eKtab
EN ع
ذهب مع الريح
Read free sample

ذهب مع الريح

by مارغريت ميتشل

Page 1
 
المقدمة
 
لكل شعب عاداته وتقاليده، ولكل أمة من سلوكها ما اعتادت، والكاتب والأديب، والشاعر والفنّان على حدٍّ سواء ينهضون لإبراز هذه التقاليد والعادات لشعوبهم وأممهم التي نشؤوا وترعرعوا فيها، وبدورهم هذا يطلعون الشعوب الأخرى على ثقافاتهم وفهمهم للحياة.
 
وحين ينهض مثقفو الشعوب الأخرى لقراءة فهمهم للحياة وثقافتهم، والاطلاع على منجزاتهم؛ فإنهم لا يجدون صعوبة في فهمها؛ فكل ذلك من صنع الإنسانية، وفكرها الذي أخذ يتطور عبر العصور، لكن الصراع بين الأجناس البشرية قائم ما دامت هذه الأرض، ولم يدعُ الإنسان إلى وقف الحرب بين شعب ما، أو طائفة ما، أو بين الشعوب كلها، إلا بعد أن جرّب هذه الحرب وخبرها، وذاق الويلات والنكبات التي تجرها عليه، فهب العقلاء من أبناء الجنس البشريّ ليقفوا في وجه الحروب والنزاعات، فبثوا أفكارهم حول ذلك قصصًا وروايات تبرز بعمق هذه الفكرة.
 
وكان لمارجريت ميتشل رأي في الحرب، بما تجره من ويلات وفقر وأمراض وجوع، تلك هي سُنّة الحرب، فاقتطفت صراعًا واحدًا في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية، ألا وهو الصراع والحرب الطاحنة التي دارت بين ولايات الجنوب مثل ولايتي جورجيا وأتلانتا، وولايات الشمال، وأظهرت لنا مدى الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين، الذي ما نزال نشهد آثاره ماثلة إلى يومنا هذا؛ فالانتخابات الأمريكية للوصول إلى البيت الأبيض تشهد تنافسًا محمومًا بين الجمهوريين والديمقراطيين.
 
وإذا كان ثمة وصف للحرب، فإنما يجب وصفها بالريح العاصف التي تدمر كل شيء تأتي عليه إن وقف في وجهها، وإن استسلم لها حملته في طريقها من مكانه لتدعه في مكان آخر بعد أن تذهب حدتها، إن كل ما بناه الإنسان وشيده لا يمكن أن يحافظ عليه إلى الأبد، لكن قد يحتفظ به أطول مدة من الزمان إذا أسسه على بنيان متين، وإذا أراد أن يدافع عنه فلا بد له من أن يعد العدة الصالحة لذلك، وأن يتحلى بالعزم والثبات، وعليه أن يعرف قدرة المعتدي وإمكانياته، حتى يستطيع أن يواجهه، وإلا خسر كل شيء وذهبت جهوده أدراج الرياح، وتلاشى وهذا ما حصل مع ولايات الجنوب في حربها ضد الشمال، فسقطت وخضعت؛ لأن رجالها اعتمدوا على إمكانيات ولاياتهم الضئيلة، التي كانت تفخر بها وتظنها شيئًا كثيرًا، بالإضافة إلى أنها كانت تراهن على صمود الجنود وصبرهم وعزمهم، ولم تحسب للجوع والعري والقتل والموت أي حساب، فكانت النتيجة أن سقطت الولايات الجنوبية في هذه الحرب الضروس وخضعت لولايات الشمال؛ فولايات الشمال سيطرت على كل شيء وضربت حصارًا عليها قصم ظهرها وأخضعها، وخسرت ما خسرته من منشآتها وأراضيها ومصانعها، وفقدت من فقدتهم من شبابها ورجالها ونسائها وأطفالها؛ فالحرب ليست نزهة وتنقضي، وهي ليست معركة واحدة تحتدم ثم لا تلبث أن تنتهي.
 
ولاية جورجيا الجنوبية بكل ما فيها من عادات وتقاليد، وما فيها من مقاطعات وأراضٍ زراعية اشتعلت واحترقت وتبعتها ولاية أتلانتا وغيرها من الولايات، حاول أهلها الدفاع عنها لكن دون جدوى، فلم تكن ثروة القطن وحدها كافية لانتصارها، والصمود في وجه الولايات الشمالية، بل ذهبت كل مظاهرها الحضارية مع الريح، وسيطر عليها أهل الشمال، وكثر اللصوص والمحتكرون والجواسيس.
 
خضعت هذه الولايات، وكان لا بد من أن تتمازج بالشمال الذي قهرها، لكن أهل الولايات الجنوبية مع خضوعهم ظلوا يبغضون المحتل، ويحلمون باليوم الذي يخرج فيه من أراضيهم، وإن مبعث هذا الحقد وهذه الكراهية كان الفساد الذي عاثه الشماليون ( اليانكي ) في الجنوب من حرق وسلب ونهب وهدم واحتلال وقتل، بعيد عن كل صور الإنسانية.
 
ولكن الذي دعا الشماليين إلى وقف الهدم والحرق والسلب في بعض المناطق هو وجود بعض الشماليين فيها، سواء أكانوا رجالاً أم نساءً.
 
ولما قبل الجنوبيون بالأمر الواقع، بدأت عمليات الاندماج مشوبة بالكراهية التي حملها الجنوبيون لهم، وكان لابد من ذلك حتى تسير عجلة الحياة، وتعود النهضة من جديد في نظرة مستقبلية عساهم ينفضون عن أنفسهم غبار الحروب والاحتلال ويعيدون الكرة من جديد.
 
كل شيء ذهب مع الريح، لكن لن تستمر هذه الريح في قوتها، وستهدأ بعد حين.
Page 2
1
 
لم تكن سكارلت أوهارا جميلة، ولكن الرجال الذين أخذوا بسحرها، كالتوأمين تارلتون، قليلاً ما تبينوا ذلك. فوجهها كان مزيجاً مرهفًا من ملامح دقيقة ورثتها عن أمها الأرستقراطية فرنسية الأصل، وملامح عميقة أخذتها عن أبيها الإيرلندي ذي الوجه النضر. كان وجهها مغريًا، مدبب الذقن، عريض الفك، وعيناها كانتا خضراوين صافيتين ليس فيهما أي مسحة عسلية، تزينهما أهداب سوداء مطبقة قليلاً عند أطرافهما، يعلوهما حاجبان كثيفان سوداوان انحرفا صعودًا في الجبين ذي البشرة البيضاء السوسنية - هذه البشرة التي تعرف نساء الولايات الجنوبية قدرها، ويعرفن السبيل إلىحمايتها من شمس جورجيا المحرقة.
 
وفي أصيل ذلك اليوم المشرق من أيام إبريل عام 1861، جلست مع ستيوارت وبرانت تارلتون في الظل الرطب تحت سقيفة منزل أبيها؛ وثوبها (الموسلين) الأخضر الجديد ينساب على جسدها في صورة بديعة، ويضم خصرًا نحيفًا رائعًا، ويبرز صدرًا ناضجًا لفتاة في السادسة عشرة.
 
وفي جوارها تمدد التوأمان على كرسييهما براحة يرقبان نور الشمس من خلال الزجاج الدقيق الزخرفة، وهما يتحدثان ويضحكان، ويأرجحان أرجلهما الطويلة، وقد انتعلا أحذية حتى الركبة. كانا في التاسعة عشرة من العمر، طويلي القامة، قويي العضلات، ملفوحي الوجه من الشمس، أحمري الشعر، وقد لبس كل منهما سترةً زرقاءَ وسروالاً أصفرَ فاقع اللون ، وكانا متشابهين كأنهما جوزتا قطن.
 
وفي الخارج كانت الشمس تلقي بأشعتها على ذرى الأشجار المكسوة بالبراعم البيضاء المتفتحة، وتزيد في إشراق الخضرة التي كست كل مكان، وعند المدخل كان جوادا التوأمين مربوطين؛ وكانا قويين، حمراوي اللون كشعر صاحبيهما، وتحت قوائمهما راحت كلاب الصيد الصغيرة التي اعتادت أن ترافق الشابين أينما ذهبا تقتتل، بينما جثا أمامها كلب ضخم الجثة مرقط ببقع سوداء، يتأملها بترفع الأرستقراطي، ويترقب بصبر عودة الشابين إلى المنزل للعشاء.
 
كان بين التوأمين والجوادين والكلاب رابطة عميقة كما هي العشرة الدائمة، كانت جميعًا حيواناتٍ فتيةً ممتلئةً صحةً ونشاطاً، خلية البال، لبقة، لطيفة، عالية الروح. وكان الشابان، مثل جواديهما، شديدي العزم، متوقدي الحمية، خطرين، ولكنهما لطيفا الشمائل مع من يعرف كيف يسوسهما.
 
وعلى الرغم من أن سكارلت وضيفيها التوأمين قد نشئوا مرفهين ومتنعمين ولديهم الخدم يلبون كل رغباتهم، إلا أن وجوههم كانت بعيدة عن النعومة واللين، فيها قسوة أهل الريف ، وعزمهم، أهل الريف الذين قضوا معظم حياتهم في الهواء الطلق ونادرًا ما أزعجوا أدمغتهم بالأمور البليدة التي حوتها طيات الكتب؛ فالحياة في مقاطعة كلايتون في شمالي جورجيا كانت في طور النشأة، وهي بالنسبة إلى مستوى الحياة في مقاطعات أوغوستا وسافانا وتشارلستون قاسية بعض الشيء؛ لذا كانت الأسر العريقة في تلك المقاطعات تنظر إلى جورجيا بشيء من الترفع والتكبر. ولكن سكان جورجيا الشمالية ما كانوا يجدون أي عيب في الشاب الذي لم ينل أي قسط من العلم، شرط أن يتقن الأعمال المهمة التي كانوا يمارسونها، وهذه الأعمال هي : زراعة القطن، وركوب الخيل، والرماية، والرقص برشاقة، وأن يحسن التصرف مع السيدات، وأن يتناول المشروبات بلباقة.
Page 3
و كان التوأمان بارعين في هذه الأمور، مع عجزهما عن فهم أي شيء ضمته مجلدات الكتب. وعلى الرغم من أنهما كانا ينحدران من أسرة لا تدانيها أسرة أخرى في المقاطعة في ما تملك من مال وأراضٍ وخيل وعبيد، إلا أنهما كانا يعرفان من قواعد النحو أقل مما يعرفه أفقر الشبان ممن جاورهم.
 
ولهذا السبب تحديدًا كان ستيوارت وبرانت يقضيان ذاك الأصيل من إبريل في مزرعة تارا؛ فقد طردا من جامعة جورجيا، وهي الجامعة الرابعة التي تلقي بهما خارجًا خلال عامين، وهذه المرة لم يرجعا وحدهما، بل رجع معهما أخواهما الكبيران توم وبويد؛ لأنهما رفضا البقاء في معهد لم يرحب بالتوأمين. وقد اعتبر ستيوارت وبرانت طردهما الأخير نكتة طريفة، وكذلك اعتبرته سكارلت، التي لم تفتح كتابًا بملء إرادتها منذ تركت أكاديمية فايتفيل للإناث في العام السابق، فقد علقت على طردهما بقولها :
 
- إنني أعلم أنكما لا تكترثان بطردكما، وكذلك الحال مع توم، ولكن ماذا سيحل ببويد ؟ إنه - كما يبدو- مصمم على الدراسة والتحصيل، وأنتما قد سحبتماه من جامعة فرجينيا أولاً، ثم من جامعة ساوث كارولينا، والآن من جامعة جورجيا، وإذا ظلت الحال على هذا المنوال، فلن يتمكن من إنهاء دراسته أبدًا .
 
وأجابها برانت بقليل من الاكتراث :
 
- بوسعه قراءة كتب القانون في مكتب القاضي بارمالي في مدينة فايتفيل، إن المسألة ليست مهمة جدًّا. فقد كان علينا أن نعود إلى البيت قبل نهاية الموسم على كل حال.
 
- لماذا ؟
 
- الحرب. أيتها الغبية ! الحرب ستنشب في أي يوم، وهل تعتقدين أننا سنبقى في المدرسة عندما يدور القتال ؟
 
وقالت سكارلت، وقد ساءها حديث الحرب :
 
- ولكنك تعلم أنه لن تقع أي حرب، فهذا قول هراء، وقد قال أشلي وايلكز ووالده لأبي الأسبوع الماضي : إن مندوبينا في واشنطن سيتوصلون إلى تفاهم ودي مع المستر لنكولن حول الدولة الاتحادية، ثم إن الشماليين (اليانكي) يخافوننا كثيرًا ولا يجرؤون على قتالنا. أجل، لن تقع أي حرب، وقد مللت الحديث عنها في الوقت الحاضر!
Page 4
وصاح التوأمان بحنق، كما لو أنهما كانا موضع خدعة :
 
- لن تقع أي حرب ؟!
 
و استطرد ستيوارت يقول :
 
- ولكن يا عزيزتي، إن الحرب ستنشب قريبًا، وقد يكون الشماليون (اليانكي) خائفين منا، ولكن عليهم أن يحاربوا بعد أن عمد الجنرال بوريفار إلى قذف قلعة «صومتر» بقنابل مدافعه أمس الأول، وإلا وُصفوا بالجبن إلى الأبد في العالم كله ، ثم إن التحالف ...
 
وقاطعته سكارلت بضجر ونفاد صبر :
 
- إذا ذكرت كلمة «حرب» مرة أخرى، فسأدخل المنزل وأقفل الباب خلفي. لم تتعبني كلمة في حياتي كما أتعبتني كلمة «حرب»؛ فأبي يتحدث عن الحرب صباحًا وظهرًا وليلاً، وجميع السادة الذين يأتون لزيارته، يلغطون بشأن قلعة «صومتر» وحقوق الولايات، ولنكولن، حتى ليخيل إليّ أني سأصرخ فقد ضقت ذرعًا من كثرة ما يتحدثون في هذا الموضوع، بل إن هذا هو كل ما يتحدث عنه الفتيان ، وقد خلت الحفلات من بهجة هذا الربيع؛ لأن الفتيان لا يتحدثون عن أي شيء آخر. وإنني لسعيدة جدًّا بأن تكون جورجيا قد انتظرت إلى ما بعد الميلاد قبل أن تنسحب من الاتحاد، وإلا لكانت أفسدت حفلات العيد أيضًا، وإنني أحذركما بأنني سأدخل إلى المنزل إذا عدتما إلى ذكر كلمة «حرب».
 
وكانت سكارلت تعني ما تقول؛ فهي لا تستطيع أن تحتمل طويلاً أي حديث إن لم تكن هي الموضوع الرئيس فيه ، بيد أنها ابتسمت عندما تحدثت، وتعمدت أن تزيد في عمق غمازات خديها، وأن ترفرف بأهداب عينيها الطويلة بسرعة أجنحة الفراشة، وأُخذ الشابان بسحرها وسارعا إلى الاعتذار إليها؛ لأنهما أزعجاها بالحديث عن الحرب.
 
وما كان عدم اهتمامها بمشاكل الحرب، ليقلل من شأنها في أعين التوأمين، بل لعله ازداد، فالحرب عمل الرجال لا السيدات، وما قلة اهتمامها به في نظرهما إلا دليل أنوثتها الطاغية.
 
وعادت سكارلت تسألهما بعد أن نجحت في تحويل مسار الحديث عن موضوع الحرب إلى غيره :
 
- وماذا قالت والدتكما، بشأن طردكما من المدرسة مجددًا ؟
 
فبدت على الشابين أمارات عدم الارتياح، وتذكرا تصرف والدتهما منذ ثلاثة أشهر، بعد أن عادا إلى البيت بناءً على طلب جامعة فرجينيا، وأنشأ ستيوارت قائلاً:
 
- لم يتح لها الوقت لتقول أي شيء حتى الآن ؛ فقد غادرنا المنزل مع توم في ساعة مبكرة من هذا الصباح قبل أن تستيقظ. وذهب توم إلى منزل آل فونتين بينما جئنا نحن إلى هنا.
 
- ألم تقل لكما شيئًا عندما وصلتما إلى المنزل الليلة الماضية ؟
Page 5
- كلا، ولقد كان حظُّنا سعيدًا الليلة الماضية؛ فقبل وصولنا بقليل كان الجواد الذي اشترته أمي من كنتاكي الشهر الماضي قد وصل، وكان البيت يعج بالحركة؛ لأن هذا الوحش الكبير قد عض حصانًا آخر بين يدي السائس، وداس اثنين من العبيد الذين كانوا ينتظرون القطار في جونسبورو. آه، لو رأيت هذا الحصان يا سكارلت ! يجب أن تطلبي من أبيك أن يذهب ويراه على الفور.
 
وراح الشابان يرويان لسكارلت ما حدث معهما :
 
- عندما وصلنا إلى المنزل كانت والدتنا في الإسطبل، ومعها كيس مملوء بالسكر لتهدئة الجواد الجامح، وكانت تفعل ذلك بأعصاب هادئة وبمهارة، وكان الزنوج ينظرون إليها من بعيد مذعورين خائفين من أن يصيبهم ما أصاب زميليهم. ولكن أمي كانت تتحدث إلى الحصان كما لو كان إنسانًا، وكان يأكل من يدها. ليس هناك إنسان يعرف كيف يسوس الحصان مثل أمي. وعندما شاهدتنا صاحت :
 
- بحق السماء ماذا تفعلون أنتم الأربعة هنا في المنزل مرة أخرى ؟! إنكم أكثر وبالاً عليَّ من لعنات فرعون !
 
ثم بدأ الحصان يصهل ويتحرك راجعًا إلى الوراء، فقالت :
 
- اخرجوا من هنا، ألا ترون أنه عصبي، سأنظر في أمركم غدًا صباحًا !
 
وهكذا ذهبنا إلى فُرُشِنا، وهذا الصباح نهضنا قبل أن تستيقظ وتركنا بويد؛ ليشرح ملابسات ما حدث معنا في الجامعة.
 
- أتعتقد أنها ستضرب بويد ؟
 
كانت سكارلت كغيرها من سكان المقاطعة لا تستطيع أن تتصور الطريقة التي كانت السيدة تارلتون تعامل بها أولادها الشبان؛ فهي تستعمل السوط إذا رأت الموقف يتطلب ذلك.
 
وكانت بياتريس تارلتون صغيرة الجسم كثيرة العمل، مسؤولة عن إدارة مزرعة قطن كبيرة، بالإضافة إلى اهتمامها بشؤون مئة زنجي وثمانية أولاد وأكبر مزرعة لتربية الخيل في الولاية. وكانت سريعة التأثر بالمتاعب التي تقع لأولادها. ومع أنها كانت لا تسمح لأحد بجلد حصان أو عبد، إلا أنها كانت تشعر بأنه لا ضرر على أولادها إن هي ضربتهم بين حين وآخر.
 
وقال ستيوارت مباهيًا بضخامة جسمه :
 
- طبعًا لن تضرب بويد، وهي لم تضربه كثيرًا؛ لأنه أكبرنا سنًّا وأصغرنا حجمًا، ولهذا السبب تركناه في المنزل ليشرح لها الأمر. بحق السماء، يجب عليها أن تكف عن ضربنا؛ فقد بلغنا التاسعة عشرة، وأصبح توم في الحادية والعشرين، ولكنها ما زالت تتصرف معنا كما لو كنا في سن السادسة.
 
- هل تنوي أمكما ركوب الحصان الجديد لتذهب به إلى حفلة آل وايلكز ؟
 
- إنها تود ذلك، ولكن والدي يقول : إن الحصان خطر جدًّا، وهو يصر على أن تذهب في العربة سيدةً أنيقةً.
Page 6
وقالت سكارلت :
 
- أرجو ألا تمطر السماء غدًا، إذ ليس هناك شيء أسوأ من حفلة «للشواء» تتحول إلى حفلة داخل المنزل.
 
- سيكون الجو صافيًا غدًا. انظري إلى غروب الشمس، إنني لم أرَ أشد منه احمرارًا. وغروب الشمس خير دليل على الطقس في اليوم التالي.
 
وراحوا ينظرون نحو الشفق الأحمر، عبر فدادين لا نهاية لها من أراضي القطن المحروثة، التي يملكها جيرالد أوهارا. كانت الشمس تغيب وراء التلال الواقعة عبر نهر «فلينت» فيما كان حرُّ إبريل يتحول إلى برد رقيق عطر.
 
لقد جاء الربيع مبكرًا تلك السنة بأمطاره السريعة الدافئة، وتفتحت براعم الخوخ الحمراء قبل أوانها، وكست الأزهار البيضاء الأشجار، فبدت كأنها نجوم صغيرة فوق الروابي وعلى سطح النهر.
 
وكانت حراثة الأرض قد انتهت، وزاد غروب الشمس لون تربة جورجيا احمرارًا فبدا بيت المزرعة الأبيض كأنه جزرة في بحر أحمر عاصف تتكسر أمواجه فور اصطدامها بالصخور.
 
كانت الأرض حمراء قانية اللون بعد المطر. إنها أفضل أرض في العالم لزراعة القطن، وكانت أرضًا مبهجةً فيها البيوت البيضاء، والحقول المحروثة المسالمة والأنهار الصفراء الكسلى. أرض المتناقضات، حيث أشعة الشمس تبهر الأبصار، وعلى أطراف هذه الحقول تقوم الغابات العذراء مظلمة باردة حتى في أشد ساعات الظهر حرًّا، غامضة تبعث شعورًا خفيًّا بالخوف، بينما تبدو أشجار الصنوبر في حفيف أغصانها كأنها تقول بتأوه : «احذروا احذروا ! لقد كنتم لنا في الماضي وبوسعنا أن نسترجعكم».
 
وطرق مسامع الثلاثة الجالسين أمام المدخل، صهيل الخيل، وجلجلة القيود وضحكات العبيد العالية، فيما كان الرجال والبغال عائدين من الحقول.
 
ومن داخل المنزل ارتفع صوت ناعم هو صوت السيدة ألين أوهارا، والدة سكارلت، عندما نادت الزنجية الصغيرة التي كانت تحمل سلة المفاتيح. وأجاب صوت الصغيرة :
 
- ها أنا يا سيدتي !
 
- وتعالت أصوات الأقدام تخرج من الطريق الخلفي إلى صالة التدخين حيث ستوزع السيدة ألين على القادمين مخصصات الطعام. وطرقت آذان سكارلت وستيوارت وبرانت قرقعة الصحون والملاعق فيما كان بورك الخادم المختص بالطعام، يعد المائدة للعشاء.
 
وعندها شعر الأخوان بأنه حان وقت عودتهما إلى المنزل، بيد أنهما كانا يخشيان مواجهة أمهما، فظلا في مكانهما، وهما يتوقعان أن تدعوهما سكارلت للعشاء.
Page 7
قال برانت :
 
- اسمعي يا سكارلت؛ لا نرى أي سبب لحرماننا من الرقص في الحفلة مساء غد، لا لشيء إلا أننا كنا غائبين، ولم نعلم شيئًا عن حفلة الشواء والرقص في المساء، أرجو ألا تكوني قد ارتبطت في الرقصات جميعها بغيرنا من الشبان.
 
- بل لقد ارتبطت، وأنّى لي أن أعلم أنكما ستكونان هنا ؟ وهل تريدانني حضور حفلة، أحرم فيها من مراقصة أحد وأنتما غائبان ؟
 
وتعالى ضحك التوأمين، وقال أولهما :
 
- اسمعي يا عزيزتي، لا بد من أن تسمحي لي بالرقص معك في أول رقصة فالس، وتسمحي لستيوارت بالرقصة الأخيرة، ولا بد من أن تتناولي العشاء معنا. وسنجلس على الدرج، كما فعلنا في حفلة الرقص الأخيرة، وسندعو مامي دجنسي إلى أن تكشف لنا مستقبلنا.
 
- إنني لا أحب ما تقوله هذه العرافة؛ فقد قالت لي في المرة الأخيرة : إنني سأتزوج من شاب أسود الشعر له شاربان سوداوان طويلان، وأنا لا أحب الشبان ذوي الشعر الأسود.
 
- إذن أنت تحبين ذوي الشعر الأحمر، أليس كذلك ؟ والآن يا عزيزتي عدينا برقصات الفالس جميعها، وبتناول العشاء معنا.
 
وقال برانت :
 
- إذا وعدتنا فسنبوح لك بسر.
 
فصاحت سكارلت :
 
- ما هو ؟!
 
- هل هو السر الذي سمعنا به في أتلانتا يا ستيوارت، فإذا كان هو، فأنت تعلم أننا وعدنا ألا نذيعه لأحد.
 
- الواقع أن الآنسة بيتي أخبرتنا.
 
- الآنسة من ؟!
 
- إنها ابنة عم آشلي وايلكز القاطنة في أتلانتا. الآنسة بيتي بات هاملتون عمة تشارلز وميلاني هاملتون.
 
- نعم أعرفها ولا أعرف أني صادفت عانسًا أشد بلادةً منها.
 
- عندما كنا في أتلانتا أمس ننتظر القطار الذي سيقلنا إلى المنزل، مرت عربتها أمام المحطة، فتوقفت وتحدثت إلينا قائلةً : إن هناك خطبة ستعلن في حفلة الرقص التي ستقام مساء غد في منزل آل وايلكز.
 
فقالت سكارلت :
 
- آه، إنني أعلم بهذه الخِطبة، فهي خِطبة ذلك البليد ابن أخيها تشارلي هاملتون إلى هوني وايلكز، والجميع كانوا يتوقعون أن يتم هذا الزواج منذ سنين. حتى إن تشارلي كان غير متحمس لهذه الفكرة.
Page 8
- هل تظنين أنه بليد ؟ ولكنك سمحت له في عيد الميلاد بأن يحوم حولك كثيرًا ويتودد إليك.
 
فهزت كتفها غير مكترثة وقالت :
 
- ما كنت أستطيع منعه من التودد إليّ والدوران حولي، ولكنني أعتقد أنه غير مكتمل الرجولة.
 
وقالت ستيوارت بلهجة الانتصار :
 
- ولكن هناك خِطبة أخرى ستعلن، إنها خِطبة الآنسة ميلاني شقيقة تشارلي إلى آشلي !
 
- لم يتغير وجه سكارلت، ولكن شفتيها امتقعتا وزال منهما كل لون، كشخص تلقى ضربة مذهلة دون سابق إنذار، ولم يعرف في البدء ما حدث له، بيد أن ستيوارت لم يلحظ شيئًا بسبب الهدوء المصطنع الذي سيطر على وجهها، مكتفيًا بالظن - دون تفكير- أن هذه المفاجأة قد أثارت اهتمامها فقط.
 
ومضى ستيوارت يتابع حديثه :
 
- أخبرتنا الآنسة بيتي أن النية متجهة لإبقاء الأمر سرًّا حتى العام المقبل بسبب صحة الآنسة ميلاني، ولكن حديث الحرب السائد في كل مكان جعل العائلتين تفكران جديًّا بأن الزواج الباكر أفضل من الانتظار في مثل هذه الظروف، وهكذا ستعلن الخطبة في أثناء العشاء. والآن يا سكارليت وقد أطلعناك على السر، يجب أن تعدينا بتناول العشاء معنا.
 
- هذا طبيعي.
 
- ورقصان الفالس كلها.
 
- كلها.
 
- ما أجملك ! سيجن جنون الشبان الآخرين.
 
فقال برانت :
 
- ليجنّوا فنحن نعرف كيف نواجههم، اسمعي يا سكارليت، لِمَ لا تجلسين معنا في الصباح في حفلة الشواء ؟
 
- ماذا ؟
 
وكرر ستيوارت سؤاله، فأجابته دون تفكير :
 
- طبعًا سأجلس.
 
ونظر التوأمان أحدهما إلى الآخر، نظرات فرح وغبطة؛ فلم يسبق لهما قط أن فازا منها بهذه «النعم» بمثل هذه السهولة؛ ذلك أنها كانت تجعلهما عادة يتوسلانها ويستعطفانها، ثم تتركهما دون أن تقول : نعم أو لا، بل كانت تضحك إذا عبسا، ولا تكترث بهما إذا غضبا.
 
أما الآن فقد وعدتهما بأن ترافقهما وتراقصهما، وسيجلسان بجانبها في حفلة الطعام، كما سيرقصان معها رقصات الفالس كلها (وسيضمنان بوسائلهما الخاصة جعل الرقصات كلها في الحفلة رقصات الفالس) وسيكونان معها في أثناء العشاء، إن هذا وحده يخفف عنهما وطأة طردهما من الجامعة.
Page 9
ويبدو أن هذا الفوز الذي أحرزاه قد جدد عزمهما، وراحا يطيلان الحديث عن الموائد الفاخرة والرقص وعن ميلاني هاملتون، ويطلقان النكت مقاطعًا أحدهما الآخر، ويلمحان بطريقة صريحة إلى رغبتهما لو أن سكارلت تدعوهما إلى العشاء، وانقضى وقت طويل قبل أن يتبين لهما أن سكارلت كانت قليلة الكلام.
 
وأحس الشابان بأن الجو قد تغير، دون أن يعرفا السبب، وزالت البهجة، وبدت سكارلت قليلة الاهتمام بما كانا يقولانه، ولكنها كانت تجيب بما يناسب عن الأسئلة التي توجه إليها، وشعرا بأن هناك شيئًا غامضًا محيرًا لا يفهمانه قد حدث.
 
وحاولا إطالة الحديث، وأخيرًا نهضا ونظر كل منهما إلى ساعته.
 
كانت الشمس قد آذنت بالمغيب، فصاح ستيوارت : أين أنت يا جايمس ؟ وسرعان ما برز فتى زنجي طويل القامة في العشرين من عمره أسرع إلى حيث مربط الجياد.
 
كان جايمس مرافق الشابين وكان يتبعهما كما الكلب الأمين يخدم صاحبه، فقد كان رفيقهما منذ الطفولة، وأعطي هدية لهما بمناسبة ميلادهما العاشر، وما إن شاهدته كلاب تارلتون، حتى انتصبت على أرجلها، وراحت تنتظر قدوم الشابين.
 
وعندما امتطى التوأمان جواديهما، كانت أمارات الحيرة والدهشة بادية على وجه برانت فخاطب ستيوارت :
 
- اسمع، ألا تعتقد أنها كادت تدعونا للعشاء ؟
 
وأجابه ستيوارت :
 
- بلى، وكنت في كل لحظة أنتظر منها هذه الدعوة، ولكنها لم تفعل. فماذا تعتقد ؟
 
قال برانت :
 
- لا أعرف سببًا معقولاً لهذا التناقض والغموض، ولكنني كنت طوال الوقت أميل إلى الاعتقاد بأنها قد تدعونا، وبعد، فهذا يومنا الأول في منزلها، وهي لم ترنا منذ وقت طويل، وكانت لدينا أشياء كثيرة لإطلاعها عليها.
 
- لقد بدا لي أنها كانت مسرورة جدًّا عندما قابلتنا في أول الأمر.
 
- وهذا ما لاحظته أيضًا.
 
- ولكن منذ نصف ساعة، صارت هادئة جدًا كأنها أصيبت بصداع.
 
- لقد لاحظت ذلك بدوري، ولكنني لم أعره أي اهتمام. فما سبب تبدلها في رأيك ؟
 
- لا أعلم، هل تعتقد أننا قلنا شيئًا أثار غضبها ؟
 
وفكر الاثنان لحظات.
 
- لا أستطيع أن أذكر شيئًا، ثم إن سكارلت عندما تغضب يبين غضبها ويعرف ذلك كل شخص عاشرها؛ لأنها لا تحمل حقدًا في صدرها، كما يفعل غيرها من الفتيات.
 
- أجل هذا ما أحبه فيها، فهي لا تقضي الوقت حاقدة عندما تكون حانقة، بل تفصح عن شعورها، وأنا أعتقد أن الذي أغضبها هو شيء قلناه أو فعلناه ولا أدري ما هو، مما جعلها تنقطع عن الكلام، وتبدو كأنها مريضة، بوسعي أن أقسم على أنها كانت مسرورة عندما قابلتنا، وأنها كانت تنوي دعوتنا إلى العشاء.
Page 10
- هل تعتقد أن السبب هو طردنا من الجامعة ؟
 
- طبعًا ليس طردنا هو السبب، ولا تكن أحمق؛ فقد كانت تضحك من أعماق قلبها عندما سرننا لها قصة طردنا، ثم إن سكارلت ليست أفضل منا في هذا المضمار.
 
وتحول برانت نحو الزنجي جايمس وسأله :
 
- هل سمعت ما كنا نحادث الآنسة سكارلت فيه ؟
 
- لا يا سيدي، ما الذي جعلك تعتقد أنني كنت أتجسس على السادة البيض ؟
 
- لا، أنا لا أقول : إنك كنت تجسس، ولكن أنتم معشر الزنوج تعرفون كل ما يجري من أمور، أما أنت أيها الكذاب فقد شاهدتك بأم عيني تجلس عند حوض الياسمين بالقرب من الحائط، والآن هل سمعتنا نقول شيئًا من شأنه أن يثير غضب الآنسة سكارلت أو يجرح شعورها ؟
 
وكانت هذه الطريقة في الحديث، كافية لإقناع جايمس بالعدول عن أي ادعاء أنه لم يكن مصغيًا لحديثهم، ثم قال بعد أن قطب حاجبيه :
 
- كلا يا سيدي لم ألحظ شيئًا صدر منكما من شأنه أن يثير غضبها، وبدا لي أنها كانت مسرورة حقًّا عندما شاهدتكما، وكانت تزقزق كالعصفور، وظلت على هذه الحال إلى أن أخذتما تتحدثان عن زواج السيد آشلي بالآنسة ميلاني هاملتون. وهنا سادها الهدوء وأصبحت كالعصفور الذي شاهد صقرًا يحوم حوله لافتراسه.
 
وتبادل التوأمان النظرات، وهزّا رأسيهما في حيرة دون أن يفهما، وقال ستيوارت :
 
- إن جايمس على حق فيما ذهب إليه، ولكنني لا أفهم السبب، يا إلهي ! إن آشلي لا يعني لها شيئًا، بل هو ليس أكثر من صديقها، وهي ليست مغرمة به بل مغرمة بنا نحن.
 
وهزّ برانت رأسه، وقال :
 
- ولكن هل تعتقد أنها غضبت لأن آشلي لم يخبرها بأنه سيعلن خطبته مساء غد، قبل أن يخبر أي شخص آخر، كونها صديقة قديمة له ؟ إن الفتيات يقمن وزنًا كبيرًا لمثل هذه الأمور.
 
- ربما، ولكن ماذا لو لم يخبرها أن خطبته ستعلن غدًا، فقد كان الأمر سرًّا ومفاجأة، ثم إن للشاب الحق في التكتم على إعلان خطبته. ونحن ما كنا لنعرف ذلك لو لم تقله لنا الآنسة بيتي. وعلى كل حال كان على سكارلت أن تعرف أن آشلي سيتزوج الآنسة ميلاني يومًا ما؛ فنحن علمنا بذلك منذ سنين، وأفراد أسرتي وايلكز وهاملتون يتزوجون دائمًا من بنات أعمامهم، وكان كل شخص في العائلة يعلم ذلك، مثلما سيتزوج تشارلي الآنسة هوني وايلكز.