Page 1
فِي البَدْءِ كانَتِ الرُّؤيَا
على السّور الخارجي مشى بخفّة بهلوان، كان الظّلام دامِسًا، يقطعه خيطٌ رفيع مِمّا تبقّى مِن نورٍ تسلّلَ عبر الأشجار العالية· كان القمر يرسم أيّامه الأخيرة على صفحةٍ كُحليّة· ظلّ يمشي على ذلك السّور الّذي لم يكن ليتّسع لأكثر من قدمٍ واحدة ينقلها بالتّناوب حين يحتاج إلى خطوةٍ أخرى··· لم يدرِ إذا كان قد تدرّب على هذه المِشية من قبل أم لا· ولم يستطع أن يجيب نفسه عن سؤال مُحيّر: كيف استطاع أن يمشي على هذا الجِدار الرّفيع، في قلب الظّلام، مُغمَض العينين، وحافي القدمين···؟! كلّ ما يعرفه أنّ خطواته ظّلت تُبصِر بدلاً منه، وظلّ هو يُتابع السّير···قرّر أن يفتح عينيه فجأة، فعل ذلك دون أن يُفكّر، حينَ انفتح المشهد أمامه، فغر فاه وابتلع صرخةً كادت تمزّق سكون اللّيل، لولا أنّه عاجلها بوضع يده على فمه، وتدارَكَ جسده قبل أن يسقط من السّور على الصّخور والأشواك··· توازن مرّة أخرى وتابع السّير··· لم يرَ شيئًا واحِدًا يتحرّك، حتّى القِطط والكلاب أوتْ إلى مناماتها، واستسلمت لبعض الدّفء النّاجم عن تكوّرها حول نفسها··· أمّا هو فأحسّ بطائر الطّمأنينة يدخل إلى قلبه على غير عادته، ويبني عشّه هناك··· ظلّ يمشي، صارت خطواته أكثر تصميمًا، وثقة··· زالت عنه بعض غلالات الرّعب الّتي سكنتْه حين فتح عينيه أوّل مرّة، ثمّ ها هو يُحاول أن يحدّق في الفراغ ليلتقط بعض المَخيلات···
Page 2
استمع إلى دقّات قلبه الّتي استعادت انتظامها، وراح يتمتم بكلامٍ غير مفهوم··· انبسطت أمامه السّاحة الممتدّة داخل السّور، وهو يتأمّلها من مكانه العالي، كانت القبور تتناثر على غير انتظام، بدا بعضُها أكبر من الآخر، تربّعت بعض الشّواهد عند رؤوس عددٍ منها، وخلا منها عددٌ آخر··· حدّق النّظر في الزّاوية البعيدة، خُيّل إليه أنّ بعض الأسوار الحديديّة الصّدئة تُحيط بقبرٍ قد ارتفع عن وجه الأرض أكثر من مترين··· دفعه الفضول أن يُسرع ليقترب منه أكثر، فيدرك سِرّ تميّزه، لم يكد يخطو بضع خطوات حتّى رأى قِطًّا أسود عرفه من التماع عينيه، راح هذا القِطّ يتضخّم بشكلٍ مُتسارع حتّى صار بحجم القبر، واتّقدت عيناه وهما تقذفان شرر الرّعب، تأرجح قلبه بين ضلوعه كبندول، ارتجفت قدماه، أمّا جسده فراح يرتعش بشكلٍ هستيريّ، زاد من رعبه افترار القِطّ المُخيف عن شِدقين برزت داخلهما أنيابٌ صفراء تبرق على ما تبقّى من ضوء القمر الخجول، ترنّح أمام هول المنظر، ومال يمينًا وشِمالا وكاد يسقط في الهاوية، أمسك ببعض الكلمات يردّدها في سِرّه حتى استعاد شيئًا من هدوئه، ساعده على ذلك اختفاء القطّ خلف الأشجار القريبة من ذلك القبر، أو هكذا خُيّل إليه····
Page 3
أينَ يمضي؟! طرق رأسَه بهذا السّؤال غير أنّ حروفه ذابت في الفراغ الواجم، وغرقت في بحر السّواد· ما الّذي أخرجه من البيت في هذه السّاعة الجنونيّة؟! ما الّذي يفعله بالضّبط؟! لِمَ هو هنا؟! هل ما يراه، يراه حقيقة أم أنّه جزءٌ من خيالاته الغادرة؟! تحرّكت قدماه إلى الأمام تنقلان الخطو غير عابئتين بما دار في باله من أسئلةٍ قبل قليل، أدركَ أنّه مدفوعٌ بقوّة خفيّة إلى الحركة، حاول أن يجمّد خطواته فأخفقَ··· استسلم لأقداره، وراح يمشي على ما تبقّى من السّور، ترك الزّاوية الجنوبيّة، وتابع سيره على حرف الجهة الشرقيّة، صارت المقبرة بأكملها على يساره، كانت ترتفع صعودًا حتّى تبلغ أعلى ارتفاعٍ لها في الجهة الغربيّة، وبدت القبور للحظة كأنّها مدرّج رومانيّ تتصاعد مقاعده، وبدت الشّواهد كأنّها جمهورٌ ينتظر مسرحيّة من نوعٍ ما··· كان قد وصل منتصف الجهة الشّرقيّة، حين تأكّد أنّه الآن في قلب المسرح، وأنّه الممثّل الوحيد الّذي تجمّعت أمامه كلّ هذه الجماهير لتسمع وترى ما سيقوم به الآن··· نهش وحشُ الخوف قلبه لمّا تملّكه هذا الإحساس، أجاء لِيُلقي دورًا أمام مسرح الموتى، وماذا عساه يقول وهو فقيرُ الكلمات، شحيح المعرفة، أمّا هم؛ هؤلاء السّاكنون هنا، فعندهم الخبر اليقين··· ماذا لو عكس الأدوار، فصار هو الجمهور، وصار الموتى هم المُمثّلين··· ماذا سيقولون حينها؟! لم يكدْ يفكّر بهذا الخاطر، حتّى هبّ الأموات من قبورهم دفعةً واحدةً يرفعون أيديهم، ويصيحون··· طوّح جسده في الهواء مثل مئذنةٍ تتأرجح، في اللّحظة الأخيرة وهو ينحني برأسه راكِعًا استطاع أن يُوازِن نفسه ويعتدل··· أحسّ بدفءٍ في قدميه، نظر إليهما، كانت الدّماء تفور منهما··· ظلّ ينزف وهو واقفٌ دون أيّ حراك، أمّا أصوات الموتى فظلّت تتداخل فيما بينها، لا يكاد يفقه مِمّا يقولون شيئًا··· في اللّحظة الفارقة بين حياتين، وعندما استنفد كلّ مخزونه من الدّماء، وجد أنّ دماءه الّتي لمعتْ على ضوء القمر قد خطّتْ على الجِدار: إذا لم تستطع أن تموت كما تريد فعليك أن ترمي نفسك في حفرة العدم··· أدرك أنّه سوف يقع داخل المقبرة لا خارجها كما كان يتمنّى··· دَفَعَتْهُ يدٌ خفيّةٌ من خلفه، واستسلم لها، سقط إلى الدّاخل··· وعلتْ أيادي الموتى وهُتافاتهم مرحّبة···
Page 4
(وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ)
في المشفى، ظلّتْ عيناها مفتوحتَين دون أن تتحرّكا، أو يَطرِف رمشهما· عشرات الأسلاك والمُوصِلات غزتْ أنحاء جسدها السّاكن تحت جِهازٍ يُصدِر زعيقًا بين فترةٍ وأخرى، ويرسم خُطوطًا غير مفهومة··· دخلتُ الغرفة خِلسةً، هالني تجمّع الأطبّاء حول الجسد المُسجّى، سمعتُهم يتهامسون والكمّامات تُغطّي نصف وجوههم··· والعيون تتلاقى في منتصف الطّريق··· والرّؤوس تهتزّ اهتزازاتٍ خفيفة··· والأيادي تتناقل بعض الأسلاك···لم أتمالكْ نفسي، سقط رأسي على صدري، جررتُ خطواتي إلى الخارج، وجلستُ شارِدًا على أقرب المقاعد···
ليس على الحقيقة أن تبين عن نفسها، وحدها تقف في وجوه المنكرين دون الحاجة لأيّ دليل· شخوص الحقيقة أبلغ من كلّ الأقوال· والحُزنُ شجرةٌ سُقِيت بماء الوحدة وترعرعتْ بعيدًا عن الشّمس·
Page 5
نادَتْني (حياة): واثق··· كنتُ مشغولاً حتّى عن نفسي، اقتربتْ منّي وهزّت كتفيّ، نظرتُ إليها بلامبالاة، أخذتْني من يدي، وانتحت بي في غرفة جانبيّة:
- ماذا يقولون؟
- ليس لهم لسان·
- كيفَ هي جدّتنا؟!
- بين يدي الله!!
- وما أنتَ صانع؟!
-·····!!
- ستبقى هنا؟!
- إلى أن أرى عينيها تتحدّثان·
- وإنْ بقيتْ على حالها؟!
- بقيتُ على حالي·
- ماذا يقولون؟
- ليس لهم لسان·
- كيفَ هي جدّتنا؟!
- بين يدي الله!!
- وما أنتَ صانع؟!
-·····!!
- ستبقى هنا؟!
- إلى أن أرى عينيها تتحدّثان·
- وإنْ بقيتْ على حالها؟!
- بقيتُ على حالي·
Page 6
أصابني الإرهاق، مددتُ جسدي على المقعد مُحاولاً أن أتخفّف من أعباء التّعب، خِلْتُني غفوتُ قليلاً، ورحتُ أحلم، رأيتُها تقف قريبًا من السّلّم المؤدّي إلى غرفتها، وأنا أقف إلى جانبها، مالت بجذعها عليّ، وابتسمتْ في وجهي، بدا وجهها مليئًا بالنّقط الحمراء، وسرى دمٌ زهريّ في عروق وجهها، ورأيت وجنتَيها تنتفخان تورّدًا، وهي تلبس ثوبها الأسود الّذي دأبتْ على ارتدائه طَوال حياتها···
لا أدري كم من الوقت مرّ، لا بدّ أنّه قصيرٌ جِدًّا، إذ إنّي صحوتُ فجأةً، ورأيتُ المشهد تمامًا كعهدي به قبل غفوتي، مجموعة من الأقارب تروح وتجيء، آخرون ينتبذون زاويةً يتحدّثون، بعضهم ابتعد قليلاً وراح ينفث دخان سجائره في غفلةٍ عن أعين الرّقباء، والنّساء جلسْنَ في صفٍّ طويل متراصّات، وقد عقدْنَ أيديهنّ أمامهنّ، واكتفينَ بالصّمت الكئيب على غير عادتهنّ حينَ يجتمعنَ!!
اعتدلتُ في جلستي، وفركتُ عينيّ، وأصلحتُ من هِندامي قليلاً، وناديتُ:
- حياة !!
- نعم، واثق· (اقتربتْ منّي وجلستْ إلى جِواري)· رحتُ أحدّثها كما لو كنتُ جائعًا إلى الحديث فحسب:
- امرأة عمّي كانت تُحبّني!
-······!!
- ظللتُ طوال أيّام دِراستي الأولى أتردّد على بيتها·
-·····!!
- غابتْ عنّي فجأة!!
- كيفَ؟!
- اختطفها الموت؛ الموتُ لم يتركْ لي صديقًا أو حبيبًا·
لا أدري كم من الوقت مرّ، لا بدّ أنّه قصيرٌ جِدًّا، إذ إنّي صحوتُ فجأةً، ورأيتُ المشهد تمامًا كعهدي به قبل غفوتي، مجموعة من الأقارب تروح وتجيء، آخرون ينتبذون زاويةً يتحدّثون، بعضهم ابتعد قليلاً وراح ينفث دخان سجائره في غفلةٍ عن أعين الرّقباء، والنّساء جلسْنَ في صفٍّ طويل متراصّات، وقد عقدْنَ أيديهنّ أمامهنّ، واكتفينَ بالصّمت الكئيب على غير عادتهنّ حينَ يجتمعنَ!!
اعتدلتُ في جلستي، وفركتُ عينيّ، وأصلحتُ من هِندامي قليلاً، وناديتُ:
- حياة !!
- نعم، واثق· (اقتربتْ منّي وجلستْ إلى جِواري)· رحتُ أحدّثها كما لو كنتُ جائعًا إلى الحديث فحسب:
- امرأة عمّي كانت تُحبّني!
-······!!
- ظللتُ طوال أيّام دِراستي الأولى أتردّد على بيتها·
-·····!!
- غابتْ عنّي فجأة!!
- كيفَ؟!
- اختطفها الموت؛ الموتُ لم يتركْ لي صديقًا أو حبيبًا·
Page 7
- متى ماتت؟!
- عندما نسيتُ تمامًا أنّ الموت لا ينسى أحدًا!!
- ماذا تعني؟!!
- حينَ بدأتُ أشعر أنّها أمّي، أراد الموت أن يعلّمني معنى الفَقْد· أراد أن يوقِظني من سُباتي·
- لماذا تقول هذا الكلام الآن؟!
- أقوله فحسب·
-····
- كانت ذات قلبٍ طيّب· تخيّلي أنّها رافقتْ طفولتي، وظلّت إلى جانب أمّي ترعى طفولةً لم أكبرْ منها بعد·
- وكيفَ ماتت؟!
- ماتت!! ألا تكفي كلمة الموت لتفسّر كيف ماتت· ما الفرق بين طريقةٍ للموت وأخرى··· الموت لا يُفاجِئنا باخترام أحبّتنا إلاّ حينَ تكون الطّريق أوحشَ ما تكون··· والغاية أبعدَ ما تكون··· واحسرتاه!!
-·····!!
- لم أستطع أن أنزلَ في قبرها!!
- ألم تحضر دفنها؟!
- لا···
- لا···؟!
- كنتُ في الغربة!!
- عندما نسيتُ تمامًا أنّ الموت لا ينسى أحدًا!!
- ماذا تعني؟!!
- حينَ بدأتُ أشعر أنّها أمّي، أراد الموت أن يعلّمني معنى الفَقْد· أراد أن يوقِظني من سُباتي·
- لماذا تقول هذا الكلام الآن؟!
- أقوله فحسب·
-····
- كانت ذات قلبٍ طيّب· تخيّلي أنّها رافقتْ طفولتي، وظلّت إلى جانب أمّي ترعى طفولةً لم أكبرْ منها بعد·
- وكيفَ ماتت؟!
- ماتت!! ألا تكفي كلمة الموت لتفسّر كيف ماتت· ما الفرق بين طريقةٍ للموت وأخرى··· الموت لا يُفاجِئنا باخترام أحبّتنا إلاّ حينَ تكون الطّريق أوحشَ ما تكون··· والغاية أبعدَ ما تكون··· واحسرتاه!!
-·····!!
- لم أستطع أن أنزلَ في قبرها!!
- ألم تحضر دفنها؟!
- لا···
- لا···؟!
- كنتُ في الغربة!!
Page 8
- وهل تقف الغربة بينك وبينَ من تحبّ؟!
- بلى··· تقفُ حين تكون قسريّة؛ الغربة شكلٌ آخر من أشكال الموت··· كم تمنّيتُ أن أقبّل رأسَها قبل الرّحيل··· آآآآه···
قمتُ لأداري انسكاب دمعتين حارّتين طَفِرتا من عينيّ على خَدَّين تورّما حُزنًا· وتجوّلت في الممرّ قليلاً لأطرد استحواذ أمواج الذّكريات عليّ··· في غرفةِ جدّتي بدا الباب الّذي يُغلَق عليها كأنّه جِدارٌ من الفولاذ يحجز خلفه سدفات من الظّلام لولا طاقة طوليّة سمحتْ ببعض النّور أن ينفذ··· اقتربْتُ من الغرفة، وسألتُ طبيبًا مرابِطًا أمام الباب:
- كيفَ حالُها؟!
- إنّها لا تستجيبُ لشيء·
- أيّهما أقرب إلى حبل الوريد منها؟!
-····!!
- الموت أم الحياة؟!
-·····!!
- أريدُ أن أدخل·
- منع رئيس الأطبّاء من أن يدخل عليها أحد·
- وماذا تُسمّي الكمّ الهائل من الأطبّاء في غرفتها؟! أليسوا أحدًا أيضًا؟!
- أرجوك!!
- بلى··· تقفُ حين تكون قسريّة؛ الغربة شكلٌ آخر من أشكال الموت··· كم تمنّيتُ أن أقبّل رأسَها قبل الرّحيل··· آآآآه···
قمتُ لأداري انسكاب دمعتين حارّتين طَفِرتا من عينيّ على خَدَّين تورّما حُزنًا· وتجوّلت في الممرّ قليلاً لأطرد استحواذ أمواج الذّكريات عليّ··· في غرفةِ جدّتي بدا الباب الّذي يُغلَق عليها كأنّه جِدارٌ من الفولاذ يحجز خلفه سدفات من الظّلام لولا طاقة طوليّة سمحتْ ببعض النّور أن ينفذ··· اقتربْتُ من الغرفة، وسألتُ طبيبًا مرابِطًا أمام الباب:
- كيفَ حالُها؟!
- إنّها لا تستجيبُ لشيء·
- أيّهما أقرب إلى حبل الوريد منها؟!
-····!!
- الموت أم الحياة؟!
-·····!!
- أريدُ أن أدخل·
- منع رئيس الأطبّاء من أن يدخل عليها أحد·
- وماذا تُسمّي الكمّ الهائل من الأطبّاء في غرفتها؟! أليسوا أحدًا أيضًا؟!
- أرجوك!!
Page 9
- أنا الّذي أرجوك··· دعْني أقفْ إلى جانِبها· أنا متأكّدٌ أنّها إذا شمّتْ رائحتي فستصحو· عقود الموت الغابرة لم تمنعها من أن تُحاول الحياةَ الهاربة!!
- لا بُدّ أنّك تهذي· اذهب واسترحْ على أحد المقاعد···
- أرجوك أنا ابنها الوحيد؛ وطَوال سنوات الغياب في الآبار المُظلِمة لم ترني·· لم تكنْ من وسيلةٍ واحدةٍ لذلك!!!
- أفففف··· يبدو أنّك عنيد··· ادخلْ ولكنْ بهدوء· ولا تُشعِرْ أحدًا!!
- شكرًا···
أزحتُ الباب بهدوء، ودخلتُ الغرفة على أطراف أصابعي··· في الفراغ الواقع بين طبيبَين يُحاوِلان إنعاشَها وجدتُ مكانًا لأسترق النّظر إلى وجهها··· كان وجهها خالِيًا من الحياة الّتي أعرفها!! كان أنبوب التّنفّس الاصطناعيّ يستقرّ في فمها، ويعبر شفتين بدتا يابِستيْن، وجِسْمها المُسجّى يبدو أنّه استسلم أخيرًا لشيءٍ ما··· أخذتُ نفَسًا عميقًا لأحبس طوفان الدّموع، وأجلتُ عينيّ فيما تبقّى من فراغٍ في الغرفة، وتساءلتُ بلوعة: أين يقف الموت يا تُرى؟! في أيّ زاوية يقبع؟! خلف هذه الحلقة من الأطبّاء، أم أمامهم؟! لا بُدّ أنّه قريبٌ منّا جميعًا· اليوم سيزور أحدَنا· أُدرك ذلك من الرائحة الّتي تنبعث في أرجاء الغرفة!! هل للموت رائحة؟! هل أستطيع إذا أمعنتُ النّظر أن أراه؟! هل من سبيل إلى الحِوار معه؟! أينَ أنتَ أيّها الموت؟! هل تقف إلى جانبي، أم إلى جانب جدّتي، أم إلى جانب واحدٍ من هؤلاء الّذين يرتدون ثيابًا بيضاء؟! جرّبْتُكَ كثيرًا من قبلُ في الرّاحلين فإلى أيّ صفٍّ من الباقين ستنحاز اليوم؟! مَنِ الّذي اخترتَه فينا؟! هل أنتَ ملاك؟! إنْ كنتَ كذلك فَلِمَ تَغَصّ اللّهاةُ حينَ تراك؟! قد تكونُ ملاكَ رحمة أو ملاك عذاب!! إنْ كنتَ ملاكَ رحمةٍ فلم تَشخَص الأبصار كأنّ رُعبًا اختطفها من محاجرها!! ولِمَ تتبعك وأنتَ ترتقي إلى السّماء عبر سقف الغرفة، كأنّها رُبِطت بين يديك بخيوطٍ وسللْتَها خلفَكَ وأنتَ تعلو وتعدو· وإنْ كنتَ ملاكَ عذابٍ فَلِمَ ترتسمُ بسمةٌ ورديّةٌ على شِفاه مَنْ رأوك، وتركوها دليلاً على وجودك الشّفيف قبل أن يلفِظوا آخر أنفاسهم!!
- لا بُدّ أنّك تهذي· اذهب واسترحْ على أحد المقاعد···
- أرجوك أنا ابنها الوحيد؛ وطَوال سنوات الغياب في الآبار المُظلِمة لم ترني·· لم تكنْ من وسيلةٍ واحدةٍ لذلك!!!
- أفففف··· يبدو أنّك عنيد··· ادخلْ ولكنْ بهدوء· ولا تُشعِرْ أحدًا!!
- شكرًا···
أزحتُ الباب بهدوء، ودخلتُ الغرفة على أطراف أصابعي··· في الفراغ الواقع بين طبيبَين يُحاوِلان إنعاشَها وجدتُ مكانًا لأسترق النّظر إلى وجهها··· كان وجهها خالِيًا من الحياة الّتي أعرفها!! كان أنبوب التّنفّس الاصطناعيّ يستقرّ في فمها، ويعبر شفتين بدتا يابِستيْن، وجِسْمها المُسجّى يبدو أنّه استسلم أخيرًا لشيءٍ ما··· أخذتُ نفَسًا عميقًا لأحبس طوفان الدّموع، وأجلتُ عينيّ فيما تبقّى من فراغٍ في الغرفة، وتساءلتُ بلوعة: أين يقف الموت يا تُرى؟! في أيّ زاوية يقبع؟! خلف هذه الحلقة من الأطبّاء، أم أمامهم؟! لا بُدّ أنّه قريبٌ منّا جميعًا· اليوم سيزور أحدَنا· أُدرك ذلك من الرائحة الّتي تنبعث في أرجاء الغرفة!! هل للموت رائحة؟! هل أستطيع إذا أمعنتُ النّظر أن أراه؟! هل من سبيل إلى الحِوار معه؟! أينَ أنتَ أيّها الموت؟! هل تقف إلى جانبي، أم إلى جانب جدّتي، أم إلى جانب واحدٍ من هؤلاء الّذين يرتدون ثيابًا بيضاء؟! جرّبْتُكَ كثيرًا من قبلُ في الرّاحلين فإلى أيّ صفٍّ من الباقين ستنحاز اليوم؟! مَنِ الّذي اخترتَه فينا؟! هل أنتَ ملاك؟! إنْ كنتَ كذلك فَلِمَ تَغَصّ اللّهاةُ حينَ تراك؟! قد تكونُ ملاكَ رحمة أو ملاك عذاب!! إنْ كنتَ ملاكَ رحمةٍ فلم تَشخَص الأبصار كأنّ رُعبًا اختطفها من محاجرها!! ولِمَ تتبعك وأنتَ ترتقي إلى السّماء عبر سقف الغرفة، كأنّها رُبِطت بين يديك بخيوطٍ وسللْتَها خلفَكَ وأنتَ تعلو وتعدو· وإنْ كنتَ ملاكَ عذابٍ فَلِمَ ترتسمُ بسمةٌ ورديّةٌ على شِفاه مَنْ رأوك، وتركوها دليلاً على وجودك الشّفيف قبل أن يلفِظوا آخر أنفاسهم!!
Page 10
حيّرتَنا أيّها الموت، فاجعلْ لنا إليكَ سبيلاً!!
حانتْ التفاتةٌ من أحد الأطبّاء إليّ، فأشار بعينيه أن اخرُجْ، فخرجتُ· تلقّفتْني (حياة) على الباب:
- ما الأخبار؟!
- الأمور في نهايتها!!
- ماذا تعني؟!
- جدّتي بأحسنِ حال· وستفيق بين لحظةٍ وأخرى···
- الحمدُ لله!!
خرج الطّبيب الّذي كُلّفَ بنقل الخبر إلينا··· سمح لنا هذه المرّة جميعًا بالدّخول··· كنتُ أوّل الدّاخلين، وضعتُ يدي على جبهتها، ودفنْتُ رأسي في صدري ورحتُ أنشجُ؛ لقد انطفأت الشّعلة···!!
حانتْ التفاتةٌ من أحد الأطبّاء إليّ، فأشار بعينيه أن اخرُجْ، فخرجتُ· تلقّفتْني (حياة) على الباب:
- ما الأخبار؟!
- الأمور في نهايتها!!
- ماذا تعني؟!
- جدّتي بأحسنِ حال· وستفيق بين لحظةٍ وأخرى···
- الحمدُ لله!!
خرج الطّبيب الّذي كُلّفَ بنقل الخبر إلينا··· سمح لنا هذه المرّة جميعًا بالدّخول··· كنتُ أوّل الدّاخلين، وضعتُ يدي على جبهتها، ودفنْتُ رأسي في صدري ورحتُ أنشجُ؛ لقد انطفأت الشّعلة···!!