعو للحيرة· كنتُ أحسب أنكَ بلا يقين· كنتَ تتسلّق جبالي، وتنحدر على وهادي، بتبجّح واستهتار· تنظر إليّ· وعبري ترى الآفاق البعيدة· ولم أشأ أن أصير سدآ· ولم تكن تعي ذلك، آنذاك· كنت مأخوذًا ببضاضة الجسد· وكنت مأخوذة بكونكَ مأخوذاً بي· كنت تريدني أن أحكي· وكنتُ أظل صامتة ومبهورة· كنت أعرف أنه لا معنى لأن نحكي لسامع وعيه أقل من وعينا· وكانت الشمس التي تغرب خلف جبال الشام، دائمًا، تكفيني مغبّة القول· كنت تصمت بدورك، وأنت تتابع الطريق· لِمَ لمْ تعد تعرفُ كيف تصمت الآن؟

وأريد أن أحكي· ولا أحكي شيئًا·

كانت فكرة العناد القديمة تجيء من أقاصي النفس· عناد دفع بي إلى التخلي المبكر عن بعض أوهامي بحجة تحسين الذات·

لكن التحسين المستمر رافقه تعقيد شديد· واكتشفتُ بأن العالم مملوء بأشياء أحبها، وأشياء لا أحبها، وكلاهما عصيّ على الامتلاك· ولم تعد المقولة البائسة، الأولى: المرء بركنيه، قلبه وقضيبه، إلا سذاجة لا مبرر لها· سذاجة الجَوْعى والمساكين· وبدأت أقلّب النظر بإمعان· ومنذ أن أدركت أن الكانئات متوازيات، وليس في الغيم مكان لأحد، صرت أريد أن أواجه بؤس الحياة بالمتعة· لكن للمتعة، هي الأخرى، بؤسها الخاص· وأردت أن أحطّم صورتي، لا في العين الموازية لي، بل في عيني أنا· كنت أردد: إدراك محدود في عالم شاسع، كيف يمكن الفهم والاستواء؟

ولكن، بلى· قلتِ· (وأضفتِ مباشرة):

- دائمًا، ثمة مجال لقول كلمة جميلة· (ودون أن تنظريني، تابعتِ):

النفس الظمأى تحب الكلمات، لا البشر، فحسب· وأنت كالقش اليابس تحرق نفسك وتحرق غيرك· قش جفّفته الشمس، وعصفت به الريح· وفيما يعنيني، لم تكن الصدفة صدفة: كنت أبحث عن أحد يبحث، هو الآخر، عن أحد، ولقيتك· وحدث ما حدث· الآن علينا أن نتخلص من الجثة علينا أن نغسل أنفسنا منها· لماذا لا تريد أن تفهم هذا؟

كنتُ لا أزال صامتًا أحدق في الليل الباريسي الفاتر· قبل لحظات كان الماء الآسن، في أسفل الأرض، يثير استغرابي· الآن صرت أُقلب الفكر باحثًا عن دريئة أتقي بها الضربات المتتالية بإحكام· كنت لا أزال أردد (وهل ثمة شيء آخر بإمكاني أن أفعله؟): بعد أن تعلّمنا الكلام، علّنا نتعلم الصمت

وفجأة، أسمع الضجة الخافتة خلفي· وفورًا، أقذف نفسي من النافذة· أقع رأسًا في الحضيض· أنتثر كما ينتثر الحَبّ المسفوح في الريح· ويتجمع الخلق حولي· وجوه أعرفها وأرعاها· ووجوه لم أرها من قبل· من بين البشر المتراكم أرى إلى الوجه المكوّر· الوجه المليء بالمغص والاحتقان· (وأغمض عينيّ) كنت في طيراني الهابط إلى القاع أحضن اللجة والريح· أنتقي لعبتي الأبدية· فمنذ أن اكتشفت أنّ إرضاء الآخرين غير ممكن، أدركت أن إرضاء الذات يقع، هو الآخر، في دائرة عدم الإمكان· وقررت في أعماقي: هذا المساء، عليّ أن أفجّر نفسي لكن سقوطي المفاجئ من الطابق السابع والعشرين، لم يغير من الواقع شيئًا· لا، لم يكن باستطاعتي إلا أن أكون مخلصًا لي· وتلك كانت جريمة لا تغتفر· وفيما بعد أدركت اللغز الأساسيَّ (والواضح بشدة): كان عليّ أن أكون سعيدًا، باعتبار أن الحياة لا معنى لها (أدركت ذلك، قبل لحظات فقط) وما معنى أن أدرك ذلك متأخرًا؟ معناه أنني لن أعيش إدراكي· لماذا؟ لأنني لم أكن أرعى في السهل وحدي، قالت· وأفتح عينيّ· أتملاّها· أرى إلى السحنة الغائمة· ومن العين المغروسة في قفا الرأس أرى الفوهة المفتوحة مثل فوهة الفجر الملوّث بالدم· وأرسل بصري بعيدًا، أرسله إلى الهوى والغيم· أبحث عن نقطة المطر النازلة هناك· مطر باريس سمج وغبي· مطر بلا قاع· مطر لا يُبلل الأشياء، ولا يغريها· أدع المطر واقفًا، وأهبط· من علٍ، لا يخفى شيء: الطرقات سود· الأشجار مثل الدببة الواقفة على أطرافها· الناس ذباب· ذباب يمشي مشيًا أصمّ· لا حِسّ له ولا آثار· وفجأة، يتلوّى الجسد الذي لم يعد يملك إلاّ حركته: الحَركة الوحيدة التي صارت كونه ومعناه· لكنها، هذه المرة، كانت حركة فارغة· فارغة تمامًا· كيف يفرغ الجسد من توتره؟ كيف يصير مبتذلاً وبلا فضاء؟ جسد كنت أقاطعه كالريح، وصرت أجانبه وأوازيه· جسد كان متعة وصار عبئًا· ومن لعنة الجسد، ينقذني الدخان: دخان خفيف يترك منشأه السفلي ليرقى عاليًا في الفضاء· دخان حطب البُطم القديم كان يظل لاصقًا بالأرض· كان الشتاء قاسيًا ولذيذًا (شتاء الجزيرة المطير)· كانت الأرض الشبقة تمتص كل شيء·

لا شيء يبتعد عن منشئه ومنحاه· دخان باريس، هذا المساء، ليس من ذلك الدخان· ولكن هل للمقارنة معنى؟ ألا يكون مضحكًا، مثلاً، أن تقارن الأفعى بالحصان؟

كدتُ أتساءل، بصوت عالٍ: إذا كانت مقارنة عناصر الطبيعة، بعضها ببعض، أمرًا مضحكًا، أوليست مقارنة الطبائع أكثر إضحاكًا؟ وأتابعُ خروجي نحو القاع· ويلحقني الصوت المرتاع: لا تخرج - لا تخرج بهذا الشكل ولا بهذا اللبس سيعرفون أنك مجنون· ومنذ أن يروك سيقذفونك بالحجارة· سيقذفونك حتى تسيل الدماء· وأنا وحدي لا أستطيع أن أفعل شيئًا· بلى، بنيَّ· أنت وحدك تستطيع أن تفعل كل شيء: تستطيع أن تفعل ما بوسعك فعله

وأرحلُ، مع الدخان الهائم، بعيدًا· أريد أن ألامس الرَفيف· أن أشم الريح· ألا أسمع، بعد الآن، تنفسها العكر الذي كان يتواتر قربي· كنت بحاجة لأن أكون وحيدًا· ولم تكن الوحدة المنشودة إلا الوجه الآخر للهزيمة· اِلْتَفتُّ إليها، هادئًا: كبَّة الغزل الملفوفة· تكاد تَنُطّ· تسلع الوجه والعين· تريدني أن أذهب بعيداً؟ إلى أين تريدني أن أذهب؟

وهذه، هي الأشجار في مكانها واقفة· والبشر لا زال يمر· والنهر لا زال متشبثًا بالأرض· والجدار هو الجدار· وأنا كما أنا، أقف، كما أقف كل مساء· أرقُبُ النجم الذي لم يطلع بعد· أتملى، في صفحة الماء، ماء السين الآسن، ذرات النور المتناثر في الفضاء· ألاحق حوافر الخيل التي كانت تدك وجه الطين· تعبر الجبل وماردين أستسيغََ حركات الأصابع اللطيفة وهي تلف التبغ بورق الشجر العطن، ومصوصات الشفاه اليابسة وهي تقلب البذور بين أسنانها· كنتُ في الجب، بعيدًا عنها· وأخذت تسحب الدلو· ووجدتني أصعد إليها مع الحبل المتقاصر· كنت لا أسمع إلا أنفاسها اللاهثة فوقي، وصرير المحّالة: محالة الخشب العتيقة· دِلاؤها كانت تأتي نصف فارغة، (لكن ملآنة)· من طينها الرحيق كنا نشرب· مَنْ يسقيني؟ عطشان·

اشرب سمًا· قالت·

لا، ليس منطقيًا، أبداً، ألا يحس الإنسان بأن حياته عبث إلا عندما يداهمه الخوف· مع شربة السم المريعة، لم أكن أفكر إلا في شيء واحد: من سيستخدم عيوني لرؤية العالم بعدي؟

- عيونك؟ عينان سيئتان جعلتهما عيونًا؟ قالت·

الليل والوحدة وخواء الذات، ذلك كل ما بقي لك أضافت· استدرت نصف استدارة· صار و جهي لصق الجدار· تمامًا، لصق الجدار الوسخ اللئيم· وجهها حلّ في الفضاء المقابل· ملأ المساحة كلها، إلا قليلاً· أخيرًا، صرت أحيط بحركتها المنهكة المتخاذلة· حركة الخاسر الذي لم يعد بإمكانه أن يربح، بعد الآن، شيئًا· ولأول مرة، أحسستُ أن كل شيء غدا ممكن الصيران·

Page 7

4

تحضرني أشياء· وتخسرني أشياء· على الجدار الذي ألتصق به يفور الكون، كله، ويدور· عليه قرأت آلاف الكتب - ورأيت أكوام الأحشاء· خطوطها العدّوة ترتسم في كل نحو منه· أخترقُ الجدار· أعبر اللجّة والشطّ· أجيء المنتظرين· أختلط بهم· وجوه مرسومة بحشمة وبلا خيال: وجوه مخذولة· أسأل القريب والبعيد: ماذا يجري؟ (وأنا أردد في سري) يا ويل هذه الجبال تمشي بلا نعال· يا ويل هذه الجماجم تحكي بلا معاجم لا أحد يرد· رعب مكبوت يملأ الأجواف· ومن قريب أسمع الهمس: كنت قاعدًا أتغوّط وجاء خبر الانقلاب· تركت النازل والمنزول، وانزويت· كانت الآلات تعبر الطرقات كالبرق· عليها يرتع جنود قُرع· ثيابهم حمر ومَجْلوخة· بأيديهم حراب مسمومة، ومن حولهم يتطاير الذباب· قعدت، من جديد، بعد مرورهم العاصف· قعدت أتغوّط· وجاء خبر الانقلاب· ورأيت التراب يتطاير من جديد· كان الجو قد تبدل هذه المرة· صارت الريح تخشُّ مثل صدر المسلول، مسلول الجزيرة الذي نسيه الموت· وتراكض الناس· كان الغروب على الأبواب· وبدأ الشيخ ينادي من أضاع عنزًا مخضوبة القوائم، في عنقها خيط بلا جرس، فقد لقينا العنز ولم نلق الجرس· تعالوا صمت· لا أحد يأتي للقاء العنز المثبورة· كان الانقلاب على أشده· وكان الناس مبتئسين:

- ··· انقلاب آخر؟

- لا، انقلاب على الانقلاب يا أحمق·

كان الأمر يبدو مثيراًَ للسخرية وللتعكير· تعكير مزاج البشر يشبه، تمامًا، تعكير الجو· صفاؤه، في النهاية، هو المطلوب· ولم يكن أحد يستطيع أن يجيب، بعد الآن، متى سيصفو الجو· الانقلاب، هو الآخر، له وجهان· مثنوّية لا يمكن الخلاص منها· كان الليل يتسرب، من بين أصابعي· وملأني الخوف: إذا تنفس الصبح ولم أتنفس، فستكون نهايتي· كنت أحوم، منذ أول المساء، حول الشغف بعالم جديد· عالم أحدد أسسه وأختاره ولم أكن أعرف، بعد، إلى أيّ قاعدة أرتكز·

لم يكن لذلك، كما أدرك الآن، أية قيمة· الأسس والقواعد تبدو الآن شديدة الابتذال· فمنذ الخطوة الأولى، نخلق القاعدة الأولى، في حياتنا الجديدة· لكن خوف السكون من الحركة هو الذي يدمر كل شيء· فليس من الضروري أن نعقلن العالم· وليس من الضروري أن يكون كل شيء مفهومًا· ليست المفهومات إلا أساطير نخلقها نحن· وعلينا، نحن، أن نقوم بتفجيرها· لكن الإنسان الكتيم الذي كنته لم يكن ليشف عن هذا· كنت مأخوذًا، كالجرذ المرعوب، بحماية نفسي· ولم أكن لأسنّ أسناني إلا في مواجهة جرذٍ أضعف مني· كان العالم يبدو لي من مكمني الهزيل قلعة حصينة· وكنت أعتقد أن الحب هو الطريق السلطاني الذي سيقودني إلى حيث أريد· إلا أن الحب، الذي لم يكن ضرورة أوليّة في الحياة، لم يكن شيئًا أساسيًا في حياتي· وبدأت الأمور تتعقّد· وبدلاً من أن أصير شفافًا، غدوت كتيمًا، أكثر فأكثر· وفي السلوك الكتيم تهترئ الحياة: المعلوم فيها يغدو مجهولاً· والرحب ضيقًا· وخشية الرغبة تسيطر على إغراء المتعة· وفي هذا السلوك حجب كثيرة ولا مبالاة· إنه سلوك كائن لم يتوصل، بعد، إلى إنجاز منظور نقدي لذاته· كائن لا يزلا يطمع في تبرير الواقع والتستر عليه· السلوك الكتيم هو هذا، ولكن ما هو السلوك المشرق؟ واختلطت الأمور عليّ· ثمة أشياء كنت أريد تحقيقها، وأشياء أخرى، كثيرة، جاءت بها عملية تحقيق هذه الأشياء· وشيئًا فشيئًا، اقتربت الشام من باريس· التصقت إحداهما بالأخرى· ولم أعد أفرق بينهما: وضع كوني لا تمايز فيه، ولا فروق· الفرق الأساسي الذي تبقى، هو فرق الحنين· لكن الحنين وحده لا يكفي لبناء حياة بلا أوهام· أوليس الحنين نفسه، وهمًا لم يعد بالإمكان التحقق منه؟ ما ساءني، هو تطابق الشام وباريس· قبلاً كنت أجد ملجأ أحتمي به: الشام· كنت عندما أزعل من هنا أنّط إلى هناك وكانت المقارنة المستمرة، هي الداء الذي استعصى عليّ الشفاء منه·

- أخيرًا تعترف؟ ألف مرة قلت لك ذلك ولم تسمع· وأنت تقول الآن هذا، لا بد أنك تطمح إلى الإحاطة بشيء آخر· آه لو كنت أعرف نفسي كما أعرفك أنت· كانت تردد بهدوء·

- معرفتي أسهل الأمور· فأنا كائن متناقض ومفزوع· علاقتي بالعالم تحددها الطفرة· عواطفي متساوية الشدة، متوازية الاتجاهات· علموني أن الغصن الذي ينحني أمام الريح لن ينكسر وأن الربح ليس هو ربح الإدراك، وإنما ربح العِراك· وتعلمت أشياء أخرى كثيرة ولدتها قواعد الرهبة والخنوع· ولم أكن أدرك، بعد، أن تسليم الذات الحية لتعاليم ميتة، لن يقود إلا إلى الخراب· كنتُ لا أزال أعتقد أن أنظمة المؤسسة لا تخطىء· وهي إن أخطأت فلغرض مدروس· فالنظام كَوْن قائم بذاته· ولستُ، في النهاية، إلا بعض تجلياته· أتدركين الآن في أيّ بحر كنت أسبح عندما عرفتكِ؟

- لا· كل ما أعرف هو أنك أحمق· أحمق عنيد· منذ البداية وأنت تتصورني تصورًا سلبيًا· تصور الذكر اللئيم لامرأة عديمة الفعالية· وتعتقد، لسوء النية المواكب لتصورك هذا، أن التطور مقصور على الرجال دون النساء· صحيح أن ثمة أنظمة اجتماعية تناصر هذا الإحساس الذكوري بالتقوقع (كدت أقول بالتفوّق) إلا أنها أنظمة وحسب·

وأنت، نفسكَ، الآن، كنت تتململ من سيطرة هذه الأنظمة اللعينة ومن سلطانها، عليكَ· لكنك، كما صرت أدرك الآن، تعتبر أن تمردك ضدها تمرد مبجّل، وأن تمردي ضدها تمرد ضدك أنت· وهو ما يثبت تماهيك معها· ولكن اسمع: إذا كنا تركنا الشام معًا، فلن نرجع إليها معًا· وإذا ما رجعنا، فلن نكون مَنْ غادراها· لم أكن أسمع ما تقول·

كان الوقت ليلاً، وأنزلوني من القطار· قطار أسود طويل· يوصل (مدريد) (بباريس)· كنت أُحوم في ساحات مدريد منذ شهر· في المقهى المقابل لمتحف برادو كنت أجلس·

Page 8

لَمْ أتكلم منذ شهر· منذ الفراق التراجيدي المفاجئ· الحاسة الوحيدة التي ظلت تعمل بانتظام عندي، كانت حاسة الشوف· كنت أبتلع العالم بعيوني· المطر، نفسه، لَمْ يكن يصيب القاع بل كان يبلل رؤيتي· أنوار وهيئات· شوارع طويلة ومستديرة· حركة مستمرة بلا موانع· لأول مرة أرى أن الكون يمكن أن يكون عامرًا بلا رقيب· لكن حقدًا خفيًا كان يتجمع في أعماقي المضطربة من ضخامة الحياة· حقد لا على الشام وإنما····

- عليَّ، قُلْها· قالت بتصميم·

لَمْ أقل شيئًا· كان الوقت ليلاً وأنزلوني من القطار· قطار البيرينيه الجميل، في منتصف المسافة أنزلوني:

- من أين أنت؟ صمت·

كانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل· وكنت أختبىء تحت أفرشة القطار: كنت أنام ببساطة، وأنا في طريقي إلى النور

- ديسّاند / انزل· صمت·

- ديساند (بعدها تلت جملة طيلة، فحواها: انزل فورًا أقول لك)·

مدريد تملأ عيوني· تملأ حواسي كلها· تملأ الليل بأنوارها وألوانها وأنا بلا لسان· كنت أفكر ماذا أقول لرجال الشرطة الذين نهبوني، قبل أن أقول شيئًا· كنت أخرس· لم أتكلم منذ شهر·

عالمان·

أول كلمة نطقتها، وأنا أُرمى على الطريق·

ولم أفهم من اللغط المتشنج، حولي، سوى: عربي (آراب)·

وكالمسحور يختفي القطار· محطة سان سيباستيان الصغيرة الخالية من الإنس· البرد· أنا· الريح· الليل· وصدى (آراب)· وصرت أردد (بهدوء غريب): الكلمة التي نطقها شرطيو الحدود، كما نطقوها·

ولم يقطع الترديد إلا المحيط·

عبرت سان سيباستيان، ليلاً· لك أن تتصوري، في أية حال كنتُ· وفي التلة المشرفة على المحيط الأطلسي وقَفت: بحر الظلمات· بحر متعجرف· يبعث بأمواجه الهائلة ليلاً· وأتلقّى الموج المجنون بصدري· وأحس بالبرد الرغيب يدخل أحشائي: برد كهذا لم أعرف· وموج كهذا لم أر! ظللتُ أردد ذلك الليل، كله، وأنا أفكر فيكِ·

Page 9

5

لحظة·

لحظة مواجهة المحيط الذي لم أكن أتصور أنني سأواجهه يومًا ما·

اللحظة التي أجبرتُ فيها على الوقوف وحيدًا، ذلك الليل، هي التي فجرت مشاعر الاحتقار العميق عندي· احتقار الشرق، واحتقار الغرب· ولم أعد أردد، ببلاهة (كما منذ قليل): عالمان صرت أهذي: عالم واحد· عالم واحد· وبرغم حلكة المحيط الشاملة· بدا الأمر واضحًا: أساليب القمع، وحدها، هي التي تختلف·

من تلك الأفكار المخيفة انتزعتني أمواج المحيط التي هجمت، فجأة، عليّ· وبدأت أحكي لكِ، فوق تلّة سان سيباستيان الصغيرة الموحِشة·

كنتُ في الجبهة، بين نوى والصنمين وكنت أعتقد أن الشمس هي التي تدور حول الأرض· وأن أرضي هي مركز الكون· كنت أغادر الشام صباح كل خميس (أو قبله بيوم) مرة كل أسبوعين· قبل طلوع الشمس، كنت أركض نحو الكراجِ· كراج حي (الميدان) العتيق: يا رب، السيارة المحصورة نفسها· والسائق الصموت، نفسه، والمرأة الحصناء الصابرة، نفسها· والركاب، هم الركاب· ويومًا، بعد يوم، كما صرت تعرفين الآن، تغيرت الرؤية والمشروع· كنت أحيا تماسًا: حدودي الجسدية هي حدود عالمي· ومداها مداي· محيط الكرة الأرضية، حتى حسابيًا، كان يبدو لي أمرًا شديد التجريد· كنت أحيا كالمُنَّوم: من قبو القصاع إلى كراج الميدان ومن ثمّ إلى نوى فالصنمين، وبالعكس· لكأن أحدًا فرغني من اللب· ذلك الليل، على التلة النائية الغربية، كدت ألتقي بخصائصي الشخصية (التي احترفتها فيما بعد)· في وحدتي الخائفة، تلك، لم أكن أدرك آنذاك أنك جزء من ذلك العالم الرهيب الذي قذفتُ، غير نادم، به (وكان علي أن أقذف بك وإياه)· لا، لم أكن قد توصلت، بعد، إلى القاعدة الأساسية: لا تبرر، ولا تكرر كنت في طور قبليّ· وكان ذلك قبل أن أقدم على ما سيسميه أغبياء الشام: هربا· وكأن الخروج من رحم الأم جريمة، لا ولادة·

كنت أخبىء في صدري كثيرًا من الأمور التي ربما، لم تكن ذات معنى، إلا أنها، بالنسبة لي، كانت محاور أساسية من محاور أنظمة الكون· وكانت الأمور، تلك، بحاجة إلى فضاء تتفتح فيه· كان وعي الرعاع الذي تشبعت به لم يتحول، بعد، إلى وعي نقدي (وربما لن يتحول أبدا· وهو ما صرت أدركه الآن)·

كان علي أن أتخلص من كل شيء، لأبدأ شيئًا ما·

إشكالية الوجود اللعينة: هل على الإنسان أن يلغي تاريخه الشخصي، كله، إذا ما أراد أن يعيش حياة جديدة؟ وما ستكون هذه الحياة التي ستكون بلا حياة؟

لا، ذلك لم يكن ممكناً، لا الآن، ولا آنذاك·

- وهو مع ذلك هرب، برغم تبريرك العجيب، قُلْتِ·

- بلى كان ذلك هربًا، حقًا، هربًا من عالم لم تعد أكاذيبه تطابق حقائقي، ولا أوهامه أحلامي· إلا أنه في الوقت نفسه، خروج للبحث عن أحسن ما عندي· للبحث عن حياة مجهولة (محتملة)، لأن الحياة التي كنت أدوسها بقدميّ لم تكن تستحق حتى هذا· كنت لا أزال أعتقد: أنني بمجرد تغيير المكان سأغير الكيان· وكانت أنشودتي الليلية على الجبهة: لا يجدد الوجود إلا عبور الحدود تجسّد ذلك الاعتقاد (وكنت أضيف أمامك بزهو: حدود الجسد وحدود الفكر، ألا تذكرين؟)

كنت أتصور أن مشروعي الشخصي مشروع كوني·

مشروع سيسانده الآخر، مهما كان· ولم أكن أعرف، آنذاك، أن الكون مليء بالمشاريع الصغيرة والكبيرة، وأن العالم مُقَسَّم ومحجوز· وأن علي أن أبدأ ببناء نفسي قبل أن أتطاول على مشاريع الآخرين· لكن الحب الذي كان يملأ أحشائي لم يكن ليدع لي متسعًا من الوقت لأفكر· حب مفروض بقوة العادة والتاريخ·

كنت ما إن أرى الآخر حتى أمتزج به· لم أكن أملك، بعد، حواجز نفسية واضحة، تحميني· كانت نظرتي إلى التاريخ العصابي الذي لُقِّنْتُه نظرة إجلال أحمق وتنزيه· لم أكن أعرف، يومها، أن كل حركة هفوة، وكل هفوة قاتلة· كنت مصابًا بداء الاحتشاء· احتشاء سببه الامتلاء القسري بالغّث والرديء· بذلك، كله، كنت تختلطين·

Page 10

وتريدين مني الآن أن أروح؟ نعم· ولكن إلى أين؟ إلى أي جهة؟ ومن أي قاعدة أنطلق؟

- إلى جهنم· إلى جهنم الحمراء· إلى أي مكان لا أراك فيه ولا تراني·

كان الماء، في أسفل الأرض، لا زال يحتفظ ببعض أشعة الشمس التي خلفت وراءها الكون· وبدأت أواخر الضوء الباهت تولي الأدبار· كان الليل يتساقط رذاذًا· ومن برج السين العالي صرت أتملّى بامتعاض شراذم البشر العائدين إلى سجونهم البائسة· من النافذة التي تعلو المدينة، كلها، تطاولت على قدميّ لاحقًا شعاع الشمس الأخير· الشعاع الذي أحاط به غيم مفاجئ، وغطّاه: الشعاع القتيل·

شيء يشبه الاهتراء كان يحيط بالعالم· اهتراء لم يكن عابرًا ولا لطيفًا· يكاد يطال مكونات الحركة والسكون، بلا استثناء· ومع الاهتراء لا ينفع إلا تغيير خصائص الأشياء·

من الجدار، المقابل، الذي كانت تلتصق به، جاء صوتها راعدًا:

- مرة أخرى الأشياء؟ ما يلزمك هو تغيير خصائصك أنت· هو التخلّص من إرثك المخيف: معرفتك الشكلية وأصول نظرتك العتيقة للعالم· تلك العناصر المبجلّة لديك، والتي هي أساس الحماقة عندك: حماقة الغيرة، وحماقة المَثَل، وحماقة الانتظار· وإن كنت لا تزال تعتقد أن قلبك أبيض، فإنني أصر على أن رأسك فارغ· وفراغ الراس هو المسئول عن خواء النفس· نفسك اليابسة مثل الحجر المشوي· وإنني لأتساءل، الآن، كيف يمكن لك أن تقف مثل الموتى، لاصقًا بزجاج النافذة، منذ أول الغروب· تقف بلا حراك· تنظر ببلاهة في فراغ أصفر دون أن يرف لك جفن· أكثر من مرة اقتربت من ظهرك والسكين السوداء الحادة بيدي· ولم تنظر حتى إليّ· كنت أحدد، من وراء، نقطة الطعن· مرة أختارها يمينًا، وأخرى يسارًا· واستقر الرأي، أخيرًا، على القلب· وكأن جسدك لم يكن لك، بقيت صامتًا كالتراب· كتراب منسي·

وانتفضت مأخوذًا: تريدين قتلي؟ ودون أن تهتمي تابعت:

- منذ متى وأنا أنتظر لمسة أو كلامًا· ولكنك لست هنا· كما أنك لست هناك·· فأنت كما أعرفك لا يمكن لك أن تكون إلا تابعًا أو متبوعًا· تتلاعب حتى بحياتك· ومقابل سلوكك البائس تتطلب دائمًا، سلوكًا آخر أكثر بؤسًا· وما تحررك المزعوم إلا وسيلة إضافية لاكتساب غنائم جديدة إذ لم يكن التحرر عندك، كما صرت أعرف الآن، فعلاً يُفعل لذاته بل مدخلاً للولوج في متاهات إضافية، لم تكن مهيئًا لإدراكها· ولم يكن ذلك عيبًا، لو حاولت أن تتطوّر· أن تنمي مشاعر الثقة بالنفس· أن تتحمل الألم الأخلاقي المواكب، عادة، لمثل هذه الابتسارات· كنت أراك تتدحرج من دوّامة إلى أخرى قبل أن يتسنى لك التفوّق والنبوغ· وأردت أن أشدّ أزرك ولم تقبل· كنت تعتقد أن ذلك حدٌّ لك ولم يدهشني ذلك منك· فمن يملك تصورك الشكلي المُبسّط للعالم، لن يكون إلا متبجحًا وجَروحًا·

نقطة، نقطة، كان الخوف يتجمّع في عينيّ·

لم تكن صادقة، ولكنها لم تكن كاذبة، أيضًا· كانت الرَعبْةَ، ذلك الليل، تنبثق من التقاء ما مضى بما يحضر الآن·

التقاء لم يخطط له من قبل إلا أنه لم يكن صدفة· التقاء عالمين؟ التقاء بَشَرَيّن؟ لا، بالنسبة لي كان انشقاق بشر واحد: نهاية اتحاد الأنا بالآخر، وتماهيها معه· هذا الاتحاد الذي تعلمته: ميزة، لم يعد كذلك الآن· وشيئًا فشيئًا، اكتشفت، أن اتحادي الدائم حتى مع نفسي عطب يجب التخلص منه· كنت لا أني أردد، منذ أن تركت الشام: هذا لكي تتعلّم ألا تخضع لأحد، أبدًا كنت أدربُ نفسي على الالتفاف المستمر عليها·

لم تكن المشكلة تتعلَّقُ بالثقة، وإنما بالمشروع· فمنذ أن عرفت أن الإنسان ليس سوى مشروعه الشخصي، لم أعد أفرط في شيء، مهما كان ضئيلاً، وهو ما جرّني إلى تناقض مستمر، وأحيانًا غير مفهوم· تناقض، لا مع الآخرين، فحسب، وإنما مع نفسي أيضًا· كنت أريد أن أصل الدرجة القصوى من الوعي· ولم يكن إلا وهما· وهم مريع ومحبط· فتصوري للوعي كان ينبع من تصوري للعالم· وهو تصور لم أفرزه أنا· وإنما رضعته· تصور مبني على أسس أخلاقية أثبتت، يومًا بعد يوم، عسفها، وابتذالها· ومع ذلك، كان لا من إعادة النظر بذلك كله· وهو ما صرتِ تسمينه الآن توتراتي

لكن تلك التوترات التي ترينها بائسة وبسيطة، أتعرفين كَمْ أقاسي لإنجازها؟ جبال ووهاد ورياح تتقاطع خلال دهور في أعماقي، قبل أن يرى توتر من توتراتي النور· لم أكن أحسب أنكِ شديدة الاحتقار لتوترات الآخرين إلى هذا الحد·

وفجأة توقفتُ عن الكلام·

كنتُ أريدأن أطبق قاعدتي الجديدة: تنفّس قبل أن تحكي من قبل، كنت أسابق الريح· أريد أن أبلغ الآخر رأيي (حتى ولو لم يطلبه)· كنت أعتقد أن ما أملكه لا يملكه أحد غيري· لكن تغيير المكان ضيق رحابة اللسان· ضيقّها بالمعنى المحدد: لم تعد ذخيرتي من اللغة تُسعف لساني الجديد صرت لأول مرة أفتش عن كلمة واحدة أنقل بها أكثر من مَغْزى (لكأن المعاني قيم جبرية، تنقلها عبارات هندسية لا يمكن ارتجالها)· وهو ما أحالني، هذه المرة، إلى النفس الصامتة هل تفهمين؟ كدت أسألها، لكن الضجة المفاجئة ملأت نفسي بالخوف· شظايا· شظايا· كانت الأشياء تبدأ كرّها وفرّها من جديد·