مقتطفات من خطاب العرش السامي الخاص لسنة 1959
"إننا نحمد الله أن مكن لهذا البلد أن يصمد للحادثات ويناضل نضال الأبطال حتى خرج شامخ الرأس موفور الكرامة ومثلاً يحتذى في الصلابة بالحق والإصرار في السير نحو الهدف الواضح في مجابهة شتى الأحداث والفتن والتحديات والأخطار والمذاهب الدخيلة، وما هذا إلا ثمرة إخلاص ووعي والتفاف حول العرش وولاء أبناء الوطن ويقظة رجال الأمن"
تقديم
يتناول هذا الكتاب موضوعاً هاماً من المواضيع المطروحة على الساحة الأردنية والمتمثلة بما يواجه الأمن الوطني الأردني من تحديات وأثر هذه التحديات على الاستقرار السياسي، ولقد ارتأى الكاتب التعرض لهذا الموضوع بقدر من التفصيل.
يعد مفهوم الأمن الوطني مفهوما واسعا وشاملا، يندرج ضمنه كل القواعد والمسميات الأخرى، فهو علم ظهر في منتصف الستينات وبداية السبعينات، ولعل قلة الأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الوطني الأردني كانت من الدوافع التي دفعت الكاتب لتناول هذا الموضوع ، في محاولة تهدف إلى توضيح مفاهيم الأمن والمرتكزات والمصادر وبعض التحديات .
ونتيجة لرغبة جلالة الملك عبدالله الثاني وحرصه على الاهتمام بجوانب البحث العلمي، جاء هذا الكتاب الذي آمل أن يكون بمثابة تلبية لهذه الرغبة، وعلى أمل أن تعزز هذه الدراسة مكتباتنا وأبحاثنا وفكرنا وصولا للفكر العميق الواعي لنقدم لهذا البلد- الغالي على قلب كل أردني- قدراً بسيطاً مما في قلوبنا من حب الوطن والولاء لترابه الذي هو مهد الأديان وأرض المحشر، ولمواصلة العطاء والبناء لإثراء أردننا بما يستحق.
رعــد الــزبـــن
إهـــــداء
إلى سيدي ومولاي جلالة الملك عبد الله الثاني المفدى
وإلى الأردن الوطن العزيز الذي أفتخر به
ولكل من أمن بتراب هذا البلد وعمل على رفعته وتقدمه
شكر وتقدير
أتقدم بالشكر والتقدير للكثيرين من أصحاب الفكر الواسع المتميز كل حسب موقعه على ما أبدوه من ملاحظات أسهمت في تعزيز ومواصلة الجهد لإعداد هذا الكتاب المتواضع... أشكر الجميع ..
الإطار العام
يسعى الإنسان دائما نحو الأفضل لتحقيق ما يصبو إليه من عيش مميز عبر اتخاذ خطوات بنفسه أو بالتعاون مع الغير ومع المجموع يبذل خلالها جهودا مشتركة، ويقوم بخطوات بحثا عن الأمن والأمان، وهو الدافع الداخلي الذي يحرك السلوك الإنساني، ليحافظ على حياته وأسرته وممتلكاته وهذا الأمر ينطبق على الفرد والأسرة والمجتمع ، وصولا إلى الدولة لتحقيق الأمن الجماعي ، والتي يصبح لها نظامها الخاص ، وحكامها ، ومؤسساتها وقوانينها ، التي تعمل على توفير الأمن والاستقرار وحماية حدودها وبسط سيادتها على أرضها، الذي يضمن تحقيق التطور والتقدم والازدهار، وتوفير مقومات الحياة الكريمة للمواطن بما يحقق أمنه الحياتي ،ومع التطور والتوسع لهذا المفهوم انبثق عنه العديد من المسميات التي أصبحت تندرج تحت مفهوم الأمن كالأمن الاقتصادي، النفسي، الاجتماعي، الغذائي، الثقافي، الفكري، والمائي .......وغيرها.
وفي ظل التحولات الديمقراطية على الساحة الدولية عامة، وفي الأردن خاصة، تسعى الدولة الأردنية لتأمين الأمن والاستقرار الداخلي، من أجل الاستمرار والبقاء والنهوض بالدولة ومواكبة تطورات العصر الجديد ، ولما كانت الدراسات والتجارب المحلية والدولية قد أشارت إلى الدور الفاعل الذي يميز الأردن بقدرته على التنمية والتحديث ومواجهة التحديات، ومساهمته في التطوير والخروج ببرامج تنموية للمجتمع تؤدي إلى تحقيق متطلبات التنمية والرفاه العام ، ولما كان الأمن والاستقرار الأكثر تأثيراً في جميع مناحي الحياة والمتطلب الأهم لإحداث التنمية والتطوير، غدا على رأس سلم أولويات الدول والحكومات ليحظى بالاهتمام بشكل بارز ، وهنا في الأردن ونتيجة للتطـورات الخارجية التي حدثت على الساحة الدولية ، والتي باتت أكثر وضوحا بعد تفجيرات 11/9 /2001، ثم الحرب على العراق، والوضع في الأراضي الفلسطينية ، علاوة على الموقع الجيوستراتيجي للأردن، والسمات التي يتمتع بها الأردن من أمن واستقرار نسبي ، فرضت عليه بذل جهد أمني مكثف للتدقيق والرقابة والمتابعة وتأمين الاحتياجات الرئيسية لحفظ الأمن وبسط السيادة تحسباً من أن يصبح الأردن وطنا بديلا جراء وجوده على أعتاب الأزمات بل وفي خضم الصراعات مما قد يزج به في مربع الأزمات ، وما حدث من تفجيرات في الأردن دفع باتجاه تعزيز الاهتمام بالأمن الوطني، وإلى مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، والذي جعل الأردن بقيادته الفاعلة يحظى باهتمام دولي قل نظيره بين الدول الأخرى وهي سمة من السمات المميزة فقد كان التكيّف مع التحولات في عالمنا المعاصر واحداً من الأسباب التي جعلت الدولة الأردنية تولي مسألة الأمن الوطني اهتماما خاصاً وعناية متميزة.
حيث تحاول هذه الدراسة توضيح مرتكزات وأبعاد الأمن الوطني الأردني والإشارة إلى بعض من التحديات التي تواجه الأمن الوطني الأردني وأثرها على الاستقرار السياسي ، من خلال الإدراك والتحليل في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة ولمحاولة الخروج برؤيا مستقبلية لمواجهة أثر التحديات والذي بات موضوع الأمن الوطني من الموضوعات الإستراتيجية التي تهم جميع أصحاب القرار السياسي في أي دولة جراء تأثيراته الكبرى على الأمن والاستقرار السياسي ، إذ أن هاجس الأمن الوطني يعد من أهم الأمور التي تهتم بها الدول بغض النظر عن حجمها أو موقعها فالأردن كدولة أصبحت تعتمد اعتمادا كليا عليه وصولا إلى تحقيق الأمن والاستقرار السياسي وتأتي أهمية الدراسة لكونها من الدراسات الأولى التي تناقش موضوع الأمن الوطني الأردني والاستقرار السياسي ، فالأردن شأنه شأن بقية دول العالم يضع الأمن على رأس أولويات الدولة ، بالإضافة إلى أن للأمن الوطني الأردني مرتكزات كونه جزءا من الأمن القومي العربي يؤثر فيه ويتأثر به سلبا وإيجابا، مما يجعل صمود الأردن صمودا للأمة العربية ، وتأكيدا لأهمية البعد القومي لقوة الأردن وحماية أمنه واستقراره والقائم على تماسك أبناء المجتمع الأردني وتكاتفه وصولا لترسيخ الوحدة الوطنية ، وتعزيز العوامل الذاتية لحماية أرض الوطن واستقلال إرادته،وضمان أمن الشعب الأردني وحريته .
إن القراءات التي دارت حول مفهوم الأمن الوطني منذ القدم وفي مختلف الحضارات دعت للعمل الدائم من أجل حماية أمن الدولة من العدو الخارجي أو الداخلي ، عبر استخدام القوة العسكرية، ومع التقدم والتطور لم يعد مفهوم الأمن - كما كان سابقا- صالحا في الوقت الحاضر ومن هذا المنظور فقط ، وفي ظل تنوع التحديات والمخاطر التي تواجه الدول ومجتمعاتها وتغير حاجات المجتمعات الحديثة ، ومتطلبات بقائها، أرتبط هذا المفهوم بمدى تأثيره على الاستقرار في العديد من مناحيه ،فقد تطور مفهوم الأمن الوطني في الآونة الأخيرة واخذ يشمل إطاراً واسعاً من التحديات مثل: التحديات الاقتصادية ، الاجتماعية ، السياسية ، الأمنية ، العسكرية ، الغذائية الصحية ، التعليمية والفكرية الثقافية ، وبالتالي بات مطلوباً من أية دولة العمل على تنويع الوسائل التي تستخدمها للمحافظة على كيانها، بقدر تنوع التحديات التي تواجهها، لتشمل تطوير رؤيتها العامة المستقبلية وبرامجها المتنوعة، حيث هناك إجماع بين الخبراء والباحثين على أن هناك علاقة وطيدة بين الأمن الوطني من منظوره الشامل وانعكاساته على الاستقرار السياسي ، والذي يتطلب بداية وجود امن وطني في الدولة المعنية بهدف تعزيز قدرة الدولة في تحقيق حماية الوطن واستقلال الإرادة، وضمان أمن الشعب وحريته وسيادته ، وتوفير مقومات الحياة الكريمة للمواطن بما يحقق أمنه المادي والشخصي، وانعكاس ذلك على استقراره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي والتي تعبر من سمات الأمن الوطني الأردني في تعزيز عوامل قوته الذاتية .
مفهوم الأمن في القران الكريم
يعتبر الأمن نعمة من نعم الله عز وجل التي منَّ بها على عباده المؤمنين، فقد قال تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف)- سورة قريش 4
وقوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)- سورة الأنعام 82، بالإضافة إلى العديد من الآيات التي وردت في دلائلها على أن الأمن قائم على أساس العلاقة القائمة بين الفرد والمجتمع والنظام .
الأمن في معاجم اللغة
يعني الاستقرار والاطمئنان ، وآمن أمناً وأماناً، وأمانة وأمناً: اطمأن ولم يخف فهو آمن وأمن وأمين.
مفهوم الأمن الوطني
الإحساس بالطمأنينة وعدم الخوف ، ويعني الهدوء وراحة النفس البشرية وعدم إحساسها بخوف من معلوم أو مجهول، والأمن هو الأمل الطبيعي والأساسي لكل فرد وأسرة وعائلة ودولة وأمة، ويعتبر العنصر الأساسي لكل حكومة ومقوم لكل قيادة، ومن ثم الاستقرار، فالأمن هو الأمان والاستقرار، والأمن هو أحد أهم الغرائز التي خلقها الله مع خلق الإنسان.
( الكمار، 2005: 17).
والأمن يعني الحماية من العدوان العسكري الخارجي، و يجب أن يركز على الوضعيات التي تهدده وهي : التنظيم ، العنف المسلح ، والحروب ، التدخلات الخارجية والأزمات الدولية . Steve 1984, p76))
كما ويعرف جون سبانير الأمن الوطني ( John , 1988) بأنه "يعني ببساطة البقاء العضوي وحماية وحدة إقليم الدولة والاستقلال السياسي لها، وهذا بمجمله يعني حماية النظام السياسي والاقتصادي وطريقة تسيير الحياة في الدولة" . ويرى الأمير الحسن بن طلال ان للأمن الوطني مفهومين ، احدهما ضيق يقتصر على حماية التراب الوطني وكيان الدولة ومواردها من الأخطار الخارجية .
والثاني أوسع يمتد من الجبهة الداخلية وحماية هوية المجتمع وقيمه، ويؤمن المواطن ضد الخوف والفاقة ، ويضمن له حدا أدنى من الرفاهية والمشاركة السياسية ،كما يعرف بأنه "عبارة عن الإجراءات التي تتخذها الدولة في حدود طاقاتها للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل مع مراعاة المتغيرات الإقليمية والدولية". وهناك من يرى بأن الأمن الوطني هو تعبير سياسي اجتماعي ومفهوم ديناميكي متحرك يتفاعل ضمن دوائر ثلاث محلية ،إقليمية ، ودولية ويتضمن أمن المواطن وممتلكاته وتاريخه وتراثه ومعتقداته وحرياته الأساسية ، وكذلك سيادة الدولة وسلامة جغرافيتها وحدودها السياسية والحرية المتاحة لقرارها الوطني ، واستقرارها الأمني والاجتماعي الداخلي ،وقدرتها على النهوض بالمتطلبات الشاملة لمجتمعها ( كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية ، 2006: )
كما ويعرف بأنه الشعور بالأمان والطمأنينة والإحساس بأن حياة الإنسان ومصالحه وكذلك مصالح وطنه وجماعته وأسرته، مصونة ومحمية ومن ثم عدم توقع حدوث مكروه في الزمن القريب، وبالتالي طمأنينة النفس وزوال الخوف والأمان ( نشأت ، 2001)، بالإضافة إلى سيادة الأمة على أرضيها وثرواتها، وتوفير حالة من الاطمئنان لأفراد المجتمع ضد أي تهديد خارجي . )برقاوي (2003).
وعليه، فان مفهوم الأمن يتسم بالكثير من الإبهام والغموض والبساطة ، وهو مفهوم واسع وشامل يتضمن جميع جوانب الحياة وهو وصف لحالة خاصة (الفرد) ولحالة عامة (المجتمع- الدولة) نطلقها عندما نشعر بالخوف بالسؤال ما هو المأمن من الخوف لتوفير الطمأنينة (للفرد) والاستقرار(للمجتمع والدولة) ؟ حيث يتطلب الأمن قواعد أساسية، في القدرة على توفير المعطيات للحالة ضمن معلومات مؤكدة صحيحة مع تخطيط مدروس قادر على تحقيق الوعي والإدراك المسبق بعد اخذ القرار الصائب بغية الوصول إلى حالة الاستقرار، تحقيقا للتنمية والازدهار، بالإضافة إلى انه كمفهوم يتميز بأهم صفتين باعتباره مفهوماً متغيّراً حسب الحالة، وعملية مستمرة، حيث يكمن الهدف من الأمن في تحقيق الثبات والاستمرارية للاستقرار في توفير الأفضل بشكل دائم.
فالأمن : هو القرار السليم الذي يصب في مصلحة الوطن والمواطن،والذي يعمل على توفير متطلبات الحياة والأمان للمواطن مع مراعاة التغيير الذي قد يطرأ في أي ظرف والقدرة على التعامل مع الحالة لبقاء الاستمرارية ، من خلال الفن في اتخاذ الخطوات المنظمة والآليات التي تسبق الحدث مع العمل على إدارتها لمنع مخاطر التغيير الفجائي.
أما بالنسبة إلى الاستقرار السياسي فقد عرف لبست ( Lipest ) الاستقرار السياسي بأنه : محصلة أداء النظام في مجالات التنمية الاقتصادية والشرعية السياسية والفعالية، وهناك من عرفه بأنه : حالة من تحقيق الأمن والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وفقا لقواعد الشرعية السياسية. ( الرجوب،2005).
كما ويعرف بأنه : " قدرة النظام السياسي على التعامل مع الأزمات التي تواجهه بنجاح ،وإدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكل يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرة تمكنه من السيطرة والتحكم فيها، ويكون ذلك مصحوبا بعدم استخدام العنف السياسي من جهة ،وتزايد شرعية وكفاءة النظام من جهة أخرى.
حيث تشير المضامين لظاهرة الاستقرار إلى بعض الخصائص وهي على النحو التالي:
إلى أن الاستقرار: هو عملية وليس مرحلة يصل إليها المجتمع ، ويقف عندها، ذلك أن الهدف العام لمختلف الأنظمة السياسية يتمثل في تحقيق المزيد من الإنجاز والتقدم ،وبالتالي تحقيق المزيد من الاستقرار المرحلي كون الاستقرار من أهداف الشعوب بالإضافة انه يعد هدفا واقعا فهو ليس مجرد وصف لوضع نموذجي أو قائم ، وإنما يتطلب بحث الظروف التي تساعد على تحقيقه وبناء على ذلك فالاستقرار قيمة وظاهرة نسبية ، فلا توجد دولة تتمتع بالاستقرار الكامل (الصاوي، 1995) .
كما أن حالة عدم الاستقرار الكامل تتعارض مع وصف الدولة وبقائها وعليه، فالاستقرار نوعان : الأول : حقيقي ( طبيعي) والآخر ظاهري ( مصطنع هش)، والنوع الأول يعد استقرارا متوازنا يستوعب عدم الاستقرار الجزئي والمرحلي لكي يصل إلى نقطة توازن واستقرار جديدة، وبالتالي فهو يحمل تقييما ايجابيا ، أما النوع الثاني فهو ظاهري يرفض التغيير ويخشاه ، ويصطدم مع دوافعه والقوى التي تطالب به ويصبح استقرارا هشا ويحمل تقييما سلبيا، باعتبار ان الاستقرار طابع أنساني (Humanitarian ) فمن خلال توصيف العلاقة بين الدولة ( السلطة ) والمجتمع ( الأفراد ) يعد الاستقرار قيمة تسعى النظم للحفاظ عليها، في تحقيق الاستقرار الداخلي والذي يقوم على ضبط أمور المجتمع ، سواء في المجال السياسي ( مثل انتقال السلطة بالطرق السلمية ) أو في المجال الاقتصادي ( أي أولوية المصلحة العامة واحترام المصالح الخاصة في آن واحد ) أو في المجال الاجتماعي ( بمعنى عدالة توزيع الأعباء والعوائد والقيم) والتي بدورها تكون مهمة الدولة الرئيسية في تحقيق الاستقرار والتي هي أبرز سمات الدولة المعاصرة ، وبحسب علماء البحث في علم الاجتماع السياسي لتحليل مستوى الاستقرار في المجتمع وتقييمه فان عدم اللجوء للعنف، واللجوء للأبعاد الدستورية والقانونية لحل الصراعات والتكيف مع المطالب السياسية والاجتماعية يعد من أهم مؤشرات الاستقرار السياسي في تحقيق التكامل السياسي في بناء واستمرارية الدولة، أما في حالة استخدام وسائل العنف المادي بدلا من الأبعاد القانونية ضمن الاطر الدستورية كالحركات الانفصالية، وممارسة أعمال الشغب ، والتظاهرات والاعتصام الخارجة عن القانون فإنها تدل على بعض مؤشرات عدم الاستقرار السياسي داخل المجتمع لنظام ما وعليه، يتضح بأن مفهوم عدم الاستقرار السياسي يعتبر حالة من التغير السريع المفاجئ داخل المجتمع نتيجة تقاعس النظام عن تلبية ابرز مطالب المجتمع والتي بدورها تكون عاملا بارزا ومؤثرا على الأمن الوطني والاستقرار السياسي .
حيث ركزت الدراسات في هذا المجال على ربط إجراءات التحديث بعدم الاستقرار السياسي حيث يرى هينتغتون أن" الحداثة تولد الاستقرار، والتحديث يؤدي إلى عدم الاستقرار، والذي يؤدي إلى الفوضى السياسية ليس غياب الحداثة بل الجهود الرامية إلى تحقيقها .. ولا يؤدي التحديث الاجتماعي والاقتصادي إلى انعدام الاستقرار وحسب بل أن درجة انعدام الاستقرار مرتبطة بدرجة التحديث ".فدراسة مهنا (1989) بعنوان ( التحديث والاستقرار السياسي في الأردن ) ، تناولت مفاهيم التغير والتقسيم المزدوج للدول إلى تقليدي وعصري ، ومن ثم بينت مفهوم التحديث والتطور السياسي والاقتصادي والاستقرار ، كما وعرضت الدراسة فرضية الثغرة عند هينتغتون بالإضافة إلى عوامل الاستقرار السياسي في الأردن بدءاً من الملك والمؤسسة العسكرية والقبائل ودراسة الرشواني (2003) بعنوان ( سياسات التكيف الهيكلي والاستقرار السياسي في الأردن) والتي تناولت مواضيع سياسات التكيف الهيكلي في الأردن، ونتائج برامج التكيف الهيكلي وآثاره واثر سياسات التكيف الهيكلي في الاستقرار السياسي في الأردن . بالإضافة إلى دراسة خريسات (2005) بعنوان سياسة الأمن الداخلي ، والتي ناقشت سياسة الأمن الداخلي ،وبينت أن الأمن جزء لا يتجزأ، وان تحقيق الأمن الوطني يتجاوز نطاق العمل الشخصي ، بل ويدخل ضمن مجالات العمل السياسي من خلال التعامل مع الأنشطة العادية للدول، كما وناقشت العوامل المؤثرة على الأمن الداخلي ممثلة بالصراع العربي الإسرائيلي ، والتحول السكاني، ومحدودية الموارد ، وكذلك الثورة العلمية والتكنولوجيا الهائلة والفقر والبطالة والإرهاب والفساد الإداري ، وناقشت الدراسة السياسة التي تتبناها الأردن فيما يتعلق بالإرهاب .
هذا بالإضافة إلى أن هنالك العديد من الدراسات نورد منها :
- دراسة المباحث العامة السعودية ( 1425 هـ) بعنوان "المؤسسات المجتمعية والأمنية رؤى مستقبلية" جامعة الأمير نايف للدراسات الأمنية ، ناقشت الدراسة مفهوم الأمن من جوانب عدة كان أولها القرآن الكريم، وأشارت الدراسة إلى أهمية الأمن إذ ذكرت أن العمل لا يثمر والحضارة لا تزدهر ولا ترتقي، والرخاء لا يعم ولا يسود، والتقدم لا يطور إلا في ظل الاستقرار، ولا استقرار بغير أمن، وأشارت إلى أن الدعوة إلى الأمن توجيه إسلامي لإقامة علاقات طيبة وحسنة بين الناس وإصلاح ذات بينهم، وإغاثة الضعيف وإنصاف المظلوم وإغاثة الخائف ونجدة الملهوف، ونصرة الحق، وردع المجرم، وأوردت الدراسة عدة تعريفات للأمن والأمن الوطني وأشارت الى أهمية الأمن ومفترضاته ووسائل تحقيقه، ثم ناقشت أنواع الأمن كالأمن الفردي والجماعي والأمن الداخلي والأمن الخارجي و الأمن الوطني والأمن الإقليمي والأمن القومي و الأمن الموضوعي والأمن النوعي وتناولت المقومات الأساسية لدعم الأمن وتنمية مسبباته .
- دراسة الرجوب ( 2005) بعنوان ( الاستثمار الأجنبي المباشر والاستقرار السياسي في البلدان العربية ) تناول فيها الباحث موضوعات الاستثمار الأجنبي المباشر من حيث التعريف والأشكال والسياسات المنظمة له ، وعرض لمصادر تمويل الاستثمار الأجنبي ونظرياته ،ومن ثم ابرز الباحث مفهوم الاستقرار السياسي والعوامل المؤثرة فيه ،وفي الفصل الثالث ابرز العلاقة بين الاستثمار الأجنبي والاستقرار السياسي .
- دراسة العكاليك (2006) بعنوان التخاصية والاستقرار السياسي في الأردن ، هدفت هذه الدراسة إلى تحليل اثر التخاصية على الاستقرار السياسي في الأردن خلال الأعوام 1988 -2005 وذلك من خلال اعتماد الباحث مبدأ التكامل العلمي بين المناهج البحثية ، حيث استخدمت الدراسة المنهج التاريخي للكشف عن مفهوم التخاصية كفكرة في بداية تطبيقها، ومن ثم تحويلها إلى نهج اقتصادي ، انتشر في شتى أصقاع العالم ، وما هي دوافعها ،وما الأهداف المرجو تحقيقها من وراء اعتماد هذا المنهج ، ولتحليل الخصخصة والاستقرار السياسي إلى مؤشرات واستجلاء العوامل المؤثرة فيهما ، ولإيضاح الحالة الأردنية في الاستقرار والعوامل المساعدة، كما اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي ،بالإضافة إلى أن الباحث استخدم المنهج الإحصائي التحليلي لقياس وتحليل العلاقة الارتباطية بين مؤشرات كل من العامل المستقل والعامل التابع وإبراز درجة واتجاه هذه العلاقة بين المؤشرات ،والى مؤشرات التخاصية ومؤشرات الاستقرار السياسي في الأردن خلال الأعوام ( 1988- 2005) .
- دراسة كلية الدفاع الوطني الملكية الأردنية ( 2006) والتي ناقشت نشأة مصطلح الأمن الوطني وتعريفه ونظرياته وأبعاده ومجالاته ودوائره وخصائصه، كما ناقشت الدراسة مهددات الأمن الوطني، ووسائل تحقيق الأمن الوطني ورسم السياسات الأمنية ودعمها، وتوصلت إلى ان مستقبل الأمن الوطني يستند على وجود قدرات الحماية ،وأشارت أن الأمن الجماعي يجب أن يعلو على الأمن الذاتي ، بهدف التأكد من صيانة الكيان وحماية البقاء .
- دراسة كلية الدفاع الوطني الملكية ( 2006) والتي ناقشت مفهوم الأمن القومي والوطني وكذلك المقومات البشرية للنظام الأمني ، والمقومات الجغرافية ،كما ناقشت دور الأمن الاقتصادي في الأمن الوطني من خلال دراسة حالتين هما الأمن الغذائي وامن الطاقة ، وكذلك ناقشت مخرجات نظام الأمن القومي والوطني والتحديات التي يواجهها سواء كانت تحديات سياسية أو إستراتيجية أو تنموية أو علمية وثقافية .
- دراسة اشتيوي (2006) بعنوان الاستطلاع الوطني الثالث للرأي العام : التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في الأردن وقد هدفت الدراسة إلى استمزاج آراء المواطنين الأردنيين حيال العديد من القضايا المرتبطة بعملية التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي ، وقد تكونت عينة الدراسة من ( 1000) مواطن توزعت بالتساوي على الذكور والإناث، وتم إجراء استطلاع في عام (2006) وقد بينت النتائج الدراسة أن 48.3% من عينة الدراسة ترى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح وان 33% يعتبرون أن ارتفاع الأسعار يعد من أهم المشاكل التي تواجه الأردن ، وان 31.5% يعتبرون أن النزاع مع حماس من أهم المشاكل السياسية التي تواجه الأردن اليوم وينبغي على الحكومة معالجتها بشكل عاجل، وأفاد 29.1% أن الإرهاب يعد من أهم المشاكل السياسية، ويرى 48.5% أن غياب الحريات الشخصية من أهم المشاكل ، ويعتبر 74.3% وجود سلطات محلية منتخبة من الشعب تتفق مع وجهات نظرهم كما تبين أن 94.7% من عينة الدراسة تثق بالأمن العام، و 93.7% تثق بالجيش ويرى 60% من العينة أن حرية انتقاد الحكومة علنيا غير مضمون في الأردن ، وان 98.3% من العينة لم تنتسب إلى أي من الأحزاب السياسية .
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة تختلف عن الدراسات السابقة في محاولتها لتوضيح مفهوم الأمن الوطني والمرتكزات القائم عليها والأبعاد والى التطرق إلى بعض التحديات للأمن الوطني الأردني وأثرها على الاستقرار السياسي .
أولاً: أمن سيادة الدولة والمتمثل بالنظام الهاشمي
إن لكل دولة نظامها الخاص، والتي تأتي شرعيته من أفكار للشخص الحاكم أو ضمن حزب أو من خلال انقلاب طرف على أخر بالقوة والدم لتحقيق وتوطين أركان النظام ليحظى لاحقاً بالشرعية ، فمن المميزات التي تميز بها النظام الأردني عن بقية الأنظمة بأنه جاء نتيجة تراض بين أبناء الوطن والمستمد قوته من أل بيت النبي عليه الصلاة والسلام من الناحية الدينية، أما من الناحية السياسية فقد عمل الملك حسين-طيب الله ثراه- على إضفاء الجوهر لشرعية النظام خلال فترة حكمه، والذي حظي باحترام عميق في العالم والتي أثبتها جلالة الملك عبدالله الثاني في نهجه منذ توليه سلطاته الدستورية من خلال الانجازات الحقيقة على أرض الواقع لا بالنوايا والامتياز فالنظام الملكي هو الدماغ الجامع وصمام الأمان لسيادة الوطن والشعب ،ومن منطلق ذلك يؤمن الأردن أنه جزء من الأمن القومي العربي يؤثر فيه ويتأثر به سلبا وإيجابا مما يجعل صمود الأردن وبناء منعته صمودا للأمة العربية ، ويؤكد أهمية البعد القومي لقوة الأردن وحماية أمنه واستقراره من خلال ترسيخ النهج الديمقراطي والذي يعتبر العنصر الأساسي في تعميق روح الانتماء للوطن وتعزيز الثقة بمؤسساته ، والإسهام في تمتين وحدة الشعب الأردني ، وحماية أمنه الوطني، من خلال التعاون بإتاحة أسباب المشاركة الحقيقية للمواطنين كافة في إطار من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، والتوازن بين الحقوق والواجبات.