eKtab
EN ع
ذاكرة الغياب
Read free sample

ذاكرة الغياب

by ذوقان عبد الصمد

Page 1

مسافرٌ في أعماق الحياة..

د. كلوفيس مقصود سفير الجامعة العربية في الأمم المتحدة وفي الولايات المتحدة الأميركية سابقاً،أستاذ الدراسات العليا في القانون الدولي في جامعة واشنطن.
رسالة خاصة 20-12-2009 ذوقان عبد الصمد، شاعر متميز بقدرةٍ فائقةِ النفاذ إلى جوهر التجارب معاناةً وتأملاً، هائمٌ في توصيف الحياة بإنسانها وطبيعتها، مسافرٌ في أعماقها محبة وإعجاباً وغضباً، لاغياً للكره، متمردٌ رافضٌ بهدف استقامة ما نَقصَ فيها أو هوى.. كل هذا بصياغةٍ ممزوجةٍ بفن التعبير والإبداع الذي يشدك إلى تذوق الأمثل، ما يمكّن المتلقف من نشوة كادت، عما كان يحلم به، أن تغيب..
إن هذا التمازج بين الشاعر والمتلقف، هو الاختراق الذي يوفر لقارئه أو للمستمع إليه ما أنجزه ذوقان في إسهاماته، كون جمالية الاخراج لا يضاهيها سوى عبقرية شمولية تجسّر ألم الغياب، كما في رثائه لمحمود درويش إذ قال:
فالقدس حانيةٌ أقواسها كمداً
ترتجُّ لما طوى أبراجها الخبرُ
توشحت قبة الأقصى بغائمةٍ
من السواد، وماد الركن والحجرُ..
«سجل أنا عربي..» مذ قلتَها ارتسمت
أهلَّة، في ارتقاب المرتجى، حُمُرُ
«أهلةٌ في ارتقاب المرتجى».. مع «سجل أنا عربي».
أو ليس في وصفه هذا ما يشكل اختزالاً لمعاناة الألم ممزوجاً بأمل «المرتجى»..؟
وكأن ذوقان لم يَرْثِ محمود درويش بل أكملَ ما حرّض عليه الراحل الكبير، وهذا ما يستولده شاعرنا المتمرد في حضارة شعره..
وفي القضية جاء الاختزال المبدع:
مشت فلسطين خلف النعش باكية
كأنها في الوداع المرِّ تعتذرُ..!
أو ليس في هذا البيت نفاذٌ إلى الجوهر واختزال رائعٌ لأعدل قضية ظللها الحزن والنكران..؟
هكذا استطاع صديقنا الشاعر ذوقان عبد الصمد، وبكلماتٍ معدودةٍ، أن يشق طريقه إلى المتلقف ليشعرَه بالذنب حيث فلسطين الجريحة «في الوداع المرِّ تعتذر»، وكأن لباقة التأنيب هذه تمهد ليقظة الضمير المرجوة..
وإذا كانت قصيدة «يا شاعر العصر» مدخلاً لهذه المقدمة، فإن الوصف فيها، بالرغم من كونه مرآةً لما نحن عليه في عالمنا العربي من إحباط ومعاناة، يبقى نموذجاً نادراً للابداع وجمال البيان ولوناً ساطعاً لسخاء العطاء في شعر ذوقان عبد الصمد وتنوع مصادر الإلهام لديه..
Page 2

قوة المعنى والصيغة..انبعاث الكلاسيكية الشعرية

د. محمد علي شمس الدين ألقيت في مناقشة ديوان «رياح وأشرعة»، ونُشرت في جريدة الرياض في 14 نوفمبر 2002
«نراك ترنو إلى الأبعاد مكتئباً
وكل ما رقّ في دنياك مكتئبُ
كأن بينك والدهر الرؤى ارتحلت
بضوء عينيك حلماً صمته عجب
منزه أنت لا تسعى لمغنمة
وما انتسبت، إليك المجد ينتسب
تلم من حاجة تكفيك عن نعم
وتحت نعلك يخفي وجهه الذهب
صاحب هذه الأبيات، هو ذوقان عبد الصمد. والأبيات منتخبة من قصيدة له في مجموعته الأخيرة الصادرة له عن دار الفارابي، بعنوان «رياح وأشرعة» يحيي فيها روح المعلم الراحل كمال جنبلاط. وأحسب أن هذه الأبيات تصل بشاعرها إلى مقام عال هو الذروة في الشعر العربي الكلاسيكي المتجدد. فنحن نعرف أن شوقي وحافظ ومطران أحبوا هذه الروح الشعرية، بعد أن كانت هرمت وتسطحت بالزخرف والبديع الأجوف. وقد اتكأ شوقي من بينهم بشكل خاص، على مباهاة الأقدمين المجلين في قصائدهم، فعارضهم بقصائد لا تقل عنها روعة وسبكاً وتوليداً للمعاني وتعزيزاً بالبيان الساحر والبديع المبدع. فكانت له قصيدة «نهج البردة» التي يبدأها ببيت شديد الإحكام فائق السبك ينطوي على ما يثير دهشة الطباق الجميل:
ريم على القاع بين البان والعلم
أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
فإحلال سفك الدم المسلم، في الأشهر الحرم، لا يبرره في الشعر إلا أن يكون على يد الريم الحبيب المتنقل بين مكانين: البان والعلم.
إن شوقي في هذه القصيدة، التي عارض فيها نهج البردة للبوصيري، كما في قصيدة «مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحم عوده»، التي عارض فيها قصيدة «يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده»، وقصائد أخرى له تغرف من أصل نبعة الشعر العربي العميق والصافي، قد أحيا بقوة روح الشعر العربي القديم التي كانت قد شارفت على الذبول. وأثبت أن هذه الروح الشعرية، كروح الشعب تماماً، أو كجوهر اللغة، لا تموت، بل تكمن في مكان ما من زاوية التاريخ، بانتظار من يأتي فيحييها. والمحيي لهذه الروح هو الشاعر، الذي يشبه في حقل اللغة، قواد الثورات، والأبطال الإحيائيين للأمم. من أجل ذلك سمي شوقي «أمير الشعراء»، أي الذي أعاد للغة الأصيلة أمارتها المنتهية، من خلال الشعر.
لا ريب في أن كتابة القصيدة الكلاسيكية اليوم، ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين، تستدعي استنهاض قوة الكلمات القيمة، والتسلح بسلاح الأصالة في مواجهة العولمة الشعرية، وإسماع صوت الموسيقى القديمة، على أنها لا تزال قادرة على تحريك مشاعر النفس البشرية، وإثارة الشجن الراسخ فيها من خلال الإنشاد... ولولا هذه القدرة القديمة المتجددة للترتيل والإنشاد، المفتوحة على الأزل، والطالعة من الأبد، لما كان لترتيل القرآن هذا الأثر المحرك للنفوس، الواصل إلى حددو الغيبوبة الروحية، ولبعض الأناشيد الصوفية هذا الأثر أيضاً... فيردد من يسمع من العرب والمسلمين صرخة «اللّه».. اللّه حي.. ومثلها يقول الاسبان عند النشوة «فيغاديوس» يقولونها عند انخطاف الروح بالغناء أو بالصراع في ساحة صراع الثيران للماتادور البطل.
أسأل نفسي اليوم: هل نحن بحاجة للدفاع عن عودة الكلاسيكية الشعرية واستقبال نماذجها الوافدة إلينا، بين حين وآخر. بتبرير نظري يشبه الاعتذار؟.
Page 3
وأجيب: نعم ولا، إذ إنه ومع كل ذلك لا بد لنا من الحداثة الشعرية. وفي اعتقادي أنه مهما كانت النظرية قوية، فإنها بأمس الحاجة إلى النماذج الشعرية التي تسوغها أو تعطيها مصداقيتها. وفي الكثير من الأحيان، لا يكون الشعر بحاجة لنظرية تسوغه، بل يكون هو هو النظرية والدليل. من هذا الباب فإن الأبيات الأربعة المذكورة آنفاً: «نراك ترنو إلى الأبعاد...» تحمل قلادتها في عنقها، وهي كالأحصنة الأصيلة، من الشعر المجلي، الذي لا يشوبه وهن، أو تعيقه لعثمة، أو يفسده تصنِّع، بل تكاد تكون أبياته، أو أشطر من أبياته، مسكوبة في معانيها سكباً محكماً في معمار متقن. ومعنى داخل في لغته دخول الروح في الجسد، وقافية تأتي طوع بنان صاحبها، بلا تكلف، فبالإمكان، على سبيل المثال، قطف الحكمة اللطيفة من قوله «.. وكل ما رقّ في دنياك مكتئب»، وقطف المعنى القوي الذي يهز النفس لا يسمو بها سمو ممدوح الشاعر، بهذه الكبرياء العظيمة تجـاه ما يغري من المال والجاه.. هنا كفاف الممدوح وزهده هما تاجه.. حسناً. لكن كل ما يقال في هذا المعنى يبقى دون هذا الشطر المشع في القصيدة، وهو بذاته قصيدة، بل شطر نادر المثال في كلاسيكيات الشعر العربي الجديدة:
«... وتحت نعلك يخفي وجهه الذهب».
فقوة المعنى في الشطر مشفوعة معززة بقوة الصورة.. فتصور كيف، من تحت نعل الرجل، يظهر الذهب خجولاً حيياً، ويخفي وجهه من هيبة المعلم واستعلائه بالفقر ذاته، بالكفاف، على رمز القوة والعنجهية والاغراء في التاريخ: الذهب.. معبود العالم. نسأل أنفسنا: من أين أتت قوة هذا الشعر، من موضوعه وشمائل ممدوحه أم من ذاته وقوة الكلمات؟ هل شعر المتنبي عظيم لأن سيف الدولة كان عظيماً؟ ولماذا شعره في كافور أيضاً (نقائضه هجاء أو مديحاً) هو شعر معدود في مراتب الكمال؟
لا ريب في أن شمائل المعلم، وملامحه، وصمته وأعماقه الفلسفية والروحية، حركت قريحة الشاعر فكتب ما كتب، في علو الممدوح نفسه. لكن ليس كل ما يقال في العظيم عظيماً. هنا يدخل الشعر في منافسة شرسة مع موضوعه، فبمقدار ما يكون الموضوع ضاغطاً وحاضراً، يكون الشعر مستفزاً ومسؤولاً. أيكون الموضوع أهم من قوله؟... هنا نجد ذوقان عبد الصمد، نجح في المنافسة، بل استخلص منها الحكمة التي تتجاوز حيزها التاريخي والموضوعي بقوله: «وكل ما رقّ في دنياك مكتئب»، فتغدو الرقة مقترنة بحزنها في كل وجـه وكل زمان وكل مكان.. وقطف الصورة المتجاوزة لموضوعها، والصالحة لتقال في كل مجد للفقراء ذوي الكفاف العظيم، أينما وجدوا، من الهند إلى إفريقيا، ومن الشمال إلى الجنوب، الذين يخجل الذهب من ذاته تحت نعالهم. هنا قوة الشعر بل مجده. يظهر لي ذوقان عبد الصمد شاعراً كلاسيكياً مشغولاً بالرجال والوقائع... كما هو شاعر مدن أيضاً. وفي الإمكان تتبع خط إنشادي ملحمي في أبيات كثيرة وقصائد، حيث تم تضخيم المشهد، وحشد صفات في البطل، تشيل به من بين العادي من الناس، إلى ما فوقهم، باستخدام عناصر للطبيعة كالبرق والتلال والحصان، يطوعها الشاعر لخدمة بطله، ويجعلها في خدمته.
لهذه الجهة يظهر لنا سلطان الأطرش، على سبيل المثال، في قصيدة «عائد أنت» ممتطياً مهراً في البرق، طائراً في رحب بلا عنان..
«فتراه يدق حافره الشهب... فتهوي على التلال الشرار
وتراه يقطف اللحظة الملحمية قطفاً، ويستخرج من مواقع الموت، بالذات، سبباً للبطولة.
هنا الجنوب بالضرورة حاضر في هذا الشعر... يقول في مقابر قانا:
يرجف الموت في المقابر رعباً
من نعوش ينام فيها الصغار
ويذكرنا بقول المتنبي: «... تقول أمات الموت أم ذعر الذعر»
ويقول الشاعر الانجليزي دن.. «أيها الموت مت».
ويقول في التأثر السائر على تلك الأرض:
.. كلما مر ثائر فوق أرض
يزرع النور في التراب الحذاء
Page 4
ونستطيع القول إن هوى الشاعر جنوبي، بل بوصلته الملحمية تؤشر إبرتها في اتجاه الجنوب، فكأنما في كل دم مرآة لشهيد أو قتيل في الحق، أينما كان، قطرة من دم جنوبي. يقول في قصيدة النسر، إلى الأسير سمير القنطار:
غادرت وكرك والحنين جنوبُ
وشواهق خلف المدى وسهوب
والشمس يزلق عن جناحك خدها
فترد ذيل خمارها وتغيب
أطللت كالقدر المهيب على ربى
بجماحها قدر النسور مهيب
وضربت! عاد البحر يحمل ديمة
من مستقاك على اليباب تذوب
فتمازجت لتخاف منك سياطهم
ويحار في تعذيبك التعذيب
فاستُرجعت بفم الزمان حكاية
يروي خطاياها الدم المصلوب
ويردها أيوب يحمل صبره
فيضيق ذرعاً في البلى أيوب..»
إن احتدام الحماسة في قلب الشاعر، يفيض أبياتاً حارة، كما ينطلق الشرر من موقد النار.
والملاحظ أن الانكسار والهزيمة (وهما الطابع السائد للزمان العربي المعاصر) أكثر التصاقاً بالصوت المنكسر للشعر الحديث والتمتمة العدمية.. فنادراً ما نجد في قصائد شعراء الحداثة العربية على امتداد أجيالهم، نبرة حماسة أو افتخاراً ببطولة... بسبب انتفاء الأسباب وندرة البطولات.. ما خلا ما جرى على أرض الجنوب اللبناني، حيث البطولة الدامية منتصرة بدمها بالذات، وحيث يمكن للنسر أن يفرد جناحيه، وللشاعر أن تكون له حنجرة.
يقول عبد الصمد في سجن الخيام:
«سجن الخيام أرى الجدران خاشعة
والدهر يجثو على الأبواب محتشما..»
ونادراً ما نعثر في الشعر العربي الحديث على إيماءة أمل، أو بارقة في ليل... فالكل في العماء يتحركون، والشعر أعمى يقوده عميان.. إلا أن عبد الصمد، في كلاسيكياته الوطنية، يشير إلى دم غلاب، سيأتي غداً، سيتقدم، وسوف ينبت مكان مغارز المسامير على الخشبة، ورد فواح:
«سيظل في الساحات يهدر وحده
متقدماً هذا الدم الغلاب
اليوم من دمه الزكي تفتحت
ورداً على صلبانها الأخشاب».
Page 5

كنت صادقاً وأصيلاً

الأستاذ عمر الغبرا نائب في البرلمان الكندي رسالة خاصة 22-11-2009
يُكشِّفُ شعرُك يا ذوقان
عن عمقِ عاطفةٍ، وشوقٍ إلى ملاعبِ
الطفولةِ بأسلوبٍ مفعمٍ بالموسيقى
والأحاسيس الرقيقة،
كنت رائعاً في نقشِ البهاءِ المتدفقِ
من مفاتن الطبيعةِ، وجمال المرأةِ
بصورٍ زاخرةٍ بالأناقة
وكنت صادقاً وأصيلاً في نقلِ مغانمِ التراث
والتَّغني بالوطنيةِ، والعروبة
والتحسُّرِ على الإنسانيةِ المتعبةِ بآلامها
تحملني فرائدُك الجميلةُ إلى مرجِ
سنابل مثقلةٍ بالعطاء..
Page 6

شاعرٌ معاصرٌ لغير عصره..

خالد حميدان رئيس مركز التراث العربيناشر ورئيس تحرير جريدة «الجالية»
إلى الصديق الشاعر ذوقان عبد الصّمد الذي يرقى بشعره إلى عالم متحرر من قيود الحواس القاصرة، وفضاء رحب يضج بنور الحياة..
22 كانون الثاني 2010
من حق الشاعر أن يرقى بخياله إلى موطن الوحي كما لكلماته أن تسموَ إلى عالم يطفو عليه الجمالُ.. فعندما تضجُّ نفسُ الشاعر بإدراكٍ مميزٍ وإحساس متفوقٍ، يبدو هذا العالم الذي اتسعَ مداه إلى ما يتعدى الحواسَ القاصرة، وكأنه يضيقُ برفِّ جناحيه اللذين يحلقان إلى الأبعادِ الأبعاد.. وصديقنا الشاعرُ ذوقان عبد الصمد، الذي كانتْ له تسجيلاتٌ جمالية متعددة، يذهبُ باتجاه هذه الأبعادِ التي لم تُرسَمْ معالمُها بعد، وكأنها تبصرُ النورَ مع تأملاته الفلسفيةِ ونفحاتِه الوجدانيةِ، ومن قبل أن تولدَ.. تتنشقُ الحياة.
وأهمية الشاعر في ذوقان عبد الصمد، ليست في ما يقدم من إبداع تصويري في أبياته الراقية ومعانيه السامية وحسب، وإنما في بناء الهيكل الأصيل لتلك المعاني، هذا الهيكل الصلب الكفيل بحراستها حفاظاً عليها من الضياع أو السقوط. فهو لم يغره التفلتُ من قيود الوزن أو القافية الذي أطلقته «الحداثة العابرة» ليخرجَ إلى فضاءٍ رحبٍ يسهلُ فيه اختيارُ الأوزان والكلمات، بل ظلّ على التزامِه بعروض الشعر وقواعدِه الإبداعية التي لا يجيدُ استخدامَها إلا العاشقُ للأصالة..
إن الحداثة في الشعر العربي تشبهُ إلى حدٍ كبير «الواقعية العربية» في عجزها واستسلامها للأمر الواقع. وكذلك تبريرُ اللحاق بركب الحداثة، فهو يشبه تبريرَ الالتصاق بالواقعية، الذي يصوّرُ العجزَ الحاصلَ وكأنه مظهرٌ من مظاهر الارتقاء الفكري أو التطور الحضاري أو الثورةِ على التقاليد، بينما ينتقد التمسك بالكلاسيكية والدفاع عن القواعد الأساسية الثابتة، لاعتبارها من مظاهر التخلفِ وعدم القدرة على مجاراة «العصر المتطور»..
القوالب الشعرية ليست، في أي حال، بأكثرَ أهميةٍ من المضمون، أو الفحوى، الهادفِ، الذي يعالج القضايا المبتكرة، حتى أن النثرَ أحياناً، في تعدّيه للرؤية الوجودية المألوفة، قد يتضمنُ من الخيال والموسيقى والصور ما لا يستطيعُه الشعرُ أحياناً، غير أنه يبقى في حدودِ الإبداع النثري الذي لا يقلُّ أهمية عن الإبداع الشعري.. وما يهمنا في هذه الإشارة ليس غياب الوزن والقافية عما يسمى بـ «الشعر الحديث» وإنما ما يعتري هذا «الشعر» من إبهام وغموض ويتركُ البابَ مفتوحاً لكل قارىء لفهمه كما يشاء.. وهذا هو الشركُ الأكبرُ! ذلك أننا بحاجة لفهم ما نقرأ وليس لقراءةِ ما نفهمُ في هذا العصر الذي اختلطت فيه المفاهيمُ والنظريات وكثرت بوجهنا العراقيل والتحديات.. وباختصار نسأل: ما قيمة الكتابة، شعراً كانت أم نثراً، إن لم تحملْ رسالة واضحة يفهمها الجميعُ على حدٍ سواء..؟ الغريب في الأمر أن يكون الإبهام من ميزات الحداثة بحسب ما يدّعيه المروجون لهذا النوع من الشعر ومثال تعيينه على أنه: «الغموض الواضح والمبهمُ المفضوح» أو أنه «تخطٍّ للمؤثرات والانفعالات إلى البحث عن رؤية جديدة وفتح جديد..» أو أن له: «فلسفة قائمة على الانفلات من الشكل والقوالب البالية والتحرر من القيود التقليدية والإيقاعات الكلاسيكية الضيقة».. لقد آثر شاعرنا ذوقان البقاء في أحضان «التقليد والتخلف» على الانزلاق في متاهات الحداثة التي لم تعرفْ لذاتِها حدوداً بعد، تماماً كما فعل المقاومون الأحرار الملتزمون، الرافضون للغرق في مستنقعات «الواقعية العربية» التي لا تعني سوى الخضوع والاستسلام للأمر الواقع الذي فرض عليهم.. وكأني به ينادي من وراء البحار كل المحافظين الأحرار، رفاق شعره ونهجه، ليؤكدَ التزامَه وثباته في موقع الأصالة، مقاوماً رياحَ الاستسلام وأمواجَ الانحرافِ، مستخدماً الحداثة والتجددَ في معانيه ومبانيه الصلبةِ الواضحة..
Page 7
اسمعْه يردد في قصيدة كلاسيكية أجملَ الألحان وأعذبَ الكلمات في وصف رحلته على ضفاف نهر «سان لوران»، في كندا، وهو على ظهر سفينة في عرض النهر:
على السَّفين نَسيمُ الصّبحِ يلفحُنا
في همسِه من ثغورِ القُطبِ ألحانُ..
مُبلِّلاً.. لا نُبالي إنْ بنا ارتَعَشَتْ
وَبُلِّلَتْ منْ رذاذِ البَحرِ أرْدان!!
منْ حولِنا دَغدَغاتُ الغَيمِ بارِدةٌ
وَمشلحُ النُّورِ فوق الماءِ بردانُ..!
والغابُ فوق جباهِ السَّفحِ مدُّ رُؤىً
تَفَرَّدَتْ منهُ أشكالٌ، وألوانُ..
يمشي، ونحنُ على شوق نُلاحِقُهُ
كما يُلاحقُ سِربَ الغيدِ وَلهانُ!!
ومن قصيدة بعنوان «صدفة» يقول:
هيفاء يَندى قدُّها عَبقاً
ليرقّ تحت أناملي الهيَفُ
كوزٌ على شفتي، وكأسُ طلىً
بيدي... فأيّ الخمرِ أرتشفُ؟
وتعبتُ من شَغفِي، وقلتُ كفى
فارتدَّ مدفوعاً بيَ الشّغفُ!!
لتقولَ: اقطفْ من حديقتِنا
ما طابَ من ثمر، فأقتطِفُ!!
إياك من دُرّ يخبئُهُ
في شائِكٍ من واحتي الصّدَفُ
أعطيتُك الأشهى، وطبتُ هوىً
لا عيبَ إن لم يُخدش الشرفُ..
فهو في وصفِه كما في غزليّاتِه، لا يخرجُ عن دائرةِ الكلمةِ الراقيةِ التي تُطرِبُ الآذان دون أن تخدشَها وتحرِّكُ المشاعرَ دون أن تجرحَها، بل يشبعُ معانيه قوة واستنهاضاً فتدخلُ فينا كفعل الآية التي تحفرُ في نفوس المؤمنين..
ذوقان عبد الصمد، يعيشُ بإنسانِه وأنفاسِه بيننا، يقرأ كتبَنا ويتكلمُ لغتنا ويجالسُ جمعَنا ولكنه.. لا بريقَ «حداثتِنا» يوهِجـه، ولا شكلَ «ارتقائِنا» يحرّضُه، ولا الثورةَ على تقاليدنا تؤرقه.. هو طائرٌ يغرّدُ في غيرِ سربه وشاعرٌ مُعاصرٌ لغيرِ عصرِه..
Page 8

الموهبة الأصيلة والصنعة الأصيلة

هنري زغيب ألقيت هذه الكلمة الارتجالية في حفل مناقشة ديوان «رياح وأشرعة»، 9 ـ 11 ـ 2002
الشعرُ هو الموهبةُ، والصنعةُ معاً
الصنعة وحدها بدون الموهبة كمن يصنع وردة وليس لها عبير الورد، لا تأرج كما تأرج وردة على شباك الصبية.
هذان الجناحان طار بهما ذوقان عبد الصمد:
الموهبةُ الأصيلة والصنعة الأصيلة.
عندما قرأت ديوان «رياح وأشرعة» خرجت بكلمة واحدة. قلت ذوقان عبد الصمد «شاعر متين»
ويا نعم من يقال عنه إنه «شاعر متين».
نقول هذا ونحن في حضرة الكلاسيكية.
وأنا، ابن هذه الكلاسيكية، أقسو أضعاف ما أقسو على الذين يمتطون الكلاسيكية وهم ليسوا فرسانها.
الكلاسيكية فرسٌ جموح تطيح من يمتطيها إن لم يكن شاعراً كذوقان عبد الصمد يتمتع بالكلمة التي قلتها لكم «المتانة»
الفارس الفارس هو المتين الذي يعرف كيف «يُروض البيت». لا كيف «يكتب القصيدة» بل كيف يبني القصيدة.
القصيدة هي بناء شعري، عمارة شعرية تُبنى حجراً حجراً من أُسٍّ متين، وهندسة متينة. وكلما علا بنيانها ازدادت جمالاً وتأنقت سبكاً ومتانة. وقوة القصيدة الجميلة تُبنى فلذة بعد فلذة بعد فلذة هكذا القصيدة الكلاسيكيةإذن ليس الشكل هو المعيار، الشكل هو اللباس والمضمون هو الجسد
الجمال شرط الشكل
ما قالته الحية إلى المرأة: انظري ما أطيب هذه التفاحة ولم تقل لها «كلي هذه التفاحة».
هكذا نقرأ الشعر وهكذا ستقرؤون ذوقان عبدالصمد كل ما قلته عن الشعر العالي يقال في ذوقان عبد الصمد. عذاب التحول من الحياة إلى اللغة
سناء أبو شقرا ألقيت هذه الكلمة في مناقشة ديوان (رياح وأشرعة) 9-11-2009 سئل ناظم حكمت، في إحدى أمسياته في بيروت: ما الشعر؟
كان السائل صحافياً شاباً شديد الإعجاب بالشاعر وتاريخه. وكان في السؤال ما أوحى لناظم حكمت بأن المتوقّع منه جوابٌ مذهل يحمل السامع إلى وادي عبقر على خيول مجنّحة.
ابتسم ناظم ابتسامةً رقيقة وأجاب: الشاعر حدّاد أيضاً. العمل صنو الموهبة، بل قبلها. لم يقل الشاعر صائغ، رغم دقّة التشبيه، لأن الذهب معدن الأثرياء. وجهد الشاعر للناس المتعبين، الباحثين عن شروط حلم جديد. بمثل هذا الفهم لعلاقة الشاعر بنفسه، كناقدٍ لذاته، وللعملية الفنية برمّتها، أُنزِل الشعر من ضباب التوهّم إلى التراب الإنساني المبدع، من اللاوعي والانجذاب، إلى حضن المخزون الثقافي الذي يحوّله الوعي الشعري إلى حالة ولادة في لحظة امتزاج لامع بين الذاكرة واللغة والقدرة على الخلق.
واللغة هنا ليست وعاء الفكر. ليست إناء الوردة بل ترابها. هي شكل القصيدة التي لا مضمون له خارجها، وعقدة التلازم والتفارق الدائمين بين الصياغة والمعنى، الكشف والتعبير، الشجرة والخضرة.
بهذا المعنى للشعر، حيث الإزميل المتيقظ المرهف يطلق الصورة الكامنة من خيوط احتجابها، نحن أمام كتابٍ شعريّ ممتلىء. وأمام شاعر يزن حروفه واحداً واحداً فيمنع السهولة والطبع أن يوقعا به في فخّ المكرّر المألوف؛ شاعرٍ يعي مرارة تطويع الفكرة أو توسيع حدود اللغة لتتبلور معاناته الغامضة الأولى في وضوحٍ مترفّع ومتجدّد في آن.
Page 9
أتجديدٌ وقصيدة عموديّة؟
أعتقد أنّ موجة الجدل في الحداثة والأصالة تستقرُّ الآن بهدوء على خلاصات مفيدة. القصيدة التقليدية إطار صعب. وقد لا يكون في أيّة لغةٍ قريبةٍ من قارّتنا الثقافية شروطٌ بصعوبة شروطنا العربية على القصيدة.
ولكن من قال إنّ الصعب نقيض الجمال.
هل يأسرنا البحر والقافية في تعبيرنا عن أزماتنا المعاصرة، ومعاناتنا ورغباتنا؟ لا بأس فلنلجأ إلى أشكال أكثر مرونةً. ولكن لا يحق لناقدٍ أن يُعدم قصيدةً لمجرَّد أنّها عموديّة، كما لا يحقّ لآخر أن يُلغيَ شعراً لأنه لا يلتزم قوانين الخليل بن أحمد ونظرائه.
الغطرسة الثقافية ذاتُ صلةٍ بطفولة تعيشها كل المراحل الانتقالية، إذ يظنُ بعض المجدّدين أن الجديد لا يولد إلاّ بمحو القديم. بينما يعتقد الأصوليون أنّ الجديد نزوةٌ سريعةُ الزوال سببها هروبٌ إلى السهولة أو تماثل مع ثقافة أخرى، أو حتّى مؤامرة على التراث.
من خَيْرنا أنّ هذا التزمّت المتبادل بدأ يتراخى مع نضوج وعينا بإرثنا الثقافي من جهة، وبالثقافة الإنسانية المعاصرة من جهةٍ ثانية. بنظري الشعر هو الجيّد من الشعر، قديماً كان أم حديثاً، على بحرٍ أو تفعيلة. هو الفكرة والصورة والنغم معاً في أرجوحةٍ واحدةٍ للجمال.
بهذا المعنى أيضاً، نحن مع ذوقان عبد الصمد أمام شعرٍ حقيقي يبني نفسه بحجارة ضوءٍ ويهدي إلى عرائس أدبنا وشاحاً لم تُحضَن به عروسٌ من قبل.
قصائد الرياح والأشرعة تتنوّع في المواضيع والمناسبات ولكنّها تجتمع كحزمة الأشعة في نقطةٍ هي: الالتزام.
التزام بالوطن، بالارتقاء والتقدم، بهموم الناس أينما كانوا،
التزامٌ بقناعاتٍ فكرية سياسية، وقيمٍ أخلاقية، التزام بالحب والأبوّة والصداقة.
هذا الالتزام لا يُكتب في بيتٍ ولا في قصيدة، إنّه يشعُّ من الديوان كلّه فلا تعرف منبعه بالضبط، كمن يدخل حديقةً فلا يدري أيّ زهرةٍ ترشقه بكلّ ذلك العطر.
ما أن تضع إصبعك على الصفحة الأخيرة حتّى يسيطر عليك شعورٌ بصدقٍ حميمٍ شفّاف، برغبةٍ في العطاء المتفاني. كأنّ هذه القيم معجونة بالحبر والورق لا بالشعر وحده. إنّها تتحوّل بصورة طبيعية، ولكن خارقة، من ذاته الداخلية إلى مناخٍ يلفّ المتلقّي، يناديه، بل يأخذه برفقٍ من أصابعه إلى عالمه الخاص.
وهو عنيد الالتزام. لا يهتزّ للخيبات الكثيرة الملمّة بلبنان وعالم العرب. لا الهزائم، ولا بؤس الحكام والأنظمة، ولا حالة الضياع والتراجع في المجتمع، ولا أمراض العصبيات والتشتّت، ولا سعارُ البحث عن الثروة... كلّها لا تزعزع التزام الشاعر بقضايا عاش وكتب وناضل لكي تتحقق.
وحين نقول إنّ قضية الشاعر هي مناخه الشعري، فلأنّه يرتفع بها من العرض إلى اللمحة، من الضجيج إلى الإشارة المواربة الهامسة. هكذا تنغزل القناعات جملاً شعرية في مصهر الإبداع الذي يجعل الأشياء، كل الأشياء، قابلياتٍ فنيةً، ويستلّ الجمال والتفرّد من عبور العاديّ، الأليف، المطمئن.
ديوانك يا صديقي هو أنت في عذاب التحوّل من الحياة إلى اللغة، كي يكون الشعر حياةً أجمل وأتقن.
Page 10

عودةُ الشَّهيد

يمرُّ فوقَ جدارِ النَّارِ مُقتحماً
كَنَصلِ رُمحٍ بكفِّ الهولِ مْنجردِ
يُطاردُ الموتَ مزهواً يُلاعبُه
في كرّ مقتربٍ حيناً، ومُبتعدِ
كأنَّه رايةٌ تَعلو مُرصَّعةً
ببارقٍ من غرارِ السَّيف
والزَّردِ
وأَشرقَ الفجرُ مرتجَّاً على خَبرٍ
يَطوفُ بالشَّجنِ الباكي
على الحُشُدِ
وعادتِ المهرةُ العنقاءُ
دامعةً
وفارسُ الحَلبةِ الشَّمّاءِ
لم يعُدِ
قُلنا لها لم يَمُتْ نصحو لصرختهِ
تدوي على صَهَواتِ الرِّيحِ، والجَلَدِ
كما انْتقالُ النُّجومِ الرُّحَّلِ انْتَقلتْ
روحَ الشَّهيدِ، فلا تبكي
على الجَسَدِ
15 تموز 2005