eKtab
EN ع
تحديات ومواقف - سلسلة أضواء كاشفة (1)
Read free sample

تحديات ومواقف - سلسلة أضواء كاشفة (1)

by محمد السيد

Page 1

تحدي التعرف على معاني الحكمة

قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [البقرة آية: 269].

إنها كلمات ربانية موجهة إلى ذوي العقول والأفهام، تخاطب فيهم الطموح المؤمن الذي يقود إلى تهذيب العقل بنور الشريعة، وتنوير القلب بربطه بالله رب العالمين، وتطهير الروح بجلاء وصفاء الإخلاص في العبودية، ومعالجة الجسد بمداومة العبادة، وترويض السلوك السامق.

إنها الحكمة.. ضالة المؤمن الداعية، ووسيلته الناجعة لخلاصه شخصياً ولنجاح حركته بين الناس، وهي في الوقت نفسه رسول كلمته إلى القلوب، فهذا رسول الله ، عندما رأى فطنة ابن عباس رضي الله عنهما وفصاحته، رفع يديه إلى السماء، ودعا له بدعاء عظيم: “اللهم آته الحكمة”.

فما هي يا ترى الحكمة التي تكون للداعية زاداً وذخراً وسلاحاً يبدد هنات البيان والإفصاح، ويهزم جذور الإعراض والتوقف والصدود عند الآخر؟

- هل هي متمثلة في الكلمة البليغة الفصيحة، التي تعرف مواقعها من العقول والأسماع، وتتلمس أحايين القبول والاستحسان والانقياد لدى المتلقين، وتراعي المستويات والمحيط والظروف، وتزين ذلك كله بالتيسير والتبشير والأمل؟ وذلك مصداقاً لقول الله تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [سورة النحل آية: 125]. ومطابقة لحديث رسول الله : عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: “كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا بكل خميس مرة، فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فقال: أما إنه يمنعني من ذلك إني أكره أن أملَّكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله يتخولنا بها مخافة السآمة علينا” متفق عليه.

- أم أنها القدرة على تقديم الإسلام للناس على أنه مطلبهم وما ينشدون للخروج من أغلفة الأزمات والخوف والضياع، التي تلف حياتهم بأردية صفيقة من الحيرة واللهاث خلف السراب، الذي لا يعطيهم جواباً واحداً صحيحاً عن مغزى هذه الأيام التي يعيشونها، وتلك المعاناة الأليمة التي تنتج طريقة العيش بعيداً عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها؟ وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ).

- أم هي قوة في الحجة وضعها الله تعالى تحت تصرف الدعاة، يستطيعون من خلال تنميتها ورعايتها في نفوسهم وسلوكهم وعلومهم وعقولهم ومواقفهم الوصول إلى درجة من الإقناع عظيمة، مصطحبة في خطواتها البرهان المنير الساطع القاطع، والاستشراف المبصر النافذ المسدد والعلاج الشافي الناجز؟ مصداقاً لقوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرً ) وتنفيذاً لوصية رسول الله لجرير بن عبد الله في حجة الوداع: (استنصت الناس) متفق عليه.. ترى أفبغير حكمة القول والعمل يستنصت الناس؟

Page 2

- أم أنها تكمن في حسن مظهر الداعية وعظم علمه، وعنايته بفصاحة كلمه وبيانه؟ مطابقة لحال ابن عباس الحكيم الذي وصفه عمر بن الخطاب بأنه: “فتى الكهول، له لسان سؤول وقلب عقول” وقال فيه مسروق ابن الأجدع أحد كبار التابعين: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس.

- نعم إن الحكمة كامنة في كل الذي ذكرنا وإنها لقضية من أهم وأجل القضايا التي تعني الداعية، ويسعى لامتلاكها والتحلي بها.

وقد يقول قائل: من أين للمؤمن كل هذه الصفات والمواصفات؟ إنها لمسافة شاسعة بين متطلبات الحكمة وواقع حال من يقومون بدور الدعاة.

نعم إن الأمر لكذلك، وعن الحقيقة نقول: ليس كل من قال إنه داعية يمتلك حكمة الدعوة وقدراتها ومواصفاتها التي توطئ للداعية أسباب القبول والنجاح. وإذا فات الدعاة بعض المواصفات، فلا أقل من السعي لامتلاك العديد منها بالاجتهاد وأطر النفس. والعمل الدائب المستمر.

وإلا.. فكم رأينا وسمعنا ونقلت وسائل الإعلام من كلام وخطبٍ، تضع بعض من يدعون لأنفسهم شرف الانتماء لصف الدعاة المتقنين في خانة من نكلوا وينكلون بشعوبهم من الطغاة، بل إن بعضاً من هؤلاء المدعين وصل حداً جعل من الطغاة في حياتهم أو بعد مماتهم أولياء لله، فوصف أعمالهم – التي لم يكن فيها في حقيقة الأمر عمل واحد يبتغي وجه الله – بأنها أعمال كان التوفيق حليفها الدائم، والتقوى رفيقها الأقرب.

إن رجالاً على هذه الشاكلة لا يمكن ألا أن يكونوا سداً منيعاً بين ما يدعون إليه وبين المتلقين لأنهم افتقدوا الحكمة التي تحسب حساب المتلقي، وتلتزم الحقيقة والحق وصدق الكلمة، وفي الوقت نفسه لا تمتلك الإخلاص وبيانه الناصع المؤثر، إذ بغير ذلك يضيع صاحب البيان المريض ويضيِّع.

Page 3

تحدي التمثل بالقدوة

قال تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [سورة الأنعام آية: 90].

أولاء هم أنبياء الله سيرة، وسلوكاً، عملاً وحياة، قدوة كل الأجيال من بعدهم. فالهدى الذي بعثوا به هو الهدى، والكلام الذي أرسلوا لتبليغه ودعوة الناس إليه هو الكلام المعتبر، الاعتقاد به واجب، والالتزام بهديه، خلقاً وأدباً وسلوكاً وشريعة حياة آمنة مطمئنة.

إنهم الرسل والأنبياء، الذين كانوا رجالاً من البشر (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) [سورة إبراهيم آية: 11]، ولكن الله شرفهم بحمل دعوته وكلماته وهديه إلى الناس، إنقاذاً لهم من السير في طرق الضلال والهوى وإتباع أصحاب الأهواء والطغاة.

ولقد كان لزاماً على كل الناس إتباع هدي الرسل، ممثلاً بما ختم الله به الرسالات، من وحي أنزل على سيد الرسل محمد مجموع في كتاب كريم عزيز هو القرآن الكريم، وحديث شريف صحيح، وضح وشرح وفصل، وسلوكٍ وعمل بيّنا المطلوب وأفصحا عنه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[سورة التوبة آية: 33].

وكل ذلك رحمة من الله لعباده ورأفة بهم أن تَزل أقدامهم فيكونوا أعداء أنفسهم، رغم ادعائهم العلم والعقل والتقدم، وذلك شأن ناس هذه الأيام استعلوا بالتكنولوجيا التي تكاد ترديهم، وبالتخطيط الذي يسير بهم إلى أوضاع أقل ما يقال فيها: إنها تقودهم إلى الضياع، بسبب أنها ذات عينٍ واحدة، وزاوية نظر واحدة، وتمشي على ساق واحدة، فهي من المادة وإلى المادة آيلة، والمادة إن لم تكن فانية، فهي متحولة بلا إرادة من صاحبها ولا استطاعة منه على التحكم بذلك التحول.

Page 4

ولقد أرسل الله كل نبي إلى قومه، عندما بلغ الزيغ فيهم مبلغه، وطغى في حياتهم الانحراف. وجاء خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه رحمة للعالمين، وبشيراً للناس أجمعين، وختمت به الرسالات، وقامت الحجة من بعده على الدعاة، كي يحملوا رسالته، ويبلغوا دعوته، وينقذوا الناس من الران الاستعلائي، الذي غلف قلوبهم وجرى بهم في أودية الضلال المعلب بالعلم والتكنولوجيا.

وكان أمر الله لهؤلاء الدعاة بالاقتداء بالأنبياء وبهديهم (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) [سورة الأنعام آية: 90] وجعل الله الجدَّ في ذلك والاجتهاد فيه ومجاهدة النفس عليه وحملها على مقارعة الخطوب والصعاب سبيلاً إلى الاستقامة على الطريق السديد ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [سورة العنكبوت آية: 69].

كما جعل الاستقامة التامة المتمثلة في استقامة رسولنا الكريم على أمر الله (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) [هود آية: 112] سبيلاً للظهور بهذا الدين والنجاة يوم المشهد العظيم، وقبول دعوة الداعية لدى العالمين..(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) [غافر آية: 51].

فيا أيها الأخ داعية اليوم... أقول لك كلمات خارجة من القلب، وأدعو إليها نفسي قبل نفسك، هيا بنا نجعل هدي رسولنا الكريم قدوة ونبراساً وعملاً لا نحيد عنه أبداً، بل نستقيم عليه، كما هو أمر الله تعالى لنا وله (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا) [هود آية: 112] أي لا تخرجوا عن حد هذه الاستقامة قيد أنملة.

وبكلمات الرسول الحبيب الرائعة نتعظ «تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنة نبيه» من خطبة الوداع وقد ورد مثله في جامع بيان العلم 2/24 وهذه هي قضية الداعية الأولى والرأي السديد، إذ ترشد بهما مسيرته وتستقيم حياته وتقبل دعوته.

Page 5

تحدي النفس اللوامة

قال تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)(وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) [القيامة آية: 1- 2].

وتمضي الآيات القرآنية في صنع الإنسان المسلم والنفس المؤمنة على عين الله، لتبزغ من خلال ذلك قامة الداعية، وقد شمخت في تركيبتها؛ تلك التربية الربانية السامقة، التي لا تترك شاردة ولا واردة في السلوك الإنساني للمؤمن، إلا وقد انتظمتها في باقات عطرة من التوجيه والتنمية والرعاية المستمرة، لا بل إن تلك الباقات لتلاحق النفس حتى تدخل في هواجسها، فتسلك تلك الهواجس ضمن المنظومة التربوية المترتبة على المضي قدماً في الربط الدائم بين الحقائق الكونية والأخروية،وبين مستلزمات قيام النفس الإنسانية قياماً مستقيماً عادلاً مرتفعاً ومترفعاً عن حاجات الطين وأوهاق الضرورة البشرية الدنيا: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)(وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)؛ بربط محكم وعظيم بين مشهد عظيم رهيب، تظهر فيه نتائج الكدح الدنيوي، وتعرض فيه النفوس عارية من كل تصنع أو تستر أو تسويف أو تزيين لتثبت حقيقة واحدة ماثلة للعيان تقول:إ ن كل ما كانت النفس الخبيثة تحاول أن تبعده أو تموه عليه، أو تغبش رؤيته الحقيقية هو الآن واقع يواجه النفس وهي عاطلة من كل حول وطول أو اقتدار على تلوين الأشياء والسلوكيات بلون الشهوة والهوى.

إن التوجيه الرباني الذي يبدأ مع الحياة البشرية منذ دخولها معترك التجربة على ضوء قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ، يأتي فيه وجود النفس الإيمانية العظيمة اللوامة على قدر قامة الحدث العظيم الرهيب ”يوم القيامة“ فهذه النفس المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها، وتتلفت حولها وتتبين حقيقة هواها، وتحذر خداع ذاتها هي النفس الكريمة على الله (فيذكرها مع يوم القيامة) كما ذكر سيد قطب رحمه الله في الظلال.

Page 6

وإذن فالداعية اليوم وفي كل عصر ومصر لابد له من حمل تلك النفس بين جنبيه تحاسبه وتوقفه، وتستدرك على مشاعره وسلوكه وتنقي هواه، وتفتح له أبواب الخير، وترتفع به إلى قمم المعالي وشواهق السلوك. إنها النفس التي تضع الداعية بداية على عتبة فهم معنى وجوده (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات آية: 56] ثم لتنتقل به إلى تدبر معنى: أن هذه الدنيا ليست دار مقام وخلود، بل هي مركب عبور، وسبيل مرور وتزود بالزاد الموصل إلى دار المقامة والخلود.. وبعد ذلك تجعله يتدبر وظائفه وواجباته التي تبزغ من خلال كونه داعية متبعاً رسول الله ، ومتخذاً من أقواله وأعماله قدوة وشعاراً وسلوك حياة وتوجه، وظيفته فيها محددة بقوله : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً» (رواه مسلم).

وبقوله عليه الصلاة والسلام: «من دل على خير فله أجر فاعله» وبتوجيهه لعلي رضي الله عنه: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم» متفق عليه.

ولا أعتقد أن أحداً يماري في أن الوصول إلى نفس كتلك النفس التي ذكرنا بعض أوصافها هو قضية كل داعية مؤمن في عصرنا، حتى إذا تم له ذلك اطمأنت نفسه، وارتاح ضميره، ولانت عريكته لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة آية: 119]. ثم وجد دواءه مما يلاقيه من تحدٍ وضغوط ومواجهات في توجيه ربه له، من خلال قوله جل من قائل:(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران آية: 173] وتلك هي التي تسنده، وتدعمه، وتوقظ فيه نعمة الاطمئنان إلى النتائج مهما كانت. مستنيراً بقول رسول الله : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه» رواه مسلم. وامض في طريقك المرسوم حاملاً تلك النفس اللوامة الوقافة، التي ترد عنك كل أذى المواجهة، وتسد لك ثغرات الخلل التي تفتحها تهويمات العصر وزخارف ضلالاته. وإنه للتحدي للانحراف أينما كان وكيف كان. وتحدي النفس الداعية للتقاعس عن مهمة الدعوة إلى الله.

Page 7

التحدي في الرقابة

قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: 60].

روت السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: يا رسول الله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ )هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: لا يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل) رواه الترمذي والإمام أحمد وابن أبي حاتم.

إن مراقبة النفس والسلوك والخوف عليهما والتخوف منهما، إحساس دائم يلازم المؤمن وأصحاب الحركات الإسلامية، به يعدلون أوضاعهم، ويصوغون حركتهم، ويسوون سلوكهم ومواقفهم، بحيث تكون جميعها محكومة بشرع الله، وعلى سنة رسول الله : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) [الأعراف: 201].

وليس كمواصلة الذكر، وحضور القلب الحساس، ووجود الذوق الرفيع، مساعدات ومؤهلات للمؤمنين، كي يكونوا في جميع أوقاتهم على قدم رسول الله يتحسسون من أنفسهم وسلوكهم كل لفتة وكل خطوة، بل كل خاطرة وفكرة، وكل موقف وعبرة، يجودون براحتهم ويبذلون عزائمهم، ويقدمون غاليهم والثمين، من أجل أن تستقيم لهم النفوس، ويتعدل السلوك، ويمتلك الخوف المصحوب بالرجاء كل سكنة وحركة من حياتهم، وحتى تتحول هذه الحياة عندهم إلى مطية صالحة للعبور إلى الفوز بالنعيم المقيم (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)القمر: 55].

إنهم يؤدون كل تلك الرقابة والحضور، ويبذلون كل ذلك الوسع لبلوغ الاستقامة والاعتدال (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) خوف دائم حاضر، بعيداً عن العجب والكبر المحبطين للأعمال، المنحرفين بالنيات، القاتلين للإخلاص، الصانعين للطاغوت والطغيان، في ظل غياب الاتعاظ بقوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].

Page 8

وفقدان بوصلة رسول الله التي تؤشر إلى أن”من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة“ رواه الترمذي وقال حديث حسن.

مع أن اتخاذ تلك البوصلة دليلاً وهادياً قضية هامة من قضايا المسلم المعاصر في طريقه إلى النجاح وسيره إلى الفلاح، فإن علامة السلامة والنجاح في المسير البدء بإغلاق باب الإعجاب بالنفس وعملها، كما إغلاق باب تقبل المديح والركون إليه في تقييم الأعمال والسلوك، فلكم صنع المادحون المنافقون من طغاة ساموهم في هذه الدنيا صنوف العذاب، وسلطهم الله عليهم بسوء صنيعهم، لما أقدموا على كيل الصفات العالية لأشخاص ليس فيهم منها شيء!!

فها نحن اليوم نتجرع كأمة مسلمة ألواناً من الهوان والضياع والخذلان، بسبب ركوب المتزعمين موجة الإعجاب والكبر، القائمين على سلوك مجموعات من المنافقين في هذه الأمة، من المستفيدين وأصحاب المصلحة في استمرار حالٍ فينا كالذي نرى من التخلف والذيلية والهزيمة والفقر والجهل والمرض وغياب الحريات واستبعاد شرع الله وتقليد الأعداء واتباعهم في كل شيء، اتباعاً ببغاوياً لا يفرق بين صالح وطالح ولا بين مفيد ومفسد. كل ذلك يجري وهؤلاء المفسدون من المستفيدين وأصحاب المصلحة ينثرون البخور في ظرف الطغاة المتجبرين، فلا يدعون كلمة مديح قاموسية أو شارعية إلا ويحضرونها إلى الساح، فيسدون الأفق بكل مبتذل سمج باهت كاذب من الجمل والتراكيب اللغوية الفارغة من أي معنى. والعجيب أن هؤلاء لا يكتفون بمثل هذا الذي يندى له الجبين حياءً وعاراً، يزجونه لمن جُرّب، فمسخ كل قيمة وكل خلق في تعامله مع شعبه، بل إنهم يقدمون مثل هذه «الزفة» الوقحة لكل آتٍ جديد، قبل أن يوضع على المحك ! فهم على قرابين مصالحهم واستمرار مكتسباتهم يذبحون الأمة وحريتها وتقدمها.. غير مبالين بأية قيمة غافلين – في غمرة الركض خلف ما في هذه الحياة من مغريات – عن حقيقة أن كل شيء في هذه الدنيا فإن ومنتهٍ، وأن هناك وقفة بين يدي الجبار حيث لا يهمل أي عمل مهما صغر، وغافلين أيضاً عن حقيقة أخرى بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال:”حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه“ رواه البخاري.

فالله الله .. أن لا تهنوا ولا تغفلوا أيها المسلمون عن شعب مسلم مجاهد في سورية، يذبح بأيدٍ تكالبت عليه الأعادي، من صفويي إيران ودببة روسيا، ومن تآمر الغرب، وصمت الأمة وتخاذلها... ألا فانصروا شعباً شعاره في حراكه.. نريد الحرية والكرامة (يا ألله مالنا غيرك يا ألله).

Page 9

التحدي في الفرار إلى الله

قال الله سبحانه وتعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الذاريات آية: 50].

الدعاة والمسلمون يتعرضون في كل عصر إلى الكثير من فتن وجواذب الحياة، وهم في هذا العصر تتناوشهم الفتن والجواذب الأرضية أضعافاً مضاعفة، وذلك لما اتسم به عصرنا هذا الذي نعيشه من قدرة هائلة على تزيين الأفكار، وزخرفة الباطل، وإمكانيات مدهشة في مجال الاتصال وبث الصور الحية، ومخاطبة الناس أينما كانوا ومهما كانوا.

لقد أثقلوا الحياة بشتى الأفكار، وعلقوا الإنسان فيها بقيم لا تزال تمسك بعنقه فتلويه، ولا فكاك له منها إلا باللجوء إليها، ما دام قد أسلم روحه وعقله وقلبه لها من قبل، فقيم الاستهلاك التي تستولي على نواصي الإرادة عند الإنسان في هذا العصر، وقيم الانفلات من كل الضوابط التي تقود هذا الإنسان إلى حتفه وهو يظن أنه قد حصل على حريته الكاملة، وقيم تأليه الإنسان وعقله التي جرته إلى صنع آلة دماره، وهو يظن أنه يخترق ملكوت كل شيء، وقيم التميز العرقي وما جرت على الإنسان من مآسي الهيمنة والعبودية والاستعمار والحروب المدمرة. كل هذه القيم والأفكار التي ضج انتشارها وعلا صوتها، أدت إلى مزيد المزيد من تعلق النفس البشرية بأوضار الأرض. وسلعتها الفانية، وما تقتضيه هذه من خضوع لضرورات المعاش، والتعلق بالأسباب، والتشبث بالحرص، والانحياز أكثر فأكثر إلى الفردية، والانطواء على الهموم الخاصة.

ويتعرض المسلمون اليوم والدعاة منهم بصورة خاصة إلى مثل هذا الامتحان الصعب؛ من هجوم عليهم بكل أسلحة الحياة الثقيلة، التي تحاول إبطال مفعول المقاومات الذاتية، من خلال العرض المتقن أولاً، ثم من خلال الإحاطة التامة التي توهم بانقطاع المدد وفقد الأمل.

وتأتي الآية الكريمة لتنزل على قلب الداعية المسلم في هذا العصر طازجة ندية رطبة عظيمة التأثير، شديدة التنبيه والتحذير، قوية في الإيقاظ «ففروا إلى الله» والفرار إلى الله قضية المؤمن، إذ تفتح وتوسع أعين الدعاة، وتوقظ ملكات التلقي الواعي الحاضر، لتردد الألسنة لاهجة متلهفة: من ماذا يا رب نفرُّ؟ فتأتيهم الأجوبة فذة حكيمة قائلة: إذا قيل لكم: - إن الحياة خضرة حلوة عذبة. فقولوا نعم ولكن الجنة أنعم وأعذب وأدوم وأعلى وأغلى وأبقى.

ونحن نفرُّ من الفانية إلى ما عند الله من نعيم أدوم وأبقى وأغدق.

Page 10

وإذا نادوا فيكم: أيها الناس إن الناس قد جمعوا لكم.. ففروا إلى الله بقلوبكم وجوارحكم وعملكم، مرددين بلسان واحد ولهجةٍ واثقة: حسبنا الله ونعم الوكيل.

وإذا سمعتم نداء الحياة يقول: إن الرزق هو الأول، فقولوا: نعم.. لكنه مكتوب، ونحن نفر إلى الله الذي عنده خزائن السماوات والأرض، وعنده علم نصيب كل مخلوق، وقد رضينا بما قسم الله لنا، بعد أن أفرغنا الوسع، وقدمنا الجد والكد.

ولو أن الحرص همس في آذانكم، يريد تخويفكم على حياتكم أو ما بين أيديكم من أمانة، كثروة أو أطيان أو وظيفة أو أهل وذرية، ففروا إلى الله، بالرد على الهمس قولاً وعملاً صادقين، وهل ما بين أيدينا من كل ذلك إلا أمانة استودعها المانح المعطي لدينا، فإذا أراد الواهب استرجاع هبته، فإنما هي عارية مستردة، فعلام تخاف؟ وممَ تخشى ونحن وكل ما في هذه الفانية منه وإليه؟ وهو الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. وأنعم به من بيع وتجارة لن تبور! وهو الذي عرض علينا البضاعة إذ قال: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران آية: 92] فكيف نصغي لهمس النفس الأمارة ولا نفر إلى عرض ربنا الرابح؟!

فإذا سمعتم نفث النافثين ممن أقعدتهم ضرورات الدنيا عن المعالي، يخاطبونكم بالقول: إنكم بهبتكم لتلبية نداء الله، في الدعوة إلى دينه وإقامة شرعته وتحكيمها في حياة الناس، إنما تضعون أنفسكم في مواجهة الكبراء من الرسميين والمثقفين الملتصقين بهم، وحينئذٍ فأين السلامة من تهمة الإرهاب والأصولية وعقابيلهما؟

إنكم إذا سمعتم ذلك فقولوا: إننا نؤدي الواجب، ونفرُّ إلى الله فهو الملاذ الذي بيده تسيير شأن الخلائق، فإن كان النصر فهي الحسنى الأولى، والفرحة بها لا تزيد على الفرحة إن كان قدر الله قد قضى بالثانية وهي الشهادة، وإن لم نفعل فإن قوله تعالى ونذيره ينتظرنا (إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) وإذن فنحن نفرّ إلى الله ونلوذ به من النذير، باختيارنا الواجب الذي تقتضيه رعشة الأُنس بالله، وطمأنينة الأمان الذي نلقاه في جنبه، ألم تقرأوا قول سحرة فرعون له بعد أن آمنوا، واهتزت قلوبهم طرباً بأمان الله، فرددوا بلسان واحد: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [طه آية: 72]؟