eKtab
EN ع
تجربة حياة
Read free sample

تجربة حياة

by د. تيسير النابلسي

Page 1
المقدمة
 
ترددت في الكتابة، على الرغم من حرص عدد من الإخوة والأصدقاء على أن أقوم بتدوين مذكراتي، وكنت أتساءل لماذا مذكراتي؟ وأي هدف أسعى إليه؟ فالمذكرات عادة يكتبها عظماء في الأدب والسياسة والفكر والفن، ويترقبها الكثيرون من الراغبين في قراءتها، ولست واحداً من الذين يكتبونها لتعويم الشخصية، أو كعملية تجميلية استعراضية لتاريخ فرد لتدوين وقائع ليس في سردها ما ينفع الناس·
 
وأخيراً استقر رأيي على أن أكتب؛ لأن ما كتبت فيه بعض ما ينفع الناس، ولكنها في حقيقتها ليست مذكرات كتلك المذكرات التي نقرأها بين الحين والآخر، بل هي محطات في تاريخ امتد لأكثر من سبعة عقود خضت فيها تجربة، وخلصت فيها إلى نتائج· توقفت عند بعض المحطات المهمة ليس لأعرض نفسي على الشاشة، وإنما لأعرض وقائع وأحداثاً مررت بها، وكان التركيز على الواقعة والحدث والنتيجة المستفادة وليس على الشخص·
 
إن ما كتبته وراؤه امرأة كريمة، وهي زوجتي غادة التي رافقتني في هذه المسيرة، ولها وللطفل الفلسطيني أهدي هذا الكتاب·
 
 
 
تيسير       
 
دبي 1/1/2009م
Page 2
من ملف الذكريات
 
18/5/1934 - 18/5/2009م
 
اليوم تُطوى السنة الرابعة بعد السبعين من العمر
 
ما أريد أن أخطه في هذا الكتاب ليس مذكرات تتسلسل أحداثها ومجرياتها مع التواريخ· هي ليست سرداً مجرداً لوقائع ذات طابع شخصي، وإنما وقفات تأمل ومراجعة اختزنتها على مدى كل السنوات، وفيها شيء في السياسة والفكر، وشيء في القانون، وشيء في الأدب والشعر، وشيء في الدين والذكر، وشيء من تجربة إنسان عاش طفولته وصباه وفترة من شبابه في فلسطين، وعاش حوالي نصف عمره في دبي، وها هو تسرع به الخطى إلى خط النهاية في الواقع المتسارع لهذه الحياة الدنيا·
 
بداياتي في يافا
 
لا أذكر شيئاً عن سنواتي الأولى في مدينة نابلس حيث ولدت في عام 1934· انتقل منها والدي للعمل في التجارة في مدينة يافا، وكنت آنذاك دون الخامسة من العمر· وفي يافا افتتح والدي متجراً في سوق الدباسية لبيع الحبوب من قمح وشعير ومواد غذائية بالجملة، وكان الحمالون الذين يقومون بتفريغ حمولات السيارات وتحميلها ينامون في المتجر نفسه على أشولة الحبوب، وكان معظمهم يأتون من منطقة حوران في سوريا، إذ كانت فلسطين ومدن يافا وحيفا التجارية في فلسطين تستقطب العمالة من الدول العربية المجاورة كما هي حال دول الخليج في أيامنا هذه، وكنت أقضي بعض الوقت في المتجر أتسامر معهم· أذكر رقم هاتف المتجر آنذاك وهو 641· كان الاستعمال اليومي للهاتف قليلاً، ولم يكن ليأخذ من وقت الناس وجهدهم وأعصابهم شيئاً يذكر كما هي حالنا اليوم في عصر الاتصالات والجوال، وعصر القلق والاضطربات النفسية· وكان الباص رقم (3) وسيلة المواصلات الرئيسية التي كنت أستعملها بين بيتنا في منطقة العجمي ومتجر والدي في المنطقة التجارية شارع الدباسية قرب مركز مدينة يافا، وشارعها الرئيسي الذي كان يسمى شارع إسكندر عوض، حيث توجد أشهر المحلات التجارية، والتي أذكر منها محلات باتا، حيث كان الحذاء الجيد يباع بمبلغ 99 قرشاً؛ أي أقل بقرش من الجنيه الفلسطيني· وعلى مقربة من مدينة يافا وبمحاذاتها أنشأ المستوطنون الصهاينة مدينة تل أبيب· لم يكن في تلك الأيام رياض حضانة للأطفال كما هي حالنا اليوم، وبالتالي لم يكن رب العائلة يحمل هم مصاريف الأطفال عند إرسالهم إلى الحضانة كما هي حالنا اليوم، حيث يتكلف إرسال الطفل منذ عمر السنتين ما يقارب العشرين ألف درهم، وقد تصل إلى ضِعْف هذا المبلغ في بعض الحضانات الراقية·
Page 3
كان يوجد في تلك الأيام في سنوات ما قبل المدرسة الكُتّاب، حيث يكون هناك شيخ يدرس القرآن واللغة العربية للأطفال دون سن السابعة، وأذكر وكنت في السادسة من العمر، أن والدي أرسلني إلى أحد هذه الكتاتيب، وكان يبعد عن بيتنا مئات من الأمتار، ويسمى كُتّاب الشيخ عثمان· كنا نجلس على الأرض، وكان يدرسنا أبو إسماعيل الذي كان صاحب مطعم للفول في المنطقة أيضا، يعمل في الكُتّاب صباحاً وفي مطعمه بعد الظهر، وعندما بلغت السابعة وهو السن المقرر لدخول الطلاب إلى المدرسة الرسمية الحكومية، وكان ذلك في عام 1941، دخلت المدرسة الابتدائية، وكانت تسمى المدرسة الأيوبية أو المدرسة الخضراء؛ إذ كانت بناية خضراء جميلة، وأمامها ساحة واسعة تنصب فيها في المناسبات وأيام الأعياد المراجيح، حيث يأتي الأطفال لتمضية أيام العيد في تلك الساحة·
 
وكانت المدرسة تبعد أكثر عن البيت، وكانت وسيلة النقل السير على الأقدام· وفي اليوم الأول من المدرسة طلب منا أن نحلق شعر رؤوسنا تماما (على الصفر) وكان موقفاً صعباً، وكنت أشعر بالبرد لفقد شعر رأسي الذي كان يعطينا شيئاً من الدفء، ولكن لابد من ذلك فنظام المدارس والعناية بالنظافة يفرض ذلك· وقد تذكرت تلك الأيام في سجن الزرقاء العسكري في عام 1967 حين حلقوا لي شعر رأسي بالإكراه على الصفر أيضاً·
 
أذكر سنوات الدراسة الست التي قضيتها في المدرسة الأيوبية تماما، وأذكر أساتذتي فيها، وزملائي في الدراسة، وعندما أقارن حال الدراسة والمدارس في هذه الأيام بتلك الأيام أشعر أن أساتذتي في تلك الفترة، وقبل أكثر من ستين عاماً، قاموا في التربية وفي التعليم، وكنا نحبهم ونحترمهم، وكانوا يخلصون في عملهم، ولم تكن المدارس تجارة كما آلت إليه حال التعليم -ولاسيما في المدارس الخاصة- في أيامنا هذه حيث ينوء حمل رب الأسرة بعبء الأقساط المدرسية· أذكر وأنا في الصف الخامس الابتدائي أن إدارة المدرسة التي كان يديرها آنذاك الأستاذ سعيد الصباغ؛ وهو من كبار الجغرافيين في تلك الأيام، نظمت مسابقة لطلبتها، واختارت موضوعين للطلبة ليكتبوا بأحدهما، وكان الموضوع الذي اخترت الكتابة فيه الأديان ولماذا وجدت أنجزت الموضوع وسلمته للأستاذ المشرف على المسابقة، وفي اليوم المحدد لإعلان النتائج وتقديم الهدايا للفائزين فوجئت بإعلان اسمي الفائز الأول في المسابقة· وقمت بإلقاء الموضوع أمام الحضور، وقدمت لي إدارة المدرسة قلم حبر ثميناً هدية لي وتقديراً للموضوع الذي كتبته، وحاول بعض الطلاب انتزاعه مني بعد خروجي، ولكني تمكنت من الإفلات منهم، حيث كنت ضعيف البنية خفيف الوزن، فذهبت ركضاً إلى البيت· أقارن ذلك بحال التعليم في هذه الأيام، وخاصة اللغة العربية، حيث إن الطلبة في هذه الأيام لا يحسنون الكتابة بلغتهم الأم، حتى خريجو الثانوية العامة الكثير منهم لا يستطيعون كتابة رسالة قصيرة، وإن كتبوها تكون مليئة بالأخطاء الهجائية والنحوية والإملائية واللغوية· لقد أصبحت لغة القرآن غريبة في وطنها هذه الأيام!
Page 4
في عام 1947م انتقلت من مدرستي الأيوبية إلى مدرسة أخرى وهي مدرسة حسن عرفة التي تبعد عن منزلي كيلو مترات عدّة، وكانت وسيلة الانتقال أيضاً السير على الأقدام·
 
أجمل ذكرياتي في يافا وأقرب أصدقائي هو بحر يافا· كان منزلنا يطل على البحر الذي لا يبعد عنه أكثر من مائة متر، كنت أمضي معظم أوقات فراغي على شاطئ البحر، ولم أكن أحسن السباحة، فقد كانت أسرتي تخشى علي من السباحة، وحرمت من هذه الرياضة، وعندما أصبح لي أبناء علمتهم جميعاً السباحة·
 
ارتباطي مع البحر ارتباط خاص يصل إلى درجة العشق، كنت أجلس ساعات طويلة على الشاطئ وحيداً عندما لا يكون هناك رفاق الحي· أناجيه وأكلم أمواجه، وأشاهد انسيابها على رمال يافا البيضاء، وكان على جزء من الشاطئ ناد للجنود البريطانيين كان يحظر علينا دخوله أو الاقتراب منه·
 
كانت يافا، ببحرها وبنائها وأشجارها وبيارات برتقالها وتجارتها وعمرانها ومبانيها مدينة متطورة يحلم الكثيرون بالقدوم إليها والعيش فيها، كما هي الآن دبي التي تعدّ حلماً للكثيرين من الراغبين في القدوم إليها والعيش فيها·
 
في عام 1948م فقدت هذا الحلم، لقد بدأت الحرب بين عصابات صهيونية مدربة ومنظمة ومسلحة تدعمها قوات بريطانية، حين كانت بريطانيا دولة عظمى، وقوات من المجاهدين قليلي الخبرة القتالية والتدريب وضعيفي التسليح·
 
عند بداية الحرب أرسل والدي والدتي وإخوتي وأخواتي الخمسة إلى نابلس، وبقيت مع والدي في يافا بضعة أشهر قرر بعدها إرسالي إلى نابلس، ومكث هو في يافا للدفاع عنها مع متطوعين في كتيبة الإخوان المسلمين قبل الانتقال إلى نابلس، وكان ذلك في بداية عام 1948م· ذهبت لوداع صديقي بحر يافا، جلست إلى الشاطئ ساعات طويلة أتابع الموج وأستنشق الهواء النقي، وأهمس إلى البحر وأبكي، وأسأل نفسي وأسأل البحر: هل سنلتقي أم أنه فراق لا لقاء بعده؟ ثم أتذكر ما كان يتداول في تلك الأيام بأن الجيوش العربية قادمة للدفاع عن فلسطين وشعبها، وبالتالي أخاطب البحر: إنني عائد عائد عائد، ولم أكن أعلم بالمؤامرة والسقوط والخنوع وصفقات بيع تمت بليل حرمتني من بحر يافا طوال هذه السنين· ركبت سيارة أجرة مغادراً يافا إلى نابلس مع ركاب آخرين، وكانت الطريق محفوفة بالمخاطر، حيث كانت هناك مناوشات بين العصابات الصهيونية والمجاهدين في بعض المناطق على الطريق، واستغرقت الرحلة ساعات طويلة وصلت بعدها إلى نابلس·
 
عشنا في بيت جدي في نابلس، وكان من رجالات المدينة البارزين، وكان مجلسه عامراً كل ليلة بالزوار والسمار وأصحاب الفكر والمال في المدينة، وإن كانت النكبة أفقدتهم المال والصحة، وكان مطلوباً مني أن أجلس في الديوان لتلبية مطالب الضيوف، وخاصة إحضار القهوة العربية وتقديمها لهم، وإحضار الجمرة للأرجيلة، وكان مدخنوها في بعض الليالي يتجاوزون العشرة، وعلى رأسهم جدي رحمه اللّه، الذي كان تدخين الأرجيلة ملازماً له ليل نهار، ولقد كانت فرصة لي أن أجلس في الديوان، وأستمع لما يدور من أخبار ونقاشات في السياسة والفكر والتاريخ والأدب، وقد استفدت من ذلك الكثير، وأضافت جلسة الديوان لي نضجاً، ووسعت أفقي ومعلوماتي·
Page 5
عشت في نابلس فترة المعركة والهزيمة واللجوء، وكانت منطقة نابلس من نصيب الجيش العراقي الذي طلب إليه التواجد فيها، وعدم المشاركة في المعارك التي كان يخوضها المجاهدون من جيش الإنقاذ والجهاد المقدس، وكانت تبعد عشرات الكيلو مترات عن أماكن تواجد الجيش العراقي، الذي شاركت بعض كتائبه في معارك جنين للمرة الأولى والوحيدة، وكانت المشاركة مخالفة للتعليمات، حين تصدى الجيش العراقي لهجوم صهيوني على مدينة جنين، وطوال مدة الحرب كان الجيش العراقي يقبع في معسكراته في منطقة نابلس، ولا يتحرك إلا للذهاب لحمامات المدينة، حيث كنا نشاهد طوابير الجيش تسير ببزات عسكرية داخل المدينة القديمة، تضرب بأحذيتها بلاط الصوان في أرض المدينة القديمة فتحدث دوياً هائلاً، وأذكر أن أهالي نابلس كانوا يتندرون وهم يشاهدون المهزلة، ويقولون مقولتهم المشهورة: أكو أوامر للحمام ماكو أوامر للميدان
 
أكملت دراستي الثانوية في نابلس في المدرسة الصلاحية، بعد أن تعطلت الدراسة لمدة سنة خلال فترة ما سمّي بالحرب، ودخل هذا الجزء المتبقي من فلسطين الضفة الغربية بيت الطاعة بعد أن جرى ترويض الشعب لدخول عهد جديد، وأفاق الناس من صدمة الهزيمة، بعد أن رأوا بأعينهم خيوط المؤامرة التي حيكت لتمكين إسرائيل من 82% من الأرض الفلسطينية وترك الباقي؛ الضفة الغربية وغزة، وديعة بيد الأردن ومصر· وعبر الشعب الفلسطيني عن رفضه لكل ما جرى، وأعلنت الهيئة العربية العليا في فلسطين إنشاء حكومة سمّيت حكومة عموم فلسطين التي جرت محاربتها من بعض الأنظمة العربية، وإفراغها من أي مضمون، وانتهت هذه الحكومة، وانتهى الكيان الفلسطيني، وغيبت الهوية الفلسطينية، وعشنا في نابلس وباقي أجزاء الضفة الغربية مثخنين بالجراح والألم والقهر والجوع، وأخذت جموع اللاجئين تدخل المدينة وباقي مدن الضفة الغربية وقطاع غزة بعد أن اقتلعوها من أرضها· وفقد الناس كل أموالهم ومصادر رزقهم وثرواتهم، وكان جدي أحد هؤلاء الذي فقدوا معظم ما جناه وما يملكه من أراض وبيارات في منطقة طولكرم في جلجولية وقاقون، التي جرى تسليمها للعدو بموجب اتفاقيات أبرمت في رودس، وقد ذكر بعدها أنه كان ثمة خطأ في رسم هذه الحدود أدى إلى إدخال آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية ضمن الدولة الصهيونية
Page 6
سنوات في القاهرة وعودة الهوية
 
1952-1957م
 
أتيح لي أن أتابع دراستي في القاهرة، وصلتها في نهاية نوفمبر (كانون الأول) 1952م بعد ثورة يوليو 1952م بأشهر عدّة، وكانت تلك المرة الأولى التي أغادر فيها فلسطين (الضفة الغربية)· نزلت في فندق متواضع وبرفقتي زميلي ورفيقي في الدرب المرحوم أحمد عثمان عبدالله، الذي عشت معه طوال إقامتي في القاهرة حتى يوليو 1957· وفي أثناء تجوالنا في منطقة باب اللوق بالقاهرة، لفتت نظري يافطة على إحدى البنايات كتب عليها رابطة الطلاب الفلسطينيين أشد ما شدني في العنوان كلمة الفلسطينيين التي كدت أنساها، فطول السنوات الخمس، منذ بداية النكبة وحتى مغادرتي إلى القاهرة؛ كاد الناس في نابلس وما سمّي بالضفة الغربية ينسون كلمة فلسطين· كان نسيان الهوية الفلسطينية جزءاً من ترتيبات ما بعد النكبة الفلسطينية، وما تم من واقع الاغتصاب الصهيوني للأرض الذي امتد إلى الثقافة والهوية، وفرض تغيرات على أرض الواقع تدفع للقبول والاستسلام ونسيان ما حصل· كان ذلك هو المخطط الصهيوني والغربي الذي تم فرضه، وشاركت فيه أيد عربية بقصد أحياناً، وأحياناً أخرى بقصر نظر وبغير قصد، لقد هزني بشدة اسم الرابطة، وأنها رابطة للطلاب الفلسطينيين، وهذا يعني أنني بعد سنوات استعدت اسمي، وبدأت أستعيد هويتي، شعرت وكأنها عودة الروح لفتية الكهف الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى· دخلت المبنى والقاعة التي كانت تغص بعدد من الطلاب الفلسطينيين القادمين من فلسطين والمهاجر، وكان معظمهم آنذاك من قطاع غزة·
 
تعرفت هناك على المرحوم القائد ياسر عرفات الذي شارك في تأسيس الرابطة، وعلى عدد من زملائه الذين كانوا في الهيئة الإدارية، وبينهم من فجر الثورة الفلسطينية في عام 1965م، مثل: أبو جهاد، وأبو إياد، وكانوا جميعهم آنذاك طلاباً يدرسون في الجامعات المصرية·
 
كنت أكثر من التردد على مبنى الرابطة في الكثير من المناسبات، وبعد أشهر عدة، قام المرحوم أبو عمار بترتيبات لتدريب الطلاب الفلسطينيين تدريباً عسكرياً، شاركت فيه كما شارك فيه زميلي أحمد عثمان والعديد من الطلاب، وكان أبو عمار أحد المدربين الذين توزعوا على عدد من المناطق في ضواحي القاهرة، وفي حلوان، ضمن ترتيبات مع عدد من الضباط المصريين· وفي أثناء بعض التدريبات على إلقاء القنابل الملز، دخلت شظية صغيرة بين أصابع يدي اليمنى، فنصحني الأطباء بتركها على حالها، وقد بقيت في يدي منذ عام 1953م وحتى عام 1990م حين أزلتها بعملية جراحية بسيطة·
Page 7
عشت معظم سنوات دراستي في كلية الحقوق بجامعة القاهرة في منطقة الدقي القريبة من الجامعة، وكان علي أن أعيش السنة الدراسية بمخصص عشرة جنيهات مصرية في الشهر، ولم يكن بمقدوري أن أنفق أكثر من هذا المبلغ· كنا نستأجر الشقة في منطقة الدقي بما يعادل ثمانية جنيهات نتقاسمها أربعة طلاب، كل واحد في غرفة، أما الأثاث فكان بسيطاً جداً لا يزيد على طاولة مكتب وسرير لكل غرفة، وبضعة كراسي وأدوات مطبخ بسيطة· وكنا نستخدم طباخاً يأتي يومياً ويقوم بشراء مأكلنا لذلك اليوم بما لا يتجاوز ستين قرشاً نتقاسمها مع الطلاب شركائي في السكن· ولم تكن ثمة نفقات مواصلات، حيث كنا نسير سيراً على الأقدام إلا إذا اضطررنا لاستخدام الباص، وكان يوم الجمعة هو عطلتنا الدراسية، حيث نمضيه في متابعة أحد الأفلام في السينما أو المسرح، أو زيارة باقي زملائنا في الكليات الأخرى، وخاصة في منطقة مصر الجديدة·
 
كانت حياة بسيطة نظيفة هادئة نعيشها باكتفاء ذاتي، بما يتيسر لنا من دخل محدود، وكنت جاداً في دراستي أعطيها وقتها، وأحياناً أغادر البيت إلى إحدى الحدائق القريبة مثل: حديقة الأورمان، أو حديقة المتحف الزراعي في الدقي، وهناك أدرس المحاضرات في جو الطبيعة التي أحبها· وفي عام 56 وقع العدوان الثلاثي على مصر، وطالب الطلاب بتجنيدهم للذهاب إلى القناة للمشاركة في صد هجوم القوات الفرنسية والإنجليزية والإسرائيلية، وكنت وزميلي أحمد من ضمن هؤلاء، انتقلنا إلى المدينة الجامعية، حيث بدأنا نتدرب على استخدام السلاح، وأقمنا بضعة أسابيع نتدرب على السلاح بانتظار نقلنا إلى ساحات المواجهة، إلا أن القيادة العسكرية أقنعت الطلاب بأن يبقوا لحماية المناطق المدنية في القاهرة، وأذكر أحد الطلاب المصريين وكان يقف إلى جانبي في أثناء التدريب، وكان شديد الحماسة في الذهاب إلى الميدان في منطقة القناة، وفي أحد الأيام افتقدناه ثم سمعنا أنه استشهد في إحدى المواجهات، واسمه جواد حسني، وقد خلدوا ذكراه كأحد شهداء الطلبة، وسمّي شارع في القاهرة باسمه شارع جواد حسني
 
لقد وجدت في القاهرة متنفساً لمشاعري وأحاسيسي الفلسطينية المفعمة بحب فلسطين، أرضها وسمائها ومائها وهوائها وانكسارها وعنفوانها، مع ذكريات قريبة لإقامتي السابقة وخاصة في يافا· لقد سرى هذا الحب الدافق في جسدي، وخالط دمي وعروقي ولا يزال·
 
وعندما عدت إلى نابلس بعد نهاية دراستي الجامعية في مرحلتها الأولى عام 1957م، عشت الواقع المفروض من تغييب القضية وتغريب الهوية بالفرض والقهر والقوة وشراء الذمم والضمائر، وكنت أرى أمامي هزيمة قادمة لا محالة، فذلك مخطط له كمرحلة ثانية لما بعد النكبة والتي سمّوها النكسة· وكان الرفض الفلسطيني الذي ابتدأ حلماً لطلاب فلسطينيين في القاهرة، وكان تفجر الثورة الفلسطينية لإعادة الهوية، وتصويب المسار في عام 1965م·
Page 8
العودة إلى نابلس 1957-1961م
 
أنهيت دراستي الجامعية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957م، وعدت إلى نابلس أحمل شهادة الحقوق بتقدير جيد، وبدأت أبحث عن عمل لأساعد أسرتي التي كانت تواجه ظروفاً مالية صعبة، فعملت مدرساً لمادة التاريخ في مدرسة إعدادية هي مدرسة الجاحظ، براتب خمسة وثلاثين ديناراً، دفعت معظمها سداداً لديون ترتبت على والدي، الذي اضطر لإغلاق متجره بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي أعقبت الحرب، وكانت رغبتي التي راودتني منذ بداية دخول كلية الحقوق أن أعمل محامياً· فبدأت أتدرب على أعمال المحاماة، وسجلت نفسي كمحام متدرب، واستقلت من التدريس، وأنهيت فترة التدريب التي كانت لمدة سنتين، وحصلت على إجازة لممارسة مهنة المحاماة أمام المحاكم المدنية، وإجازة لممارسة مهنة المحاماة أمام المحاكم الشرعية، وفي الوقت نفسه، كنت أتطلع لمتابعة الدراسة العليا في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، فسجلت نفسي في الجامعة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام· وكنت أتردد من فترة إلى أخرى ولمدة بضعة أسابيع على الكلية، وحصلت على دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، وتابعت دراستي وحصلت بعد ذلك على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي في عامي 1959م و 1960م· وعملت محامياً في نابلس لفترة قصيرة، انتقلت بعدها للعمل في البنك العربي، وتدربت لمدة تزيد على السنة على الأعمال المصرفية في فروع البنك في نابلس وعمان وبيروت والقاهرة، ثم تقرر نقلي للعمل في فرع البنك في الرباط بالمغرب، حيث افتتح الفرع عام 1961م، وتعرفت أثناء ذلك على زوجتي غادة، وغادرت معها نابلس إلى الرباط بعد حفل زواج بسيط اقتصر على الأهل· وانطلقنا من مطار قلنديا قرب القدس إلى بيروت فجنيف ثم باريس فالرباط وكان ذلك في نهاية عام 1961م·
 
عشت في المغرب في مدينة الرباط في بيت صغير في بناية البنك العربي، وفي أثناء عملي في البنك كلفت بإلقاء محاضرات لطلاب في كلية الحقوق في جامعة الرباط، وفي المدرسة الإدارية المغربية لبضع ساعات خلال الأسبوع·
 
كانت الغربة بالنسبة للزوجة الشابة صعبة، وخصوصاً بعد بداية الحمل· كانت وسائل الاتصال مع أسرتها في نابلس تقتصر على الرسائل، حيث إن الاتصالات الهاتفية بين المغرب والأردن لم تكن متيسرة· وكنا أحياناً نتبادل الرسائل عبر شريط (المسجل)، وحصلت بعد عشرة أشهر على إجازتي السنوية، وعدنا إلى نابلس ومكثت بضعة أسابيع عدت بعدها إلى عملي في المغرب، وتركت زوجتي لتضع مولودها في نابلس، وكانت طفلتنا الأولى سلام، وبقيت زوجتي في نابلس·
 
عدت إلى الرباط بمفردي عبر رحلة طويلة ابتدأتها على باخرة تركية من بيروت إلى مارسيليا· وفي أثناء سفري تعرفت في الباخرة على مجموعة من الشباب الفلسطينيين القادمين من قرى فلسطين والمتجهين إلى ألمانيا للعمل، وقد رتبت لهم إحدى الشركات الانتقال بصورة غير مشروعة تهريب إلى ألمانيا· كانوا من القرويين الذين لم يغادروا قراهم إلا إلى المدينة، وهم مزارعون لا يعرفون من اللغات إلا العربية بلكنتها القروية الفلسطينية· دفعهم الفقر إلى هذه المغامرة، وكان هذا حال ألوف مثلهم هاجروا بعد نكبة فلسطين إلى كل مكان في هذا العالم، كانوا ينامون في قاع السفينة قرب محركاتها في ظروف إنسانية صعبة جداً، فدرجة الحرارة في المكان لا تطاق· تعرفت عليهم وارتبطت بصداقة عابرة معهم، وقبل الوصول إلى مارسيليا قاموا بتغيير ملابسهم العربية وارتدوا لأول مرة الملابس الغربية البنطال والجاكيت والقبعة، وقد واجهوا مشكلة وضع ربطة العنق، فساعدتهم على ذلك، فبدوا بمنظر غريب غير مألوف، ولكن كان لا بد من ذلك حتى يسهل عليهم المرور ودخول الأراضي الألمانية، وقد أخبروني أن مندوب الشركة التي رتبت انتقالهم، وأخذت منهم كل ما يملكون، وما استدانوه لترتيب إدخالهم إلى ألمانيا، 
Page 9
 ودّعتهم في ميناء مارسيليا، ولم أرهم بعد ذلك ولم أسمع عنهم، والله يعلم إن كانوا استطاعوا الدخول إلى ألمانيا أو أنهم اعتقلوا أو قتلوا· كان هذا جزءاً من المشهد الفلسطيني عقب المؤامرة على الوطن السليب· بعد وصولي إلى مارسيليا اتجهت بالقطار إلى مدريد، ومن هناك بدأت رحلتي إلى الأندلس في القطار· زرت غرناطة وأشبيلية وقرطبة، أشاهد حضارة وفردوساً أضعناه كما أضاعت بعض الأنظمة فردوس فلسطين، ثم توجهت إلى جبل طارق، وعبرت المضيق إلى طنجة في المغرب، ومن ثم في القطار إلى الرباط لاستئناف عملي·
 
أذكر في أثناء إقامتي في الرباط أنني شاركت في تظاهرة نظمها الاتحاد المغربي للشغل في إحدى المناسبات الوطنية للتضامن مع فلسطين، وكانت مظاهرة سلمية هادئة تجلت فيها عناصر الوحدة بين أطراف هذه الأمة في مشرقها ومغربها· وفي الشهر الثالث من عام 1963م، طلبت مني إدارة البنك أن أدفع أجرة السكن الذي أشغله، على الرغم من أن عقدي معهم يتضمن توفير سكن، إضافة إلى راتبي الذي كان لا يتجاوز مائة دينار أردني، وكانت حجتهم أنني أعمل بالتدريس في الجامعة، علماً بأن ساعات عملي لم تكن تتعارض مع فترة دوامي في البنك، وأمام إصرارهم على ذلك أخذت إجازة طارئة وعدت إلى عمان، وكانت رحلتي إلى عمان عن طريق البر بالقطار والسيارات، انتقلت فيها من الرباط إلى الجزائر، وكان وصولي إلى الجزائر في بداية استقلالها عن الاستعمار الفرنسي· كنت أشعر بالفخر والاعتزاز بوجودي في الجزائر لبضعة أيام، وأنا أشاهد انتصارات ثورة الجزائر، وانتصار تيار المقاومة على تيار الاستسلام للواقع المهين الذي عاشه جزء من أمتنا العربية آنذاك· وانتقلت بالسيارات إلى تونس، ثم طرابلس، ثم بني غازي، وكانت رحلة متعبة استغرقت أياماً وساعات طويلة من السفر، فأخذت الطائرة إلى القاهرة ثم إلى عمان·
 
وفي عمان ذهبت للقاء مدير شؤون الموظفين، وكان معروفاً بتشدده في الأمور، وطلبت منه الرجوع عن قرار طلب سداد أجرة المنزل في الرباط؛ لأن دخلي لا يحتمل ذلك، أو أن يتم نقلي إلى عمان أو نابلس، فرفض ذلك وأصرّ على موقفه، فتقدمت باستقالتي، وبدأت عملي في عمان مع إحدى المؤسسات، ولكن لبضعة أشهر، إلا أن ظروف سجني حالت بيني وبين الإقامة في عمان، فعدت إلى نابلس مغادراً سجن المحطة في عمان في إقامة جبرية فرضت عليّ في مدينة نابلس، وكنت أتمثل في هذه المناسبات المثل القائل رب ضارة نافعة
 
كان ذلك حوالي منتصف عام 1963م حيث عدت إلى عملي كمحام في مدينة نابلس، وكنت أنتقل بين محاكم نابلس وطولكرم وجنين والقدس· وفي هذه الفترة تعرفت على مجموعة من العاملين في الحقل الوطني الفلسطيني، الذين استهدفوا إقامة تنظيم سري سمّوه جبهة تحرير فلسطين - ج ت ف للقيام بعمليات عسكرية عبر الحدود داخل فلسطين المغتصبة (إسرائيل)· بدأنا في التوسع ونشر فكرنا وأهدافنا بين عدد من المتحمسين المتشوقين للعمل الفلسطيني المسلح، وقد تطلب هذا الأمر أن أفرغ جزءاً مهماً من وقتي لهذه المهمة، وكان ذلك على حساب عملي المهني وعلاقتي الأسرية، وكانت زوجتي قلقة جداً من كثرة غيابي وتأخري وسهري خارج البيت، ولكن لم يكن لدي خيار آخر، فقضية الوطن تسري في عروقي سريان الدم، وما عشته في السنوات الماضية في يافا وبعد اللجوء إلى نابلس، ومعاصرتي لأحداث النكبة كان يطغى على مشاعري وتفكيري، وكانت أجهزة المخابرات نشطة في تعقبنا، وتمكنت من إلقاء القبض علي وعلى زميلي أحمد عثمان، وعدد كبير من الإخوان الذين التقيت بهم في سجن المخابرات، وسجن الزرقاء بعد ذلك·
Page 10
ليال في السجن
 
دخلت السجن ثلاث مرات، الأولى في بداية عام 1963م لمدة شهر لأنني ألقيت في المسجد الكبير في عمان خطاباً أطالب فيه بالانضمام للوحدة بين سوريا ومصر، وكانت كلمتي مرتجلة وقصيرة ودون ترتيب مسبق مع أيّ قوى أو تجمعات أو أحزاب سياسية، وكنت أشعر أن عليّ أن أقوم بشيء ما مهما كان الثمن· ولم يكن أمامي أيّ وسيلة للمناداة بالوحدة إلا في تجمع كبير في مناسبة صلاة الجمعة، وعندما دخلت المسجد كانت هناك قوات كبيرة من الأمن والعربات العسكرية، حيث كانوا يتوقعون أن تنطلق المظاهرات من المسجد الكبير إلى أرجاء العاصمة في ذلك اليوم·
 
فور انتهاء صلاة الجمعة اعتليت المنبر، وأخذت أحدث جموع المصلين حول فلسطين والوحدة، وأنها تحررت عندما توحدت مصر وسوريا بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وأن التاريخ الآن يعيد نفسه، فهناك وحدة تتم بين سوريا ومصر، والأردن في موقعه هذا وحدوده الطويلة مع فلسطين ينبغي أن يكون جزءاً من هذه الوحدة، ولم أكد أكمل كلمتي حتى فوجئت بعدد من الأشخاص يهاجمونني ويقتادونني بالقوة خارج المسجد، ولم يتركوا لي مجالاً لإكمال كلمتي أو حتى لارتداء حذائي الذي بقي في المسجد· أخرجت من داخل المسجد، وكان هناك صف طويل من الجنود ورجال الأمن، وكانوا يصيحون هذا هو! هذا هو مشيرين إليّ، وأخذ عدد من الجنود يبدو شكلهم أنهم من جنود البادية يدفعونني بقوة ويضربونني ببنادقهم، ولولا رجال الأمن الذين كانوا يمسكون بي لتسببوا لي بأذى شديد أو ربما القتل·
 
صعدت مع رجال الأمن في عربة مقيد اليدين، واقتادوني إلى مقر شرطة العاصمة في عمان وأودعوني هناك زنزانة لبعض الوقت، وبعد ذلك جرى استدعائي إلى غرفة كبيرة بها كبار ضباط الأمن، وبعض العسكريين، ومحافظ العاصمة، ويترأس الجميع الشريف ناصر، وهو المسؤول الأمني والعسكري الأول في تلك المرحلة· وقفت بينهم حافي القدمين، فبادرني الشريف ناصر الذي تولى التحقيق والأسئلة، وكانت تدور حول ماذا قلت؟ ولماذا؟ ومن دفعني إلى هذا الموقف؟ وعلاقتي بالأحزاب الوطنية في الأردن، ومن ضمنها الحزب الوطني الاشتراكي الذي يترأسه سليمان النابلسي، والحزب الشيوعي؛ فنفيت في جوابي علاقتي بأيّ منظمات سياسية، وأكدت أنني لا أنتمي لأيّ تنظيمات أو أحزاب، ولم يدفعني لما قلته إلا انتمائي الوطني والعربي وقضيتي الفلسطينية، وأني من حقي كمواطن أن أعبر عن رأيي في هذه المرحلة من حياة الأمة·
 
ثم أخذ يتساءل ما الثمن الذي قبضته لقاء قيامي بهذا الأمر، فقلت مستغرباً: ليس مثلي من يقوم بمثل ذلك، فسألني أين تعمل؟ وكنت أعمل في إحدى دوائر الدولة، فقال لي ألا يكفيك ما تأخذه من راتب من الحكومة، فقلت عندما يضحي الإنسان في سبيل موقف فلا تعود المسألة كم أتقاضى من راتب، وكم أخسر، وكم أربح؟