eKtab
EN ع
ثقافة مجتمع الشبكة
Read free sample

ثقافة مجتمع الشبكة

by د. أحمد محمد صالح

Page 1

تمهيد

لم ينته زمن الإنترنت

يذكر أنّه في عام 1920 في الولايات المتحدة، كانت هناك مقترحات جدية لإقفال باب الاختراع وعدم منح براءات اختراع جديدة! لأن كل ما يمكن اختراعه قد تم اختراعه، كما برر مسؤول مكتب براءات الاختراع آنذاك تشارلز ديول.

وفي عام 1909 استهزأ موظفو الجمارك البريطانيون بمقولة «احتمال تنقل المسافرين والبضائع عبر الجو»، وقالوا: يجب إهمال هذه «التخرصات» لأنها لو حدثت فإن معناها هو إغلاق مكاتب الجمارك وإقفال الدائرة برمتها! وحتى أمد قريب كان البعض من أكثر الناس ذكاءً وتخصصاً في علوم الجو يعتقدون أنه من المستحيل على الإنسان أن يسبر غور الفضاء، ومن هؤلاء عالم الجو البريطاني السير هارولد سبنسر الذي دحض «الأوهام» التي تحوم حول فكرة سفن الفضاء، وذلك في عام 1957. ومن سوء حظه أن السوفييت أطلقوا أول سفينة فضائية في التاريخ، سبوتنيك/1 بعد أسبوعين فقط من تصريحه الشهير وقتها!

وعندما فكرت شركة آي. بي. أم الأميركية الشهيرة المتخصصة في صناعة الحاسب بإنتاج كمبيوترات، وبيعها في الأسواق، أواخر الأربعينات من القرن الماضي، صرح مديرها آنذاك توماس واتسون، أنه لا يعتقد أن السوق يمكن أن يستوعب أكثر من خمسة حواسب على الأكثر. والآن كلنا نعلم أن بعض البيوت فيها هذا العدد من الأجهزة.

ومنذ عشر سنوات تقريباً، كان لا يمكن أن نتخيل الإنترنت عام 2003، والتي أصبحت اليوم طوفاناً من المعلومات بلا حدود، نتقاسمها مع أي شخص يستطيع الوصول إلى هناك، من خلال وسيط فريد في نوعه، ومع ذلك هناك من يقول: إن زمن الإنترنت انتهى!

لم ينته زمن الإنترنت، ولم يأفل نجمه بعد، رغم الخسائر التي لحقت بالعديد من شركات الإنترنت المسماة (دوت كومز) وتلاشي الثقة في شركات تكنولوجيا شبكة المعلومات الدولية.

هذا ما قاله عدد ممن تحدثوا في أثناء مؤتمر كبير في عقد في لندن أخيراً حول موضوع تأثيرات الإنترنت في المجتمع، وأفضل السبل لجعل هذه الأداة الجبارة تساهم في التغيير. وقد نظمت هذا المؤتمر جمعيات بحوث ودراسات بريطانية حاولت فتح النقاش من جديد، حول مدى تأثير الإنترنت في المجتمع، وكيف يمكن التحكم فيه، لجعله في خدمة البشرية. وتتكون هذه الجماعات من مؤسسة (ديموس) و (معهد الأبحاث حول السياسات العامة) و (منتدى المستقبل) و (مؤسسة العمل). ورغم أن حمى الإنترنت كانت قد اعترت في البداية رجال الأعمال وأسواق المال، فإن عدداً من المحاورين في أثناء المؤتمر أعربوا عن اقتناعهم بأن التأثير الأكبر سيكون في حياة الأشخاص، والمجتمع، وليس الأعمال والشركات. فهذه التقنية الرائعة المتمردة اندفعت في ثني عضلاتها، واستعراض قوتها! وأصبح السؤال الكبير الواضح في هذه الألفية الجديدة: ما مستقبل الإنترنت، وما خطوتها القادمة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، اتفقت المجلة الأميريكية العلمية المشهورة باسم Discover ، منذ عدة أشهر مضت مع معهد ديزني العلمي Disney Institute في الولايات المتحدة الأمريكية، على تشكيل لجنة من المبدعين التقنيين، أثبتت التجربة، بأنّهم جيّدون جداً في توقّع المستقبل للإجابة عن هذا السؤال! ونوقشت في تلك اللجنة، نقاط متعددة عن الخطوة القادمة للإنترنت. وكان التساؤل الرئيسي في تلك الحوارات حول نوع العالم الجديد الذي ستخلقه الإنترنت؟ وهل ستقودنا الإنترنت فعلاً إلى عالم مترابط ومتشابك؟ وستنهار الحدود القومية بين دول العالم؟ وهل هناك إشكالات جديدة من الحدود سوف تظهر بين الكيانات والتجمعات الافتراضية، التي يندمج تحتها الناس من خلال تجاربهم وتفاعلهم على الشبكة؟

وكنا جميعاً في عالم ما قبل الإنترنت، عندما نهاتف أحداً بالهاتف، لا بد أن نكون على معرفة به، ونبحث عن رقمه للاتصال به! المدهش الآن أن الصداقات والاتصالات والروابط والكيانات الاجتماعية، تتشكل بطريقة آنية وعفوية على الإنترنت، قد تكون من خلال المشاركة في هواية، أو اهتمامات مهنية، أو معتقدات دينية! فهي جاهزة للتكوين في أي وقت، فهناك آلاف من الكيانات الاجتماعية في فضاء الإنترنت! وأنا يبهرني شخصياً الكيفية التي دمرت بها الإنترنت الجغرافية تماماً، فعندما كنت طفلاً، لم أكن أتخيل الكلام مع الناس في البلاد الأخرى، الآن ابني يلعب لعبة تفاعلية على الإنترنت، مع خصوم في فرنسة واليابان! والناس الآن يتواصلون عبر الإنترنت، على الرغم من اختلاف لغاتهم من خلال آليات الترجمة الإلكترونية الفورية! ومع ذلك نحن بدأنا الآن مع هذه الإنترنت، وهي تسرع، ونحن نلهث وراءها، فالموجة التكنولوجية القادمة من الإنترنت، تسمح للناس بالتواصل من دون خسارة وفقدان التفاصيل الدقيقة في الاتصال، سواء كان ذلك في تعبيرات الوجه مثل الحاجب المرفوع علامة على التعجب، أو الوفاء بتفاصيل المسرحية الكوميدية التي تشاهدها! فهناك أكثر من موجة قادمة في تكنولوجيات الإنترنت! على سبيل المثال يعمل العلماء الآن على أن تكون التكنولوجيا الرئيسية في الإنترنت هي الصوت والفيديو، بدلاً من النص المتكلم المنتشر الآن! فالفيديو هو المستقبل الحتمي للإنترنت، لكن يجب أن تبذل الجهود في أن يكون استخدام الفيديو في الإنترنت بسهولة استعمالات معالجات الكلمات المنتشرة الآن! فعلماء الفلك عندما يطالبون علماء تقنيات الإنترنت، أن يوفروا لهم إمكانية الدخول على المرصد الإلكتروني الموجود على قمة جبل موناكي Mauna Kea في هاواي، دون أن يضطروا إلى صعود 14000 قدم، يكون الحل، أن نوفر الفيديو عند أطراف أصابع الناس من خلال الإنترنت، فيمكن لعلماء الفلك حينذاك، وهم في معاملهم أن يدخلوا على صور وبيانات المرصد التي يرصدها وهو موضوع على قمة الجبل! ويتشاركوا بالصوت والصورة مع الفلكيين الآخرين، ويناقشوا دراساتهم، وأيضاً بإمكانهم أن يدخلوا على المراصد الفلكية المنتشرة في العالم، وهم جالسون في قاعة الدرس مع طلابهم! لكن المشكلة في كيفية وصول موجة إنترنت جديدة إلى المستخدم النهائي، لكن أحلام البشرية تتحقق عادة في وقتها المناسب. والشيء السحري في الإنترنت الآن، أن في إمكان شخص ما في أي بلد أن ينشر برنامجه المجاني على الإنترنت ذات مساء، وعند الصباح وبسبب ذلك البرنامج تتغير أنماط عمل وتجارة الكثير من الأفراد حول العالم!

Page 2

فتصميم الإنترنت وفر عفوية رائعة أدت إلى الكثير من المرونة، حيث يمكن أن يصمم فيها أي شيء! وهنا معجزة وعبقرية الشبكة، ولكن فيها خطر عظيم! وظهر الكثير من السياسيين الذين يطالبون بعدم تمكين دخول

الأطفال على الإنترنت للتزود بالمعرفة، في الوقت الذي يمكن فيه أن يتعرضوا لصور البرنوجراف والأدب المكشوف!

وهذه قضية جوهرية، فهذه التقنية ستصبح أكثر انتشاراً في حياتنا، وستظهر تداعياتها على الأشياء التي نلبسها، والتي نراها، وفي سياراتنا! وفي كافة مجالات حياتنا اليومية، وستجلب معها تلك التقنية الصالح والطالح! فهي تحمل كلا الأمرين! فلا يمضي أسبوع دون أن نقرأ الآن أن هناك فيروساً دمر البيانات الموجودة على أقراص أجهزة الحاسب في مؤسسة ما، ويكلفنا ملايين الدولارات! وهناك إرهابيو الإنترنت، الذين يمكنهم شل وتعطيل قوة مسلحة متقدمة، عن بُعدٍ في أجزاء من الألف من الثانية! وهكذا تمكنت تنظيمات اجتماعية في الظهور في فضاء الإنترنت!

فالمشكلة أن تقنيات الإنترنت تركض أسرع من أعرافنا، وعاداتنا الاجتماعية، وتقاليدنا ومعاييرنا الأخلاقية! التي تلهث وراءها ولا تستطيع اللحاق بها! فالإنترنت توفر لنا فرصة السرية وتجهيل وإخفاء الهوية التي تشجع على السلوكيات السيئة وجعلها مجهولة! ونحن في حاجة إلى قوانين جديدة تناسب متغيرات فضاء الإنترنت.

واهتم العلم بدراسات التفاعل بين تكنولوجيات المعلوماتية والإنسان، والتي تستهدف جعل تلك التكنولوجيات أكثر فائدة وأكثر صالحية للاستعمال، وتزود المستخدمين بالتجارب التي تلائم خلفيتهم المعرفية وأهدافهم. والتحدي الآن في عصر المعلومات، ليس فقط جعل المعلومات متوافرة ومتاحة للناس في أي وقت، وفي أي مكان، وفي أيّ شكل، لكن بشكل محدّد، التحدي هو قول الحق في الوقت الملائم وبالشكل الصحيح. ومصممو أنظمة الحاسب في تفاعلها مع الإنسان يواجهون مهمة هائلة، ومرعبة في كتابة برامج الحاسب، ففي أثناء التصميم هم مطالبون بكتابة برامج تناسب الملايين من المستعملين بخصائصهم المختلفة، وفي وقت استعمال تلك البرامج يجب أن تبدو كأنها صممت خصيصاً لكل مستعمل على حدة! وبحوث نموذجة المستعمل User modeling تحاول عنونة تلك القضايا، وهي إحدى مجالات البحث التي يشكل الحدس فيها أساس المقترحات والاستثمارات النافعة، ومستندة إلى حاجات المستعملين الواضحة وأرباحهم المحتملة.

إن ما تراكم من معرفة عن الثورة المعلوماتية يمثل كمّاً ضخماً، لكنه أدنى بكثير مما لا نعرفه عنها، ونحتاج دراسة مستمرة لتداعياتها الاجتماعية والفكرية والثقافية والقانونية والأخلاقية. فما تأثيرات الحوسبة في المجتمع؟ ما الذي نقصده حين نقول: إن الإنترنت أعادت تشكيل المجتمع؟! كيف يتصل ويتواصل الناس؟ وكيف غيرت أنماط الاتصال الجديدة الطريقة التي يعمل بها الناس؟ كيف تؤثر الزيادة المتضاعفة السريعة في إعداد المستعملين للكمبيوتر والإنترنت في تقليل وتقليص القيود وشروط التعليم الجامعي مثلاً أو العمل السياسي؟ كيف ستؤثر الويب www في الطريقة التي يبحث ويستعمل فيها الناس المعلومات الطبية؟! كلها أسئلة قد تبدو سهلة وبسيطة! وكما أشرنا في كتابنا الأول عن «هوس الإنترنت وتداعياتها» أنه ظهرت كيانات اجتماعية جديدة يتواصل من خلالها الناس مثل البريد الإلكتروني وجماعات المناقشة، تحتاج دراسة جديدة لفرع علمي جديد، بدأ ينمو، وموضوعه الأساسي التغيير الاجتماعي الناشئ نتيجة تطبيقات وممارسات تكنولوجيات المعلومات والاتصال، ويطلق عليه بالإنجليزية Social Informatics (SI) ، والترجمة الحرفية له هي المعلوماتية الاجتماعية، ولكنها لا تعكس بالعربية المعنى بوضوح، وإذا ترجمناها وظيفياً نقول: اجتماعيات المعلوماتية أو سيسولوجيا المعلوماتية، وهي مجال البحوث والدراسات التي تختبر تصميم واستعمالات وتطبيقات ونتائج تكنولوجيات المعلومات والاتصالات في تفاعلها مع السباقات الثقافية والمؤسساتية.

وبمعنى آخر هي البحوث والدّراسات التي تفحص نواحي الحوسبة الاجتماعية والتنظيمية، متضمّنة أدوار تكنولوجيا المعلومات في التغيير التّنظيمي والاجتماعي، وفوائد تكنولوجيّات المعلومات في السّياقات الاجتماعية، والطرق التي تنظم اجتماعياً تكنولوجيّات المعلومات، التي تتأثّر بالقوى الاجتماعيّة والعادات والقيم والمعتقدات الاجتماعية، وأيضاً الآلية التي تتم فيها، والتكنيك الاجتماعي للشبكات، وإمكانيات الوصول للمعلومات، والبنية الاجتماعية من أجل الحوسبة. والمصطلح « Social Informatics (SI) المعلوماتية الاجتماعية»، ظهر من سلسلة محادثات نشيطة، في شباط (فبراير) وآذار (مارس) عام 1996، بين مجموعة من العلماء في الولايات المتحدة الأمريكية، حول النواحي الاجتماعيّة للحوسبة، مثل فيل أجر، جاككيز بيرلير، بريندا ديرفين، أندرو ديلون، وكلينج، وبوستر، وكارين رهليدر، بين شنييديرمان وليالي ستار وباري ويلمان. ولسوء حظّ، دراسات المعلوماتية الاجتماعية أنها تبعثرت في بضعة حقول مختلفة، متضمّنة علم الحاسب، نظم المعلومات وعلم المعلومات وبعض العلوم الاجتماعيّة، وتستعمل كلّ من هذه الحقول نوعاً من التّسمية المختلفة. وكان الفضل للعالم كوينينج في صياغة هذا المصطلح لجمع تلك الفروع، ولتقوية الاتصال بين المتخصصين، ولتقوية الحوارات بين مجتمعات المصمّمين لبرامج الحاسب والإنترنت والمحلّلين الاجتماعيّين.

وهذا الكتاب، يستكمل البداية المتواضعة والمختصرة، التي بدأت في كتابنا السابق «هوس الإنترنت وتداعياتها الاجتماعية والسياسية» لموضوعات وقضايا تدخل مباشرة ضمن هذا المجال المعرفي الجديد «اجتماعيات المعلوماتية»، وتحديداً تركز أفكار هذا الكتاب على تأثير الإنترنت في تفاعلها مع السياقات الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية، وهذا التفاعل نتج عنه الكثير من السلبيات والمفارقات، وبمعنى أدق نتج عنها الكثير من النتائج غير المتوقعة!

ويحتوي هذا الكتاب من مجموعة من الآراء والاجتهادات التي اختيرت من بين العديد مما طرحته في دراسات في موضوع المعلوماتية وتفاعلاتها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وقد رتبت هذه الأفكار في 16 فصلاً، والبداية في التمهيد تحت عنوان لم ينته زمن الإنترنت، ثم الفصل الأول عن موجات التكنولوجيا التي مر بها العالم، وموقع الإنترنت في تلك الموجات، والدورة الاقتصادية والانتشارية لموجات التكنولوجيا، وماذا ينتظر العالم من جديد! والفصل الثاني والثالث، تناولا العلاقة المتبادلة بين تكنولوجيا المعلومات والمجتمع، وتأثير كل منهما في الآخر، تحت عناوين اجتماعيات المعلوماتية، والمجتمع وتكنولوجيا المعلومات، والفصل الرابع يتكلم على المفارقة بين الورق والإلكترون، وهل يمكن للبشر الاستغناء عن استعمال ورق الكتابة! الفصل الخامس، يكمل الرابع ويتكلم على مستقبل الكتب الرقمية تحت عنوان مكائن الكتب. والفصل السادس عنوانه الجنس الافتراضي، ويحاول استعراض التأثيرات النفسية والاجتماعية لفيض الإباحية المنتشر على الإنترنت، وفي الفصل السابع تظهر المفارقة أيضاً بين سمة الإنترنت الأساسية وهي العمومية ومجانية خدماتها، ومستقبل ملكية الإنترنت الذي يبشر بالسيطرة التجارية على خدمات ومحتويات الإنترنت، والفصل الثامن يحاول فك أبعاد إشكالية الإبداع والملكية الفكرية على الإنترنت، والفصل التاسع يتناول طبيعة الديمقراطية الإلكترونية والتناقض بين واقع الديمقراطية في العالم العربي ومستقبل الانتخاب الإلكتروني، والفصل العاشر يحاول وصف خصائص أطفال الإنترنت، وهم السادة الجدد جيل الإنترنت، والفصل الحادي عشر تحت عنوان: ماذا يعرف الشباب في عصر الإنترنت؟ يثير المفارقة بين واقع عدم مبالاة الشباب، ووفرة المعلومات المتاحة لهم في هذا العصر! ويفند الفصل الثاني عشر أبعاد الملهاة المعلوماتية، ويستعرض المفارقة، في دخولنا عصر معلومات بشكل متزامن أيضاً مع عصر الإلهاء أو صرف الانتباه، حيث تتحرّك الحياة حولنا بسرعة أكبر، وبطريقة إلكترونية أكثر إثارة وأعظم؛ وتقلصت محادثاتنا، وضعف انتباهنا، وتبددت رغبتنا في انتظار الأشياء، ونفد صبرنا، واختصرت قدرتنا بسرعة على التفكير بشكل نقدي، وأصبحنا منومين مغنطيسياً، وتمت محاصرتنا بالصوت والصورة والحركة! والفصل الثالث عشر يتناول طغيان المعلومات واستبدادها، وينقد الفصل الرابع عشر انتشار العنصرية والكراهية على الإنترنت، ويقدم الفصل الخامس عشر حالة حرب العراق مثالاً للحرب المعلوماتية. وأخيراً الفصل السادس عشر يناقش التنوع الثقافي على الإنترنت، ويقف طويلاً عند حالة اللغة والثقافة العربية على الإنترنت.

دكتور أحمد محمد صالح

Saleh 221 @ yahoo.com

Page 3

الفصل الأول
موجات التكنولوجيا: من النار حتى الإنترنت
منذ حوالي 27 عاماً، يعني ربع قرن ويزيد، في خريف عام 1976، تحدّى دكتور كينيث بودينج Dr. Kenneth Boulding مجموعة العلماء في جامعة ولاية آيوا بالتصريح الاستفزازي التالي:
«عوامل الإنتاج لم تعد هي الأرض، والعمل، ورأس المال. وإنّ عوامل الإنتاج هي مبادرات الأعمال الحرة، وتتكوّن من المعلومات والإبداع. وهكذا فإن عوامل الإنتاج في عصر الاقتصاد الجديد هي المعلومات والإبداع .(information and creativity) واختلف معه مجموعة العلماء، وبعضهم اختلف معه بقوة! ويعتقد أن دكتور بودينج وهو الاقتصادي العالمي، كان يعطي تصريحات جريئة، لجذب ردود فعل جمهور الحضور! ولكنه بالطبع كان جاداً في تصريحه! وأخذ يثبت بالدلائل والأرقام والأمثلة لحالات عالمية صحة مقولته، ووصل به الأمر إلى إثبات أن المعلومات نفسها لم تعد عاملاً محدداً لمعادلة الإنتاج، وأن الأفكار المبتكرة، والمستحدثات التكنولوجية أصبحت هي عامل الإنتاج المحدد!
الأفكار الجديدة
إن المعارك الكبيرة التي خاضتها البشرية لم يكن سلاحها السيف بل الأفكار التي تغلغلت في حياة الناس، وظهرت في صورة تطوير اجتماعي، فالتغييرات التي تحدثها الأفكار المستحدثة في سلوكيات الناس لا تحتمل الشك، والأفكار العظيمة تملأ الفضاء حولنا، ولكنها لا تستقر إلا في العقول المهيأة لاستقبالها، واستقبالنا للأفكار الجديدة ليس عملاً عفوياً أو طارئاً، وإن كان يظهر كذلك أحياناً، فطبيعة الفكرة هي في ذاتها عامل أساسي من العوامل التي تحدد موقفنا حيالها. والمشكلة دائماً هي إعادة التفكير في الأفكار التي نؤمن بها من قبل، لأنه لا يوجد شيء جديد تحت الشمس.
ودائماً العقول العظيمة تناقش الأفكار، والعقول العادية تناقش الأحداث، في حين أن العقول الضيقة هي التي تناقش أفعال الناس، ومن أعظم الآلام التي تعاني منها الطبيعة البشرية هي آلام خروج الأفكار الجديدة التي تعني دائماً التغيير.
والفكرة الجديدة أو المستحدثة، هي أي شيء يدركه الفرد على أنه جديد، بمعنى يسمع عنه لأول مرة، وليست العبرة في وقت اكتشاف الفكرة أو الخبرة، إنما العبرة في إدراك الفرد لها عند سماعها، فكلما كانت الفكرة والخبرة جديدة في نظر المستمع أو الذي يراها لأول مرة فإنها تعد شيئاً بالنسبة إليه، سواء كانت تلك الفكرة تتناول مضموناً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو ثقافياً أو تكنولوجياً... إلخ.
موجات التغيير التكنولوجي
الموجات
الملمح
الأساسي
وسائل
الإتصال
مصدر الطاقة
المميز
العامل المحدد
الموجة الأولى الفترة بين عام 1780 حتى عام 1840
الثورة الصناعية
الطرق البرية والقنوات المائية
الطاقة المائية
زراعة وتجارة وصناعة القطن
الموجة الثانية بين عام 1840 حتى عام 1890
طاقة البخار والسكك الحديدية
التلغراف والسكك الحديدية
قوة البخار
صناعة الحديد والفحم
الموجة الثالثة بين عام 1890 حتى عام 1940
الحديد الصلب والكهرباء
التليفون والسكك الحديدية المصنوعة من الصلب
الكهرباء
صناعة الصلب
الموجة الرابعة بين عام 1940 حتى عام 1990
الانتاج الضخم الشامل
الطرق السريعة والراديو ، والتلفزيون ، وشركات طيران
البترول
صناعة النفط والبلاستيك
الموجة الخامسة هي الفترة بين 1990 وحتى الآن هي مستمرة
الإلكترونيات الدقيقة وشيكات الكمبيوتر
الشبكات الرقمية
النفط والغاز
صناعة الإلكترونيات الدقيقة
والعالم مرَّ بعدة موجات متتالية ومتعاقبة من المستحدثات الإبداعية التكنولوجية التي أحدثت تغييراً عميقاً! واتفق الاقتصاديون على وجود موجات طويلة «من التغيير أو دورات كوندراتيفيه Kondratieff cycles ، وتدوم الدورة الواحدة نحو نصف القرن! وهذه الموجات لها فترات كساد متعاقبة، وفترات تحسّن ونمو ونضج، تعتمد على تنمية وتطوير وانتشار كتل المستحدثات الإبداعية التكنولوجية. وتبدو تلك الموجات في المراحل المبكّرة أنها ذات اتجاه صاعد، يقوده بشكل كبير علم الإلكترونيات الدقيقة وشبكات الحاسوب.
وأول هذه الموجات كانت في الفترة بين عام 1780 حتى عام 1840 (ثمانينات القرن الثامن عشر حتى أربعينات القرن التاسع عشر) وهي الموجة الأولى المبكرة من التغيير التكنولوجي، وكان ملمحها الأساسي الثورة الصناعية، وانحصرت وسائل اتصالاتها في الطرق البرية والقنوات المائية، ومصدر الطاقة المميز لتلك الفترة كانت الطاقة المائية، والعامل المحدد لتلك الموجة كان القطن زراعة وتجارة وصناعة.
ثاني موجة تغيير تكنولوجي مرّ بها العالم، كانت في الفترة بين عام 1840 حتى عام 1890 (أربعينات القرن التاسع عشر حتى تسعينات نفس القرن)، وملمحها الرئيسي هو طاقة البخار والسكك الحديدية، وانحصرت وسائل اتصالها في البرق والسكك الحديدية، ومصدر طاقتها كانت قوة البخار، وكان العامل المحدد في هذه الموجة هو صناعة الحديد والفحم وموجة التغيير التكنولوجي الثالثة، هي الفترة بين عام 1890 حتى عام 1940 (من تسعينات القرن التاسع عشر حتى أربعينات القرن العشرين) وكان ملمحها الحديد الصلب والكهرباء، ووسائل اتصالها الهاتف والسكك الحديدية المصنوعة من الصلب، ومصدر طاقتها الكهرباء، والعامل المحدد في تلك الفترة كان صناعة الصلب.
موجة التغيير التكنولوجي الرابعة، هي الفترة بين عام 1940 (أربعينات القرن العشرين حتى تسعينات القرن نفسه)، وملمحها الأساسي كان الإنتاج الضخم الشامل، وانحصرت وسائل اتصالها في الطرق السريعة والمذياع والتلفاز، وشركات طيران، ومصدر طاقتها المميز كان البترول، وكانت صناعة النفط والبلاستيك هي العامل المحدد في تلك الفترة.
موجة التغيير التكنولوجي الخامسة هي الفترة بين 1990 وحتى الآن (منذ تسعينات القرن العشرين وحتى الفترة التي نعيشها في بدايات القرن الحادي والعشرين، وهي موجة مستمرة من التغيير لحين إشعار تكنولوجي جديد في المستقبل) هذه الفترة تميزت بملمح رئيسي هو الإلكترونيات الدقيقة وشبكات الحاسب Micro - electronics computer networks ، وسيلة اتصالها الرئيسية حتى الآن هي الشبكات الرقمية، ومصدر طاقتها المميز حتى الآن هو النفط والغاز، والعامل المحدد في تلك الموجة التي نعيشها الآن هي صناعة الإلكترونيات الدقيقة. والله أعلم بما يحمله لنا مستقبل الإبداعات التكنولوجية في الخمسين سنة القادمة!
 

Page 4

الاختراع والابتكار

منذ البداية المبكرة لحياة البشر على الكرة الأرضية، تشكل عالمنا بسلسلة طويلة من الإبداعات التقنية أو

المستحدثات التكنولوجية، مثل: النار، العجلة، الزراعة، الآلة البخارية، الكهرباء، السيارة، الحاسوب، الإنترنت. ودخل الكثير من الطاقات التي يستعملها الإنسان لتطوير هذه التقنيات، التي تكون الحضارة التي نعيشها الآن. وخلقت هذه الإبداعات التقنية الكثير من الثروة - أحياناً للمخترع (ولو أنّه ليس في أغلب الأحيان)، وأحياناً للمبتكر - وهو الشخص الذي يأخذ الفكرة ويجعلها ناجحة تجارية - لكن في الغالب للمستعملين، والمجتمع ككل.

وجاء مصطلح innovation وهو المستحدث أو المبتكر على يد عالم الاقتصاد النمساوي، شومبيتر Schumpeter وهو يعني المنتجات الجديدة، العمليات والإجراءات والمعالجات الجديدة، نماذج البزنيس الجديدة. ويجب ملاحظة الفرق بين مصطلح الاختراع Invention وهو خلق الأفكار والمفاهيم الجديدة، ومصطلح Innovation وهو الابتكار أو الإبداع الذي يأخذ تلك الأفكار والمفاهيم التي اخترعت ويجعلها صالحة للتطبيق والممارسة، ويجعلها أيضاً ناجحة تجارياً. ونركز في تلك العجالة على المبتكرات أو المستحدثات التكنولوجية technological innovation ، والبعض يسميها الإبداعات التقنية، مع استثناء إبداعات الفن والأزياء.

أنماط المستحدثات التكنولوجية

حتى فترة قريبة، كانت طريقة نشأة المستحدثات وتشكيلها أو الإبداعات التقنية وطريقة انتشارها خلال اقتصاد معين، يعدُّ لغزاً محيراً للعلماء! لكن في الـ 20-30 سنة الأخيرة، بدأت دراسة المستحدثات على قاعدة منهجية منظّمة، وزادت معرفتنا بكيفية نشأة وانتشار المستحدثات، وقفزت بسرعة فائقة، ولكنها لم تصل أبداً إلى عامة الناس. واستمر التقدم المعرفي في هذا المجال إلى النقطة التي ميزت فيها العديد من الأنماط التي تفسر تلك العملية، وبدأت تُفهم بعض القضايا الهيكلية التحتية التي تحرك عملية نشأة وانتشار المستحدثات، يمكن أن تصنف أنماط المستحدثات التكنولوجية إلى ثلاثة أنماط رئيسية:

1 - مستحدثات تدريجية أو تزايدية.

2 - مستحدثات جذرية وراديكالية.

3 - مستحدثات تكنولوجيات الأغراض العامة.

فالمستحدثات تأتي في العديد من الأشكال والحجوم، والتصنيف الثلاثي المذكور ينظر إلى المستحدثات كأصناف صغيرة متوسطة كبيرة. فالمستحدثات التدريجية التزايدية تحدث تحسينات وإصلاحات صغيرة ربما لا تتعدى 1-2% في السنة. وتوصف عملية انتشارها وتبنّيها بمنحني التعلم، وبمصطلحات مثل التعلم بالعمل. ومثال على ذلك عمليات تطوير وتنمية قدرات الصناعات الكيماوية، ومثال آخر هو تطور قانون مور، فالتحسينات والتطورات في تلك النماذج مستمرة، ولكنها تمثل إحدى المناطق القليلة، التي يمكن أن تتوقع لها التحسينات المستقبلية باطمئنان. النوع الثاني من المستحدثات الإبداعية وهي الجذرية أو الراديكالية، وفيها تحدث وضعية جديدة تماماً، حيث تصل تقنية جديدة كلياً، وتزيح تماماً التقنية القديمة، مثل الترانزستور الذي استبدل بالأنبوب المفرغ، والقرص المضغوط الذي أزاح سجلات الألعاب الطويلة، وهذه التغييرات والتحسينات متقطعة وغير مستمرة، وكثيراً ما تسبب هذه التكنولوجيات الجذرية الكثير من التغييرات في القيادة الصناعية! والنوع الثالث هو تكنولوجيات الأغراض العامة، وهو الاسم الذي سك وصيغ لوصف المستحدثات الإبداعية الكبيرة جداً مثل النار، والسواقي أو عجل المياه، وطاقة البخار، وطاقة الكهرباء، ومحركات الاحتراق الداخلي، والسكك الحديدية، والإنترنت... إلخ. وهذه المستحدثات الإبداعية الكبيرة لها أربع خصائص تميزها: إحداث تأثيرات وإسهامات واسعة وعميقة، لها مدى واسع من الاستعمالات أو تملك تشكيلة واسعة من الاستعمالات، وإمكانياتها وطاقاتها تظهر في مجموعة واسعة ومتنوعة من المنتجات والعمليات والمعالجات، وأخيراً تعتمد بقوة على التكامل مع تكنولوجيات أخرى عديدة.

Page 5

والمستحدثات الإبداعية لها حدود للنمو والتطور، فالمستحدثات الجذرية الراديكالية يأخذ تطورها على مرّ الزمن شكل منحنٍ على شكل حرف S ، حيث يصل تطور تلك التكنولوجيات إلى حدٍّ معين. وهناك طرق كثيرة لقياس التطور في أداء تلك التكنولوجيات مثل قياس كفاءة وتكلفة آلة أو جهاز معين، أو قياس كفاءة وقود السيارة مثلاً، وأيضاً ممكن قياس مدى راحة واستفادة المستعمل لتلك التكنولوجيا المستحدثة، ومن أهم الخصائص الرئيسية لهذا المنحني أنه يمرّ بثلاث مراحل: المرحلة المبكرة، وفيها يوصف أداء المستحدث بالضعف في أول الأمر، وتفشل عملية استبداله بشكل دائم بدلاً عن التقنيات القائمة، وهي تمثل مرحلة هامة ومغزوية في المنحني حيث تحل فيها ببطء جميع مشاكل التقنية المستحدثة، يتحسن أداؤها تدريجياً وببطء شديد، وفي تلك المرحلة يستخف عادة من تلك التقنيات، ويقلل من شأنها من قبل التقنيات المنافسة! وفي المرحلة المتوسطة للمنحني يتم فيها حل مشاكل التقنية الجديدة، وتبدأ الزبائن في تقبل إنجازات تلك التقنية بشكل نهائي، وتبدأ أيضاً في الانطلاق بشكل واسع بمساعدة خصائص منحني التعلم. وفي المرحلة الثالثة من المنحني، يصل المستحدث الإبداعي إلى حده الأعلى من التطور والانتشار، وتستنزف في تلك المرحلة كل دروب تحسين الأداء، ولا يمكن إضافة أي تحسينات ممكنة!

وإذا ركزنا ببعض التفصيل على تلك المراحل، سوف نلاحظ في المرحلة المبكرة العديد من التقنيات المستحدثة المتنافسة، والتي تسلك طرقاً صعبة ومختلفة، وهي في حيرة وعدم استقرار فيمن سيربح على المدى الطويل، ففي المراحل المبكرة في تطوير صناعة السيارات كان هناك 75 منتجاً جديداً من السيارات في الولايات المتحدة الأمريكية، ما بين سيارات بخارية وسيارات كهربائية! وكان التقدم بطيئاً في إيجاد حلول مميزة لمشاكل تلك التقنيات المستحدثة، وكثرت شكوك المنتجين المؤسسين، على سبيل المثال: رفضُ المنتجين الأميركيين للإطار الخارجي لعجلة السيارات طية داخلية من نوع راديال، حتى اقتحمت تلك الطية السوق بواسطة صُنّاع السيارات أنفسهم! فالتكنولوجيات الجذرية تأتي كثيراً من خارج الإطار العام السائد، وغالباً من شركات تجارية صغيرة! فـ 70% من المستحدثات الإبداعية الجذرية تأتي من خارج إطار الصناعة.

والمرحلة المتوسطة في المنحني تتميز بعدة خصائص منها: فترة النمو السريع للتقنية الجديدة، وفيها تحل أغلب مشاكلها! وفي هذه الفترة تظهر التقنية في تصميم مهيمن على السوق، ويعتبر أكثر تصميمات تلك التقنية نجاحاً، ويستحوذ غالباً على حصة الأسهم، ويختاره السوق كأفضل تقنيات معروضة، فعندما دخلت شركة IBM سوق أجهزة الحاسب الشخصية PC أصبح تصميمها هو المهيمن على السوق، فهم نجحوا في تجميع أفضل العناصر، من شاشة تليفزيونية، ومحرك قياسي للأقراص، ورقاقة أنتيل في اللوحة الأم للجهاز، ولوحة مفاتيح مناسبة، وماوس مايكروسوفت، ونظام تشغيل دوس dos ، كان وقتها يمثل ثورة ضخمة، وهندسة معمارية للبرامج حرصوا أن تكون مفتوحة تتقبل كل الإبداعات والإضافات، كلها عوامل جعلت تصميمهم يسيطر على السوق! خاصة بعد أن نجحت IBM في جلب أصول مالية محترمة متعددة إلى منضدة السوق، وأمثلة أخرى مثل نجاح نظام تشغيل النوافذ WINDOWS ، والجسم الفولاذي الخارجي للسيارة، والطائرة دي سي 3 DC 3 ، كلها تصميمات هيمنت على السوق. وبعد أن يظهر هذا التصميم المهيمن تتجه كل المنافسات نحو تحسين وتطوير هذا التصميم المهيمن، وينخفض عدد اللاعبين في السوق في أغلب الأحوال بشكل مثير، فمثلاً، ظهر في عام 1923 الجسم المعلق الفولاذي للسيارات، وكان هناك في تلك السنة حوالي 75 مجهزاً لتلك التقنية، في السنتين التاليتين هبط عددهم بنسبة الثلث، والموضوع نفسه حدث في صناعة الحاسبات، وشاهد اليوم ما يحدث في شركات التقنية العالية الدقة، حيث اتهمت مايكروسوفت بأنها قضت على الكثير من المنافسين لها!

وفي المرحلة الأخيرة من المنحني تصبح التقنيات الجديدة في حالة تمام النضج، حيث اكتشفت كل طرق تحسينها وتطويرها، وتصل التقنية إلى ذروة حدودها، وتتباطأ التحسينات فيها لدرجة الزحف. ومن أهم خصائص تلك المرحلة أن المنتجات تصبح سلعة تتنافس مع سعرها منتجات أخرى، حيث ينتقل وجه المنافسة من أداء التقنية إلى سعرها! وهنا تصبح المنتجات قياسية، وتصبح الكلفة عاملاً محدداً في شراء المنتج وأساساً لقاعدة التنافس. وتقول الدراسات: إن 80% من قرار المشترين على السعر! ويطبق عليها هنا قانون الغلة المتناقصة، حيث لا يمكن للبحث العلمي وعمليات تنمية المستحدث أن تحسن أداءه في تلك المرحلة، فهو قد وصل إلى حدوده الطبيعية، وتظهر البشائر الأولى لمنافس جديد، وهذا المستحدث الجديد المنافس للتقنية السائدة في السوق غالباً ما يكون مادة للسخرية من قبل اللاعبين الرئيسيين للتقنية الحالية، ويعتقدون أن أداءها أقل كثيراً من أداء تقنيتهم الحالية.

والمنتج مرتبط بعملية الإبداع والابتكار، لكن ليس كل منتج جديد عليه أن يتبع النمط نفسه في عملية الإبداع، ولكنه يزود بصيرة المنافسة في الصناعة، ويضيف لاستراتيجيات العمل، فعندما تظهر تقنية جديدة، تصاحبها كمية كبيرة من محاولات تجريب المنتجات الجديدة الناتجة عن تلك التقنية، ففي الفترة المبكرة في صناعة السيارات، كانت هناك سيارات بخار، وسيارات كهربائية، وكل أنواع العروض، في تلك المرحلة لا يعير أحد اهتماماً إذا كان المنتج الجديد مجنوناً أو منخفض الإبداع. وبينما يقرر السوق أي المنتجات تفضل، نجد معدلات إبداع المنتج تتباطأ، وتظهر تصميمات قياسية، وواحد من تلك التصميمات يهيمن على السوق، وعند هذه النقطة تصبح عملية التطوير مهمة للغاية، وتصبح الكلفة وحجم التقنية أكثر مرئية، كما حدث في ظهور نموذج السيارة فورد ذاتية الحركة، فهناك موجات من التغيير التكنولوجي تتم في عملية ثابتة تتسم بالتعاقب والتتالي المستمر في السوق، وتميل موجات انتشار المستحدثات إلى المرور بفترات استقرار وتعزيز. وعندما تكتسح تقنية جذرية الصناعة، فهي تلغي واحداً أو أكثر من التقنيات الحالية! وتصبح مشكلة استراتيجيات الشركات وقتها هو كيفية الانتقال إلى التقنية الجديدة، وتكون وقتها أهم أسباب فشل الشركات هو عدم قدرتها على الانتقال إلى التقنية الجديدة. وتبدأ كل تقنية جديدة بأداء دون المستوى، وتتحسن معدلات الأداء تدريجياً وتتسارع في النهاية لتصل معدلات الأداء إلى التفوق في النهاية. ويأخذ دورته ويستبدل في النهاية بالتقنية الموجودة وهكذا. عموماً أداء أي تقنية جديدة يتحسن تدريجياً مع المستعملين. وأحياناً قدوم تقنية تكنولوجية جديدة يحفز وينشط الاستجابات المنافسة! وتبذل جهود جبارة، يقودها اليأس من عدم القدرة على مواجهة التقنية الجديدة، فتتمكن التقنية الحالية من تحسين أدائها، وتتجاوز حدودها الطبيعية في تحسين الأداء، على سبيل المثال، في الخمسين سنة بعد تقديم السفن البخارية، أجري على المراكب الشراعية تحسينات وتطوير أكثر بما حدث لها في الـ 300 سنة السابقة لظهور السفينة البخارية! لكن هذه الجهود منكوبة ومدانة دائماً! لأن التقنية الجديدة عادة تملك طاقات وإمكانيات لتحسين الأداء أكثر بكثير من التقنية السائدة، وقد تنجح هذه الجهود الجبارة في تأجيل انقراض واختفاء التقنية الحالية لفترة ما، ولكنها تفشل في النهاية، حيث ينتصر التغيير! وأحداث مشابهة حدثت في مشروع الجينوم الممول من الحكومات أمام منافسة مشروع الجينات البشرية الممول من القطاع الخاص.

وفي كل تلك الموجات يظهر الدور المتغير للمعرفة المتراكمة، الذي يمكن أن نفهمه بشكل واضح من قبل حالة الآلة البخارية والترنزستور. فالآلة البخارية طوّرت بسلسلة اختبارات تجريبية قامت على التجربة والخطأ، فكان جيمس وات الفرد الذي وضع اللمسات الأخيرة في الآلة البخارية وجعلها ناجحة بشكل تجاري، فقد كان هناك العديد من الآخرين الذين ساهموا قبله منذ سنوات. فنظرية عمل الآلات البخارية جاءت بعد العديد من السنوات، كان فيها التطوير قائماً على التجارب تماماً. وهناك أيضاً قصة تطوير الترنزستور التي حلت بشكل رائع من قبل ريتشارد نيلسن، وهي قصة مختلفة، فقد اخترع الترنزستور في مختبرات هاتف بيل في عام 1946. ومثل الآلة البخارية، كان تطوير الترانزستور انطلق من قاعدة المعرفة التي كانت قد طوّرت من قبل من خلال عدّة أجيال من العلماء في ذلك المختبر.

وأي مستحدث يستلزم وجود نظم تساعد على نجاحه، وهناك العديد من اللاعبين الذين يشتركون في نجاح أي تقنية مستحدثة مفردة، واللاعبون هم المخترع، وشخص يمول عملية تطوير المستحدث، قد يكون شركة، أو رأسمال مغامر، وهناك أيضاً المزودون والمجهزون لتلك التقنية للسوق، والزبائن المستعملون لتلك التقنية، وهناك أيضاً المنظمون، والمحامون، ووكلاء براءات الاختراع، وأفراد مدربون جيداً على استعمالها وصيانتها، ومحاسبون، وبورصة سوق الأوراق المالية، ورجال الأعمال أو المبتكرون الأوائل الذين هم أول من يتبنى التقنية الجديدة للسوق، إلخ كلهم لاعبون في عملية نجاح أو عرقلة المستحدث. مثال واحد في دور الحكومة في عرقلة المستحدث، إنه حالة النزاع بين الحكومة الأمريكية مع اليابان ضد ظاهرة إغراق السوق بالحواسب العملاقة! حيث اشتكت كراي الأمريكية من منعها من بيع حواسبها في اليابان، لأن الحكومة لم ترغب في أن تنجح شركة NEC اليابانية من بيع حواسيبها العملاقة المتفوقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وظهرت النتيجة في دراسة للبيت الأبيض بأن علماء المناخ ومتوقعي الطقس الأمريكيين كانوا سيئين جداً وسببوا أضراراً مقارنةً بنظرائهم الأوربيين لمدة 3-5 سنوات، نتيجة عدم استطاعة الأمريكان الوصول والدخول على حواسب NEC اليابانية المتفوقة.

Page 6

انتشار وتبني المستحدثات

وبعد ذلك العرض السريع للدورة الاقتصادية للمستحدثات التكنولوجية من حيث النشأة والتكوين والتطور، يستدعي اكتمال الصورة، تناول عملية انتشار وتبني تلك المستحدثات Diffusion and adoption ، فالمستحدثات تميل إلى أن يتم تبنيها وانتشارها من خلال نمط منتظم جداً. لكن الأحداث العشوائية المبكرة التي حدثت في تطور المستحدثات، أصبحت مغلقة إلى الأبد، ولا تتبع هذا النمط، مثل: ترتيب لوحة مفاتيح الآلة الكاتبة، اتجاه دورات عقارب الساعة، عدد الساعات التي يتكون منها اليوم الواحد 24 ساعة، قياس زاوية الدائرة 360 درجة.

وعملية الانتشار DIFFUSION OF INNOVATION هي عملية خروج المستحدثات من مصادرها إلى أكبر عدد من المستهدفين، وعملية الاقتناع والتبني للأفكار المستحدثة ADOPTION OF INNOVATION هي العملية العقلية التي يمر بها الفرد من لحظة سماعه عن المستحدث لأول مرة حتى مرحلة الرفض أو الاقتناع والتبني لتلك الفكرة الجديدة لتصبح جزءاً من سلوكه، وهي تتم بنفس الطريقة التي تتم بها عملية التعلم، وعملية الانتشار والتبني عمليتان مرتبطتان ومتداخلتان، إلا أن عملية الانتشار ذات طبيعة جماهيرية تتم على مستوى التنظيم الاجتماعي، بينما عملية التبني تتم على مستوى الفرد، وتعتمد العمليتان على قواعد وشروط عملية الاتصال. وتتكون عملية نشر المستحدثات الجديدة: من أربعة عناصر أساسية هي: المستحدث، قنوات الاتصال، الزمن، النظام الاجتماعي. وتعتمد عملية الانتشار على وسائل الاتصال الجماهيرية: مثل المذياع التلفاز الصحف المجلات... إلخ في توفير المعلومات العامة عن المستحدث، في حين أن المصادر الشخصية (الأعضاء الآخرين، والأقارب، الأصدقاء والجيران) وظيفتها تساعد في عملية اتخاذ القرار بالقبول أو الرفض.

وعملية التبني أو اتخاذ القرار حول قبول أو رفض المستحدث، ولغرض الملاحظة تتكون عادة من خمس مراحل:

1- مرحلة الوعي والتنبيه والإدراك، وفيها يتعرض الفرد للأفكار الجديدة من وسائل الإعلام المختلفة، ولكن تنقصه الدراية والمعلومات الكاملة عنها.

2- مرحلة الاهتمام يصبح فيها الفرد على درجة من الاهتمام بالمستحدث حيث يبدأ في البحث عن معلومات عنه تشبع عنده حاجات حب الاستطلاع والمعرفة.

3- مرحلة التقويم وفيها يقوم الفرد بالتطبيق الذهني والعقلي للمستحدث على موقفه الحاضر والمستقبلي، ومن ثم يقرر ما إذا كان ينوي تجربة الفكرة المستحدثة أم لا.

4- مرحلة التجريب أو المحاولة، وفيها يستخدم المستحدث على نطاق ضيق ويقرر مدى فائدتها بالنسبة إلى موقفه.

5- مرحلة التبني بالقبول أو الرفض، وفيها يقرر قبول المستحدث أو الاستمرار في القبول أو رفض المستحدث.

والفكرة المستحدثة قد ترفض في أي مرحلة، والتوقف عن قبول الفكرة المستحدثة هو قرار بالامتناع عن القبول

بعد الإيمان بالفكرة المستحدثة وممارستها. وعموماً فإن أي قرار يتخذه الفرد بشأن الفكرة أو الخبرة الجديدة سواء بالقبول أو الرفض سوف يتوقف على:

أولاً: خصائص الفرد الشخصية، مثل العمر والتعليم والدخل والمعلومات، وسماته النفسية والاجتماعية مثل اتجاهاته ودوافعه ومكانته الاجتماعية ودرجة مشاركته الاجتماعية وانفتاحه على العالم، وسلوكه الاتصالي.

ثانياً: خصائص النظام الاجتماعي: من العادات والأنماط السلوكية المعتادة وأهداف وقيم ومعايير الأفراد ودرجة تقدمية المجتمع وإمكانية الانحراف عن السلوك المعتاد.

ثالثاً: خصائص الفكرة المستحدثة نفسها: وهي:

1- الميزة النسبية للفكرة سواء اقتصادية أو اجتماعية، وهي مدى أفضلية الفكرة الجديدة على الأفكار الأخرى التي جاءت لتحل مكانها. والأزمات المفاجئة قد تؤكد الميزة النسبية للفكرة وتؤثر في معدل انتشارها، أو قد تعوق لازمة المفاجئة لهذا المعدل.

2- درجة تمشي الفكرة المستحدثة مع القيم الاجتماعية

3- درجة تمشي الفكرة مع نظم المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية

4- درجة تمشي الفكرة المستحدثة مع ما سبقها من أفكار

5- درجة تمشي الفكرة المستحدثة مع احتياجات الفرد

6- مدى تعقد الفكرة المستحدثة أو تشابكها وصعوبتها على الفهم

7- إمكانية التجربة على نطاق ضيق

8- إمكانية التجزئة

9- إمكانية المشاهدة

10- القابلية للانتقال.

وعند ظهور أي فكرة مستحدثة أو خبرة جديدة، لا يقوم كل أفراد المجتمع بتبنيها في وقت واحد، ولكن عادة ما تبدأ أقلية منهم في قبولها وتطبيقها، ثم تأخذ الفكرة أو الخبرة الجديدة بعد ذلك في الانتشار بين بقية أفراد المجتمع على مر الزمن. وقد تأخذ الفكرة أو الخبرة الجديدة وقتاً يطول أو يقصر حتى تنتشر بين جميع الأفراد، ويتوقف ذلك على طبيعة الفكرة المستحدثة، والنظام الاجتماعي السائد وغير ذلك من العوامل السابقة.

ويعد هؤلاء الأفراد الذين يقومون بتطبيق الفكرة المستحدثة عند ظهورها أكثر تقدمية من غيرهم، فدرجة التقدمية إذن هي درجة ميل الأفراد في نظام اجتماعي معين لقبول وتبني الأفكار والخبرات المستحدثة عند ظهورها. وبينت الدراسات التي اهتمت بموضوع نشر وتبني المستحدثات أن وسائل الإعلام الجماهيرية والمصادر الخارجية (الصادرة من خارج التنظيم الاجتماعي) تكون على أكبر درجة من الأهمية في مرحلة الإدراك والوعي والاهتمام بالفكرة المستحدثة، في حين أن وسائل الاتصال الشخصية ومصادر المعلومات المحلية (الصادرة من داخل التنظيم الاجتماعي) تكون هامة في مرحلة تقييم الأفكار المستحدثة. وإذا كانت فترة التبني هي الفترة اللازمة للفرد لكي يمر في عملية التبني متنقلاً من مرحلة الإدراك إلى مرحلة قبول الفكرة المستحدثة، فقد أوضحت الدراسات العلمية أن الإدراك يتم بمعدل أسرع من معدل التبني أو إقرار القبول والرفض. والنقص في المعلومات المتعلقة بالأفكار المستحدثة من شأنها أن تؤخر تبني الناس لها، والمسافة الزمنية الواقعة بين مرحلة الإدراك والتجريب أطول دائماً من المسافة الزمنية بين التجريب والتبني. ورغم الأهمية الكبيرة لوسائل الإعلام، إلا أن التأثير الشخصي ووسائل الاتصال شبه شخصية مثل (التلفاز الإنترنت) لها فعالية أكبر في مجال التغلب على مقاومة التغير التي تعوق التأثير السريع لوسائل الإعلام الجماهيرية مثل عمليات التعرض الانتقائي والإدراك الانتقائي والحفظ الانتقائي. والمعايير الاجتماعية السائدة في التنظيم الاجتماعي لها دور محوري في درجة القابلية لتبني المستحدثات الجديدة حيث تكون أسرع في التنظيم الاجتماعي الذي تسود فيه معايير تشجع على ذلك.

Page 7

المستقبل

والآن بعد هذه العجالة السريعة عن موجات التغيير التكنولوجي التي يمر بها العالم:

ماذا عن الخمسين سنة القادمة؟ ماذا بعد ثورة الجينات، وثورة الإنترنت؟ ما موجة التغيير التكنولوجي القادمة؟

من المؤكد هناك قادم تكنولوجي جديد سيحدث تغييره المعتاد في العالم، فدروس التاريخ تقول: إن الأزمات الاقتصادية التي يمر بها العالم منذ سنوات تحفز بيئة الإبداع! فالدوائر المدمجة في السبعينات، وتطوير المعالجات الدقيقة والكمبيوتر الشخصي في الثمانينات، وتطبيقات الإنترنت في التسعينات. والتاريخ يقول لنا أيضاً: إن الصدمات الطارئة والأزمات التاريخية تحفز موجة الإبداعات في العالم، فأحداث مثل: الحرب العالمية الثانية، الحرب الباردة، إطلاق الأقمار الصناعية، حرب فيتنام، الحظر البترولي، الزلازل، وأحداث درامتيكية مثل الهجمات الإرهابية في 11 أيلول (سبتمبر)، يمكن أن تحفز اقتصاديات إقليمية إلى مرحلة جديدة! فالحاسبات، والاتصالات الرقمية، والإنترنت، والتقنيات البيئية، وتقنيات الأمن الجديدة، كلها نشأت وانتشرت متأثرة بتحفيز صدمات وأزمات العالم! والموجات القادمة من الإبداعات المستحدثة، والتي بدأت تحدث الآن، هي عادة تحدث في نقط تقاطع مجالات التغيير الاقتصادي، فالعالم يتطلع الآن إلى تعميق تطبيقات تقنيات تكنولوجيات المعلومات والاتصال في كلٍّ من الاقتصاد والمجتمع، فينتقل بعد المرحلة الأولى من الإنترنت نحو الإنترنت النقالة mobile Internet ، وأدوات الإنتاج المعدلة والجديدة، وتطبيقات جديدة لتقنيات الاتصالات والمعلومات في مجالات التعليم، والحكومة، والمجتمع. ويتوقع تقدم رئيسي في التقنيات الحيوية، وأن تتلاقى وتدمج بتقنيات المعلومات والاتصالات، فتخلق فرصاً جديدة في الحقول التكنولوجية الصاعدة مثل: bioinformatics - biochips - biomaterials ، وهي تحمل معها تتجير الناتوتكنولوجيا، nanotechnology ، بمعنى تحويل تطبيقات الناتو تكنولوجيا إلى صورتها التجارية، والتي ستحدث ثورة جديدة في صناعة رقائق الحاسوب، هذه الموجات المقبلة للتغيير التكنولوجي ستعجل بالمنافسة الاقتصادية في العالم، وخاصة بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية!

ويزعم علماء الحاسوب أن ثورة الحاسب لم تحدث بعد! ويرصدون في صمت نمو وسيط جديد للفكر الإنساني. فعندما تصل النماذج الأولية لأجهزة الإنتاج الكبيرة mass - production ، إلى بيوتنا، ومكاتبنا، ومدارسنا، فإن حياتنا ستتغيّر بشكل فجائي وجذري! والصورة الأولية للأجهزة العقول التي تضخم الإنتاج، هي من ذرية وأحفاد الحواسب الشخصية التي نراها الآن حولنا، وستشبه تقنية معالجة المعلومات اليوم، فهي لن تكون أكثر من التلفاز الذي يشبه آلة طباعة من القرن الخامس عشر. وسينضم مئات الملايين من الناس حول العالم سوياً، لخلق أنواع جديدة من المجتمعات الإنسانية، تستعمل تلك الآلات، التي حلم بها عدد صغير من المفكّرين والفنيين على مدى القرن الماضي.

ولا أحد يعرف أن هذه التقنيات ستجلب الخير أو الشر للجنس البشري، لأن نتائج هذا التخويل سيعتمد في جزء كبير على كيفية استجابتنا وتفاعلنا مع هذه الأجهزة العقول، وأيضاً على اختياراتنا! ولن يستبدل العقل الإنساني بآلة، على الأقل في المستقبل المنظور، لكن هناك القليل من الشكّ تضخم في خيال المثقفين والمفكرين حول العالم، بأن المجتمعات الإلكترونية التفاعلية ستغيّر طرق الناس في الاعتقاد، والتعليم، والاتصال.

ويبدو كأن هذا التحول الذي ستسببه تلك التقنية الأخيرة على المجتمع، سيكون له تأثير أكبر من آخر مرة، دمج ونما فيها الفكر الإنساني! قبل خمس مئة عام، عندما تعلم العالم الغربي القراءة. حيث انبثق مجتمع المثقفين في أوروبة، ونما من أقلية متميّزة مقارنةً ببقية السكان. وتغيّرت حياة الناس بشكل جذري وبسرعة، ليس بسبب اختراع آلات الطباعة، لكن بسبب أن ذلك الاختراع وفر المعرفة للناس. فالكتب كانت مجرد العربات التي حملت الأفكار وهربت بها من المكتبات الخاصة للنخبة المثقفة ووزّعتها بين بقية السكان.

والقيمة الحقيقية للكتب ترجع إلى المجتمع الذي صنعها! مجتمع المثقفين الذي ما زال موجوداً وحياً في جميع أنحاء العالم. والصفحة المطبوعة كانت وسيطاً لتوليد أفكار الكيمياء والشعر، وأفكار النشوء والتطور والثورة، وأفكار الديمقراطية وعلم نفس والتكنولوجيا والصناعة، والعديد من الأفكار الأخرى التي تجاوزت بكثير رؤية مخترعي الآلة المتحركة ورؤية كتب الدين.

وآليات الإنتاج الكبيرة من أجهزة إلكترونية متطوّرة أمامها عشر سنوات أو أكثر! فالتأثيرات الأولية للإنجازات المدهشة في علم الحاسبات منذ 1960 بدأت بدخول حياتنا الآن فقط. فمعالجات النصوص، وألعاب الفيديو، والبرامج التعليمية، ورسومات كمبيوتر graphics كانت مفاهيم مجهولة لدى معظم الناس قبل عشر سنوات فقط، لكن اليوم هي أسماء للصناعات ببليون دولار. ويقول الخبراء: إنّ التطوّرات الأكثر إذهالاً لم تظهر للبشرية بعدُ!

Page 8

المصادر ومزيد من القراءة

-1((Mastering the Dynamics of Innovation)) by James M. Utterbak, Harvard

Business School Pressm, Boston, Mass. 1996

))-2The Economics of Industrial Innovation)) by Chris Freeman and Luc Soete,

The MIT Press, Cambridge Mass. 1997

))-3Diffusion of Innovations)), fourth edition, by Everett M. Rogers, The Free

Press, New York, NY, 1995

))-4 The Origin and Evolution of New Business)) by Amar V. Bhide, Oxford

University Press, Oxford, 2000

-5 ((Innovation, The Communication of Change ideas, Practices And Products)),

by W. R Spence, Chapman Hall, London. New York 1996

Page 9

الفصل الثاني
اجتماعيات المعلومات
في عصر المعلومات أصبحت نظم شبكات الحاسب والاتصالات من الممارسات اليومية للعامة في الدول المتقدمة، ولجزء من النخبة في الدول غير الصناعية. وأصبحت السياسات العامة في دول العالم خاصة الدول الصناعية تشجع وتسمح بوصول الجمهور بصفة عامة إلى الإنترنت. ونشأ عن الاستعمال الواسع للإنترنت ممارسات وتطبيقات جديدة، مثل التجارة الإلكترونية، التعليم عن بعد، النشر الإلكتروني، المكتبات الرقمية والمجتمعات الافتراضية أو التخيلية .virtual communities وقد أثار ظهور هذه التّطبيقات الجديدة افتراضات كثيرة حول التغييرات الاجتماعية التي يمكن أن تنبثق نتيجة انتشار تلك التطبيقات الجديدة. وظهرت أسئلة كثيرة مثل:
هل التجارة الإلكترونية أحدثت تآكلاً في الأسواق المحلية؟
هل استطاع التعليم عن بعد أن يمدّ فرصاً جديدة ذات مغزى، ومناسبة ورخيصة في المنزل؟
هل سينتشر التعليم عن بعد بسرعة ويصبح عادياً ويحل مكان الكليات والجامعات التي يتقلص فيها أعداد الطلاب الحضور؟!
هل ستنمو الصحف الإلكترونية بشكل متزايد كبدائل ذات تكلفة منخفضة للمطبوعات الورقية؟!
هل ستختفي وتتآكل المكتبات الورقية الإسمنتية ويحل محلها المكتبات الإلكترونية الرقمية؟!
هل ستختفي الاتصالات الوِجاهية لتحل محلها الاتصالات على الخط On Lin ؟
هل سيتآكل شكل المجتمع التقليدي الذي تعودنا عليه؟
كلها أسئلة تحاول بحوث المعلوماتية الاجتماعية أو اجتماعيات المعلوماتية الإجابة عنها، ونزعم أن كل الدراسات التي يتناولها هذا الكتاب، تدخل في مجال اجتماعيات المعلوماتية أو التغيير الاجتماعي الناتج من تطبيقات وممارسات تكنولوجيات المعلومات والاتصالات.
 

Page 10

الأبعاد الاجتماعية لتطبيقات الحاسب

وموضوع اجتماعيات المعلوماتية ليس العلاقة البسيطة والظاهرة بين التكنولوجيات والتغيير الاجتماعي، فدراسات اجتماعيات المعلوماتية، تبعثرت وتوزعت بين حقول ومجالات علمية متعددة منها علم الحاسب، ونظم المعلومات، وبعض العلوم الاجتماعية، وكلها استعملت مصطلحات متباينة للدلالة على اجتماعيات المعلوماتية، وأصبح المصطلح موضع أخذ وردّ بين المتخصصين، لا يهمنا منها شيء، لأن هذه المجادلات بين المتخصصين حول المصطلح قد تحقق متعة علمية لهم، لكنها تشتت القارئ المتعطش للمعرفة الجديدة.

واجتماعيات المعلوماتية هي المجال المعرفي الذي يدرس ويبحث الأبعاد الاجتماعية لتطبيقات الحوسبة، متضمناً أدوار تكنولوجيات المعلومات والاتصالات في التغيير الاجتماعي والتنظيمي، ومدى تأثر تنظيمات تكنولوجيا المعلومات بالقوى الاجتماعية والعادات الاجتماعية. وتتضمن الدراسات والتحليلات التأثيرات الاجتماعية للحوسبة، والتحليل الاجتماعي للحوسبة، ودراسة الحاسب وسيطاً اتصالياً متوسطاً (CMC) ، وسياسات المعلومات، وأجهزة الحاسب والمجتمع، والمعلوماتية المؤسساتية، والمعلوماتية التفسيرية... إلخ. ومقررات ودراسات وبحوث اجتماعيات المعلوماتية أو سيسولوجيا المعلوماتية تنتظم من خلال حقول علمية مختلفة تتضمن نظم المعلومات، الأنثروبولجي، علم الحاسب، علوم الاتصالات والاجتماع والمكتبات، وعلوم المعلومات، والسياسة، ودراسات العلوم والتكنولوجيا (STS) ، وهذا التوزيع والتعدد يصعب على العلماء أن يتقاسموا الاهتمامات المشتركة في النواحي الاجتماعية لتكنولوجيات المعلومات، ويصعب أيضاً على الطلاب المهتمين بذلك المجال تحديد المقررات لبرامجهم الدراسية المتقدمين بها للحصول على درجة علمية في اجتماعيات المعلوماتية، وهو مصطلح جديد نسبياً، ويخدمنا بوصفه عنواناً يجمع أولئك المهتمين بتلك الدراسات والموزعين على مجالات معرفية متعددة. ومصطلح اجتماعيات المعلوماتية يمكن أن يستخدم مؤشراً يساعد الآخرين ويعطي لهم فرصة لتكوين نظريات وأفكار أساسية، ودراسات، وتحقيقات، وكتب، ومقالات، ومناهج دراسية.. إلخ. ونشأ مصطلح اجتماعيات المعلوماتية Social Informatics نتيجة سلسلة من المناقشات النشطة المتحمسة في شباط (فبراير) وآذار (مارس) 1996 بين مجموعة من الباحثين بغرض تطوير منحتهم الدراسية حول الأبعاد الاجتماعية للحوسبة، وتم الاتفاق عليه في ورشة العمل التي عقدت في جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية في خريف عام 1997 حول التطوير في المعلوماتية التنظيمية والاجتماعية، ووصف، مشاركو الورشة بحوث اجتماعيات المعلوماتية Social Informatics بأنها تحليل ونقد ومعايرة، للوصول إلى نظريات عن السياقات الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية وحولها، تلك التي تطبق وتمارس فيها تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، أو للقيام بدراسات عملية تساهم في عمليات التنظير، فهذا الحقل المعرفي يعرف بموضوعاته، من خلال الإجابة عن أسئلته الجوهرية، أكثر مما يعرف من خلال وسائله البحثية، مثل الدراسات الحضرية أو علم الشيخوخة مثلاً، فسيسولوجيا المعلوماتية كان موضوعاً لبحوث منهجية وتحليلية وانتقادية طوال الـ 25 سنة الماضية، وقوام هذه البحوث تطور عنه، ونمت نظريات ونتائج متصلة بموضوع فهم وتصميم وتطوير وعمليات تطبيقات نظم المعلومات وما تحتويه من شبكات، ونواد إلكترونية، ومكتبات رقمية، ومطبوعات إلكترونية، ولسوء الحظ تبعثرت وتوزعت دراسات اجتماعيات المعلوماتية في المجلات والنشرات العلمية بين حقول علمية مختلفة متضمنة علم الحاسب، نظم المعلومات، وعلم المعلومات، وبعض العلوم الاجتماعية. وكل هذه الحقول العلمية استخدمت تسميات مصطلحات مختلفة للدلالة على اجتماعيات المعلوماتية، وهذا التعدد والتنوع المصطلحي صعّب الأمر على غير المتخصصين، بل وعلى المتخصصين أنفسهم إدراك أهمية دراسات اجتماعيات المعلوماتية. وهذا ولَّد دافعاً وحافزاً على إبداع مصطلح اجتماعيات المعلوماتية Social Informatics للمساعدة في جعل أفكار هذه الدراسات سهلةً ويمكن لغير المتخصصين الوصول إليها، وأيضاً لتقوية الاتصالات بين المتخصصين، وتقوية الحوارات بين المصممين للتكنولوجيا والمحللين الاجتماعيين. ويناقش هذا الفصل الأفكار الأساسية، لبحوث اجتماعيات المعلوماتية، وينتهي

بمناقشة قصيرة حول خصائص هذا الفرع اليوم، نقدمه لكل المهتمين بالمعلوماتية في الوطن العربي بأبعادها

التكنولوجية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية.