eKtab
EN ع
ثقافة الاستهلاك وما بعد الحداثة
Read free sample

ثقافة الاستهلاك وما بعد الحداثة

by مايك فيزرستون

Page 1

مقدمــــــــــة المترجـمــــــــة

عزيزى القارئ ليست مقدمتي لهذا الكتاب " ثقافة الاستهلاك وما بعد الحداثة" تحليلا لمنهجه وبنيته أو تحديدا لإشكالياته ، ولكنها بمثابة فكرة موجزة عن الكتاب تُبين كيف أصبحت ما بعد الحداثة القضية المحورية في الحياة الثقافية اليوم، خاصة أن هذا الكتاب يؤكد على مكانة ما بعد الحداثة داخل العمليات التي تشكل المجال الثقافي، وتساعد على نهضة الثقافات الشعبية والكرنفالات، وتقوى الدوافع الشعبية للديموقراطية والمساواة والاعتراف بالآخر المختلف.

وليس هذا الكتاب مجرد بحث في العلاقة بين ثقافة الاستهلاك وما بعد الحداثة، ولكن تتشابك في تحليلاته النقدية كثير من القضايا البينية، وأعني بالبينية هنا فاعلية التأثير والتأثر بكثير من القضايا الأخرى ذات الصلة بثقافة الاستهلاك وما بعد الحداثة؛ مثل قضية الثقافة الشعبية والتحول إلى ما بعد الحداثة، والثقافة الرفيعة والتحديات التي تواجهها في عصر ما بعد الحداثة، والثقافة المشتركة والسؤال عن إمكانية بنائها على أساس وحدة التنوع الثقافي وشرعية الاختلاف، والثقافة الكوكبية، والعلاقة بين الثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا والسياسية، والعلاقة بين رأس المال الثقافي ورأس المال الاقتصادى والتطور الحضرى للمدن. كما يتناول الكتاب أيضا ظهور ما يسمي بطبقة البرجوازية الصغيرة الجديدة وفئاتها المتنوعة من (المفكرين الجدد والوسطاء الثقافيين والفنانين والمديرين ) ويكشف أيضا تناقضاتها الأساسية مع الطبقة البرجوازية الصغيرة القديمة أو التقليدية. ووجه التباين بين ما يسمي بالمفكرين العالمين والمفكرين الجدد. فضلا عن تقدم علم اجتماع الثقافة وكيف أصبح موضع الاهتمام البحثي في قلب الحقل الاجتماعي، ومن القضايا المهمة أيضا التي يثيرها الكتاب العلاقة بين ثقافة الاستهلاك والمقدس والتى قد تكون سلباً للأديان التقليدية ولكنها تنتج مقدساتها الجديدة.

ويبدأ الكتاب بتحديد مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة، ويشير إلى آراء النقاد حول مفهوم ما بعد الحداثة واعتبارها عند بعضهم نوعا من البدع أو الهوس الفكرى، أوأنها مؤشر على التوعك في قلب الثقافة المعاصرة، أو أنها انعكاس لرد الفعل السياسي في العالم الغربي، أو أنها ثقافة منشقة، أو ثقافة روث، حلت محل الحداثة عن طريق وفرة الصور والرموز والتصنع والمعاني غير المترابطة والهلوسة الأستاطيقية، أو أنها رد فعل وتفكير آلى في التغيرات الاجتماعية .

وعلى الرغم مما يراه النقاد حول مفهوم ما بعد الحداثة واعتبارهم لها، فإن الآثار التى أحدثتها مابعد الحداثة داخل المجالات الأكاديمية وخارجها عظيمة الأهمية جديرة بالنظر والاعتبار؛ في الفن، والموسيقا، والأدب، والسينما والدراما والمسرح، والتصوير، والإعلام، والمعمار، والنقد، والفلسفة، والاجتماع، والجغرافيا، والأنثروبولوجيا ...الخ، ولقد أصبحت ما بعد الحداثة واسعة المدى في المجالات الأكاديمية والفكرية والفنية.

ولذلك يرى فيزرستون ضرورة تحديد معني إجرائي لما بعد الحداثة وهو يحدد مجموعة المصطلحات المشتقة من مصطلح "ما بعد الحديث" ويقابلها بالمصطلحات المشتقة من الحديث، وبالتالى تنشأ لديه ثمانية مصطلحات أساسية:

الحديث ـــــ ما بعد الحديث .

التحديث ـــــ ما بعد التحديث .

الحدثنة ــــــ ما بعد الحدثنة.

الحداثة ــــــ ما بعد الحداثة.

ويشير فيزرستون إلى أنه لا يوجد اتفاق على معني مصطلح ما بعد الحديث ومشتقاته ؛ مابعد التحديث وما بعد الحدثنة وما بعد الحداثة. وغالبا تستخدم هذه المصطلحات بشكل فيه خلط و بطريقة قابلة لتبديل مصطلح بآخر.

ويحلل فيزرستون العلاقة بين الحديث وما بعد الحديث أو بين الحداثة وما بعد الحداثة ، ويثير التساؤلات حول طبيعة هذه العلاقة وهل هي علاقة تواصل أم علاقة انقطاع ؟

ويعتبر فيزرستون أن البادئة " ما بعد post " تشير إلى القطيعة والتناقض مع الحديث ، لكن الحركة المتصلة في الابتعاد عن الحديث تجعل ما بعد الحداثة مصطلحا نسبيا غير محدد لكنه يشير إلى كل اجتماعي جديد يغاير تماما فترة الحديث ، ويناقضها كما عبرت عن ذلك كتابات بورديارد وليوتار وجيمسون.

يرى بودريارد أن تكنولوجيا المعلومات هي محور التغير من النظام الاجتماعي الإنتاجي إلى النظام الاجتماعي الذى يشكل فيه فيضان الصور والرموز عالم التصنع ،عالم ما بعد الحداثة ، هلوسة أستاطيقية بلا عمق.

و كذلك يهتم ليوتار بتأثير التكنولوجيا على المعرفة ، ويرى أن افتقاد المعني في ثقافة ما بعد الحديث لا يجب أن يكون مفجعا لأنه يشير إلى استبدال معرفة الرواية بتعدد الألعاب اللغوية ، واستبدال العالمية بالمحلية.

بينما يعتبر جيمسون أن ما بعد الحداثة هي المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة ؛ الرأسمالية الاستهلاكية المتأخرة التي تبدأ بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وهو يعتبر الثقافة أساس المجتمع الاستهلاكي باعتباره مجتمعاً مشبعاً بالصور والرموز ، وكل شيء فيه أصبح ثقافيا.

ويحدد جيمسون صفتين أساسيتين لما بعد الحداثة ؛ الأولي : تحول الواقع إلى صور . والثانية : تجزؤ الوقت في سلسلة لحظات حاضرمستمر أو عرض دائم ، والمثال الذى يجسد كل من الصفتين هو الإعلام ، ويرى جيمسون مثل بودريارد ثقافة الصورة خليطا من التصنع والتنوع النمطى وعدم التجانس الذى يؤدى إلى فقد الدلالة وموت الموضوع ونهاية الفردية. أما عن الصفة الثانية أو الإدراك المجزأ للعالم عند المشاهد فإنه يعتبر سبب للشيزفرونيا التي هي عامل من عوامل ما بعد الحداثة وتعتبر الشيزوفرنيا تحطيم للعلاقة بين المعاني ، تحطيم للوقت والذاكرة ومعني التاريخ . فالخبرة الشيزفرونية هى خبرة الانفصال والتفكك وعدم التواصل وهي المسئولة عن تحول الواقع إلى صور.

Page 2

ويبحث فيزرستون ثلاثة منظورات أساسية عن ثقافة الاستهلاك يعنونها بنظريات ثقافة الاستهلاك، ولكن في محتوى التحليل يستخدم كلمة المنظور. ويرى في المنظور الأول: أن ثقافة الاستهلاك وجدت بمقتضي اتساع الإنتاج السلعي الراسمالي خاصة بعد تلقي الدعم من الإدارة العلمية الفوردية حول تحول القرن ، وضرورة التمسك ببناء الأسواق الجديدة وتربية العامة عن طريق وسائل الإعلام والإعلاانات ليصبحوا مستهلكين.

وقد أدى هذا المنظور إثر تراكم السلع إلى انتصار القيمة التبادلية للسلع والعقلانية الأداتية في كل جوانب الحياة ، وأفضي ذلك إلى تحول كل التقاليد الثقافية ، وتدمير كل الرواسب الثقافية التقليدية والثقافة الرفيعة ، وأصبحت ثقافة القيمة التبادلية والعقلانية الإداتية يشار إليها بوصفها " لا – ثقافة " أو " ما بعد - الثقافة".

وفي تقدير أدورنو أن سيطرة القيمة التبادلية أدت إلى محو ذاكرة القيمة الاستعمالية الحقيقية للسلعة، وأصبحت السلعة حرة في اتخاذ قيمة استعمالية ثانوية بديلة، وتقبل المدى الواسع من الروابط الثقافية والصور الخادعة والإعلان قادر على عمل هذا .

كما تستلزم نظرية السلعنة عند بودريارد التناول النشط للرموز، حيث يجتمع الرمز والسلعة معا من أجل إيجاد العلامة المميزة للسلعة ، وتصبح الرموز كعلامات مميزة للسلعة قادرة على عمل الدعاية المتحررة من الموضوع . وبالتالي فإن منطق السلعة عند بودريارد يبتعد عن نظرية ماركس المادية وينتقل من التأكيد على المادة إلى التأكيد على الثقافة.

وهو يري أن فيضان الصور والرموز والتصنعات خلال وسائل الإعلام يمحو التمييز بين الواقع والخيال أو بين الصورة والواقع ، ويصبح المجتمع الاستهلاكي مجتمعا ثقافيا ، وتصبح الحياة الاجتماعية غير منظمة ، وتصبح العلاقات الاجتماعية أكثر تحولاً ، ولا تبني على مبادئ أو قواعد ثابتة.

أما المنظور الثاني: فإنه يبحث في طرق استخدام السلع ودلالته على الاختلافات الاجتماعية ، وللسلعة قدرة على هدم الحدود الاجتماعية ، وتفكيك الروابط المستقرة طويلا بين الاشخاص والأشياء ؛ لذلك فالاستهلاك وأفضليات نمط الحياة تتضمن أحكام تفرقة وأحكام تمييز تحدد ذوقنا الخاص وتصنفه بالنسبة للآخرين .

وتعتبر السلع التى تحدد الحالة الاجتماعية في الوصول إلى أعلى المجتمع هي سلعاً نسبية ، ويستثمر الذين في أعلى المجتمع السلع المعلوماتية من أجل إعادة تأسيس مسافة اجتماعية . ومن هنا تكون أهمية معرفة السلع الجديدة وقيمتها الثقافية والاجتماعية ، وكيفية استخدامها بشكل مناسب صحيح.

والمنظور الثالث : يثير السؤال عن أحلام الاستهلاك وبهجته الانفعالية والعاطفية ، حيث يتطلب الاستهلاك بوصفه إفراطاً وإسرافاً وتبذيراً تراكم في الإنتاج كي يتم التغلب على الندرة ، وعندما تجتمع حاجات المستهلك وسعادته تصبح الأحلام والرغبات متحققة بالصور الثقافية الاستهلاكية ، كإفراط وتبذير وفوضى ، وهي صور ترتبط بالبرجوازية الصغيرة الجديدة المناقضة تماما للبرجوازية الصغيرة التقليدية وقيمها الثقافية التي يكون فيها الاستهلاك مساعدا للعمل يحافظ على الإزاحة من الانتاج.

وهنا يرى فيزرستون أهمية علم اجتماع ثقافة ما بعد الحديث ، ويعرض أراء انتوني جيدنز الذى يرى أن الثقافة هي البعد الرابع للتحديث إلى جانب القوى الإدارية والعسكرية والحرب. وهو يفهم ثقافة التحديث كانعكاس للرأسمالية ونظام التصنيع. ولكنه يرى فيما بعد الحداثة نموذجاً جيداً لخريطة الثقافة المعاصرة.

ومع الاهتمام بالقضايا الثقافية أصبح الاهتمام بعلم اجتماع الثقافة كمجال شرعي للبحث ، وكان ذلك شاذاً في السبعينيات ، وخروجا على المألوف، ولكنه تأكد باعتراف جيدنز بالثقافة كبعد رابع للتحديث ، واهتمامه بمستقبل علم الاجتماع.

ومن منظور ثقافة ما بعد الحديث أى محاولة لبناء نظرية لما بعد الحداثة باستخدام مناهج البحث القديمة تفشل بالضرورة، باعتبارها تنتمي لمرحلة النسق والنظام السابق الذى حلت ما بعد الحداثة محله.

وتعتبر ما بعد الحداثة منهج البحث العامل على اكتشاف الهدم والتحطيم في العملية التاريخية التي تضعنا أمام ثقافة ما بعد الحديث ؛ لذلك كان هجوم ما بعد الحداثة على الفن المؤسساتي والمتاحف والأروقة وتراتبية الذوق الأكاديمي والنقدى ، وهدم الحدود بين الفن والحياة اليومية ، وانهيار التمييز التراتبي بين الثقافة الشعبية والثقافة الرفيعة ، وخلط الأسلوب ، وتفضيل الانتقائية ، وخلط الشفرات والقواعد والجد والهزل ، ومزج المختارات الأدبية والسخرية والسطحية وانحدار أو تدهور الأصالة في الفن والفكر عموما، وظهور فلسفة ضد الفلسفة وضد الأصولية في الفلسفة والنظرية الثقافية الاجتماعية. تحمل راية ما بعد الحداثة.

ويهتم فيزرستون بالوسطاء الثقافيين الجدد كأحد فئات الطبقة الوسطى الجديدة ، وقد أشار إليهم بورديو " بالمفكرين الجدد " الذين هم مفتونون بالهوية والمظهر ونمط الحياة والعرض والطلب لا نهاية له بالنسبة للخبرات الجديدة ، ويرفضون التصنيف في أى شيء ، ويقاومون القواعد الثابتة ويعتبرون الحياة مفتوحة النهايات ، ويفضلون التمييز والاختلاف ونمط الحياة ، ويشجعون بفاعلية نمط حياة المفكرين وينقلونه إلى المستمعين والمشاهدين ، ويعطون شرعية للرياضة والموضة والموسيقا الشعبية والثقافة الشعبية باعتبارها مجالات صحيحة للتحليل الفكرى ، فالوسطاء الثقافيون يعملون بين الإعلام والحياة الفكرية الأكاديمية ، ويعملون على نقل الثقافة الشعبية إلى الإعلام وبالتالي يعملون على محو التميز بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية.

Page 3

وعند الطبقة الوسطي الجديدة الحياة الجمالية حياة طيبة أخلاقية ، وأنه لا توجد طبيعة إنسانية أو ذات حقة ، وكل الذوات متشابهة والحياة متاحة بشكل جمالى ، ورغبة التعلم وإثراء الذات وإتباع القيم الجديدة والمفردات الجديدة.

هكذا يؤكد فيزر ستون أن هناك معضلات كثيرة تتشابك في فهم ما بعد الحداثة كعملية طويلة المدى تزيد من القوة الممكنة للمتخصصين في الانتاج الرمزى والنشر وبالتالى تكون الحاجة مُلحة إلى العمل نحو علم اجتماع ما بعد الحداثة.

ويناقش فيزرستون قضية التغير الثقافي والممارسة الاجتماعية ، ويري أن القاعدة الثقافية العميقة للتحديث أوجدت العلم والمعرفة والمذهب الإنساني والماركسية والنسائية ...الخ ، وهي مذاهب تطمح إلى تقديم طرق مرشدة جازمة للبشرية من أجل كل من معرفة العالم وفعل الممارسة فيه ، وعلى النقيض أثارت ما بعد الحداثة أسئلة بعيدة المدى حول طبيعة التغير الثقافي والعلاقات " الميتانظرية أو مابعد النظرية " التي تبحث ما بعد الحداثة عن تحليل لها.

ويكتب ليوتار عن نهاية الروايات أو نهاية السرد لتفسير ظهور ما بعد الحديث ، ويفهم جيمسون ما بعد الحداثة بوصفها المنطق الثقافي للرأسمالية الاستهلاكية المتأخرة أوالفترة الثالثة ، فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وكان من أهم التغيرات باسم الديموقراطية إزالة التمييز بين الثقافة الشعبية والثقافة الرفيعة ،ولم يكترس المفكرون المؤيدون لذلك بأن تدمير الثقافة الرفيعة فيه تهديد للنظام المستقر. بل إنهم إلى جانب ذلك يعلنون فضائل الثقافة الشعبية والجماهيرية و ثقافة ما بعد الحديث.

وبالتالى لفهم ما بعد الحداثة يجب أن نفهم التغيرات في المجالات الأكاديمية والفكرية والفنية ، وذلك ظاهر في الصراعات التنافسية، والتغيرات في المجال الثقافي الأوسع وأساليب الانتاج والتداول والنشر للسلع الرمزية ، والتغيرات في توازنات القوى والاعتمادات المتبادلة بين الجماعات والفئات الطبقية ، والتغير في الممارسات اليومية وخبرات الجماعات المختلفة ، واستخدام نظم المعني والوسائل الجديدة في التوجيه والتنظيم وبناء الهوية. وبالتالى تقوم ما بعد الحداثة رمز للتغير الثقافي المعاصر

رغم أنه من الصعب وضع تعريف لما بعد الحداثة باعتبار أنها تعني شيئاً مختلفاً في كل مجال معين فإنه يمكن تحديد بعض الصفات لما بعد الحداثة ، التي تعتبر اتجاهات داخل المجالات الأكاديمية والفكرية .

أولا : تهاجم مابعد الحداثة الفن المستقل بذاته وتنكر أسس الفن المؤسساتي، وهدفه ، ولا ترى الفن شكلاً رفيعاً للخبرة مستمداً من عبقرية مبدعة ولا يمكن أن ينجز الفنان منفردا ولكن يدان إن كان عمله تكرارا... ولم يعد ممكنا بقاء التمييز بين الفن الرفيع والفن الشعبي.

ثانيا : تطور ما بعد الحداثة أستاطيقا الإحساس ، تؤكد أستاطيقا الجسد على البداهة أو المباشرة.

ثالثا : في المجالات الأدبية ما بعد الحداثة ناقدة للأصولية مناهضة لها في كل ما وراء الروايات أو ما وراء السرد في العلم والدين والفلسفة والمذهب الإنساني والماركسية أو أى كيان نسقي للمعرفة.

رابعا : على مستوى الخبرات الثقافية اليومية تدل ما بعد الحداثة على تحول الواقع إلى صور وتجزؤ الوقت في عرض دائم؛ لذلك ثقافة ما بعد التحديث هي ثقافة التنوع والتعدد والتغاير والتصنعات ، وفقدان الدلالة أو فقدان المعني.

خامساً : تفضل ما بعد الحداثة أستاطيقا الشكل وجمالية الحياة اليومية وتصبح الخبرة الجمالية نموذج المعرفة ومعني الحياة.

ويحدد فيزرستون ثلاثة معاني في الكلام عن جمالية الحياة اليومية.

المعني الأول : عن إزالة الحد بين الفن والحياة اليومية ، وهذا ما أكدت عليه أدبيات الثقافات الفرعية أو الشعبية التي أوجدت الدادا ، والمجموعة النشطة في الابتكار والتطبيق ، والحركات السيريالية ، وكان الهجوم على مؤسساتية الحداثة في المتحف والأكاديمية مبني على هذه الاستراتيجية بالعمل على محو الحد بين الفن والحياة اليومية.

أما المعني الثاني : افتراض أن الفن يمكن أن يوجد في أى مكان وفي أى شيء ، حتى السلع الاستهلاكية الحقيرة يمكن أن تكون فنا.

المعني الثالث : تشير جمالية الحياة اليومية إلى مشروع تحول الحياة إلى عمل الفن ، وهذا المشروع له تاريخ طويل ولكن ما بعد الحداثة وضعت الأسئلة الأستاطيقية في الصدارة.

وكان تصور فوكو وبودريارد الشكل الرئيسي للحداثة هو " الغندور " المتأنق بملابسه وجسده وسلوكه ومشاعره وعواطفه ، هو كل وجود وعمل الفن ن وبالتالي فإن الإنسان الحديث هو الذى يحول نفسه إلى " الغندورية ". ومنذ الفترة المبكرة من القرن التاسع عشر كان الطلب الشديد على السمو والتميز ، وبناء نمط حياة مثالي مُشرف لا يقارن تظهر فيه الروح الارستقراطية ، وروح الاستخفاف بالجماهير ، والاهتمام بتحقيق السمو في كل نمط الحياة. ولكن أصبح التركيز المعاصر على الحياة الأستاطيقية وتتبع الاذواق الجديدة مرتبطاً بالاستهلاك الجماهيرى ،فبناء أنماط حياة متميزة أصبح محورا لثقافة الاستهلاك ؛ لذلك لم يعد الفن واقعا منفصلا بل دخل في الإنتاج وإعادة الإنتاج وأصبح كل شيء في الواقع اليومي يخضع للفن ويصبح جماليا. ويؤسس الواقع اليومي في جملته بُعد التصنع للواقعية المفرطة ، ونعيش في كل مكان هلوسة جمالية تمحي التناقض بين الواقع والخيال.

ويكون في ثقافة الاستهلاك المعاصرة فردية الذوق والإحساس بالذات النمطية للمستهلك حيث جسد المرء وملابسه وحديثه وقضاء وقت الفراغ وما يفضله من المأكل والمشرب والمنزل والسيارة واختيار أيام الراحة إنما هى تعتبرمؤشرات لفردية الذوق والإحساس بنمط حياة المستهلك ؛ ولكن لا يمكن القول بوجود نمط وإنما بوجود أنماط ، وبلا قواعد توجد اختيارات كل فرد يمكن أن يكون أى فرد ، فالتمسك بقواعد النمط أصبح معتدى عليها ، فهناك حرب ضد التوحد والنظامية ؛ ذلك أننا نتحرك نحو مجتمع غير مستقر تتبني فيه جماعات أنماط حياة جماعات أخرى تجاوزتها الحركة نحو ثقافة ما بعد الحديث ؛ ثقافة الاستهلاك المؤسسة على وفرة الصور والمعلومات ، والتى لا يمكن أن تكون ثابته أو مرتبة ترتيبا هرميا في نسق اجتماعي ثابت ؛ لذلك تكون نهاية الاجتماعي كلية موضوع دال خطيرفي رأى فيزرستون.

ويبحث فيزرستون عن التحول في أنماط الحياة وثقافات المدن وتغيرها إلى ما بعد الحديث، كما يبحث التغيرات في الأبنية الاجتماعية والعلاقات بين المتخصصين الثقافيين والمفكرين الجدد أو الوسطاء الثقافيين ، واستغلال الأسواق الجديدة وتطويرها ، وإعطاء دور للمؤولين والناقلين للسلع الثقافية.

وقد تكون المدن مراكز ثقافية تحمي التراث الثقافي الماضي في المتاحف والأروقة ونسيج البناء وفي تخطيطها وتصميمها وكل ذلك يشكل رأسمالها الثقافي، وقد تكون المدن مراكز ثقافية تحمي صناعات وقت الفراغ والتسلية واللهو ، وقد تكون المدن مراكز للإنتاج الثقافي تحمي الفنون وصناعة الثقافة الجماهيرية والنمط والتلفاز والسينما والنشر والموسيقا الشعبية والسياحة .

Page 4

والاتساع في المجال الثقافي لا يشير إلى السوق المتسع للسلع الثقافية والمعلومات فحسب بل إلى الطرق التي يكون فيها فيضان الصور الثقافية مصدرا يستمد منه الاشباع ، مثلما يحدث في المتنزهات والسياحة والمراكز المجددة ، والمتاحف والأروقة التي تقدم الطعام للزائرين ، وتتاجر قانونيا في الفنون السمعية ، والتأكيد على المشهد الشعبي المبهج ، وتطوير الأسواق والمراكز التجارية.

إلى جانب إتساع مدى الصناعات والمهن الثقافية المؤثرة على اتجاهات الشباب والمتعلمين من الطبقة الوسطي ، وتظهر فاعليات أكثر تجاه أنماط الحياة الشعبية والثقافة الشعبية. مثل الغجر والدادا والسيريالية والمصورين والرسامين ، كلٌ يعمل نحو فن ما بعد الحديث ومحو الحد بين الفن والحياة اليومية، وجعل الحياة اليومية حياة جمالية. ويظهر الاهتمام في ثقافة الاستهلاك الجماهيرية الاهتمام بالنمط والملابس والموضة .

وتناقض ما بعد الحداثة الأصولية في الفلسفة والنظرية الثقافية والاجتماعية، ويترجم هذا في هدم شعبي ديموقراطي للتراتبية الرمزية داخل الدوائر الأكاديمية والفنية والفكرية التى تتنازع فيها الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية ، فالروح الشعبية ضد التراتبية في أى مجال. وتصبح الثقافة كما يقول بودريارد تدفق حر ، وهي في كل مكان وسط نشط وصناعة اجتماعية جمالية أستاطيقية ، وتدفق للصور يؤكد بشدة على الإحساسات السمعية والبصرية والسعادة الوقتية.

ويبدو المعني القديم لثقافات المدينة مترسباً في التقاليد والتاريخ والفنون والمباني السكنية المشهورة وعلامات الحدود التي تعطي الإحساس القوى بالمكان والهوية ، بينما مدينة ما بعد الحديث تشير للعودة للثقافة والنمط والزخرفة داخل حدود فضاء لا مكاني ، وتكون فيه المعاني التقليدية للثقافة منزوعة من السياق ، مصطنعة مكررة يعاد تجديدها وتنميطها ؛ لذلك تكون مدينة ما بعد الحديث أكثر صورا ووعيا ذاتيا ثقافيا ، ومراكز للاستهلاك الثقافي والاستهلاك العام.

فالاعتراف بقيمة صناعة الثقافة آخذ في التزايد بالنسبة إلى اقتصاد المدن. ويتولد الوعي بصناعة الثقافة مثل النشر والتدوين والموسيقا والاذاعة والسياحة والفنون والمؤسسات والبيوت الثقافية التي يعاد تجديدها وتطويرها وتؤدى دورا متناميا في الاقتصاد المحلي بجانب النمو العام في إنتاج السلع الرمزية واستهلاكها. وبالتالي يحدث توازى بين رأس المال الثقافي ورأس المال الاقتصادى.

ويوجد رأس المال الثقافي كما يقول بورديو في ثلاث أشكال :

1 - متعين ( نمط العرض وأسلوب الحديث والجمال ) .

2 - متموضع ( السلع الثقافية مثل الكتب والصور والآلآت والمباني ).

3 - مؤسساتي ( مثل المؤهلات التربوية ).

ورأس المال الثقافي في حالة التموضع مهم بالنسبة للمدن ، فالصيانة النموذجية للمباني والأشياء والسلع والمصنوعات اليدوية أصبحت تعرف بوصفها كنوزاً فنية ، ولكن شرعية التراتبية الرمزية فيها لا يجب أن تكون أبدية ؛ لأنه يوجد مدى واسع من المعاييريمكن أن تصنف عليها المدن بشروط رأس المال الثقافي. ويمكن أن تصبح صور معينة لرأس المال الثقافي مثل الثقافة الشعبية ( الجاز وموسيقا الروك والسينما والمتنزهات العامة ) أكثر شرعية من أبعاد أخرى ، وتكون مصدرا للمكانة العالية . وكذلك يكون الحكم على الذوق الثقافي من موقف التعددية والنسبية ، ويصبح ماهو مستبعد في السابق معترفا به.

وفى رأى فيزرستون تطورت الأخلاق الاستهلاكية الجديدة منذ الثلاثينيات بواسطة الفنانين الغجر والمفكرين كهجوم علني على الأخلاق المسيحية . وكانت الأخلاق الاستهلاكية مضطلعة بصناعة الإعلان والتعبير عن الذات واللحظة والجمال الجسدى والوثنية والتحرر من الالتزمات الاجتماعية.

وكان التنازل المتزايد عن نفوذ الدين في الحياة الاجتماعية مرتبطا بالحداثة ، ومع انحدارالقيم الدينية وتصدع المؤسسات الدينية انغمس الدين في قضايا وجودية قطعية عن المقدس والميلاد والموت والجنس وهلم جرا ، وذلك جعل الدين غير مرئي، وكانت استعارة فيبر الشهيرة في كتابــه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية " عن خُطي الدين في مجال السوق قد أقفل باب الدير خلفه بشدة فأصبح المجتمع الحديث أكثر تحولا عن الدين.

وفي سوق الاستهلاك أصبح الإنسان حراً في أن يختار وأن يقرر لذاته ماذا يفعل بوقته وبيته وجسده وآلهته، وأصبح الدين صنعة وقت الفراغ يبتاع من السوق مثل أى نمط حياة أخرى في ثقافة الاستهلاك.

وتعتبر ثقافة الاستهلاك عموما شيئا مدمراً للدين بشروط تأكيدها على مذهب السعادة واللذة ، ويكون الادعاء غالبا أن الاستهلاكية تؤدى غالبا إلى الفقر الروحى. فأنانية اللذة بفلسفتها ضد نظم النسك والزهد وحسن التدبيروالاقتصاد الذى هو من تعليم الدين.

ولكن عند دوركايم التحديث بعملياته - من العقلنة ، والعلمنة ، والسلعنة وإزالة الأوهام - لا يؤدى إلى حجب المشاعر الاجتماعية الدينية ولكن قد تنهار الأديان الرسمية وتبقي الممارسات التي تجسد اختلافات الحياة المقدسة والدنيوية ، فأى شئ قد يصبح مقدسا ، وكذلك يمكن أن يصبح سلعة دنيوية للرأسمالية ، مثل البطولات الرياضية وحفلات الروك ، وحفلات الزواج ، وتُزيد الصراعات الاجتماعية والمنافسة الإحساس بالمقدس ، وتولد الوفاق الأخلاقي وتؤكده. فمثل هذه المناسبات تولد مشاعر قوية بالاثــــارة "انفعالات سيالة " معززة بقوة في النشاط الشعبي والأغاني والرقص والإشارات الطقوسية ، فالإحساس العام والإثارة والجيشان هذه اللحظات المبهجة يصبح فيها روتين العالم اليومي متحولا إلى عالم مقدس يجعل الناس أقدر على العيش في وفاق أو اتحاد أقرب إلى المثالية.

و يبني دوركايم في فكرته عن دين الإنسانية على أساس فكرته " عن العوامل غير الاتفاقية للاتفاق "حيث يرى أن تعقد المجتمع وتزايد التميز الاجتماعي والثقافي إلى حد أن الشيء الوحيد الذى يمكن للناس استبقاؤه والحفاظ عليه بشكل مشترك هو إنسانيتهم وأدى هذا كله لأن يصبح الشخص الإنساني رمزا قويا للمقدس.

ويؤكد فيزرستون أن ثقافة الاستهلاك ليست ناتجة عن حجب المقدس بواسطة المادية، وبالتالي فإن تعريف الثقافة يجب أن يكون أوسع فلا يركز على نظم ومؤسسات الدين الرسمي فحسب ، ولكن يركز أيضا على العمليات والممارسات الاجتماعية التي يتولد فيها المقدس.

وكانت بداية التغير بقوة نحو ثقافة ما بعد الحديث ( ثقافة الاستهلاك ) في الستينيات 1960 ، حيث التحولات الواسعة في النظام الكوكبى وتوازن القوى على مستوى التفاعل المجتمعى .

أما عن كيفية إرتباط ثقافة الإستهلاك وما بعد الحداثة بالنظام الكوكبى فإن ثقافة الاستهلاك توازى في السلم الكوكبى اتساع قوى الولايات المتحدة فوق النظام الاقتصادى العالمي.

وهنا ترى ثقافة الاستهلاك وقد قدر عليها أن تصبح الثقافة العالمية التي تدمر الثقافات القومية الخاصة في البلاد . ومع ذلك فالدراسات عن تأثير الاستقبال التلفزيوني تؤكد أهمية الاختلافات القومية في قراءة الرسائل الاجتماعية المشفرة المتجسدة في البرامج التفزيونية ؛ لذلك فالقوميات المختلفة والطبقات الاجتماعية سوف تشاهد خلال البرامج التلفزيونية المشهورة عالميا شفرات غير مناسبة . ويمكن التأكيد أيضا أن الاتجاه الذى أشرنا إليه في ثقافة الاستهلاك الذي أوجد النقل المفرط من المعلومات والرموز يعمل أيضا ضد أى اعتقاد كوكبى عالمي صلب على مستوى المضمون ذلك لأن إنتشار صور "الآخر" الأمم المختلفة غير المعروفة سابقا ربما تساعد بشكل فعال على الإحساس بوضع الآخر والإحساس بالظرف الكوكبى.

لذلك في ما بعد الحداثة فقدنا الإحساس " بالآخر " بوصفه غريباً أو أجنبياً، فالانفتاح على الآخر والبحث عن معرفته ، والبحث عن وميض خلف صحف العرض المحملة بإشارات التحول كل هذا ضد التصنيف الثقافي والتراتبية الرمزية بالنسبة للعالم الذى تتشابك فيه الاعتمادات المتبادلة بين الأمم والثقافات.

وهذه التغيرات تحدث على مستوى داخل المجتمع وتدفع بالأكاديميين والمفكرين نحو منظور التعددية الثقافية ، بعضها يقلل من سلطة المفكرين العالميين بسبب ظهور المفكرين الجدد ، والطلب الكبير على السلع الرمزية واختزال دور المفكر إلى دور المفسر والمترجم والمؤول غير القادر على أن يقدم معرفة عالمية.

يمكن فهم ما بعد الحداثة بوصفها صورة ثقافية تضم صور الفوضى والتفكك والتجزؤ والنسبية وانفتاح الفضاء إلى ما يجاوز فرضيات ترسانة الحداثة العالمية، فاستخدام مصطلح ما بعد الحديث يوجهنا إلى الظروف المتغيرة التي يُرى فيها العالم كمكان تأتي فيه الصور المتنافسة للكوكب في الصدارة أو المقدمة.

ويثير فيزرستون السؤال عن إمكانية وجود ثقافة مشتركة أو عامة في مواجهة من يرحبون بالفوضي الثقافية ونهاية الالتزام بالمعني المكَوِّن للقيمة، و يبتهجون بوفاة القانون العام، ويرى فيزرستون أننا لا نستطيع فهم فكرة الثقافة المشتركة بدون أن نسأل من المتحث عنها ؟ هل هم السسيولوجيون والانثروبولوجيون؟ الذين يحاولون إقناعنا أنه توجد ثقافة مشتركة في العالم الاجتماعي، وهل هم أصحاب النظريات الأدبية والنقاد الذين يعملون على إنتاج ثقافة مشتركة متكاملة. وهو ويرى أننا إذا فهمنا مصطلح الثقافة المشتركة وفقا للرأى الأنثروبولجي في اعتبار الثقافة " طريق كامل لحياة الجماعة والناس والمجتمع فإن ذلك " يستلزم تربية العامة بمجموعة من القيم السامية والمترابطة والذوق، تؤدى دورا في تعضيد النظام الاجتماعي وتكامله. وبهذا المعني تكون الثقافة المشتركة موجودة من قبل، ولكن يجرى الآن تدميرها بواسطة الثقافة الاستهلاكية ، ثقافة ما بعد الحداثة ، فهي النقيض للثقافة المشتركة.

وتمجد الثقافة الشعبية التحولات والانحرافات عن الثقافة الرسمية، وتحول المناسبات الكرنفالية العالم رأساً على عقب لحظات من "الفوضى المنظمة " التي تناقض الروتين البطئ للحياة اليومية. ودخلت العناصر الكرنفالية الأدب في الاحتجاج الرومانسى ضد الكلاسيكة، ووجد الاهتمام بالخصوصية والتنوع والثقافة الشعبية في كتابات ودورث Wodsworth وروسو وهردر. واشتد التقليد الكرنفالي قوة في الفن والأدب الغجرى عند المجموعة النشطة في الابتكار والتطبيق ، التي بدأت في باريس في ثلاثينيات القرن التاسع عشر ، وذلك التقليد ناقد بشكل مباشر للعالمية، ويؤدى دورا رئيسياً في ظهور الاهتمام بالثقافة الشعبية منذ السبعينيات، وذلك بعدة طرق منها روح المساواة والنسبية وتدمير التراتبية الرمزية المستقرة طويلا في التربية الرفيعة المؤسسة على الأعمال الكلاسيكية.

وكان الاهتمام بالثقافة الشعبية والبحث عن مصداقيتها يشكل تحديا خطيرا لهوية الجامعة الحديثة، لذلك عملت الجامعة على استبعاد دراسة الثقافة الشعبية وأعطت لها مساحة صغيرة داخل مساقات التاريخ، ونظرت إلى الفولكلور على أنه شيء لا يطور العقل أو الفكر، ومضمونه يثير الأسئلة حول مبادى التربية الرفيعة في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية باعتبارها تصنع تراتبية ثابتة وتسأل عن التقليد المعقول والقواعد والقانون.

وتمثل أيضا دراسة الثقافة الشعبية الهجوم على الوحدة النسقية والنظامية من منظور التنوع والفوضي والديموقراطية والمساواة والتنوع الإقليمي الواسع للثقافات المحلية.

ومن هذا المنظور باتجاهه إلى التنوع الكوكبي تصبح الثقافة المشتركة مشروعا مستحيلاً.

ومع غياب التراتبية الثقافية تصبح دراسة الثقافة الشعبية متأثرة بما هو موجب الاهتمام بالدارج المبهج، مثل خبرة مشاهدة التلفاز، ويصبح الأكاديمي مجرد مترجم لما هو غريب أو أجنبي، وتصبح النسبية الكلمة المشاهدة في أى اتجاه. وتعرض كل الانماط والتقاليد والصور الصور الثقافية للماضى، ويصبح المونتاج والانتقائية قاعدة التنظيم.

وتشير مضامين هذا التغير إلى تحديد دور المفكرين المعاصرين أى الابتعاد عن دور الواثق الجرئ كمشرع من أجل المجتمع والبشرية إلى دور المفسر والمؤول، والباحث عن نظم التقاليد الثقافية من أجل إنتاج مفيد مادى غريب من أجل المشاهد والمستمع. وتغير دور المثقف من دور الواثق في حكمه إلى دور المعلق الذى يقدم الشفرات ويحلها، ويتوقف دور المفكر عن أن يكون موجهاً مرشداً، ويصبح أكثر انغماساً في بحث الخبرة الثقافية الوطنية.

وهنا تبدو الصلة بين ما بعد الحداثة والثقافة الشعبية، تشتهر ما بعد الحداثة بالطبيعة المتعددة الوجوه المحيرة والمربكة وفوضي الثقافة الشعبية وغياب التراتبية. والشكل الشائع ضد التصنيف الثقافي الموجود بين المشتغلين بالإنتاج الثقافي هو اتجاه مستمر من الرومانسية والفن الغجرى، والمجموعة النشطة والحداثة وما بعد الحداثة، ونجد فيه التعدى والمخالفة والشعبي والبحث عن التجديد والابتكار وكل هذا أكسب هذا التقليد الثقافي المضاد شهرة عظيمة في الانتاج الثقافي الاستهلاكي.

وبفعل الدمقرطة الوظيفية انحصر توازن القوى بين الجماعات المسيطرة والجماعات الأقل قوة، وأتسعت التربية العالية للجماعات الغريبة والخارجة في فترة ما بعد الحرب، واتسع عدد الوسطاء الثقافيين في وسائل الإعلام الجماهيرية مما جعل من الصعب على الجماعات المستقرة أن تحافظ على وضعها المسيطرثقافيا، وذلك مهد الطريق إلى عدم المركزية والاعتراف بالاختلافات الثقافية المحلية والإقليمية في العالم الغربي.

وفي العلاقات بين الحكومات الغربية والتكتلات السياسية على مستوى الكوكب وعودة خطاب الآخر، يرفض مفكرو العالم الثالث الالتزام بالتحديث الغربي، مفضلين استرجاع ثقافتهم الشعبية وتقاليدهم الخاصة ؛ ولذلك تحدث المقاومة للعناوين الثقافية المفرطة التي تربطها بهم الأمم الغربية، مثل همجي وبربرى ومتأخر ومتوحش وملون ...وهلم جرا، وبهذه المقاومة يجبرون الغرب على احترام خيارتهم وهويتهم الثقافية الخاصة.

وعلى الرغم من أن الثقافة المشتركة عملية غير مخططة، فهي مع ذلك هي تعتمد على المشاركة والتربية فهي التي تثرى الثقافة المشتركة وتعد الأساس لإزدهارها. ولكن يبدو أن قضية الثقافة المشتركة في أزمة وأن الاتجاه الآن هو الاهتمام المتنامي بالثقافة الشعبية وما بعد الحداثة

وتؤكد مابعد الحداثة مكانتها داخل العمليات التي تشكل المجال الثقافي، وتساعد على نهضة الثقافات الشعبية والكرنفالات، وتقوي الدوافع الشعبية للديموقراطية والمساواة والافتتان بالآخر والتسامح مع السعادة والبهجة المرتبطة بما بعد الحداثة، والدلالات المرتبطة بنهاية الاجتماعي ونهاية المعيارية ونهاية المفكرين العالميين، وتجاوز كل الأطر القديمة يستلزم عادات أكثر مرونة وإعطاء شرعية للاختلاف والتسامح دون استبعاده أو قهره.

و التركيز على تطور عادات أكثر مرونة من جانب المتخصصين الثقافيين والوسطاء والمشاهدين يمكن الارتكان إليه في مشكلة الثقافة المشتركة.

، ويجد فيزرستون في فكرة دوركايم عن العوامل غير الاتفاقية للاتفاق إمكانية التفكير في الثقافة المشتركة ليس على مستوى المضمون أى العقائد والقيم ولكن على مستوى الاختلافات الظاهرة مثل العوامل غير الاتفاقية المدعمة الاتفاق الثقافي الذى تحدث فيه الاضرابات والنزاعات الصناعية حيث يشتبك كل من الحزبين في صراع حاد وفقا لمجموعة من القواعد الأساسية المعترف بها ضمنا والتي هي مشتركة بينما لا يوجد اتفاق عليها إطلاقا . وهي صورة الفكرة المفترضة عن البناء المنتج المرن الذى يسمح للاختلافات أن توجد، ويشكل تمفصلاً أساسياَ منتجاً لمعني الثقافة المشتركة أو يمكن اعتباره نموذجا للثقافة المشتركة، التي يستلزم فيها مشاركة الناس الجماعية القدرة على الاعتراف بالاختلافات باعتبارها شرعية وصحيحة.

ويعتبر فيزرستون أن هذا التصور للوحدة خلال التنوع يسمح بالاختلاف، ويرى أن هذه الفكرة أكثر قبولا اليوم ، وهي التي أنهضت ما بعد الحداثة ، وقوضت مشروع التكامل الثقافي للدولة القومية. وهي فكرة لها فاعليتها في اتحاد الدول الأوسع " مثل الاتحاد الأوروبي " و في "الاقتصاد الكوكبي " وكلاهما يشير إلى الوحدة في إطار التنوع ،وقد نجد الاتحاد الأوروبي يعمل على انتاج مجتمع مثالي ، ورموز موحدة تميز الأوروبيين عن الآخرين، ويحاول خلق هوية أوروبية. وتصبح هذه مهمة المتخصصين الثقافيين.

وقد تكون فكرة الثقافة المشتركة أكثر إمكاناً إذا كان يوجد عرف مشترك تؤسس عليه. ومعني العرف مجموعة الرموز والأساطير والذكريات والأبطال والأحداث والتقاليد ، وجميعها منسوجة في الوعي الشعبي ، وهو الأساس للثقافة المشتركة.

ويمتلك العرف مرونة وقدرة عالية على مقاومة الضغط أكثر مما يتخيل كثير من السياسيين والمعلقين، فهل قوة المقاومة من العرف والتقاليد الشعبية تجعلنا نتخلي عن مفهوم الثقافة الكوكبية باعتبار أن ما بعد الحداثة هو عصر اجتياز الحدود الثقافية والقومية وإلغائها وإعادة رسمها من جديد؟

وتأسيسا على السابق يرى فيزرستون أن ما بعد الحداثة تقدم صورة وأملا للوحدة خلال التنوع ، وتحقيق حلم العالم العلماني المؤسس على فكرة الإنسانية عند دوركايم ، حيث نستطيع تخيل التجانس الثقافي الكوكبي ووجود فكرة الهوية وإنتاجها وذلك إنما يكون على أساس ما يُهدد الكوكب.

وأخيرا أود أن أشكر الزملاء الأفاضل بقسم اللغة العربية ، الأستاذ الدكتور محمود الحنطور، والأستاذ الدكتور محمد أبو العز على مراجعة اللغة العربية للكتاب.

Page 5

مدخـــــــــل

كان بداية اهتمامي بثقافة الاستهلاك في أواخر السبعينيات 1970. وكان المثيرلي هو كتابات أعضاء مدرسة فرانكفورت، ومؤيدي النظرية النقدية ، التي قدموها إلى الجمهور، ونوقشت جيدا في مجلة النهايات ومجلة النقد الألماني الجديد. وقد وجهت نظريات صناعة الثقافة، والتحولات المادية ، والفتشية السلعية، وعقلنة العالم الآداتية الانتباه بعيدا، من التركيز على الإنتاج إلى التركيز على الاستهلاك، وعمليات التغير الثقافي. وقد ساعدتني خاصة هذه المفاهيم أو التصورات المختلفة في فهم المساحة التي تمتد -أدني محاولة الارتياء إلى نظرية - على الأقل في الأوضاع أو الشروط التي اتجه إليها الانتباه مباشرة عند أصحاب النظريات الاجتماعية والثقافية ـ مثل دراسة العصور العتيقة، وبالرغم من أهمية المشكلات النظرية فهي تنشأ في شروط أو أوضاع يتقاطع فيها الزمن المعاش والزمن التاريخي، وخبرة الأجيال، وعلاقة الجسم بالنفس ..الخ كان من الواضح أن محاولات قليلة عملت على استكشاف هذه المشكلات في العلاقة بالعمليات الجوهرية أو الأساسية للتغير الثقافي، وقدمت كتابات أصحاب النظرية النقدية وآخرين خاصة ( Ewen 1976 ) جسرا نافعا بتوجيه الانتباه إلى دور الإعلام والأعلانات والصور نموذج هليوود، ..الخ ، وقد أثير السؤال عن تأثيرهم على الهوية وتشكيلها وممارسات الحياه اليومية . في هذا الوقت كنت أكتب كتابا أنا ومايك هبوورث Mike Hepworth في ( 1982) عن إعادة تعريف العصر الوسيط كمرحلة أكثر نشاطا لشباب الوسيط. والتفسير الذي يوضح تطور الأسواق الجديدة، واتساع الاستهلاك النشط يشير إلى أنماط الحياة الثقافية وتأكيدها على الشباب، والتناسب، والجمال، ويبدو ذلك لهذه المجموعة مقبولاً ظاهريا. وكان التعبير عن هذا بوضوح في ورقة بحثية بعنوان "العصور والتباين: ثقافة الاستهلاك وإعادة تعريف العصر الوسيط "( هبوورث وفيزرستون 1982)، وألقيت هذه الورقة في 1981 في مؤتمر الجمعية الاجتماعية البريطانية، وقد أتبعتها بجزء نظري أكثر عن "الجسد في ثقافة الاستهلاك (فيزرستون 1982 ) وبالتبعية كان نشر النتيجة الخاصة في جريدة " نظرية الثقافة والمجتمع" عن "ثقافة الاستهلاك" في 1983.

واليوم حيث يوجد تطور مستقر في الاهتمام بمصطلح " ثقافة الاستهلاك " واستخدامه . لم تعد نظريات "أدورنو" و "هوركيهيمر" و "ماركيوز" وبعض النظريين النقديين الآخرين تُمْنَحْ اهتماما عظيما. و يمثل اتجاههم في الغالب نقداً نخبوياً للثقافة الجماهيرية التي بنيت واعتمدت على على ما يعتبر الآن اختلافات أو تميزات غامضة مشكوك فيها بين الفردية الحقيقية والفردية المزيفة. بين الحاجات الزائفة والمطالب الحقة. إنهم يهتمون بشكل عام بازدراء الثقافة الجماهيرية وتحقيرها ، لكونهم أقل تعاطفا بالنسبة لكمال سعادة أو بهجة الطبقات الشعبية. والموقف الأخير مصدق عليه بقوة ومُرجح عند مابعد الحداثة. إلا أنه بالرغم من الاتجاه الشعبي المؤيد في تحليله ثقافة الاستهلاك قد أثيرت بعض القضايا عند النظريين النقديين مثل "كيفية التمييز بين القيم الثقافية" و "كيفية صنع الأحكام الأستاطيقية، وعلاقاتها بالقضايا العملية" كيف يجب أن نعيش"، وتلك القضايا يمكن مناقشتها وهي لم تلغ بالفعل ولكنها وُضِعَتْ جانبا فقط .

وهنا تكون أهمية موضوع التأمل الذي يظهر بقوة أشد في الفصول الخاصة بما بعد الحداثة: والسؤال وثيق الصلة بالموضوع: كيف ولماذا نختارالإطار المرجعي الخاص والمنظور النقدى؟ فإذا نحن درسنا الاستهلاك و مفاهيم أو تصورات مثل إدارة ثقافة الاستهلاك لشق طريقها داخل التيار الرئيسي للعلم الإجتماعي والدراسات الثقافية، والأجهزة التصورية. فما معني هذا؟ وكيف يكون؟ ذلك أن دراسة الاستهلاك والثقافة، كان كلاهما يدرس بشكل عرضي حتي خُططت الدراسة حديثا بوضوح كدراسة استنتاجية ومحيطية ونسوية، باعتبارها ضد المركزية التي كانت موافقة كثيرا للمجال الذكوري للانتاج والاقتصاد – ويفترض لها مكانة أكثر أهمية في تحليل العلاقات الاجتماعية والتمثلات أو الصور الثقافية؟ وهل نحن ننتقل إلى حقبة جديدة في داخل التنظيم المجتمعي الذي فيه كل من الاستهلاك والثقافة يؤدى دورا متقاطعا؟ و توجد مختلف هذه القضايا في كتابات بيل Bell وبودريار Baudrillard، وجيمسون Jameson وتُنَاقش في هذا الجزء، إلا أنه بالاضافة إلى هذا الافتراض شبه المعقول فنحن نتحرك أو ننتقل داخل حقبة أو فترة الرأسمالية، ( الرأسمالية الاستهلاكية )، و تصنيع أو صنعنة ( مجتمع مابعد - الصناعي أو مجتمع المعلومات )أو التحديث ( التحديث الأرقي أو مابعد التحديث ) الذي هو جديد تماما ومتميز وأجازالتصور أوالمفهوم الجديد لإعادة توجيه انتباهنا إلى أننا يجب أيضا أن نواجه إمكانية أنه ليس "الواقع " هو الذي يتغير ولكن إدراكنا له. ووجهة النظر الأخيرة هذه مغتنمة من المقطع الشعري عند ماكس فيبر "كل يري ما في قلبه الخاص" ذلك المقطع الذي يتصدر الفصل الأخير في هذا الكتاب، ومع ذلك نحن نحتاج لاستقصاء عمليات تشكيل المفهوم، وعمليات ضد التشكيل بين المتخصصين الثقافيين (الفنانين والمفكرين، والأكاديميين، والوسطاء الثقافيين). وهذا يوجه انتباهنا نحو العمليات المعينة التي تحدث في المجال الثقافي المتخصص، ومجالاته الفرعية المتنوعة: الصراعات بين الجماعات المستقرة، والجماعات الخارجة على احتكار التراتبية الرمزية الثابتة. وذلك يكون فقط عن طريق محاولة فهم الممارسات المتغيرة، والاعتمادات المتبادلة، وتوازنات قوي المتخصصين الثقافية الذين يؤثرون في إنتاج الثقافة المتخصصة. وبالمعني المحدد للنماذج الثقافية. والتأويلات أو التفسيرات وأجهزة الرأي، وعلوم التربية، والتعليقات، ونحن نستطيع أن نفهم جيدا طرقنا في إدراك وتقويم الثقافة الموجودة كذلك مشكلة العلاقات المتبادلة بين الطبيعة المتغيرة لصياغات الثقافة المتخصصة والمختلفة وليست النظم المتنوعة للمعني والممارسات التي تصنع ثقافة الحياة اليومية مهمة فحسب في فهم المرجح نحوتقييم الجماهير الإيجابي والسلبي للثقافات الشعبية والاستهلاكية، ولكن أيضا أؤكد كذلك أنها محورية بالنسبة لفهم ما بعد الحداثة. وكانت قضيتي في الاهتمام بما بعد الحداثة هو النمو الكبير للمشكلات التي تواجه محاولة فهم ثقافة الاستهلاك، والحاجة لاستكشاف عمل الروابط المباشرة بين ثقافة الاستهلاك وما بعد الحداثة بواسطة بيل، وجيمسون وبورديار وبومان Bauman وآخرون.

Page 6

ومع ذلك عدد الفصول في هذا الجزء يوضح أيضا اهتمامي بالوصول إلى مصطلحات، عن مجموعة المشكلات المثيرة التي اصطنعتها نهضة ما بعد الحديث Postmodern وأحاول بحث ما بعد الحديث ليس بوصفه حركة ثقافية فحسب وجدت بواسطة الفنانيين، والمفكرين، والاختصاصين الثقافيين الآخرين، ولكنني أبحث أيضا في كيفية ارتباط هذا المعني المحدد لما بعد الحداثة Postmodernism بالتغيرات الثقافية الواسعة المزعومة في الخبرات اليومية والممارسات التي يمكن اعتبارها ما بعد الحديث، هذه العلاقة لا يمكن أن تكون مجرد افتراض بأنها العلاقة التي يؤدي فيها المتخصصون الثقافيون دورا سلبيا، خاصة مثل المتلقين الأنغام المنضبطة جيدا، الموضحين والمفسرين للإشارات واثار التغيرات الثقافية، ودورهم النشط واهتمامهم بتربية المستمعين أوالمشاهدين وتشكيلهم، أي يصبحون سريعي التأثر، أو حساسين خاصة بالنسبة لتفسير مجموعات معينة من الخبرات. والأشياء المصنعة بواسطة الإنسان التي تعنون ما بعد الحديث يجب استقصائها أيضا. وهذا يشير أيضا إلى قوة تغير الاعتمادات المتبادلة وصراعات القوى بين المتخصصين الثقافيين، والجماعات االمتخصصة الأخري (الاقتصاديين، والسياسيين، والاداريين، والوسطاء الثقافيين) الذين تتأثر قدرتهم باحتكار المعرفة وعدم احتكارها، ووسائل تنظيم السلع الثقافية. وباختصار نحن لا نحتاج أن نسأل فحسب ( ماذا يكون ما بعد الحديث؟)، ولكن كيف ولماذا نحن مهتمون بهذا السؤال خاصة؟ ذلك أننا نحتاج للبحث في الشروط الممكنة للقبول الإيجابي لتصور ما بعد الحديث، وظهوره كصورة ثقافية قوية تماما، بصرف النظر عن التغيرات الثقافية الحقيقية، والعمليات الاجتماعية، والتي قد يرغب البعض أن يكون لها الصدارة دليلا على ما بعد الحديث، ذلك التغير المزعوم الفائق أو المجاوز للحديث.

وبينما قد يكون العمل على مستوى عالي من التجريد مشروعا تماما يعنون الفترة الواسعة الخاصة بالتاريخ الغربي بوصفها تحديثا modernity محددا بشروط أو مجموعة دقيقة من الصفات. ومن ثم نفترض أننا نتحرك بعيدا عن هذه النواة نحو شيء ما آخر. إلا أنه أيضا تحديد ضعيف حيث يكون الخطر وجود مجموعة الملامح أوالصفات المناقضة جدا المصاغة أولا والتي تعتبر سلبا للتحديث. ويبدأ التظاهر كثيرا بالحياة المليئة بالأماني الخادعة، والتي قد تبدو أن تكون حقيقية. وأولئك الذين كانت نظرتهم موجهة سابقا بواسطة صور النظام وأشكاله، والتماسك، والوحدة النسقية، تعلموا الآن النظر خلال أطر معرفية جديدة تؤكد الفوضي، والغموض، والاختلاف. أليس ذلك خطوة واسعة نحو ما بعد التحديث Postmodernity وهوالمصطلح الذي يحمل قيمة التغير في فترة أساسية قد أصبح مقبولا أومصدَّقا بواسطة محموعة استدلالات بالمثل من علم المصطلحات، هكذا مثل مصطلح مجتمع ما بعد الصناعي، أومجتمع المعلومات المرغوب دعمه ، ولا يوجد شيء خطأ بالمستوي الرفيع للنظرية التأملية ،إلا إذا أصبحت موجودة ومشروعة بوصفها نجحت في نزع الثقة عن الحاجة إلى البحث التجريبي. و قد يبدو لسوء الحظ أن هذا قد يحدث أحيانا مع مصطلح ما بعد الحديث وعائلته المترابطة. وبالتالي قد يؤكد البعض أن مضامين مابعد الحداثة هي ما يجب أن نعمل على نزع الثقة منها، والتخلي عن علوم مناهج البحث القديمة، ولا نحاول تبرير ما بعد الحديث، فضلا عن أننا يجب أن نمارس ما بعد الحداثة ونصيغ أو نشكل علم اجتماع ما بعد الحديث.

وغرضى الأساسي في هذا الجزء هو فهم كيف نهضت ما بعد الحداثة، وأصبحت قوة كاملة، وصورة ثقافية مؤثرة. فليس هذا ادعاء أن مابعد الحداثة هي مجرد بناء مصطنع متعمد للمفكرين غير الراضين تماما لتزايد قوتهم الممكنة الخاصة. بعيدا عن ذلك، يكون بالأحري إثارة القضايا حول إنتاج المعرفة والثقافة ونقلهما ونشرهما. فقد تناولت أيضا الفصول المتعددة الخبرات والممارسات المخططة بوصفها مابعد الحداثة، والعمل بشكل جاد على استقصاء مدي الظواهر المرتبطة بهذه المقولة وإدراكها وفهمها، إلا أننا في الحال نركز على الخبرات والممارسات الحقيقية أو الفعلية، ويكون واضحا أنه يوجد تشابهات بين هذه الخبرات والممارسات ما بعد الحديث المزعومة، وكثير من تلك الخبرات والممارسات المحددة بوصفها خبرات وممارسات حديثة (بمعني التحديث)، وحتي ماقبل الحديث. وهذا يجب أن يوجهنا بعيدا عن بعض الثنائيات البسيطة والثلاثيات المقترحة بواسطة مصطلحات " التقليد " و " الحديث " و " وما بعد الحديث " وتقودنا أيضا إلى دراسة واعتبار التشابه والتواصل في الخبرات والممارسات، التي يمكن ملاحظتها أيضا بفاعلية عبر الحديث (ومقولاتها المصاحبة : تحول الحداثة). وهكذا تكون النتائج النظرية، مشكلات عملية بناء المفهوم والتعريف الضروري لإدراك أو فهم الوثبة المزعومة أو اتساع دور الثقافة في المجتمعات المعاصرة، التي صنعت قضية ما بعد الحديث، مثيرة للاهتمام أيضا.

مثل هذه القضايا أو الأسئلة النظرية، حول علاقة الثقافة بالمجتمع، التي تدل على أننا انشغلنا طويلا جدا بشكل واضح بالتصور الاجتماعي للأبنية الاجتماعية. والاقتراح – الذي ظهر في الثمانينات 1980 - أن تصورنا العام للثقافة في حاجة لمراجعة رئيسية. حقا قد يكون من الصعب أن نفصل سؤال أو قضية ما بعد الحديث عن نهضة الاهتمام الملحوظة بالثقافة النظرية ودفعها إلى الأمام من واقع محيط المجالات الأكاديمية المختلفة نحو مركزها، وهذا ينعكس أيضا في الاهتمام الذي أعطيناه لما بعد الحداثة في جريدة " النظرية والثقافة والمجتمع " في عدد من النتائج أو القضايا الدقيقة، وكان اهتمامنا في المقام الأول متجها نحو المناقشة بين هبرماس وفوكو التي شجعتني على بناء نتيجة دقيقة عن ( نظرية الثقافة والمجتمع T C S ) حول السؤال عن ( مصير التحديث ) ( 1985 ،2 ،3 ). وقد أصبح واضحا في تخطيط هذه النتيجة أو هذه القضية والإجابة اللاحقة أن سؤال أو قضية ما بعد الحداثة تحتاج إلى معالجة أوسع وأكمل . وهذاحادث في النتيجة الدقيقة المزدوجة عن " ما بعد الحداثة " ) 1985 ، 5 (2-3) ). وأنا أدعو مع الوقت إلى الاهتمام جيدا بالمذهب الشكي حول ما إذا كانت ما بعد الحداثة بدعة أم تقليعة ومسألة موضة قصيرة الأجل . ومن المؤكد أن ما بعد الحداثة عمرت أكثر من بقاء بدعة ، ومع ذلك تظهر رموز الصورة الثقافية القوية الفعالة باقية لبعض الوقت. وهذا سبب جيد بالنسبة للعلماء الاجتماعيين وآخرين ليكونوا مهتمين بها. إلا أنه يظهر هناك عن هذا السبب أوالدافع تصورات أو مفاهيم علمية لما بعد الحديث يمكن أن تكون متكاملة في ترسانة من التصورات أو المفاهيم المألوفة. أو حتي تفوقها أو تتجاوزها وتشير إلى الحاجة لأساليب تصورية، وإطارات عمل معرفية، تبقي مرئية. وكما هو قائم، نحن لا نستطيع إلا أن نرحب بظهورمابعد الحديث بالنسبة لمجال المشكلات النظرية الثقافية والاجتماعية التى تتراكم.

Page 7

إنني أود أن أشكر كل زملائي وأصدقائي (1) المشتغلين بنظرية الثقافة والمجتمع لمساعدتهم وتشجيعهم معا في وضع هذا الكتاب. خاصة وإنني ناقشت كثيرا من الأفكار بتوسع مع ومايك هبوورث، رولاند روبرتون، وبريان تورنر وإنني ممتن كثيرا لدعمهم، وإنني أود أيضا الاعتراف بتشجيع ومساعدة ستيفن بار، وزيجمونت بومان، وستيف بست، وجوزيف بلياشر، ورويا بوياني، ودافيد نوربرت إلياس ، وجوناز، وشاني وأخيراونورمان دنزين، وفريد كروكر ، وسكوت لاش، وهانز موماز وستيفن مينيل، وكرلو مونجارديني، وجورج ستوت، وفردريك فيرناك، وكاس فوترز، وتنبروك، وليم فان ريان، ودريك فاني، فقد ناقشت معهم كثيرا من النتائج التي نتجت عن هذا الجزء. بالاضافة إلى ذلك إنني يجب أن أذكر الدعم الكريم المقدم من زملائي في قسم الإدارة والدراسات الاجتماعية في Tesside Polytechnic ، وبشكل خاص دور أوليفر، ولورانس تاسكر كولثارد الذين وفرو الدعم المؤسسي لي، وتشجيعهم الذي ساعد على إحياء جريدة " النظرية الثقافة، والمجتمع "، وكان دعما خصبا قويا لاهتمامي بما بعد الحديث. وأود أن أشكر أيضا جان كونيل، ومارلين ملبر، وقسم إعداد المعلومات لفهرستهم بصبر التحولات الكثيرة في الفصول المختلفة.

و بدت أو ظهرت الفصول بالتحولات السابقة الآتية :

1 - الحديث وما بعد الحديث : تعريفات وتفسيرات ، قدمت في سيمنارات كلية جولد سميث في جامعة لندن في فبراير 1988 ، وجامعة ترنت ، وجامعة بيتربوه في Ontario في مارس 1988 ، وفي Amalfi European Prize للمؤتمر السيسولوجي في ِ Amalfi إيطاليا في مايو 1988. فضلا عن النسخة المقدمة في مركز أبحاث الدراسات الاجتماعية في Lisbon في يونيو 1989 .وبدا التحول فيها وكأنه تتبع ما بعد الحديث في " النظرية الثقافة والمجتمع " 5 (2-3).

2 – ونظريات ثقافة الاستهلاك ، نسخة منقحة للورقة البحثية " منظورات في ثقافة الاستهلاك ، التي ظهرت أولا في علم الاجتماع 24/1 /1990.

3 – وبحث" نحو علم اجتماع ثقافة ما بعد الحديث " كان قد قُدم في سيمنار في جامعة Leeds في مايو 1987 ، وفي مؤتمر مجموعة النظريات السوسيولوجية الأوروبية عن " البناء الاجتماعي والثقافة " في " برمن " في مايو 1987. وقد نشر عند H. Haferkamp ( محرر) "البناء الاجتماعي والثقافة " برلين ، والناشر de Gruyter ، 1990 .

4 – " التغير الثقافي والممارسة الاجتماعية " ورقة قُدمت في ورشة عمل نظمها فريدرك جيمسون ، مع دوج كيلنير في مؤتمر الجمعية الدولية للآداب والفلسفة ، في لورانس كينزي في مايو 1987، وكانت منقحة للنشر عند دوج كيلنير (محرر) " مابعد الحداثة وجيمسون والنقد " ، وشنطون: مطبعة Maisonneuve في 1989.

5 – وكان أول تقديم لورقة " جماليةالحياة اليومية " في مؤتمر جمعية الثقافة الشعبية ، في نيوأورينز الجديدة في أبريل 1988. وكان تقديمه أيضا في مؤتمر عن " التحديث كتاريخ " في كوبنهاجن في سبتمبر 1988 . وفي سيمنار جامعة لوند ، في السويد في أكتوبر 1988. وسوف تظهر طبعة له عند لاش ، وفريد مان ( المحرران ) " للحداثة والهوية " ، أكسفورد ، الناشر باسيل بلاك ويل.

6 – و قدمت ورقة " نمط الحياة وثقافة الاستهلاك " أولا في مؤتمر عن " الحياة اليومية : وقت الفراغ والثقافة " في جامعة تيلبرج في ديسمبر 1985. وقد ظهرت عند أرنست ميجير Meigier ( محرر) أعمال مؤتمر " الحياة اليومية : وقت الفراغ والثقافة "، تيلبرج ، 1987. وفي نظرية الثقافة والمجتمع 4(1)، 1987.

7 – كان بحث " ثقافات المدينة وأنماط حياة ما بعد الحديث " مقدما في مؤتمر " وقت الفراغ الأوروبي السابع، ومؤتمر جمعية " إعادة بناء مدن المستقبل "، نوتردام ، في يونيو 1989. لقد ظهر فيما بعد المؤتمرفي جزء عن " مدن المستقبل " حرره ميرسوني L. J. Meiresonne , ونشره The Hague :Stichting Recreatic, ، 1989.

8 - وكان بحث " ثقافة الاستهلاك والفوضي الكوكبية " مقدما في مؤتمر عن " الدين ومطلب النظام الكوكبي " عند القديس مارتن في غرب الهند في اكتوبر 1987. وقد حرره رولاند روبرسون، وجاريت W. R. Garrett. فقد حرر أعمال مؤتمر " الدين والنظام الكوكبي "، نيويورك بارجون هوس.

9 - وبحث " ثقافة مشتركة أو عامة أم ثقافات غير مشتركة؟ كان أول تقديمه في مؤتمر مؤسسة التربية عن، عن قيمة التربية العليا، كلية القديسة Anne أكسفورد في مارس 1989، وظهرت النسخة المنقحة في تأملات عن التربية الراقية 4(ديسمبر) 1989.

Page 8

أولا : مقدمـــــــــــــــــة

إن أي إشارة لمصطلح " ما بعد الحداثة " يكشف مباشرة إحدى المخاطربكونه متهما بالانحياز إلى تخليد البدع أو الهوس الفكرى فضلا عن السطحية واللامعني . ومن مشكلات هذا المصطلح أنه في لحظة يكون موضة ، إلا أن التعريف أو التحديد ، مراوغ محير بشكل مثير. مثلما في القاموس الحديث اليوم لتوثيق الأفكار المسلم بها ، " ليس لهذة الكلمة معني ". والاستعمال غالبا شبه ممكن "( جريدة الاستقلال ، 24 ديسمبر 1987) ، ومبكرا قبل عقد من أغسطس 1975 نشرت جريدة أخري أن " ما بعد الحداثة قد ماتت " ، و أن " بعد ما بعد الحداثة post – post- modernism هي الشيء الموجود الآن "، ( بالمير Palmer 1977 : 364 ). وإذا كانت ما بعد الحداثة موضة سريعة الزوال ،فإن بعض النقاد كانوا واضحين كذلك بالنسبة لمن هم المسئولون عن شهرتها ، واليوم خطط النظريون المجال من دراسات مجلداتهم ، في الفنون التطبيقية والجامعات ، وهم ملتزمون بإبداع أو اختراع الحركات بسبب مهنتهم - وليسوا هم أقل من أولئك المشتغلين بالتعدين أو بصيد الأسماك – يعتمدون على مهنتهم. وأكثر الحركات التي يستطيعون أن يعطوا أسماء لها سوف تكون الحركات الأكثر نجاحا ( Pawley ). وهذه الاستراتيجيات بالنسبة لنقاد آخرين ليست حركات داخلية تماما داخل المجالات الفكرية والأكاديمية؛ إنهم مؤشرات واضحة ومقاييس " للتوعك أو الانحراف في قلب الثقافة المعاصرة " ولذلك ليس من الصعب إدراك أو فهم هذا الاتجاه الاستاطيقي الثقافي المعروف الآن بوصفه ما بعد الحداثة ـ في الفن ، وهندسة البناء ، والموسيقي ، والسينما ، والدراما ، والقصص الخيالية ـ كانعكاس للموجة الحالية لرد الفعل السياسي الجارف للعالم الغربي (Gott ، 1986) ولكن يرى الكل بسهولة ما بعد الحداثة كرد فعل ، وتفكير ميكانيكي أو آلي في التغيرات الاجتماعية ، ويلام الأكادميين ، والمفكرين لصياغتهم المصطلح كجزء من ألعابهم المميزة. وحتي مع ذلك يستخدم نقاد جريدة معروفة وبعض من المفكرين المصطلح بطريقة تهكمية مرفوضة ، وهم يؤكدون أن ما بعد الحداثة تطالب كفاية بمصلحة المشاهدين أو المستمعين من الطبقة الوسطي العريضة . وتدعي قلة أخرى أن المصطلحات الأكاديمية الحديثة تتمتع بشعبيه كذلك ، إلا أنه لا يكون مجرد مصطلح أكاديمي يكتسب زخما من " الحركات " الفنية ويجذب أيضا الاهتمام العام الكبير ، خلال قدرتها على التحدث عن بعض التغيرات الثقافية ، التي نسيرنحن عبرها.

قبل التطلع إلى وسائل انتقال المفهوم وانتشاره ، نحن بحاجة إلى فكرة أوضح عن مدي الظاهرة أو مجال الظاهرة التي هي داخلة بشكل عام تحت مظلة تصور مابعد الحداثة، لذلك نحن في حاجة لأن نأخذ في الاعتبار الأهمية العظيمة ،وكذلك الإثارة التي أحدثتها مابعد الحداثة ونتجت عنها داخل كل من الجانب الأكاديمي وخارجه، وإثارة الأسئلة حول مدى الموضوعات الثقافية، والخبرات والممارسات التي قدمها النظريون، وعنونت ما بعد الحديث. قبل أن نقرر أصلها السياسي أو نرفضها باعتبارها مجرد اهتزاز أو تأرجح بسيط للبندول.

في المقام الأول، يكون المدي الواسع للمجالات الأكاديمية، والفكرية، والفنية، التي يستخدم فيها مصطلح "مابعد الحداثة"، مدهشا لافتا للنظر، فنحن لدينا موسيقا (بريارس Briers ، وستكهوزين Stockhausen ، وكاجي Cage، ولورا أندرسون Laurie Anderson ، تردياسي Tredici ، وهولوواى Holloway ) ولدينا فــــن (روزنبرج Rauschenberg ، وبسيلاتز Bselit وماخ Mach ، وسكنبل Schnabel ، وكايفر Kiefer ، والبعض يدرج أيضا فارهول Warhol ، وستينيات فن البوب ، وآخرون يدرجون بيكون) ، والقصص الخيالية (Vonnegut'sSlaughterhouse Five ورويات بولارد ، وبروج ، وبيانكون ، وبارتليمي ، وبارث ، ودكتورو ) ، ولدينا فيلم ( Body Heat, The Wedding , Blue Velvet, Wetherby ) ، ودراما ( مسرح الـ Artaud ) ، والتصوير(برنس ، وليفين ، وشيرمان ) ( Sherman, Levine, Prince ) ،وفن المعمار أو هندسة المعمار ( Jencks , Venturei , Bolin )؛ ونظرية الأدب والنقد( Spanos Hassan Sontag , Fielder )؛ والفلسفة ( دريدا ، وليوتار ، وروتي ، وفيتمو ، وبودريارد )، والانثروبولوجيا ( كليفورد ، وماركيوز وتايلرى) ؛ والسوسيولوجي (Denzin )؛ والجغرافيا (( Soja. وكل أسماء أولئك المدرجة في القائمة وأخرى لم تدرج سوف تصدم البعض باعتبارها مثيرة للجدل. ولنأخذ مثالا القصة الخيالية كما أكدت ليندا هوتشسون (2: 1984)، ويرغب البعض أن تشتمل على روايات أو قصص جراسيا ماركوز Garcia Marquez وأيضا Cervantes تحت عنوان مابعد الحداثة ، ويريد آخرون أن يشيروا إليهم بوصفهم المشوهين الجدد و المشوهين baroque . . يريد سكوت لاش Scott Lash اعتبار الدادا Dada بوصفها ما بعد الحداثة وكذلك المجموعة النشطة في مجال الكتابات الأدبية ( لاش Lash 1988) ، ويوجد أولئك الذين يعملون ويكتبون على غير دراية بوجود المصطلح ، والآخرون الذين يبحثون عن فكرة رئيسية ويروجونها أو يشجعونها بفاعلية . ومع ذلك يمكن التأكيد أن أحد الوظائف الهامة في ما بعد الحداثة من قِبَل النقاد، وبعض المفكرين، والوسطاء الثقافيين، والأكادميين نشر أو إذاعة المصطلح بالنسبة إلى المشاهدين والمستمعين في أوسع الاجتماعات المختلفة على المحيط القومي والدولي. (هذا هو أحد المعاني التي يمكن فيها أن يتحدث المرء عن كوكبيـــــــــة الثقافة)؛ ولكي تزداد سرعة تداول المصطلح بين المجالات الأكاديمية المختلفة، ومجالات الفنون التي تحتاجه الآن، وعليها أن تبدي انتباها شديدا بالتطورات بين جيرانهم. بهذا المعني يكون من الممكن أن يظهر شيء من الاتفاق الكبير على معني المصطلح أخيرا، كما يجد المعلقون، في كل مجال خاص أنه من الضروري إجمال القول وتفسير التاريخ المعقد للمصطلح واستعمالاته في نظام التربية الجديد ، والاجتماعات الأكاديمية.

والعمل من أجل معني إجرائي "لما بعد الحداثة " يكون من المفيد تحديد مجموعة أو عائلة المصطلحات المشتقة من مصطلح " ما بعد الحديث " ، وهذه المصطلحات يمكن فهمها جيدا عن طريق مقابلتها بتلك المصطلحات التي هي نشأت عن مصطلح " الحديث ".

الحديث Modern مابعد الحديث Postmodern

التحديث Modernity ما بعد التحديث Postmodernit

الحدثنة Modernization مابعد الحدثنة Postmodernization

الحداثة Modernism ما بعد الحداثة Postmodernism

فإن كان " الحديث " و " ما بعد الحديث " مصطلحات عامة يكون واضحا أن البادئة ما بعد " post " إنما هي تشير إلى ما يأتي بعد أو القطيعة مع "الحديث " و " ما بعد " معروفا أنه مختلف مناقض للحديث ؛ لذلك فإن مصطلح " ما بعد الحداثة " مؤسس بقوة على رفض " الحديث " وذلك بالتخلي الواضح والقطيعة والتغيير المبتعد عن الملامح المحددة للحديث ، مع التأكيد بشدة على معني الحركة المتصلة في الابتعاد عن الحديث. وهذا قد يجعل " ما بعد الحديث " مصطلح نسبي غير محدد لأننا نكون فقط على عتبة التغيير المزعوم ، وليس في وضع يستطيع أن يري "ما بعد الحديث " مثل نبتا موضوعيا كاملا محددا بشكل شامل بحكم حقه الخاص ، ولنحتفظ بهذا في ذهننا حتي نستطيع أن ننظر بدقة إلى المصطلحين ونفحصهما بدقة.

Page 9

ثانيا : التحديث وما بعد التحديث

يقترح هذا العنوان معني زمني للمصطلحات، ويرتبط عموما وجود التحديث بالنهضة فقد وجد معها، وكان معروفا في علاقة بالعصور القديمة كما جاء في الجدل و المناقشة بين القدماء والمحدثين من وجهة نظر النظرية الاجتماعية الألمانية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين والتي نحن نستمد منها معني المصطلح الموجود لدينا، والتحديث هو نقيض النظام التقليدي يدل على اقتصاد تقدمي وعقلانية إدارية وعالم اجتماعي مختلف أو مميز، وهذه العمليات في رأي ( فيبر وتوني وسيمّل Weber,Tonnies ,Simmel ) أوجدت الدولة الصناعية الرأسمالية الحديثة، والتي كانت غالبا تري في الماضي من منظور مختلف ضد المنظور الحديث.

وتأسيسا على السابق يوحي الكلام عن " ما بعد التحديث " بتغيرحقبة أو القطيعة مع " التحديث " ويشمل ظهور كلّ اجتماعي جديد بمبادئه التنظيمية الخاصةالمميزة أو المختلفة، وقد كان اكتشاف نظام التغير هذا في كتابات بودريار Baudrillard وليوتار Lyotard وإلى حد ما جيمسون Jameson ( كلنر 1988 ). يسلم كل من بودريار وليوتار بالحركة نحو عصر ما بعد التصنيع، ويؤكد بودريار ( a 1983 ) على أن الأشكال الجديدة للتكنولوجيا والمعلومات، قد أصبحت محور التغير من النظام الاجتماعي الإنتاجي إلى إعادة إنتاج النظام الاجتماعي الذي تتزايد فيهاالتصنَّعات والصور التي تشكل العالم إلى حد أن أصبح التمييز بين الحقيقي والمظهر ممحيا. ويتحدث ليوتار ( 1984) عن مجتمع ما بعد الحديث، أو عن عصر ما بعد الحديث، والذى هو مقدمة للانتقال إلى النظام ما بعد الصناعي، وكان اهتمامه الدقيق بتأثير "الكومبيوتر على المجتمع" على المعرفة ، وهو يري أن افتقاد المعني في "ما بعد التحديث" لا يجب أن يكون مفجعا أو محزنا لأنه يشير إلى استبدال معرفة الرواية بتعدد الألعاب اللغوية، و استبدال العالمية بالمحلية. ومع ذلك فإن ليوتار مثل كثير ممن يستخدمون عائلة و مجموعة المصطلحات يغير أحيانا الإشارة من مصطلح واحد إلى المصطلح الآخر الذى يليه ويبدل أو يحول في استخدام المصطلح، ويفضل مؤخرا التأكيد كثيرا على أن "ما بعد الحديث" إنما هو يعتبرجزءً من الحديث، فمثلا، يكـــــــتب ليوتار في "القواعد والمفارقات والملحق المنقح" أن "ما بعد الحديث" ربما هو المصطلح الأسوأ كثيرا بسبب أنه ينقل فكرة التعاقب التاريخي. ومع ذلك يبقي تصور التعاقب تصوراً كلاسيكياً أو تصوراً حديثاً. ويشير ما بعد الحديث ببساطة إلى مزاج عقلي أو حالة أفضل للعقل أو للفكر ( ليوتار 1986 -1987: 206 ) والموضوع الآخر المهم ملاحظته حول استخدام ليوتار مصطلح ما بعد التحديث في كتابه " حالة ما بعد الحديث" أن ليوتار عندما يتحدث عن التغيرات في المعرفة المصاحبة لحركة مجتمع ما بعد التصنيع هو ما زال يتصور هذا بوصفه واقعا أو حادثا في الرأسمالية ، وذلك يضيف ثقلا أو قيمة لحجة النقاد أن حركة مجتمع ما بعد الحديث هي أقل تنظيرا في أعمال ليوتار ( انظر كلنر 1988 ) ، رغم الحركة المفترضة أو المسلم بها في بعض الموضوعات يكون من السهل تجنب الاتهامات المدخرة أو المعدَّةعن تقدير أو أهمية الرواية الكلية لحركة ما بعد التحديث وحجب الروايات الكلية بالإصرار على الفكرة أو التصور المنتشر كثيرا عن مزاج أو حالة العقل أو الفكر. ونجد عند فريدرك جيمسون ( 1984أ ) مفهوم زمني محدد لما بعد الحديث ،إلا أنه يعارض إدراكه كتغيرحقبة أو كتغير تاريخي ، فضلا عن أن ما بعد الحداثة هي السيطرة الثقافية والمنطق الثقافي للحقبة العظيمة الثالثة من الرأسمالية في الفترة المتأخرة التي بدأت فيما بعد فترة الحرب العالمية الثانية.

وتوجهنا رؤية ليوتار لما بعد الحديث ( مزاج أو حالة للعقل ) نحو المعني الثاني للتحديث وما بعد التحديث . يشير الاستخدام الفرنسي لمصطلح التحديث إلى خبرة التحديث التى يُري فيها التحديث كصفة للحياة الحديثة تشمل معني الانقطاع أو عدم التواصل في الزمن ، والقطيعة مع التقليد ، شعور بالجديد غير مألوف والحساسية وبطبيعة الحاضر العارضة سريعة الزوال ( انظر دافيد فريسبا Frisby 1985) . هذا هو معني الوجود الحديث المرتبط ببودليار Baudelaire والذي يستتبع أو يستلزم كما يناقش فوكو جسارة ساخرة من الحاضر . فالإنسان الحديث هو الإنسان الذي يحاول باستمرار أن يبتكر أو يصنع نفسه ، وتعطي هذه المحاولة معني لخبرة الحياة في الأماكن المدنية الجديدة وثقافة الاستهلاك الوليدة . والتي تطورت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التي تقدم الدافع لنظريات الحياة اليومية الحديثة في عمل سيمّل وكركو Kracauer وبنيامين الذي ناقشه دافيد فريسبا ( 1985 ب ) في كتابه " في شظايا التحديث " . وتشكل أيضا خبرة التحديث موضوع الاهتمام في كتاب مارشال برمان 1982 " كل ما هو صلب يذوب في الهواء " يبحث فيه الرؤي والمصطلحات ، والاصطلاحات المصاحبة عملية الحدثنة التي يجمعها معا تحت مصطلح الحداثة ، ويناقش مارشال برمان الحساسية الحديثة التى ظهرت بمدي واسع في الأشكال الفكرية والأدبية من روسو وجوته في القرن الثامن عشر إلى ماركس وبودليار وبوشكين ودوستوفسكي في القرن التاسع عشر.

Page 10

وبعيدا عن الاستخدام المشوش للحداثة نأخذ بكل الخبرة والثقافة المصاحبة عملية الحداثة. وكان برمان وكثيرمن أولئك الذين يحاولون في الوقت الحاضر تخطيط الخبرة المعادلة لما بعد التحديث ،وركزوا على معني محدد بشكل خاص للخبرة : ذلك الذي يظهر في المصادر الأدبية، ووجد بواسطة المفكرين أيضا ، ولكن علينا أن نثير اعتراض سسيولوجي ضد انحراف مفكر الأدب في تأويل أو تفسير الحياة اليومية ، أو بتقديم دليل حول الحياة اليومية للناس العاديين ، وبطبيعة الحال ربما يكون لدي بعض المفكرين خبرة متراكمة جيدة عن صدمات التحديث وضرباته. ورغم ذلك نحن بحاجة إلى عمل قفزة من التحديث وما بعد التحديث ( كخبرة ذاتية محددة نسبيا ) بمخطط الممارسات الفعلية والنشاطات التي تمارس في الحياة اليومية للجماعات المختلفة . وبالتأكيد صفات الخبرة الذاتية قد تجعل معني للممارسات الفكرية ، ومن مظاهر ممارسات مشاهدين ومستمعين معينين تعلموا تفسير هذه الحساسيات ، لكن افتراض أن المرء يستطيع القيام بادعاءات واسعة إنما هو يحتاج دليلاً قوياً.

لنأخذ مثالا على الخبرة المزعومة لما بعد التحديث أويستطيع أن نشير إلى وصف أو تقرير جيمسون 1984 عن فندق بونفنتيرا Bonventura في لوس أنجلوس، ويعطي جيمسون تفسيراً بديعا لخبرة فرط الفضاء الجديد في فن معمار ما بعد الحديث، الذي يناقشه جيمسون، إنه يجبرنا على تفتح أحاسيسنا وتمدد أجسامنا. ومع ذلك فإننا نصل إلى فكرة صغيرة وهي كيف أن الأفراد من مرجعيات مختلفة يختبرون أو يبحثون بالفعل الفندق، والجميل أيضا، كيف يدمجون الخبرة في ممارساتهم اليومية. وربما بالنسبة لهم تفسير الخبرة بوصفها ما بعد الحديث هم يحتاجون إلى خطوط مرشدة تجعل معني للأشياء ربما هم لا يلاحظونها تماما، أو يرونها من خلال قواعد غير مناسبة ؛ لذلك إذا أردنا فهم الإنتاج الاجتماعي وتفسير خبرة ما بعد التحديث فنحن نحتاج إلى تقدير دور الملتزمون ثقافيا والوسطاء الذين لديهم اهتمام بإنتاج علوم التربية ما بعد الحديث لتربية العامة أو الجماهير، والشيء نفسه يمكن أن يقال بالنسبة لصفتين أو ملمحين آخرين حددهما جيمسون لثقافة ما بعد الحديث، تحول الواقع إلى صور، وتجزأ الوقت إلى سلسلة لحظات حاضرا مستمرا، وهنا نستطيع أن نعطي مثالا يحيط بكل من الملمحين أو الصفتين ، الإعلام الذي يتجه إلى أن يكون رئيسيا بالنسبة إلى المناقشات الكثيرة عن حساسية ما بعد الحديث ( ويعتقد المرء مثلا في عالم التصنُّع عند بودليار حيث يكون التلفاز هو العالم ) ومع ذلك بالنسبة لكل التعددية المزعومة والحساسية بالنسبة للآخر كان الحوار أو الحديث عند بعض النظريين حول ما يجد المرء من مناقشة بسيطة للخبرة الفعلية وممارسة مشاهدة التلفاز بواسطة الجماعات المختلفة في أوضاع مختلفة . و على العكس يتحدث أيضا أصحاب نظريات ما بعد الحديث عن النموذج – صورة القناة – المأمولة الــ MTV ( تلفاز الموسيقا ) ، فالمشاهد الذي يبدي رد فعل عنيف خلال مشاهدة الصور المختلفة بمثل تلك السرعة فإنه (هو أو هي) غير قادر على أن يربط المعاني معا في رواية أو حديث كامل المعني. ويستمتع (هو أو هي ) أيضا بكثافة التعدد والإحساس بالصور السطحية. ودليل اتساع هذه الممارسات وكيف هم يُدمجون ويؤثرون في المواجهات أو اللقاءات أو المقابلات اليومية بين أشخاص يجسدون علامة نقص. هكذا بينما يشير العالم والمثقف إلى الخبرات المميزة والمتخصصة لما بعد التحديث إنها مهمة، ونحن بحاجة إلى عمل من معطيات نسقية كثيرة ولا يجب أن نرتكن إلى قراءات المفكرين، بالتالي يجب أن نركز على الممارسات الثقافية الحقيقية الفعلية، وتغير توازن القوي في تلك الجماعات المشتغلة بالإنتاج، والتصنيف والتداول واستهلاك السلع الثقافية ما بعد الحديث التي ستكون موضوعا رئيسيا في مناقشتنا لما بعد الحداثة فيما بعد.