(1)
انطلقَت السيارة الأميركية في شوارع (أبو ديس) مسرعة، تاركة خلفها دماءً تنزف وأصواتَ نساءٍ يبكين استشهادَ أحدِ الشباب في منزله، اتجهَت السيارة إلى الخطّ الأخضر، نفّذت مَهمّةً جاءت مِن أجلِها. فيها أربعة رجال، يتبعهم مجموعة من رجال المقاومة، كانت الحافلة سريعة جداً، تُقلّ بداخلها مجموعة من الرجال بِزيّ عربي.
خرج مجموعة من الأطفال يحملون بأيديهم حجارة، ركضوا خلْفها بأرجل حافية، ابتعدت في شارع قريب من السوق واختفَت في أزقّة القدس.
وضعَت «فاطمة القاسم» يدَيها على وجنتيها، واتكأت بمرفَقَيها على النافذة التي مرّت مِن تحتها السيارة الأميركية، راحت تُراقب شوارع (أبو ديس) الضيّقة والتي تعرفها جيداً، تتراكض مسرعة بذاكرتها إلى الوراء كأنها سنوات يوسف العجاف، تجمّعت في تلك الليلة، تجمّعت في ليلة واحدة وباتت تتسارع على طرفي الشارع إلى الخلف، مدّت رأسها تريد رؤية شيءٍ ما، حاولَت مطّ عنقها أكثر لكنها لم تستطع، كاد حجابها أن يسقط عن رأسها، تراجعَت قليلاً إلى الوراء، أصلحَت حجابها، عادَت وَوَضعَت يدَها على سكّة «شباك الألمنيوم».
امتلأ الشارع بالرجال وسيارات الإسعاف، حين شمّت الرائحة وسمعت الزعيق، وكانت يدا «ربيع العربي» معقودتين خلف ظهره، وقدماه الشاردتان تخطوان على مهَل، تدبّان على الأرض دون تبَصُّر أو رؤية أي شيء أمامهما بوضوح.
عيناه غائرتان تجولان في الآفاق كأنهما تكنسان الطريق، والدموع تلهث فيهما، وتلتهب الشجون في حلقه الجاف. عندما سمع بأمر السيارة الأميركية تغيّرَت هيئته... انتفض... صعد إلى غرفته مسرعاً، ثم التقط شيئاً من تحت السرير.
كان الجوّ بارداً تقترب درجات الحرارة فيه إلى الانجماد وتوشك السماء تندف ثلجاً، كان الشارع قبل حادثة السيارة الأميركية هادئاً، وفي السماء غيوم مثقلة بهموم كثيرة بعضها بيضاء وبعضها الآخر في اسوداد. الغيوم التي كانت تطفو فوق الجبال والأشجار العالية، غيوم قطنية تتجمّع وتسبح بِكَسَل، وكان الجدار هو الذي منَع فاطمة من رؤية «علِي» ينحدر كسيل جارف من بيتهم يحمل سلاح الـ«كلاشن كوف»، كان صراخ النساء في الطرف الثاني من (أبو ديس) يمتزج بصوت الـ«بك أب»، وكانت فاطمة على نافذتها تنتظر فرَجاً قريباً.
قفز مجموعة من الشباب المسلحين بأسلحة خفيفة في «بك أب» وانطلقوا يطاردون السيارة الأميركية.
تركَت فاطمة لأختها «سميرة» مجموعة من الأوراق بدأت بكتابتها منذ أن كانت طالبة في «جامعة اليرموك» في مدينة «إربد» بـ«الأردن»، وتركَت سجلّ مكالمات محفوظ على ذاكرة هاتفها النقّال، وعدداً من الرسائل القصيرة التي كانت تتبادلها مع عَلِي. لم يكن يربط فاطمة بعَلِي قبل سفرها إلى الأردن أيّة علاقة عاطفية، كان ابن الجيران الذي لعبَت معه طفلة على «بيادر» القمح كغيره من أولاد وبنات الحارة.
كانت تقول لسميرة:
- بقدْر ما كان يشتاق لي خلال غربتي في الأردن بقدْر ما أشتاق إليه الآن...
تنظر فاطمة من نافذة المطبخ، تنظّف المطبخ كاملاً، بينما أختها سميرة تقف أمام نافذة غرفتها، عين على الأطباق الزجاجية وعين أخرى على غرفة عَلِي، تحاول طرد النعاس بتنظيف الأواني المنزلية، تنتظر أن يطلق إشارة الوداع، لكنه ما زال ينتظر ويطيل النظر إلى نافذتها التي يفصل بينه وبين نافذة غرفته جدار اسمنتي ضخم كالأفعى يلتف حول الجسد ويحاول خنقه، هو ينتظر بعشق وفاطمة تتقلّى كالصياد. لا تدخل غرفتها المشتركة مع أختها سميرة قبل أن يغلق عَـلِي نافذة غرفته ويطفئ أنوارها، فتعود وتدس جسدها تحت لحافها وتنام على صوت أغنية تختارها أختها، وقليلاً ما كانت تتأخر سميرة فهي تنام مبكّرة.
طال التعب كل جزء من جسد سميرة، خرجت من المطبخ، أسرعت كي ترمي جسدها على الفراش، لم تكن فاطمة في غرفتهما، بحثَت عنها غاضبة، ثم وجدتها تجلس مع أمها وهي تبكي، وأمها تمسح دمعتها.
وبحركة من يد سميرة سألت أمها من دون كلام؟
أغمضَت أمها عينيها وبنفس الإشارة أجابت ابنتها عن السرّ الذي أبكى فاطمة.
جلسَت بقربها وضمَّتها إلى صدرها، ولعنَت اليوم الذي وُجد فيه هذا الجدار.
***
في الليل الخالي إلا من صوت الأشجار تداعبها الريح، تسمع أنين تائهين، وصلصلة أغلال، ونحيب نساء يتعالى من جنبات الأرض الأربع مختلطاً بخطى مجهولة يتردّد وقْعُها على الرصيف، وتنتقل أصداؤها إلى داخل البيت مع الريح مِن وراء الجدار..
في الليل تسمع أكثر، تتفتح الحواس لكل صوت وصورة، تكون وحدها برفقة الجدار بانتظار ربيع العربي.
تسمع في ما تسمع شهقات حب غامضة وأغنيات تموج على أثير الطرقات في الغبار والدخان الليلي.. تسمع أنّات الحرمان التي تعيشه منذ تلك اللحظة التي قال أبوها لمشايخ البلدة: «لا، أخشى أن يفرقنا الجدار إلى الأبد».
(2)
تستيقظ فاطمة مع صياح ديك الجيران، تنهض بتثاقل، تفرك عينيها وهي تتعوذ من الشيطان الرجيم، تتوضأ، ثم تجفّف يديها ووجها من ماء الوضوء بـالـ«بشكير الألماني» الذي أحضرتْه معها من الأردن.
(هذا «بشكير» أمي، وله معنى كبير عندنا بالرمثا... لا تفرّطي فيه. استعمليه فقط لتجفيف ماء الوضوء، وضعيه فوق مخدتك، تحت رأسك عند النوم).
تصلّي الفجر، تجلس على مصلاتها وتقرأ القرآن... تنتظر شروق الشمس، تصلّي سُنّة الضحى. لم تفوّت صلاة الضحى يوماً منذ أن ذكرّتْها صديقتها وشريكتها في سكن الطالبات الجامعي «أسماء ناصر» بفضائل صلاة الضحى، وقالت لها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنّ الله -عز وجل- يقول: يا ابن آدم، اكفني أوَّل النهار بأربع ركعات، أكفك بهنَّ آخر يومك».
ومنذ تلك اللحظة فإن فاطمة تحافظ عليها كصلاة الفرائض، وإن فاتتها يوماً لظرفٍ طارئ فإنها تقضيها بعد أن تصلّي الظهر مباشرة.
سمعَت فاطمة صوت أمها في المطبخ تجهّز طعام الإفطار، نهضَت مسرعةً لمساعدتها، وفي غرفتها المشتركة مع أختها سميرة كان صوت فيروز يردّد كلمات عذبة.
أسرعَت فاطمة إلى المطبخ لإعداد طعام الإفطار قبل أن يرجع والدها من المسجد، دخلت المطبخ، شدّتْها رائحة «القهوة السادة» التي تقوم أمها بغليها وتجهيزها.
عمَل القهوة يدوياً يُعَدُّ من أفضل الأعمال التي تقوم بها أمها كل صباح، تتفنن بصناعتها، تبدأ بإشعال النار، تضع «المحماسة» عليها، وتضع فيها حبات القهوة الخضراء. تجلس أمها فوق رأس «البكرج» الأزرق الجالس فوق نار «البريموس»، وتحرّك القهوة بصورة جيدة، فلا تثبت في مكان واحد حتى لا تحترق، وتستمر في التحريك وهي تبسمل وتهلل وتحوقل وتصلّي على النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى تصبح القهوة شقراء أو سمراء وفْقاً للرغبة، وتتمهّل قليلاً حتى تبرد، بعدئذٍ تضعها في «المهباش»، وتدقّها وتطحنها جيداً. تضَعها على كمّية الماء المغلي في «البكرج» الأزرق وتتركها حتى تغلي بهدوء، وفي هذه الأثناء تقوم بطحن حَب «الهال «، وتضعه في «الدلة» النحاسية استعداداً لاستقبال القهوة.
جهّزَت أمها «البكارج» النحاسية فانْبَعَثَت رائحة القهوة عبقة جميلة، دفَعَتْها رائحتها دفعاُ لتذوّقها قبل أن تتناول وجبة الإفطار.
كانت تشعر بمتعة خاصة وهي تراقب أمها بينما تجهّز نفسها للذهاب إلى عملها، عقدَت حجابها بطريقة جميلة، وقبّلَت أمها وشقيقتها قبل أن تخرج، سارت بخطىً سريعةً لا يَعرِف سبب سرعتها إلا سميرة.
إنّ أمها كانت دائماً تطلب منها التمهّل في المسير حتى لا تسقط أرضاً...
***
ينتظرها كل صباح، يجلس تحت شجرة كبيرة مستنداً بظَهره إلى جِذع الشجرة الكبير. يَعُد الثواني مع عقارب الساعة، تأتي إليه تلهَث مسرعةً خوفاً مِن تأخّرها عن الوقت المعهود بينهما. كانت تطلب منه أن يذهب إلى جامعته إذا تأخَّرت فكان يرفض.
اقتربَت منه مبتسمة، سارا معاً لمدة ربع ساعة، فكّر في أن يمسك بيدها، وجدها فكرة غير صائبة، فهو يعلَم رفضها لهذا الأمر الذي لا يبيحه في نظَرِها إلا الزواج، يمشيان معاً حتى يصِلا مدرستها في طرَف قرية (أبو ديس)، فهي تعمل مدرِّسة لغة عربية في مدرسة البنات الثانوية، وهو يقدّم دراسات عليا في «جامعة القدس».
ينتظرها كل صباح تحت تلك الشجرة القديمة في آخر الشارع، يسيران معاً، تصِل بوابة مدْرستها الحديدية، يودّعها ويذهب إلى جامعته.
قال لها وهما يسيران جنباً إلى جنب:
- سأتقدّم لخطبتكِ بعد أن أتخـرّج في الجامعة.
- ولماذا لا تتقدّم الآن؟
- أتخشين شيئاً؟
- نحن الفلسطينيون حياتنا خوف وحرمان، لا وقت للعشق فيها.
- إلا بالحب والزواج والإنجاب، فنحن محترفون متطرّفون.
قالت له وهما يقطعان الشارع متّجهين إلى مدْرستها، كانت شوارع القرية تكاد تكون فارغة:
- أمس جاء عدد كبير من اليهود ومعهم أجهزة تصوير وآليّات وكانوا يقيسون الشارع المارّ من بين نافذتينا، رأيتهم يضعون النقاط الحمراء وسط الشارع.
- ماذا يفعلون في الشارع؟
- أظنهم يبيّتون شرّاً.
- ولماذا لا يكون خيراً؟
- لا أظنهم يملكون الخير؟
- ربما يريدون تعبيد الشارع.
- لا أظنهم يفعلون خيراً.
تبسَّمَت لسخريته، فكّرت أن تمدّ يدَها وتمسك يدَه وتضغط عليها، تعوّذت من الشيطان الرجيم.
طريقهما تمرّ من بين بساتين الزيتون، فيراقبان الفلّاحين ويستمعان إلى أصواتهم وأصوات غِنائهم وهم يهبطون الطرق المؤدية إلى مزارعهم، ويراقبان دوابّهم أيضاً وهي تتراكَض متجهة إلى مزارعهم.
(3)
ترَكهَا شقيقها خالد أمام سكن الطالبات في «جامعة اليرموك» في مدينة إربد الأردنية، جهّز لها أوراق السكن الرسمية ودفع القسط السنوي، ودّعها بعد أن أوصى بها مشرفات السكن، وانطلق إلى البوابة الرئيسية، ليركب «السيرفيس» المؤدّي إلى «مجمّع عمّان» ثم «جسر الملك حسين». احتضنها... نزلت دموعه، وبكَت بِدَورها، قال لها: (احفظي نفسك من أي سوء واعلمي يا فاطمة أنّ ثقتنا بكِ مُطْلقة، فعودي إلينا فاطمة الطاهرة التي أحببناها، ننتظركِ بعد أربع سنوات قائدة تربوية...).
انطلَق شقيقها دون أن يلتفتَ خلفه، وانطلقَت في رأسها وصايا أمها وتحذيراتها. أوصتها بقسوة وصرامة لن تنساها. فبعد أن اقتربَت السيارة التي ستُقِلُّها إلى الجسر، ودّعها والدها وشقيقاتها وأشقاءها وقالت لها والدتها: (أنتِ أمل إخوتك وهم يثقون بكِ ثقة عمياء، فعودي إلينا كما أرسلناكِ. أنتِ ذاهبة إلى الأردن للدراسة وليس لشيء آخر. والرجال يا ابنتي...).
غصّت في حلقها كلمة ابنتي وامتزج الكلام بالبكاء فاختفى صوتها في حلقها، لكنها عادت إلى صرامتها وقالت: (الرجال يا فاطمة يركضون ويلهثون خلف المرأة، هم يريدون جسدها فقط، وكثير من الرجال يبذلون الغالي والنفيس للحصول على جسد المرأة، وحينها يلقون بها ويسيرون غير آبهين إلا بفضيحتها. طلاب الجامعات يا ابنتي يتحدّثون بكلامٍ معسول، يضحكون على الطالبات ويواعدوهنّ بالزواج، والبنات في سنّك ضعيفات أمام الكلام الجميل. فلا تسمحي لأي إنسان بالتطاول معك ولو بحرف واحد. شرَفُكِ يا فاطمة هو شرَف إخوتكِ وشرَف أبيكِ وشرَفنا كلّنا، وإذا -لا سمح الله- حصل لكِ ما حصل ستُذبحين على أيدي إخوتكِ، وتدسّين رؤوسنا في التراب طول حياتنا... والناس لن تنسى يا ابنتي... احفظي نفسكِ لزوجكِ ولنصيبكِ، فالرجال يرفضون الفتاة غير المحتشمة زوجةً).
تيقّظت فاطمة من غفلتها إثر صوت المشْرفة «مس نائلة» وهي تقول لها: (تفضلي المفتاح يا فاطمة، غرفتكِ رقمها 356 ومعكِ شريكة اسمها «أسماء ناصر»).
جرّت حقائبها باتجاه المصعد، انتظرَت قليلاً حتى هبط من الطوابق العليا، فتحته وأدخلَت حقائبها قبْلَها، ثم دخلَت، أُغلق الباب وضَغطَت على رقم الطابق الثالث، فصعد بهدوء. شعرت بقلْبِها يهبط إلى الأسفل، توقّف المصعد على ضوء رقم 3 وعندما استقرّ في مكانه فُتح فإذ بصَبِيَّة تنتظر في الممرّ، ابتسمت لها وقالت:
- أسماء ناصر، شريكتك في الغرفة، تسمحين أساعدكِ؟
استغربَت فاطمة من انتظار أسماء لها، حملَت حقائبها ودخلَت الغرفة التي كانت تقع في آخر الممرّ، وقالت لها:
- أظن اسمكِ فاطمة.
وضحكَت بصوتٍ مسموع قائلة:
- اتصلَت بي المشرفة وأخبرتني عن اسمكِ وطلبَت مني مساعدتكِ في حَمْل حقائبكِ. أهلاً وسهلاً بكِ في رحاب جامعة اليرموك وأهلاً بكِ أختاً عزيزة في وطنك الثاني الأردن...
سعدَت فاطمة لهذا الاستقبال الذي خفّف عنها وطأة الغربة، طلَبَت منها أسماء أن تجلس وترتاح ثم في ما بعد تُرتِّب ملابسها، دخلَت أسماء إلى المطبخ وأعدّت فنجانين من قهوة «النسكافيه السادة»، وسألتْها عن مقدار السكّر الذي ترغب بوضعه في فنجانها. وضعَت الفنجانين أمامهما، وراحَتا تتحدَّثان بأشياء ليسَت ذات قِيمة، بدا الحديث وسيلةً لكَسْر جدار الغربة، وفتْح صفحة التعارف بينهما.
أخرجَت فاطمة ملابسها، وعلّقتها في الخزانة المخصَّصة لها، أنهَت آخر قطعة ملابس، أغلقَت الخزانة وأخرجَت من حقيبةٍ صغيرةٍ صورةً لوالدَيها -الصورة بالأبيض والأسود- وضعَتها على طرَف السرير المخصَّص لها، حملَت منشفتها ودخلَت لتأخذ حمّاماً ساخناً.
جلسَت رفيقتُها بالغرفة أسماء ناصر على كرسي «بلاستك» في الشرفة التي تطلّ على كلّية الآداب. أخرجَت هاتفها النقال من حقيبة «شامواء» ملوّنة مخصّصة له، وأخذَت تلامس الأرقام، عندما انتهَت من الضغط عليها سمعَت صوت رنين خفيف، فأغلقَت هاتفها وانتظرَت قليلاً. نهضَت وسارت بضعة خطوات، راقبَت نجوم الليل... الجامعة فارغة من الطلَبة، وشارع كلية الآداب ساكن بلا حركة، خلال ساعات النهار يكون كخلية نحلٍ لا يخلو من الطلبة. تحت الأشجار الموجودة في ساحات الجامعة يجلس الطلبة، وهناك تجلس أسماء ناصر وزميلها «مازن»، نظرَت إلى ذاك المقعد تحت شجرة تقع على الرصيف المحاذي لقسم الصحافة والإعلام، تجلس عليه باستمرار.
رنّ هاتفها... دخلَت إلى غرفة الجلوس، وتجاذبَت الحديث مع شخصٍ يبدو عليها السعادة وهي تحدّثه، خرجَت مرّة ثانية إلى الشرفة.
خرجَت فاطمة من الحمّام وغطّت رأسَها بمنشفة بيضاء، ارتدَت ثوب استحمام قطني بلون الزهر، اقتربَت من الشرفة، فوجدت أسماء ناصر تتحدّث بالهاتف، تنحنحت لتُشعِر أسماء باقترابها، ودّعَت أسماء محدِّثها ودخلَت إلى الغرفة مبتسمةً، فهِمَت فاطمة أنها كانت تحادِث رجلاً، يبدو أنه يعني لها شيئاً كثيراً.
سألَتْها:
- زميل؟
تبسّمت أسماء:
- زميل!؟ ربما...
فهِمَت فاطمة ابتسامة أسماء فدخلَت أمامها وجلسَت على الكرسي، تنبّهَت أسماء إلى أن الظنّ قد يؤدي إلى فَهْم خاطئ، جلسَت بقربها على السرير وقالت لها:
- يبدو أننا سنكون صديقتَين منذ اللحظة الأولى لتعارفِنا.
حدّقت فاطمة في عينيّ أسماء وقالت:
- أتمنى ذلك...
قالت أسماء لتطرد أي سوء ظن بها:
- اتفقنا أنا ومازن على الزواج بعد التخرّج... علاقتنا بريئة.
هزّت فاطمة رأسها ولم تنبس بحرف. فقالت أسماء:
- يدرس معي في القسم نفسه.
(4)
استيقظَت «سوسن» مِن نومها، كان الجو جميلاً مشمساً، نظرَت من نافذة الغرفة المطلَّة على أشجار الحديقة، سمعت أصوات عصافير الدوري، فركَت عينيها براحتَي كفَّيها لتطرد بقايا النعاس منها، ثم توجّهَت إلى الحمام، توضأت وصلَت الفجر قضاءً. لبسَت زيّها المدرسي وجلسَت في حُضن أمها لتمشّط لها شعرها. صنعَت أمها من شَعرها ضفيرتين وربطَت كل واحدة برباط على شكل زهرة. قبّلتْها وأعطتْها مصروفها المدرسي، وجدَت أمها قد أعدَّت طعام الإفطار، فتناولته مع أشقائها.
جهّزَت حقيبتها بالكتب المطلوبة منها، ودّعَت أمها وتوجّهَت إلى مدرستها، مَرّت بالحارة وسلَّمَت على الجيران كلّهم، اقتربَت مع عددٍ من الطلبة من نقطة تفتيش إسرائيلية. أوقفهم الجنود في صفٍّ واحد، فتّشوا حقائبهم، فتحوها وأخرجوا الكتب والدفاتر، نثروا كلّ ما فيها ونبشوها.
قالت لمديرتها ذات صباح عندما سألَتْها عن سببِ تأخّرها عن الطابور المدرسي: يجبرنا الجنود على إنشاد «شعب إسرائيل حي» بالعبرية قبْل السماح لنا باجتياز حاجز عسكري في طريقنا إلى مدرستنا.
وأضافت سوسن وهي تقف في غرفة الإدارة المدرسية بوجود بعض المعلّمات: كسَر أحد الجنود درّاجة أحد الطلاب، ومنَعَه من ركوبها بذريعة الأمْن والإجراءات الوقائية.
ثبّت الاحتلال حاجزاً عسكرياً على مدخل الحي الذي تسكنه سوسن، يقف الطلاب صباح كل يوم في صفٍّ طويل من أجل تفتيشهم فرداً فرداً والعبَث بمستلزماتهم المدرسية قبْل تقدُّمهم نحو حاجز آخر حيث يخضعون لتفتيش أكثر دِقّة بواسطة جهاز على مقربة من مدرستهم.
تحرَّك أحد الأطفال عن صفّه، لم يخرج إنما حرّك ساقه التي تخدّرَت، سارَع الجنود وعاقَبوه، ثم أعادوه إلى مؤخّرة الصفّ، وطلَب الجندي منهم الوقوف بخطٍّ مستقيم وإلّا سيحتجزهم لساعاتٍ تحت الشمس.
وصلت سوسن إلى مدرستها، دُقّ الجرس، وقفَت الطالبات في الطابور المدرسي، ووقفَت المديرة والمعلّمات بين الصفوف، أنشدَت الطالبات النشيد الوطني ورفعَت إحداهنّ العلَم. رفرَف العلَم في الساحة، وقفَت إحدى الطالبات أمام «المايكروفون» وقالت: أمَلُ كلِّ طالبٍ في فلسطين أن يصحو على أصوات زقزقة العصافير بدلاً عن أزيز الرصاص وأصوات المدافع... وحُلم كل أطفال فلسطين أن يصِلوا إلى المدرسة في الوقت المناسب فلا حواجز إسرائيلية تعيق وصولنا وتحرمنا من الوصول في الوقت المناسب إلى مدارسنا...
دخلَت فاطمة الصف التاسع، نهضَت الطالبات بزيّهنّ المرتّب وشعورهنّ الطويلة.
قالت فاطمة: صباح الخير.
ردّت الطالبات بصوتٍ واحد: صباح النور.
وضعَت حقيبتَها على طاولةٍ خشبيةٍ تُغطّيها قطعة قماش، فتحَت كتاباً وقالت للطالبات: ستكون هذه الحصة تفكيراً حُرّاً، وسأطرح عليكم مسألةً تُعَدّ عند اليهود من الأساسيات في المعتقدات... موضوعنا لهذا اليوم هو البقرة الحمراء عند اليهود.
تحرّكت فاطمة بين الصفوف وسألَت الطالبات: هل تعلَمْن شيئاً عن «البقرة الحمراء»؟
صمتَت قليلاً، تفحَّصَت وجوه الطالبات، رأتْ إصبع إحدى البنات مرفوعاً. طلبَت منها أن تجيب، قالت الطالبة: هي البقرة المذكورة في القرآن، في سورة البقرة التي أمَرَ الله اليهود بذبْحها على لسان موسى ونعلَم أنها صفراء ويراها اليهود حمراء.
تحرّكت فاطمة باتجاه السبّورة وكتبَت بخَطّين مُلَوَّنَين أصفر وأحمر، ثم قالت: المشكلة يا حبيباتي ليست باللون، نحن نراها صفراء فاقع لونها وهم يرونها حمراء لا شية فيها.. المشكلة لماذا يبحثون عن هذه البقرة؟ وماذا لو استطاعوا في مختبراتهم إنتاج بقرة حمراء صافية اللون لا يعكّر لونها أي لون آخر؟ ترى مَن تخبرني أين المشكلة؟