eKtab
EN ع
ظل ومرآة
Read free sample

ظل ومرآة

by نداء أبو علي

Page 1
رنيم
 
تتعثّر رنيم بظلّها الذي يقف فارهاً أمام المرآة محاولاً إخفاء ملامحها· لا تستطيع أن تميّز تقاطيع وجهها الذي بدا صلداً أجوف خالياً من أي ملامح· إنّها في طريقها إلى الجحيم· تريد أن تتسلّل إلى مغارة رجلٍ لا تعرف عنه إلاّ أنّه يحاول اقتحام عقلها وإجبارها على الخضوع له· لا تستطيع التوقّف عن التفكير فيه، تتخيّله يقف خلف نافذتها يتأمّلها ساخراً وهو يلحظ ارتجاف أناملها؛ وهي تحاول ارتداء ثوبٍ يظهر تضاريسها لتلتقي به· تتصوره يضحك جذلاً حين يشهد صبغها لشفتيها بطلاءٍ يحاول إغراءه دون تكتّم· تتمنّى لو تستطيع استشفاف مافي عقله، فإشاراته التي يحاول أن يظهرها لها متذبذبة متضاربة تتقاذف ما بين اليمين تارة وما بين الشمال تارةً أخرى، وهي تخفق في فهم الإشارات ومعرفة الطرق والانبعاجات في شوارع رأسه· تتساءل أحياناً إن كان انبهارها به قد طرأ نتيجة لتضجّرها من تقلّب أيامها دون غايةٍ تشغل عقلها· تشعر وكأنّها قد أقنعت نفسها بأن عليها أن تتقبل أي شخصٍ يطرق باب حجرتها لتسمح له باجتياح كيانها وتقطيع أوردتها في الوقت الذي تترقب فيه قطرات دمها بتلذّذٍ غريب· يجلس هو على فوهة مدفع موجّه إلى رأسها الصغير سعياً إلى تهشيمه· وتقف هي أمامه بانتظار قدرها غير عابئةٍ بما سيحدث، فرأسها لا يحوي إلاّ ذاكرةً مثقوبة وآمالاً بدأت تدريجياً بالتلاشي لتخفي وراءها سخريةً وقنوطاً·
 
تنهض وتفتح خزانة ثيابها مرةً أخرى للتأكد من حسن اختيارها لذلك الثوب، لا تريد أن تظهر مهتمة بما ترتدي فيحسب هو أنها ترغب في قضاء الوقت معه في أمور تتجاوز النقاش الهادئ العذري، ومشاهدة فيلم ينقضّان عليه بالنقد والتشريح بعد انتهائه·
 
لا تريد أن تتشابك نظراتهما كما يحدث في تلك الروايات التي تستسخفها حين تقرؤها، لا تريد أن يتأملا بعضهما البعض بصمت لا يقاطعه إلا همسه الذي لا يشي إلا برغبته في التعرّف على تضاريس جسدها· تخاف أن تضحك بخفوت ويرتجف صوتها فيعتقد أنها تدعوه إلى عدم التورّع عن ارتكاب أي جريمة· تعترف لنفسها في تلك اللحظة بأنها تريد أن تصبح مغفلة تستمع إلى عبارات الحب الفارغة التي سخرت منها في السابق واستنكرتها لاعتقادها أن كل الرجال لا يتلفظون بها إلا للإيقاع بفريسة أنثوية منهزمة· تتساءل إن كانت ستضحي فريسته تلك الليلة· ربما إن عاشا خارج مجتمعهما الملغّم القاسي لتجاوزت كل ذاك الذعر المتناقض· تقرّر أن تنزع عنها ذلك الثوب الأبيض المتكلّف وتختار بأصابع راجفة متوترة جينزاً بالياً وقميصاً زهرياً اعتيادياً كما ترتدي كل يومٍ في منزلها· تترك شعرها ينسدل على كتفيها دون تصفيف· تزيل عن شفتيها ذلك اللون القرمزي الملفت لتطليهما مرةً أخرى بلونٍ زهريٍ خفيف يتقارب من لونهما الطبيعي· لا بد له أن يفهم بأنها وإن قدمت لزيارته فهي ليست سهلة المنال· تتوق للتناجي معه خلف الأبواب الموصدة، لكنها لا تملك إلا أن تسمح لعقلها المريض تخيّل أسوأ الأحداث· تدرك باختيارها أن تتجاوز الأعراف يعد جناية حتى وإن أصبحت ضحية إقحامه نفسه جسدياً وعاطفياً· تسرح بتفكيرها وتتذكر عاطفته الطاغية وصمته ونظراته التي تشعرها بأنوثتها، وبأنه يستطيع أن يستشف كل ما يعتلجها دون أن تتحدث· لكنها تشعر بضربات قلبها المتسارعة الناتجة عن هلعها وقد أثارت فكرة مقابلتها رجلاً في مكان منعزل هلعاً داخلياً· تحاول أن تتوقف عن التفكير في احتمالات ما يضمره غازي لسبب دعوته لها·
 
قد يكون شبقاً قام بكل تلك المسرحية ليصطاد فريسته كما يفعل مع غيرها من الفرائس، وحين توافق على زيارته يتوقع بأنها أعلنت خضوعها لكل أفعاله مسبقاً· تتساءل إن كان عقلها قد أصيب فجأة بالتجمّد فغفل عن حقيقته· قد يكون سفّاحاً يغتصب كل من يدعو من الفتيات· لن يحاكمه المجتمع فهي مدانة بمجرد تحدثها معه· تحاول إيجاد خطط بديلة للهرب في حالة أن تكون توجساتها صحيحة· أسهل طريقة هي القفز من نافذة حجرته، لكنها لا تعرف في أي طابق يسكن· تجد حلاً بديلاً هو الاتصال بالشرطة، لكنها لا تتذكر رقمهم· لا تتذكر إلا رقم 911 من الأفلام السينمائية الأمريكية مما لن يفيدها في حالة اضطرارها الاستنجاد بأحد· تشرع في كتابة رسالة نصيّة لصديقتها الأزلية دانة، تعزم على تخزينها لترسلها في حال احتاجت إلى ذلك، ستسجل في رسالتها مكان وجودها وستتهم فيها غازي باختطافها وتطلب منها التصرف بسرعة لنجدتها· ستبادر بإرسالها في أي وقت تشعر فيه باقتراب وقوع كارثة· إن باغتها وسحب منها هاتفها ستصيح بأعلى صوتها ليتمكن الجيران وكل من في الحي من سماع ندائها· تهزّ رأسها باستنكار لتطرّف هواجسها التي أحالت شاباً لم يبدر منه أي سلوك شاذ، إلى شبقٍ مرعب· تشك بأن عقلها قد أصابته لوثة من الجنون لتجتاحه أفكار سوداوية ورثتها إثر سماعها لجميع تلك الحكايا وحوادث الشرف المتعددة، وبعد قراءتها ومشاهدتها لكل تلك الروايات والأفلام العربية المريضة· كانت كلما رأت مشهداً لشابّة بريئة ينقض عليها شاب متهور مقزز تصيح بغضب أمام شاشة التلفاز لتصم الفتاة بالحمقاء بسبب ذهابها إلى منزله· تبتسم بتوتر وتغمغم بأنه قد جاء وقتها هي لتقع في المصيدة، تلك المصيدة التي من المحتمل أنها تريدها هي فقد أصبحت كبشاً وديعاً يجري خلف الذئب ويترجّاه أن يأتي لالتهامه، فإذا اقترب منه تقهقر وأخبره بأنه غيّر رأيه ولا يطلب منه إلا السلام·
Page 2
تريد أن تثير حياتها الخاملة بأحداث غير مألوفة، فشهر فبراير هذا العام يمر فيه عيد الحب داكناً كئيباً يمعن في تذكيرها بخيباتها العاطفية· لا بد أنها لا تفكر في ذلك النزق إلا لأنه صادف وتعثّر في حياتها في اللحظات التي قررت فيها فتح أبوابها الموصدة والخوض في أي قصة لتشعر بالانتشاء· يظهر أمامها كقطٍّ أليف يحدّق في أناملها متضرعاً وراغباً في تمسيدها على رأسه· حين أخبرها أن عليهما الاحتفال بعيد الحب في ذلك الشهر المفعم بالوله عبّرت عن تخوّفها من رجال الحسبة الذي يتصيدون العشّاق أو المتظاهرين بالعشق· أخبرها بتلقائية بأن أكثر الأماكن أمناً هو منزله، تساءلت باستنكار إن كان يمزح وقد قلّبت في رأسها مشهداً سينمائياً له وهو يضع لها مخدّراً في عصيرها لينتهك شرفها ثم يبتزها لتصبح جاريته· زفر هو بضيق حين لحظ تردّدها ووصمها بالتقليدية التي تدّعي كونها مثقفة متحررة وقد ترسّبت في أعماقها قناعات عن سبي المرأة والفتك بها· سخر منها وأخبرها بأنهما شخصان متحضران غير مسيرين، أشعرها وكأنها امرأة سكنت البادية لسنوات وأحكمت إغلاق الباب على نفسها ككنز ثمين قد ينقضّ عليه أي لص ليتلفه· جعلها تشعر بالغضب من نفسها لتردّدها الذي لا يليق بشخصيتها المتمرّدة الأبيّة· طلبت منه عنوانه لتكتبه بخطًّ متعجل متعثر ثم تنهي المكالمة، سارت في أرجاء حجرتها محاولةً نفث أي توتر أو حماسةٍ مفرطة· لم تكن مطموسة الملامح موصدة الأبواب فقد تلقت العديد من المكالمات الغزلية ورسائل الإعجاب· لم يكن ذلك مستغرباً في ظل مجتمع يحاول فيه الرجل البحث عن أي صوتٍ أنثوي ليبث له فيه مناجاته· لكن تلك الرسائل التي تتلقاها كانت قادمةً من أشخاص يعرفون ما يتعدّى اسمها وشكلها وما يدخل في تفاصيل دقيقة من حياتها لن يكتشفها إلا من خالطها لفترةٍ طويلة·
 
تلقّت رسائل تتساءل عن عدم خروجها من المنزل في تلك الأيام التي غالبها فيه القنوط فاستلقت على الأريكة دون عمل أي شيءٍ مفيد· تتساءل أحياناً إن كان عليها أن تشعر بالذعر لأن هناك من يستهدفها ويرقب خطاها كل يوم، وأن تخبر أي شخصٍ مقرّب عن ما يحدث لها· تشعر بالحماسة لوجود مثل تلك الأحداث التي تثري أيامها· تريد أن تشعر بأنها مهمة لدرجة أن هناك من يبحث عنها في الظلام ويقضي جلّ وقته في مراقبتها· لم تكن تبحث في علاقتها مع غازي عن تجربةٍ عشقية، كل ما تريده هو محاولة لكسر القواعد في وقت تغلب عليها فيه الوحدة والقلق·
 
تتذكر أوّل لقاءٍ لهما، لم يكن صدفة بديعةً تستطيع أن تغرّد بها أمام صديقاتها بصوتٍ حالم· كانت مقابلتهما في أثناء تنقيبها عن وظيفة دون جدوى· باغتتها صديقتها دانة وقتها باتصال تخبرها فيه بحبور عن وجود وظيفة شاغرة في إحدى الشركات التسويقية التي لا تبحث إلا عمن تحمل شهادة جامعية وتجيد اللغة الإنجليزية· أخبرتها بأن والدها قد قام بتزكيتها أمام المسؤول عن التوظيف فطالبه بأن تحادثه لإجراء موعد للمقابلة الرسمية· كانت قد هاتفته فطلب منها القدوم فوراً لإجراء مقابلة· بدا صوته هادئاً مقيتاً لم يدلّ إلا على تضجّر صاحبه من رتابة عمله وتكرار قصص الباحثين عن وظيفة· لم تكن مقابلتها له أفضل من تلك المهاتفة الغريبة· سارت خلف موظّف الاستقبال بأنفاس متصاعدة وهي تتشبث بقوّة بملفّ يحمل سيرة حياتها· شعرت وكأن هذا الملف سيدافع عنها في جلسةٍ في المحكمة·
 
سمعت صوتاً أجشَ يهتف بآلية سامحاً لها بالدخول بعد أن طرقت باب مكتبه· وجدت خلف باب المكتب شاباً لا يتجاوز الثلاثين يرتدي نظارة تسبغ عليه شيئاً من الجدية ويحدق في أوراقٍ لملفٍّ أمامه· يستفزها ذلك النوع من الرجال الذين يحاولون التظاهر بأهمية ما يفعلونه على الرغم من بساطته· رمقها بضجر و أشار لها بالجلوس· وضعت الملف الذي أحضرته معها على الطاولة ثم قالت بصوت مرتفع تستخدمه كلما شعرت بالتوتر: هذه نسخة من سيرتي الذاتية التي أرسلتها مسبقاً إليك وقد أرفقت معها شهاداتي·
Page 3
تتذكر تجاهله ارتباكها وارتشافه الصامت لقهوة سوداء وهو يتصفح فيه ملفها وكأنه يقرأ رواية بتململ· بدا عليه بأنه لم يتعب نفسه في قراءة معلوماتها مسبقاً، وبأنه سيقضي جلّ وقت المقابلة يتمحّص في معلوماتها ويعصر عقله بحثاً عن أسئلة صعبة· أكّد لها توقعاتها تساؤله المندهش عن اختصاصها في قسم الصيدلة، وعن سبب اختيارها البحث عن وظيفة في قسم آخر· اضطرت إلى التأفف والبوح بعدم معرفتها لأهداف حياتها في تلك المرحلة العمرية· شعرت وكأن تلك المقابلة بمثابة مسرحية هزليّة، خصوصاً حين قرّر فجأة أن يتوقف عن مساءلتها ليتحدث بأسلوب فكاهي عن نفسه، وعن أسباب اختياره قسم الجغرافيا الذي اعتقد أنه سيدفعه للسفر والتعرّف على ثقافات مختلفة· كانت المقابلة الأسوأ في حياتها سألها فيها عن سبب مكوثها عاطلة عن العمل لما يزيد على العامين· قلبت هي المقابلة لتتحدث عن البطالة والمشاكل الاقتصادية وتفضيل المجتمع لتوظيف الرجال· وأطرى هو على ثقافتها وشجعها على السفر للتخصص في قسم ماجستير في علم الاجتماع أو العلوم السياسية أو أي قسم يستلزم الثرثرة الفارغة· ما زاد من حنقها من تلك المقابلة كان سؤاله الساذج عن حالتها الاجتماعية، زاعماً بأن شركته تفضل النساء العازبات·
 
لم تتمكن من تجاهل طلبه رقم هاتفها الخلوي· استشفت رغبته في أن يكمل معها حديثه عن البطالة والنساء وتحديد الهوية· استهل مكالماته معها بالاعتذار عن عدم وجود وظيفة شاغرة بعد أن تم اختيار أخرى ذات خبرة واختصاص في ذلك المجال· ثم طفق يستدرجها في الحديث حين أخبرها بأن بإمكانه أن يساعدها في البحث عن شركات أخرى· مرّ الوقت ونسيا أن عليهما أن يرسلا سيرتها الذاتية إلى أماكن أخرى· أصبحا يقضيان وقتهما في الثرثرة وانتقاد المجتمع وغفلته والبحث عن منفذ لبث غضبهما ورغبتهما في الهروب والتنفس·
 
الآن وهي في طريقها إلى منزله، تتمنى ألاّ تهاتفها والدتها حين تذهب لزيارته لتسألها أين هي· وحدها والدتها التي تستطيع استشفاف اختلاقها لقصة موبوءة بالكذب· يتهدّج صوتها في محاولة لصرف النظر عما تفعل· لم تكن علاقتها بوالدتها بالاعتيادية خصوصاً وأنها الابنة الوحيدة التي نتجت عن زواج والديها· جاء موت والدها ليجعلها تستبدله بوالدتها التي مثلت دور الأب والأم والأخ والأخت· لا تعزم على إخبارها بما تريد فعله لأنها لا تريد أن تثنيها عما تريد فعله· تشعر بنفسها أشبه بذلك الرجل الذي يستحيل إلى مسخٍ أخضر حين يشتعل غضباً دون القدرة على تمالك أعصابه· الفرق بينهما أنها لا تستحيل امرأةً حمراء حين تغضب وإنما حين تشعر بالملل المشوب بالكآبة، تحاول حينها استبدال الكآبة بمغامرةٍ تسلبها القدرة على التفكير والاتّزان، وتمعن في تقطيع شرايينها لتتفجّر دماؤها كلما شعرت باليأس· تتذكر حين توفّى والدها كيف أضربت عن تناول الطعام وعن الحديث مع غيرها لشهرٍ كامل حتى عانت من ضعفٍ جسديّ ونفسي أشعرها بانعتاقها من ألمها· لم يشف غليلها سوى القفز من سور حديقة منزلها في منتصف الليل· لم تكن تعلم إن كانت ستهشّم رأسها أو تكسّر قدميها أم ستستطيع أن تعود إلى منزلها بشعور خفيّ بالظفر بما أرادت تجريبه· تكرر استحالتها إلى اللون الأحمر حين بلغت في عامها الدراسي الأخير أوج قلقها وتخوفها من إخفاقها في الحصول على علامات عالية في مواد ستحدد مصيرها· قرّرت أن تتجاهل كل ذلك وقضت جلّ وقتها ما بين التسوّق وقراءة الروايات ومشاهدة التلفاز حتى الساعات الأولى من الفجر لتتمكن من نسيان ما يقلقها·
 
هي الآن تمرّ بتلك المرحلة التي تستحيل فيها إلى امرأةٍ متوحّشة حمراء لا تمت للعقلانية بصلة، فهي تخشى انعدام الحب من حياتها ليمتزج مع فشلها في الحصول على وظيفة· أضحت امرأةً بائسة تحقد على العالم على المدى البعيد، أما على المدى القريب فلا تجد إلا رغبة في كسر قوانين مجتمعها بإتيان كل ما تشاء فعله· تنعدم قدرتها على التفكير والاتّزان· لا تتوقف عن التفكير بذلك المختلّ الذي تشكّك في نزاهته وتنسب إليه كل تهمة في استغلال وظيفته لاصطياد الفتيات وابتلاعهن· لا تحمل كلماته أي أفكارٍ مشبوهة، ولا يظهر صوته أي محاولة للكذب· تتساءل عن سبب موافقتها على اقتراحه، على الرغم من شعورها بالذعر مما قد يحدث خلف الأبواب الموصدة· تشعر بأنها وقعت في فخ التأثر بمجتمعٍ ينظر إلى علاقة كل رجلٍ بامرأة وكأنها ارتكاب جنسي فادح· تقلّب في رأسها حديثه وتتخيل نفسها تعيش خارج حدود مجتمعها، لتصبح زيارتها لصديقها مجرد زيارة عادية بغرض التحاور مع أفكاره،· أما هنا، ما بين أسعف النخيل وصحراوية الواقع المتحجر فمجرد التقابل في مكان منعزل يعدّ إثماً فادحاً· تصرّ على أسنانها وهي تعزم على كسر القيود ونبذ كل تهمة تحاول إلصاقها به قبل أن تثبت إدانته·
 
تعلن للسائق رغبتها في الخروج، تلتف بعباءتها وتقرر عدم ارتداء الطرحة يومها، تشعر إن ارتدتها بالازدواجية في معاييرها بظهورها أمام الملأ كامرأة محجبة ثم ذهابها لزيارته في منزله· تصل إلى منزله فترقبه بتجهّم وارتعاد كطفلة مذعورة·
Page 4
غازي
 
يعشق غازي مدينته التي يعانقها كل يوم ويقسم ألا يخونها بانتقاله للعيش بين ثنايا أخرى·
 
فجدّة تتعثّر بسمعة جرأة فتياتها لمجرّد أن لديهن بصيصاً من الحرّية· هي مدينة يتمكن فيها من التعرّف على ملامح وجوه الفتيات المتشحات بالسواد التقليدي دون أن يوارين ابتسامهن أو بريق أعينهن· يحقد على الرجال التقليديين القادمين من مدن أخرى بحثاً عن سبي جديد أو امرأة تختارهم برضاها· تستحيل العملية إلى مطاردة تثير الرعب في نفوسهن·
 
يشعر في كل صيف بالغيرة على بنات مدينته وكأنهن نساؤه هو فقط· لا بد له هو فقط من الحصول على حقّه في النظر إليهن· يتمنى لو تستحيل مدينته إلى حصن يمنع فيه دخول أي رجل سواه·
 
يريد أن يمشي كل يوم في الشوارع والأزقة ليتفقد أحوال رعيته· سيجد إن فعل ذلك النساء يتصرفن بحرية أكثر، يضحكن بصوت أعلى، يتحدثن بصوتٍ أجرأ ويرفضن الانصياع للأوامر بإباء ودون التياع·
 
يصنع لهنّ بحراً خاصاً، وأسواقاً خاصة يدخلنها دون خجل أو استياء من نظرات بائعين اعتادوا الجوع في مجتمع متصحر·
 
يبتسم ويتخيل نفسه ملكاً· يؤمن أنه سيكون عادلاً في مملكته النسوية الصغيرة· يدرك أن عليه أن يجعلها مملكة لأنهن إن أردن أن ينتخبن رئيساً فسيرفضن حكم رجل لآلاف النساء· وإن رفضن حكمه فسيضطر إلى تكبيلهن، إلى أن يدوس على حريتهن ويرمي بأجسادهن أرضاً ثم يسير عليها بلا هوادة وبتسلط حاكم متعجرف· سيرفض اختيار ملكة لرغبته في إنصاف الجميع ومقته للتعدّد·
 
بينما هو منهمك في السير على أجساد النّساء مكتشفاً استمتاعاً لا متناهياً للسلطة المتجبرة التي لزم عليه تطبيقها عليهن كونهن عاصيات لأوامره· وبينما هو يستمع إلى أنينهن المتوجع ترفع رنيم وجهها المتقد رافضة أن تختبئ خلف الأغطية السوداء والتمدد أرضاً· تنظر إليه بغضب مستميت· يتعرّف إلى ملامحها، ترمقه بالنظرة المحمومة ذاتها التي تحدجه بها كلما شعرت بالغضب· يحاول أن يدوس عليها متجاهلاً ملامحها المألوفة بإباء متعجرف، ويرفض الإذعان لمشاعره·
 
يشعر بغتة بوهن في ركبتيه وعجزٍ في المضي قدماً دون أن يلمس أناملها· يشعر باعتصارٍ في قلبه، وكأنها تمتمت بعبارات شعوذة جرّدته من قوته لتجبره على مناجاتها واستقبال أفكارها· لا يملك إلا أن ينصت إليها، يمدّ لها يده ويرفعها ليحرّرها من واجباتها كمواطنة مستعبدة·
 
وبدل أن تغمره بكلمات من الشكر والإقرار بحسن موقفه تصيح في وجهه وتمد يدها اليمنى بأصابع متشنجة في محاولة لصفعه، وتقول دون تفكير:
 
أيها المتجبر المختل عقلياً! انتهى زمن العبودية· ماذا تظن أنك فاعل؟ هؤلاء النساء لسن لك·
 
وعلى الرغم من امتقاع وجهه وهو يستمع إلى لومها· يرد بصوتٍ هامس:
 
أعرف أنك تريدينني لكِ أنتِ فقط· سأسمح لكِ أن تجلسي في مقعد قريب من عرشي· سأجعلك المفضلة·
 
تهزّ رأسها بامتعاض ثم يتعالى صوت ضحكها المستهتر بسلطته، تضحك حتى يميل رأسها إلى الوراء· تقول بإباء:
 
أرفض العبودية، أرفض الالتحاق بجيشك الأرعن السّخيف الذي يحاول بشتى الطرق القضاء على حقوق هؤلاء·
 
أيّ حقوق؟ إنهنّ من الطبقة الكادحة، وأنا أعاملهن جميعاً سواسية كمواطنات·
Page 5
تشيح وجهها بتقزّز، وتساعد أكبر قدر من النساء المرتميات أرضاً على النهوض· تبدأ كل واحدة قامت بمساعدة أخرى· تشيح جميعهن بأوجههن بعيداً عنه· وتصيح كلهن بعبارات ثورية تتقدمهنّ رنيم بمزيجٍ من ثورةٍ واعتراض وتنكّر لوجوده·
 
يقف في قارعة الطريق وحيداً قلقاً· يعضّ على شفتيه ويعترف بعجزه عن ترويضها والحصول عليها·
 
يبتسم وهو يهشّ عن رأسه أخيلته التي تسيطر عليه فيكاد يصدّق بأنه قد امتلك جميع النساء· لا يهمّه الآن إلا أن يمتلك امراةً واحدة هي رنيم· يرغم نفسه على أن يركّز في كل رحلة عشقية في المرأة التي أمامه ليتنشّق أنفاسها ويؤمن بها وكأنها الوحيدة التي سكنت العالم فلا يوجد إلا هي وهو· سيقومان ببناء عرشٍ يجدّد تاريخ آدم وحوّاء تزهو من بعده البشريّة وتصبح الحياة الفانية جنّةً يسودها الوئام والعشق الأبدي·
 
حين كان غازي صغيراً لم يبلغ بعد الحلم، كان محاطاً باهتمام أخواته اللاتي يكبرنه سنّاً فطفق يرقبهنّ يتضاحكن ويتسامرن وهنّ يضعن مساحيق التجميل ويرتدين ثيابهنّ ثم يستمعن إلى الموسيقى ويتمايلن عليها بانسجام· تحوّل بقاؤه معهن إلى إعجابٍ بكل ما يفعلن، حتى بدأ يختلس غياب إحداهنّ من حجرتها ليضع على وجهه مساحيق التجميل بطريقة مضحكة، ويحاول ارتداء حذاء إحداهن ذا الكعب العالي ليمشي وهو يرتديه· كانت أخواته تقهقهن وهن تنظرن إليه وتقبلنه بحنانٍ مريح· ولأنه لمح سعادتهن بما يفعل كرر ذلك مراراً حتى عاد والداه ذات يومٍ إلى المنزل بعد أن خرجا سوياً للعشاء ليجداه يرقص مرتدياً حذاء أخته وواضعاً حمرةً للشفاه·
 
أصيب والداه بالذعر خوفاً من أن يصبح شاذّاً من فرط دخوله العالم الأنثوي دون وجود أي إخوة ذكور يتمكن من الاحتكاك بهم فأدخلاه مدرسةً لمخالطة أقران ذكور· مرّت تلك الحقبة بهدوء إلا أنه ظل مقتنعاً بأن حبه للتشبه بهن جاء من فرط افتتانه بالجنس الناعم· لم يكن يعلم إن كان ذلك بأمر غريزي يأتي حتى للأطفال أم أنها خصلة تعلمها من بيئته· كبر ليمتلك نقطة الضعف الفادحة تلك التي احتفظ بها في سريرته· بات يشعر بيوفوريا غريبة حين يجد نفسـه محاطاً بتلك الكائنات الملائكية الناعمة· تمنى لو يعتكف في معبدٍ حافلٍ بالنساء لا يفعل شيئاً في حياته إلا تقديسهن· يريد اكتشاف تضاريسهن· أن يضع علمه على كل واحدةٍ لم ينسبها رجلٌ إليه بعشقٍ أو اقتران· يريد أن يتتبع استراتيجية البريطانيين تلك في فترة سطوع إمبراطوريتهم، حين ذهبوا إلى بلدان لا تفهم معنى الحدود، وأسماء الدول ليضعوا عليها أعلامهم وينسبوها إلى امبراطورية الشمس· يريد أن يكوّن هو امبراطوريته العظمى التي يحصد فيها قلوب النساء وأجسادهن· لا يبحث عن تضاريس أجسادهن فحسب، بل يريد التعرف على عقولهن· على ماضيهن وكيف كانت طفولتهن· وإن كن عوملن بالرقّة التي يستحققنها أم حرمن من نعمة الدلال· إن كنّ خجولات منطويات على أنفسهن أم مشاغبات مدمّرات لما حولهن· يريد أن يعرف إن وقعن في حب شخصٍ بصمت، أم أنهن قد ثرن على الصمت وعبّرن عما يخالجهن في محاولةٍ مستميتة للحصول على فتى أحلامهن· يهوى معرفة أحلامهن وخططهن المستقبلية، يريد ويريد· وإن لم تمانع إحداهن في خوص تجربة جسديّة فلن يمانع بذلك، فهو رجل مصنوعٌ من دمٍ ولحم ولا يستطيع نكران ذلك·
 
لا يعرف إن كان القحط والقيظ قد أتلفا رأسه كما يحدث مع عدد من الرجال في هذه البقعة المتصحرة من الأرض، فارتفاع درجة الحرارة يسبب غلياناً في العروق· وكل من يسكن أرضاً مرتفعة الحرارة يغلي ويثور· بات الناس هنا محمومون تتحكم فيهم العاطفة قبل أي شيء· تختفي الموضوعية ليجد المرء أمامه من يشتعل غضباً كل يوم، ليولد البعض ممن يستعد للذهاب إلى رحلةٍ انتحارية متبعاً قائداً أخبره بأن تلك الرحلة تؤدي إلى طريق الحور العين، ويولد آخرون ممن فضلوا أن يتعقبوا أقدام النساء في الأرض بهوسٍ غير طبيعي، وبرغبة في معرفة ما يخفى تحت التستر والعباءة· كل ذلك الحرّ والرطوبة الممتزجين بالانغلاق وحجب المرأة جعلاها كتلة متحرّكة من الإثارة· يشعر أحياناً بنفسه كشخصٍ بغيض لا ينتمي إلا لحثالة القوم· يحاول استخدام وسائل ملتوية ليصطاد النساء، لكن كل ما يريده هو التحدث إليهن· ربما يكون قد وقع في الحب لمرة أو لمرتين· وربما لم يشعر بذلك بسبب ذلك التدفق الجنوني المحموم الذي يغمره ويدفعه للبحث عن أخريات ليجدّد رغبته في الاستكشاف· قد يكون اشتعاله ذلك جزءاً من تركيبته الجينية العربية لأن هوسه بالمرأة يعود به إلى طفولته· ويدرك أن كل ما كان يفعله وهو أصغر ناتج عن حبه العميق للنساء· يضحك بسخرية وهو يلحظ أنه عاد إلى تحليل نفسه بتلك الطريقة الفرويدية القلقة· يسكب على جسده نصف قارورة عطر وهو يطمح لأن يصطاد فريسته الجديدة· يبتسم حتى تظهر نواجذه وهو يتخيل نفسه يرمي بشباكه فيحصل عليها·
 
تعلن رنيم وصولها باتصال هاتفي· يخبرها وهو يتجه إلى حديقة المنزل بصوتٍ يحاول أن يظهره لا مبالياً بأنّ الباب الخارجي مفتوح وبإمكانها الدخول· يسمع ضحكتها العصبية فيرتعد بظفر وهو يجس نبض قلقها وشعورها الآثم بارتكاب خطيئة لمجرد زيارته· يصله صوتها وهي تطلب من سائقها الانتظار· تقف للحظات خارج منزله وكأنها لا تزال مترددة ثم يسمع صوت الباب يفتح لتتجاوز سور منزله·
Page 6
تصيح بذعر وهي تجده يقف منتظراً في حديقة منزله بابتسامة متسعة وبثياب بسيطة مكونة من قميصٍ أزرق وجينز يماثله في اللون· كان قد حرص أن يبقي شعره أشعث متناثراً وكأنه استيقظ للتو من نومه حتى لا يظهر لها اهتمامه بتلك الزيارة· لم يكن يسكن في منزلٍ منفصل عن أسرته، حرص والداه على إبقائه تحت كنفهما كونه الابن الوحيد حتى يتزوج ويستقل بأسرته الجديدة· لم يكن يمانع ذلك، فهو قادر على فعل أي شيء في القسم المنفصل من المنزل الذي صممّاه خصيصاً حتى لا يشعر بالنفور باقترابه منهما· كان كل ما تتمناه والدته هو أن تتمكن من تفقده مرّة في اليوم لاحتضانه والاطمئنان عليه· تهرع كل يوم إلى جناحه المنزوي في الوقت الذي يعود فيه من دوامه، وتحرص على أن تصيح بالخادمة لتطلب منها إعداد المائدة للجلوس على طاولة الطعام كعائلة سعيدة· لا يشعر وكأن أخواته الثلاث كن يعشن في هذا المنزل؛ فقد كان انتقالهن إلى منازل أزواجهن طبيعياً هادئاً· ولم تظهر على والدته أي دلالة على الاستياء والضيق· كان هو نجم الأسرة بلا منازع· أخبره والداه بقبولهما دعوة عشاء أحد الأصدقاء وبأنهما سيتأخران في الخارج· يتشكك في صدقهما خصوصاً وأنهما يختلسان يوم الحب كل عامٍ للخروج لقضاء وقتٍ عاطفي يتذكران فيه أيام عشقهما السابقة· يبتسم بمكرٍ في كل مرّة يرقب فيها احمرار وجنتي والدته حين يسألها إن كانا بالفعل سيزوران أحد الأصدقاء· لا يعلم لماذا لم يصبح مثلهما، رجلاً عاشقاً يجد شريكة لحياته كما فعل والداه اللذان قضيا سوياً ما يزيد على الثلاثين عاماً دون كدر· كل ما يريده في تلك اللحظات هو أن يلقي بشباك سحره على فريسته لتقع في غرامه ثم يعتذر لها ويبوح بأنه يشعر بالملل مرةً أخرى· تصعد خلفه السلالم وهي تتعثر بعباءتها التي شعر بها كقطعة قماش ثقيلة مزعجة· يتجاوزان بهواً متسعاً وصالة جانبية ويتجهان إلى جناحه الخاص· يشعر بنظراتها الزائغة وكأنها تتأمل كهفاً غائراً حرص على تجسيده بطلاء جدران الحجرة بلون أزرق داكن وتقسيمها إلى قسمين، قسم يحوي أريكة ومكتبة وتلفازاً وعدداً كبيراً من الأفلام والأغاني، وقسم آخر يحوي سريراً ومنضدة وحماماً خاصاً· يلحظ محاولاتها تجاهل السرير والنظر إلى الأريكة المتسعة وكأنها تجد فيها ملاذها· يرقب طريدته بابتسامة من يشعر بالتسلية ويطلب منها أن تعطيه عباءتها وهو يقول بصوتٍ مرتفع فكاهي: حيّاك الله يا رنيم· يشير لها بالجلوس على الأريكة ثم يتصل بالخادمة ليطلب منها إحضار العصير فالقهوة· تختار الجلوس في الركن القصي لتبتعد عنه، يبتسم ويتجاهل ذلك ويجلس إلى جانبها بارتياح· يقول محاولاً كسر القلق المتجلّد: أرأيتِ؟ ليس لديّ أي نيّة في استغلالك أو حتى اغتصابك·
 
تضحك بعصبية ويحمرّ وجهها وهو يتلفّظ بما كانت تجزع منه· يجلس إلى جانبها متجاهلاً النظر إلى جسدها· تبدو كإحدى الفتيات اللاتي قضين حياتهن وهن يستمعن إلى تلك الأفكار المسمومة، التي تذكرها برهاب الأماكن المغلقة التي ينزوي فيها رجلٌ وامرأةٌ وحدهما· لم يكن هو ملاكاً فقد حوت تلك الغرفة قصصاً مغمورةً بالعشق واللذّة مع عددٍ لا بأس به من النّساء· لكنّه لم يرغم إحداهن على ارتكاب ما ترفضه· يعشق أن يرمي لهن بنظراتٍ غير مبالية تدفعهن للارتماء على صدره والتوسّل بأن يلتهمهن ويعطيهن شيئاً من الاهتمام الذي يفتقدنه في حياتهن· يبدو عليها وكأنها ستكون فريسةً صعبة المنال· يعشق ذلك النوع من النساء شبه المستحيل، ويهوى الإيقاع به ليدرجه في دفتر مذكراته الذي يطمح أن يقوم بنشره حين تتغضن ملامحه ليكتسب شهرة عالمية بما كان يفعله في شبابه· لن يحاول إغواءها في تلك الليلة، لن يحاول حتى تظهر له استعدادها وإن تطلّب ذلك منه وقتاً طويلاً، فهو ليس على عجلةٍ من أمره·
 
تتجه إلى مكتبته باهتمام، وحين تنظر إلى العدد القليل من الكتب تهتف ضاحكة: لكم أرثي لحال مكتبتك· يجيبها بتململ: أنا يا سيدتي رجلٌ لا يعترف بالكتب القديمة وأجد أن من يكتبها شخصٌ لا يعرف شيئاً من هذه الحياة خارج أسوار منزله· أفضل الصحف، وقراءة الأخبار الطازجة المنعشة دون استطراد وتفلسف· لا أقرأ من الكتب إلا ما يعينني على عملي بين تارةٍ وأخرى·
 
يسمع طرقاً خفيفاً على الباب، يغمغم: لا بدّ أنه العصير أو القهوة· يشير لها بإصبعه بأن تلتزم الصمت ثم يفتح طرف الباب ويأخذ صينيةً محملةً بالعصير والقهوة·
 
يسألها بفكاهة: قهوة أم عصير؟ من الأفضل أن تشربي القهوة أولاً قبل أن تبرد·
Page 7
دانة
 
تضع دانة أمامها ورقة بيضاء فارغة تحدّق فيها بتمعّنٍ عجيب وكأنها تقرأ فيها قدرها الذي لم يكتب بعد· تقرّب من أرنبة أنفها نظّارةً حرصت على إخفائها عن أي مخلوقٍ غيرها لتقنعهم بكمال بصرها· تعكف بجديةٍ على رسم جدولٍ تقسّم خاناته ما بين الاسم والعمر والوظيفة والمواصفات والمميزات· تكتب بإمعان قائمة أسماءٍ ذكوريّة·
 
خالد· 82 عاماً·· مصرفي·· وسيم الملامح·· يبدو عليه أن لديه خبرة تجاه الجنس الناعم·· لكنّه لا يظهر أي بوادر تفكيرٍ بالارتباط وكأنه وقّع على تعاهدٍ مع الشيطان ليلبّي رغبات جسده وينسى قلبه·
 
أحمد· 23 عاماً وهو عمر مناسب لأن الثلاثيني يبحث عن الاستقرار بعد أن ملّ المراوغة·· مدرّس لغة إنجليزية·· مرهف الأحاسيس يذبل كلما استمع إلى صوتها·· طموحه محدود·· ومستقبله باهت·
 
تحكّ صدغها وكأنّها تحاول أن تتخذ قراراً بشأنه قبل أن تكتب بين قوسين (مرشّح لأن يكون عريس الغفلة، إلاّ أنه اعتيادي مملّ في كل شؤوونه·)
 
حامد·· أربعين عاماً· مطلّق ولديه ابنتان· يعمل إدارياً في إحدى الشركات المغمورة·
 
لا بد أن أي شخصٍ سيصاب بالاندهاش حين يلحظ أنها أدرجت هذا الرجل ضمن قائمة الشبّان المناسبين للارتباط· وضعته لأنها بدأت تقلق من تقدّمها في السن· صحيح أنها ما تزال في الثامنة والعشرين، لكنها أوشكت على مقاربة الثلاثين من العمر وليس بإمكانها أن تزحف إلى الوراء مهما حاولت·
 
لم تكن دانة قبيحة، إلا أن مواصفاتها اختلفت عن تلك التي يحلم بها كل شاب ولد في ذلك المجتمع الذكوري، الذي يدفعه للشعور بأنّه امتلك الحياة بقبضة يده حتى وإن كانت مواصفاته غير متميزة· وكأنهم اتفقوا جميعاً أن يوحّدوا مواصفات الفتاة المنشودة لتكون فتاةً نحيلة ناصعة البياض، ويفضّل أن تكون ناعمة هشّة تشعره برجولته من خلال جسدها النحيل أو شخصيتها المتقهقرة· خالفت دانة كل تلك المواصفات وثارت عليها باحتجاجٍ منذ أن ولدت ببشرتها السمراء، لم تكن تلك السمرة داكنة إلا أنها تعارضت مع المواصفات التقليدية للبشرة ناصعة البياض· هي أيضاً قصيرة بعض الشيء وممتلئة الجسد ذات شعر أسود أجعد يتناثر على كتفيها دون اكتراث· لكنها لم تكن تعتقد أن ملامحها هي ما جعلت شبّان عائلتها ومعارف أسرتها يعزفون عن التقدّم لزواجها· كان ما يخيفهم شخصيتها المتوهّجة، والتي تظهر من خلال صوتها الحادّ وقهقهتها الثائرة على التقاليد، وعينيها المتقدتين اللتين لا تتوانيان عن النظر مباشرة إلى الرجل أمامها دون ارتباك· أعلنت منذ الصغر تمرّدها على العالم الخارجي، خصوصاً بعد أن اقتنعت وهي تتأمل قريناتها في صفوف الدراسة بأنها أقلّ لفتاً للنظر، وأن عليها أن تكافح جاهدةً لتحصل على ما تريد، ظل أسرة حميمية تسبغ عليها حنانها وتقطّع أوردتها لتسقي زوجها وأولادها إن اضطرت لذلك·
 
لم تكشف خطتها التي اتخذتها لمحاولة اصطياد رجلٍ في شباكها إلاّ لصديقة واحدة مقرّبة منها هي رنيم، كانت تعلم بأن الجميع سيعترضون على هوسها المستمر في الحصول على زوجٍ مستقبلي، ومن ضمنهم صديقتها· لم تكن تكترث لآرائهم· أرادت فقط أن تحقّق هدفها قبل أن تدخل عامها الثلاثين الذي تعتبره خطّها الأحمر الذي سيصفّر منذراً لها بأنها على وشك الوصول إلى مرحلةٍ عمريّةٍ جديدة، ستعتبرها مقفرة إن كانت خاليةً من ظل أي رجل·
 
حين أخبرت رنيم بخطتها وبدفترها الذي تخفيه بحرص وتكتب في كل خانة من خاناته وصفاً مفصلاً لأنواع أصدقائها الذين تعرّفت عليهم، وطرق تعرّفها عليهم ومستوياتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية، حملقت فيها رنيم باستنكار وأخبرتها بأنها أصيبت بجنونٍ مؤقت· ضحكت وهي تتخيّل مديرها في العمل يكتشف دفترها الصغير ويخبرها بأنها لو بذلت ربع ذلك المجهود الذي قد يضيع هدراً من دون نتيجة، لو بذلته في عملها لاستبدلت كل خطابات الإنذار تلك التي حصلت عليها جرّاء لا مبالاتها بخطابات تقدير تزيّن بها مكتبها· حين أخبرت رنيم خطتها سألتها بفضول كيف بإمكانها أن توفّق بين ذلك العدد غير المتناهي من المعارف، ونصحتها بأن تحاول التعرّف على كل شخصيةٍ على حدة لتتعرّف عليها بطريقةٍ أفضل· ربما كانت تلك الطريقة هي الأفضل لفتاةٍ لا تزال في المرحلة الجامعية تتغنّج وتضع أمامها خيارات عدّة، إلاّ أنها وقد وجدت بأنها تتقدّم في العمر دون استقطاب من يناسبها آمنت بأن عليها اختيار طرقٍ غير تقليديّة· لا تشعر بالرثاء لنفسها ولا تصم نفسها بمن اختبل عقلها· ففي هذا الزمن الذي لا تبحث فيه الأمهات والخاطبات سوى عن فتاة رشيقة بيضاء، ماذا ستفعل السمراوات البدينات القصيرات ذوات الشعر الأجعد؟ لا تريد أن تجلس منتظرةً نصيباً مؤجلاً لن يأتي إلا إن كان لبقايا لرجلٍ رفضته النساء الحسناوات· لم تساعدها والدتها في أي شيء من ذلك فهي امراةٌ هلامية هادئة اعتزلت العالم والتصقت بظل زوجها من دون حضورٍ للمناسبات والاحتفالات· تشعر الآن بأنها أوشكت على النجاح، فلديها في قائمتها ما يزيد على الثلاثة شبّان ممن يرغبون في الاقتران بها· لن تعطي لأي منهم كلمةً نهائية حتى تتمكن من تمحيصهم، ولتبعد عن نفسها أي حرجٍ فيما لا تزال تفعل· تؤمن بأنها إن لم تتم قراءة فاتحتها بعد على أي واحد منهم فإنها لا تزال خالية القلب؛ إذ ليس لديها أي عصفورٍ في حجرها ولن تحسب أي عصفور يتكئ على الشجرة المجاورة قبل أن تلتقطه وتتأكد من أنه سيبقى في يدها·
Page 8
تعلم أن سبلها هذه خالية من أي عاطفة، وبأنها تلتزم بخطط عقلانية لا تنمّ إلا عن تشكك في المحصلة النهائية· تحاول إيجاد البديل ثم البديل ثم البديل· انتهى زمن الأحلام الوردية، وهي إن سمعت بأن هناك شاباً في هذه الأيام يحتضن صورة حبيبته ويبكي في الليل لانفجرت ضاحكة واتهمته بالعته· فبعد أن حصلت البشرية على كل وسائل الاتصال تلك من هاتف وبريد إلكتروني ودردشة إلكترونية تدمّرت كل رومانسية الأزمنة الغابرة· فالحرمان الذي كان يشعر به العاشق في السابق، وهو يتحرق إلى رسالة من معشوقته لم يعد موجوداً· لم يعد الرجل بحاجة إلى خصلة من شعر حبيبته فهي أمامه وفي استطاعته تنشق شعرها كلما أحسّ برغبة في ذلك· وجود الشيء الذي يريده المرء أمامه يجعله يملّ منه، والرجل قد أضحى مصاباً بالخيبة؛ فهو لا يزال يعتقد بأنه صيّاد يحاول اصطياد فريسته، أما الفريسة فلم تعد تجري خائفة بل أصبحت تنظر إليه عن قرب بتحدًّ جائر يدفع به إلى محاولة الهرب بهلع وتعجّب· تضحك حين تتذكّر نظرة رنيم المتشككة لها في كل مرة تذكر لها اسم شاب بوله وحبور، وتصف لها كيف سيعيشا معاً حياة أبدية· تعلم أنها تمتلك قدرة هائلة على تغيير مشاعرها حسب تموجات الحياة والإيمان بشخصٍ جديد عقب كل محاولاتها الفاشلة في البحث عن السعادة في أحضان من يرغب بها ويقدّرها· لا تريد أن تفقد ذلك الأمل الذي يعطي لحياتها قيمةً وسبباً لأن تعيشها· لم تكن امرأة تحمل شخصية حديدية كما قد يعتقد البعض؛ فهي لا تستطيع أن تنفي تألمها في حال فشلت إحدى القصص التي مرّت بها وحاولت تصديقها· تشعر بنفسها وكأنها تقطّع شرايينها بسكّين لترقب قطرات دمها تنسكب بتلذّذٍ مازوشي غريب·
 
على الرغم من استنكار رنيم لأفعالها فهي تدرك بأنها في قرارة نفسها تخفي توسلات يائسة في الوقوع في عشقٍ لا تفيق منه أبدا· توقن بأن تلك الفتاة الهادئة الغارقة في أفكارها وأخيلتها طوال الوقت تخفي احتياجاً للرجل، وأملاً في أن تجد من ينتشلها من وحدتها· تتستر صديقتها خلف عباءة تحرّر المرأة والاستقلالية· الاثنتان خائبتان في مجال العشق، والاثنتان تتمنيان الحصول على الرجل المستحيل· هي تثور وتصيح وتخبر غيرها بأنها تتوق إلى ارتداء ثوب الزفاف، ولا تعرف لماذا أصبح البوح بذلك الحلم مخجلاً، فهي حين تقترب منها أي امرأةٍ طاعنة في السن لتدعو لها بالزواج ترفع يدها بطريقة دراماتيكية حماسية وتصيح: يا رب
 
تريد دانة أن تستبدل ذلك البرد القارس الذي تشعر فيه كلما عادت من عملها إلى منزلها الكئيب· والداها قد استحالا إلى شبحين منعدمي اللون· أما والدها فمنعزل يعتكف في البيت منذ تقاعده من السلك العسكري، وكأن حياته قد انتهت بفروغه من ذلك· وأما والدتها فدائمة الانطواء ترفض مقابلة كل من يعيش خارج نطاق زوجها وأولادها دون تمييز· قرّر الوالدان بعد أن عجنتهما الحياة أن يستقلاّ في الطابق العلوي· لا تسمع هي من ذلك الطابق إلا صوت التلفاز الذي يصيح معترضاً على الصمت ليبوح بآخر نشرة إخبارية؛ أو يقوم بتمثيل أحد المسلسلات العربية المكرّرة· لم تعترض على كل ذلك الهدوء فقد عشقت التغير المفاجئ الذي أصاب والدها، بعد أن كان رجلاً يحاول أن يفرد عضلاته المفتولة على أسرته بصياحه المتكرر وأوامره بعدم الخروج من المنزل إلا عند الاحتياج إلى ذلك· بات كهلاً دائم الانزواء والاكتآب· لم ترغب، في أي يوم، أن تحاول الاقتراب منه فهي تتذكر نزاعها الأزلي معه كلما حاولت التوسّل لزيارة إحدى صديقاتها أو الخروج إلى مقهى مع الزميلات·
 
لم يتوانَ في السابق عن صفعها أو الصياح بها بأن ما تحاول اقترافه، حتى وإن كان خروجاً بريئاً مع الأخريات، يعدّ جريمة في عرف عائلته، وطريقاً إلى الانحراف والتعرّف على الشبّان الذين لا يريدون إلا استهلاكها وعجنها ثم إلقاءها في أي سلّة مهملات جانبية·
 
على الرغم من أن والدها كان يريد من أخيها حازم، كونه الابن الوحيد، أن يصبح طاغياً متجبراً كما كان هو قبيل تقاعده إلا أنه كان دائم الهدوء والتكتم، وكأنه أضحى الضحية الثانية بعد والدتها لصياح والدها ومحاولاته أن يضع القوانين ثم القوانين التي كان يعتقد أنها ستدفع بهم إلى الالتزام ومن ثم النجاح· كان حازم يجرّ قدميه خلفه ببطء كشخصٍ متشكّك يسائل نفسه إن كان يجدر به السير قدماً أو التقهقر إلى الوراء· لم تشعر في أي يومٍ أن لديها أخاً تستطيع أن تحدّثه بما يخالجها من أحاسيس· كان كلما باحت له باستيائها من تصرفات والديها يرمقها بتعجّب، وكأنه لا يشعر بما تشتكي منه· لم تكن تعلم إن كان فقط لا يكترث لما يحدث حوله أم أنّه موقن بأنه لن يتمكن من تغيير طابع والديه ومسلّم بذلك· تمنّت لو تستطيع أن تستشف ما في عقله· كان حانياً عليها يسألها عن دراستها وعملها ويقوم بنصحها، إلا أنه يحيط نفسه بحاجزٍ غريب لا تستطيع أن تزيله· حتى حينما تشككت في أنه يشعر بنوعٍ من الإعجاب بصديقتها، لم تتمكن من أن تسأله عن طبيعة ما يشعر به· كانت تلحظ شغفه بقدوم رنيم ومحاولاته المستميتة في أن يتردد إلى حجرتها في ذلك الوقت الذي تزورها فيه؛ ليتحجج ويسألها عن أي شيء لا يمتّ للأهمية بصلة· كانت تشعر بالتسلية وهي تلحظ ارتباكه الممتزج بالخجل، وكأنها اكتشفت لأول مرّة سرّاً لأخيها الدائم التحفظ· لكنها لم تشعر بالرضى عن تلك الأحاسيس بل بشيءٍ من الغيرة من صديقتها التي لم تلحظ إعجابه بها، وبقامتها الممشوقة، وبشرتها البيضاء المشربة باللون الزهري البديع· قرّرت أن تتجاهل كل ذلك وهي متوقنة من أنّه لن يتصرّف ولن يدافع عن أحاسيسه· لكنها في قرارة نفسها متأكدة من أنها ستساعده إن طلب منها ذلك·
Page 9
تمنّت فقط أن يحبس مشاعره حتى تستطيع هي أن تحصل على فتى أحلامها أولاً· ستشعر بغيرةٍ شديدة إن تمكن شخصٌ جديد من الحصول على العشق قبلها، خصوصاً بعد كل محاولاتها المستميتة تلك في الحصول على ما تريد· لا تشعر بأنه قادر على استبدال أحلام يقظته إلى حقيقة· فقد ورث شخصية والدته الهشّة الهادئة· أما هي فقد ورثت ثورة والدها وغليانه الذي إن كان قد ركّز في شخصية كل من ابنه وابنته لأدرك بأن ما أراده لحازم قد اكتسبته دانة، الشاة السوداء الدائمة الصياح في تلك الأسرة· أعلنت منذ صغرها تمرّدها على الصمت المطبق، وتخلّت عن تأتأة الخجل لتسابق نفسها في التعرّف على أكبر عددٍ من الصديقات والأصدقاء· كانت تسمع عبارة لا تفعلي ذلك فيحاول عقلها ترجمة ذلك إلى عبارة: افعلي ذلك، فتنفذّه دون تردّد· تتمنى لو كان يعلم بأن أفعاله تلك دفعتها لأن تعلن تمرّداً غاضباً على سلطته المتجبّرة· بأنّه لم يتمكن من تهشيم شخصيتها القويّة بمحاولاته البائسة بحبسها، والدته هي الوحيدة التي حبست نفسها في الدور العلوي معه كهيكل عظمي هش· تمكن من تحطيم أحلامها حين تزوجها وهي صغيرة، واستطاع أن ينفث فيها كل عقده النفسية بتجريحها لفظياً· تجزم دانة أحياناً بأنه قام بإيذاء والدتها جسدياً حين لم تكن هي وحازم يريان ذلك ليكون تنفيذه للإحباط النفسي متكاملاً· أعلنت دانة في قرارة نفسها بأنها ستفعل كل ما يرفضه لمجرّد معاندته· استبدلت رغبتها في الخروج في بادئ الأمر إلى دعوة صديقاتها كافة إلى منزلها· أصبح منزلها أشبه ببهو استقبال في أحد الفنادق الفارهة الذي لا يخلو في أي يوم من وجود أي زوّار· قامت بدعوة صديقاتها المقربات، على الرغم من انشغالها بعملها اليومي· جعلتهن يشعرن وكأنهن في منزلهن، حتى إن شعرن في الجوع ذهبن إلى المطبخ لإعداد القهوة أو أي وجبةٍ خفيفة·
 
تمكّنت أن تكسر قانون والدها الذي كان يخشى أن تتعرف على شبّان منحرفين وهي جالسة في منزلها· تمكنت من أن تنقل حكاياها الشهرزادية إلى مخدعها تحصد وتزرع علاقات متآكلة شائكة، تارةً من خلال هاتفها الخلوي، وتارةً أخرى من خلال حاسوبها الإلكتروني· وصل بها جنونها إلى درجة أنها في أحد الأيام قرّرت أن تدعو أحد أصدقائها إلى منزلها· كان ذلك في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وكانت قد أعلنت لسامي تضجرها من روتينها اليومي الفاتر· قهقه وسألها إن كان بإمكانها زيارته فأخبرته بأن عائلتها قد أقامت لها حجراً دائماً حتى تتزوج· صاحت وسألته ساعتئذٍ إن كان بإمكانه زيارتها في منزلها فأفراد أسرتها يغطّون في نومٍ عميق· وبعد أن حرص على أن يقوم بإيقاف سيارته في منزلٍ جانبي آخر فتحت له الباب بحذر وقرّبت إصبعها من شفتيها لتأمره بأن يلتزم الصمت· تسلّل على أطراف أصابعه إلى منزلها، وحاولت أن تكتم قهقهتها وهي تراه مرتبكاً متأثراً بالقصص العديدة التي حكتها عن والدها أيّام جبروته ومنصبه العسكري المتعاظم· أدخلته حجرتها فتمدّد على سريرها وتنهّد بارتياح· جلست إلى جانبه وطفقا يتحدثان وهما يحدقان في بعضهما البعض كطفلين حبورين· بعد مرور نصف ساعة سمعت طرقاً هادئاً على بابها· ولولت بذعر وحملق هو بها وقد اصفرّ وجهه· أخبرته بأن يختبئ داخل خزانة ثيابها، وفتحت الباب بعد أن حاولت أن تتظاهر بالنوم· وجدت أمامها شبح والدتها يحملق بها· وصلها صوتها متكسراً وكأنها تحاول طرد الأغبرة التي احتلّت حنجرتها بسبب صمتها الطويل: لقد رأيتكما تصعدان سوياً··، تجمّدت أطراف دانة وشعرت بلسانها ينعقد ليخرسها· استمرّ صوت والدتها الهادئ يتردد بآلية ودون تهدّج: اطلبي منه مغادرة المنزل فوراً قبل أن يكتشف والدك أو أخوكِ ما اقترفته فيقتلاكما·، غادرت والدتها حجرتها بعد أن رمقتها بنظرة متقزّزة·
 
وبعد أن أخرجت هي سامي من خزانتها وقد طفق يشهق مذعوراً، غادر المنزل وجلست هي في مخدعها تحاول أن تمنع نبضات قلبها من أن تخلعه· كانت تخشى أن تخبر والدتها ذلك الوحش الذي يقطن الطابق العلوي، فهي لا تخبئ عنه أي سرّ· لكن تلك الليلة مرّت بسلام، وذلك الأسبوع مرّ بسلام هو الآخر، وتبعه الشهر والعام· واطمأنت هي لإخفاء والدتها تلك الحقيقة· على الرغم من أنها قامت بتجاهلها وعدم الرد على سلامها لفترة طويلة، وكأنها تلومها على إجبارها التزام الكذب أمام شريك حياتها الذي جعلها أسيرةً له طوال حياتها· لم تكرّر دانة فعلتها تلك مرةً أخرى، فهي لا تستطيع أن تزيل من ذاكرتها تلك النظرة التي رمقتها بها والدتها وكأنها اقترفت خطيئةً لا تغتفر حتى نهاية حياتها· لم يكن منزلها المتنفس الوحيد، فقد تمكنت من اختلاس سويعات من النهار في أثناء دوامها الجامعي للخروج مع صديقاتها أو مقابلة أحد أصدقائها خارج الحرم الجامعي· وتمكنت بعد ذلك أثناء عملها من الاستئذان مبكراً أو الخروج في الصباح الباكر للإفطار مع أي شخصٍ ترغب في مقابلته في ذلك الوقت·
 
يهاتفها خالد المصرفي الوسيم اللعوب ويهمس لها باشتياقه لها ورغبته في رؤيتها، فتجيبه بصوتٍ أمعنت في محاولتها لجعله أنثوياً ناعماً: أعتذر، تعلم أن والدي يمنعني من مبارحة المنزل· أنا لا أخرج من المنزل وحدي إلا إلى العمل· لكم أشعر بالرغبة في ملاقاتك لكنني لا أستطيع·
 
تبتسم بمكر وهي تحاول أن تستمر في تنفيذ خطتها لتظهر أمامه كشابّةٍ خجولة قادمة من أسرة محافظة، كسرت قوانينها بمجرّد حديثها معه· تعرف ماذا سيقول لها بعد ذلك· وتدرك بأنها ستتوصل معه إلى حلّ أوسط، وهو أن تذهب هي إلى السوق مع والدتها أو مع إحدى صديقاتها ثم تخبره أين هي ذاهبة ليتأملها هو من بعيد دون أن يظفر بها·
Page 10
سهى
 
حين كانت طفلة صغيرة يسألها والداها ماذا تحلم أن تصبح حين تكبر، كانت تجيب بإصرارٍ وبنظرةٍ حالمة وقد شرد ذهنها وهي تتخيّل نفسها كبرت وحقّقت ما تصبو إليه بعبارة بريئة: أريد أن أصبح ملكة·، لا تتذكر ملامح الاندهاش التي انطبعت على وجهي والديها حين أخبرتهما بطموحها المزمن، لكنهما لا يفتآن يذكران تلك العبارة وكأنها طرفة أقلعت عن التفكير فيها حين كبرت· لم تتوقف عن الحلم في أن تعتلي عرشاً ذهبياً· حتى بعد أن نضجت وأصبحت واعية بأن تلك الأفلام المتحركة التي أدمنت عليها في طفولتها، والتي تتحدث عن فارس الأحلام الذي سيختطفها على صهوة الجواد، مجرد أوهام· استمرّت في أحلامها في أنها ستصبح ذات يوم امرأة ذات شأن، وأنها ستسعى إلى تغيير العالم بطرقها الخاصة· تشعر بأنها تشبه الأميرة النائمة وبياض الثلج بأنوثتها الطاغية وبشرتها الناصعة· لطالما شعرت بأن زميلاتها في مقاعد الدراسة يرمقنها بنظرات حاسدة، فتحاول تجاهلهن ومقاومة الابتسام بغرور· واجهت بدايةً مشكلة في التعرّف على الصديقات، حتى إنّها سمعت أن العديد من زميلاتها يتهامسن من ورائها بأنها نرجسية لا تفكّر إلاّ في نفسها، إلاّ أنّها بعد فترة انتصرت على الأخريات، وكوّنت لها مملكتها التي تدعو إليها من تشاء من وصيفات ورعايا فيقبلن بحبور· قرّرت سهى اللّيلة أن تفاجئ الجميع بحفلة لم تخبرهن عن سببها، تريد فيها أن تعلن على الملأ خبر خطوبتها ثم تزفّ وهي تنزل الدرج الفاره لمنزلها وقد تناثرت الشموع في طرفي الدرج ليتألّق وجهها بمساحيق تجميل وضعتها أنامل خبيرة مكياج محترفة· ستضع على جسدها ذلك الثوب الخمري الذي خبأته في خزانتها منذ أشهر عدّة، سارعت لشرائه فور سماعها من والدها رغبة عامر ابن صديقه المقرّب عزيز في الاقتران بها·
 
لم تكن تكترث للعريس، كان مجرّد أداة ستستخدمها لتتباهى بظفرها بشابٍّ وسيم ناجح في عمله· تظاهرت بافتتانها فيه حتى صدّقت ذلك الادّعاء وسبحت في عالم أخّاذ انتشلها من واقعها لتشعر وكأنّها في حالة حبّ ليس معه، ولكن مع طيفه الذي يعكس فتنتها وسحرها هي· لكم أرادت أن تصبح للأغاني التي تستمع إليها في الخفاء معان تنعكس على حياتها الخاصّة· لم تتحدث كثيراً مع عامر في تلك اللقاءات التي نظمها والدها ووالد خطيبها، فهي تتظاهر بالحياء والنظر إلى الأرض في محاولة للتهرّب من نهم عينيه، وكان هو دائم الهدوء يظهر رغبته في التهام جسدها، وفي تأملها طول الوقت، دون أن يتحدّث إليها ليبثّ لها همومه· لم تكن امرأةً خالية الوفاض فارغة العقل؛ فهي مثقفة مدمنة على القراءة مرّت بالعديد من التحوّرات في حياتها عاطفياً وثقافياً ودينياً، لكنّ خيباتها المتتالية في من حولها دفعتها للاستسلام للقدرية بعد أن آمنت بأن السير ضد التيّار لن يجلب لها أكثر من المتاعب· اقتنعت بأنه يستحيل عليها أن تعتمد على أي أحد غير نفسها، وأنّ محاولاتها لن تتحقق في كل مرّة لأن هناك عوامل خارجية ستحاول أن تثبط من عزيمتها· كل ذلك لا يعني أنها ستنزل من على عرشها لتتقهقر، إنها تتنازل فقط عن بعض قناعاتها التي لم تجد لها أيّ نفع مستقبلي· تتذكّر ابتداء قلقها الوجوديّ إثر تعثر علاقتها الأفلاطونية مع ابن جارها، حين لم تتجاوز هي السابعة عشرة· ابتدأت تلك القصّة حين انتقلت أسرة جديدة تحمل ثلاثة أبناء وطفلة صغيرة إلى المنزل المجاور لتفتتن هي بأكبرهم، الذي اكتشفت فيما بعد أنه يسمى فارس· كان شابّاً يافعاً لا يزال في العشرين من عمره يحاول أن يصبح مهندساً ميكانيكياً· أدمنت التلصّص من النافذة للنظر إليه، حتى إنّها أصبحت تعرف مواعيد ذهابه إلى الجامعة، وعرفت أنه شاب ملتزم يقيم صلواته في المسجد، وأصبحت تراقبه وهو يمشي في طريقه إلى مسجد الحيّ لصلاة المغرب في الوقت الذي يسير خلفه أخوه الأصغر· لم يتنبّه هو في البداية لاهتمامها به حتى لمحها أخوه الأصغر ذات يوم؛ فأصبح يجري ليوازي خطوات فارس ويهمس في أذنيه بما دفعه للنظر إليها والابتسام لتتقهقر هي بحياء وتغلق النّافذة·
 
تتابعت مواعيدهما فيما بعد، تختلس هي النظر إليه ويستدير هو لينظر إلى نافذتها في طريقه إلى الصلاة فلا يلمح إلا ظلّها· لم يحدث أي تغيير في تلك العلاقة عن بعد حتى تجرّع هو ذات يومٍ شجاعته ليقترب من سيارتها في طريق عودتها من المدرسة، معطياً للسائق قصاصة ورقة يطلب منه تسليمها لها· نظر إليها ذلك اليوم بتمعّن وكأنه يحاول التعرّف إلى تلك الحالمة صاحبة الظل المتسمّر خلف النّافذة· أخفت قصاصة الورق ذلك اليوم بين ثنايا كتبها ولم تفتحها حتى أوصدت باب مخدعها لترتمي على سريرها بحبور وتفتح تلك القصاصة· كتب بحروف كبيرة عبارة سحرتها على الرغم من بساطتها· إلى متى نلعب ألعوبة القط والفأر؟ أريد أن أرى ملامحك وأن أتحدّث إلى صوتك فقد قمتِ باحتلال كياني··، كتب في أسفل تلك القصاصة رقم هاتفه الخلوي· شعرت بيوفوريا بديعة دفعتها للدوران حول نفسها حتى شعرت بالدوار، وارتمت على الأرض وهي تحتضن تلك القصاصة· توالت بعذ ذلك أحداث وأحداث·
 
تتذكر كيف غمرهما انبهارٌ غريب وخجل وتأتأة كلما حاولا التحدّث وجهاً لوجه لأول مرة في مقهى منزوٍ· كان يتعمق في التبحّر في عينيها وكأنه يحاول قراءتهما بشجن وحميمية، بدا لها كطفلٍ صغير بريء يستتر خلف جسد شاب ضخم جذبها عنفوانه· كان انبهاراً يستحيل أن تعيشه مرة أخرى، من ذاك النوع الذي يجتاح أحاسيس المرء مرةً واحدة في حياته فيخضّه ويشلّ أفكاره كلّما سمع صوت الآخر· وصلا إلى مرحلة إدمان التحدث والبوح· تتذكر إحدى المكالمات التي تحدّاها فيها أن تتحدّث معه ليومٍ كامل دون مقاطعة، ضحكت وقتئذٍ وأخبرته بأنها أكبر ثرثارة من الممكن التحدّث معها· تسللت ذلك اليوم إلى حجرة المعيشة لاستلال الهاتف ثم وشوشته لتعبر عن أفكارها وآمالها· تحدّثت وتحدّثت معه لساعاتٍ غير محتسبة حتى شعرت بثمالة من فقد القدرة على النوم فبات متيقظاً مصاباً بالدوار·
 
تذكّرت كيف باغتتها والدتها وطرقت الباب مراراً وهي مندهشة حين رأتها تتحدث بالهاتف في الساعة التاسعة صباحاً، لم يتمكنا من التحدث ليومٍ كامل كما اتفقا لكنهما ضربا رقماً قياسياً في التناجي والتثرثر·